الفصل السابع

مضى على هذه الحال سنة كاملة والأيام غافلة عني، والليالي تعذِّبني، وكلما درج يومٌ مرٌ جاء يومٌ أمرُّ منه، وقد عمدت للانتحار مرارًا، ثم عدلت عنه خوفًا على لويزا أن تفعل كذلك.

على أن الأحزان ممَّا أرْدَمَتْ عليَّ أزْوَت زهرةَ شبابي، ونشَّفت ماء أهابي، وغادرتني ضعيفًا نحيلًا، لا أجد إلى السلوى سبيلًا، وكانت كتب لويزا تأتيني كل يوم مملوءة بالأخبار المحزنة والأنباء المُقلِقة، فيزداد شَجَني، ويشتد حزني، وكنت كلما نظرت إلى كتبها أرى أثر الدموع عليها، فيخفق قلبي، وتنسكب دموعي، وبلغ بي الضعف حتى غدوت لا أستطيع الوقوف والمشي، وأخذ مني التحول حتى غدوت حيًّا بصورة ميت أو ميتًا بصورة حي، فاعتزلت عن الأشغال، واستسلمت للأكدار والخيال.

•••

وفي ذات يوم، بينما كنت جالسًا في زاوية البيت أتنهَّد تنهُّد المطعون، والعبرات ملء الجفون، دخل درتيل عليَّ مسرعًا، ولما رآني تسابقت من عينيه العبرات، وغلبت عليه التنهُّدات والتأوُّهات، فقلت: ماذا يا درتيل أتبكي عليَّ قبل أن أموت؟ أم إنك رأيت عليَّ دلائل الموت، وحكمت أنني لا أكمل هذا النهار؟!

فقال: قد مات هنري يا مكسيم، قد مات هنري، وذهب تعبي سدًى، ولم يُفِدْه العلاج، وقد انقضَّتْ عليه المنيَّة مثل الصاعقة، وقبضت على روحه الطاهرة البريئة.

فلما سمعت هذا الخبر صِحْتُ صيحةً هزت البيت، وأزعجت الحي، وشبَّت النيران بين جوانحي شبوبًا هائلًا، وانسكبت الدموع من مُقَلي انسكابًا غريبًا، وكدتُ أنْ أقع على وجهي لولا خوفي من درتيل.

فقال: إن ريتا لما رأت ابنها ميتًا سكنت سكونًا تامًّا، وإني أخاف عليها أنْ تنتحر، فهلمَّ بنا نذهب إليها، لعلَّ وجودك عندها يعزِّيها.

وكانت السماء غائبة بغيوم كثيفة، تسير في أطراف الجواء ذهابًا وإيابًا، وكلما مرَّت دقيقة تتلبَّد هذه الغيوم وتسودُّ، وكان الهواء باردًا قارصًا يلْتطِم بالبيوت والأشجار بشدة مُخيفَة، فسِرْتُ مع درتيل تحت هذه السماء المهيبة. العين حائرة، والقوى خائرة، والمهجة طائرة حتى وصَلْنا بيت فركنباك فوَلَجْناه بسرعة، وكان الطفل مُوسَّدًا على سريره مُحاطًا بالزهور والرياحين، وكان فركنباك في غرفته يبكي، وكانت ريتا راكعة على سرير الميت تقبِّله وتودعه، أما أنا فجلست بجانبها، وجعلت أبكي وأتنهد، وأقبله مرَّةً بعد مرة، وأقول كلمات محزنة تُفتِّت الأكباد، ولْيتأمَّلِ القارئ هنا كيف كان موقفنا ساعتئذٍ؟ وكيف كانت أحزاننا وحسراتنا؛ لأن القلم يعجز عن وصف ذلك.

ولما كان العصر أتى إليَّ الخادم وقال: إنَّ مدام جونريت قد أتت من انجة الآن، وهي تحب أن تراك، فبادرت إليها، وقبَّلت يديها، ووقعت على قدميها، وقلت بصوتٍ حزين: أين لويزا؟ وكيف هي؟

فقالت: هي مريضة ولم يأذن لها الطبيب بالمجيء، وقد غدَتْ ضعيفة لا تعرفها إذا شاهدتها، وغاب جمالها، وضيَّع الهزالُ بهاءَها، وحسن تكوينها، وبعد تلك الزهوة أضحت لا تتكلم ولا تضحك، ثم أطرقت هنيهةً وقالت: أخذتُها بالأمس من يدها، وقلت لها: إني مسافرة إلى باريس لأرى ماذا حل بحبيبك مكسيم؟ وما صارت إليه أحواله، وقصدي أن أصلح بينه وبين ريتا، فيجب عليكِ أن تُسرِّي الأفكار عنك كي يعود إليك جمالك القديم ليراك به الحبيب، ثم ودعتها وسافرت.

– كنتُ أعلم يا سيدتي أن لي أمًّا واحدة تحبني، ولكني أرى اليوم أن لي اثنتين.

– يجب أن نتدبَّر الأمر بسرعة، وأظن ريتا لا تعارض أيضًا في زواجك.

فذكرت عندئذٍ كلام ريتا يوم قالت: إنك لا تتزوج بها ما دمتُ حية، وإنني أقتلك وأقتلها قبل أن تصل إليها.

•••

أي بنيَّ، لقد أتاك المنون سريعًا، فلبَّيْتَه مُطِيعًا، وقَضَيت رضيعًا. أي بني، ما سَلَّمْت حتى ودَّعت، وما أَفَقْتَ حتى هَجَعْت، ولم يكُحِّل الدهرُ عيني بمرآك حتى سلبني إياك، أتُراك يا ولدي سئمت البقاء، وكرهت الأحياء، فأزمعت سفرًا طويلًا، وابتغيت في غير هذه الدار مقيلًا، فإذا لاقيت وجه الله فقلْ اللهم اغفر ذنب والديَّ، فهما جنيا عليَّ.

هذه هي العبارات التي كنتُ أردِّدُها سرًّا حول سرير الميت، وكان مُوسَّدًا ومحاطًا بالأزهار والرياحين لابسًا ثوبًا أبيض من الحرير الناعم، وكان رأسه مُوسَّدًا مِخَدَّة من الحرير أيضًا محشوة بريش النعام.

ثم أتوا بالنعش، وكان من الصندل المُغشَّى بالنقوش المذهبة الجميلة، فاقترب درتيل من الطفل يشاء أنْ يضعه في النعش فنظرت إليه ريتا نظرًا مُخِيفًا، وقالت: دع هذا الأمر عنك، فأنا أحق به من سواي.

ثم أخذت الميت كما كانت تأخذه يوم كان حيًّا وقبَّلته قُبَلًا تشفُّ عن فؤاد حزين ثاكِل، وقالت: هذه آخر قبلة يا ولدي المحبوب، وهذه آخر نظرة تتذوَّدها أمك الثَّكْلى، وهذه آخر مرة تضمُّك إلى صدرها المُتقِد الولهان، ووضعته في النعش، وجعلت المخدة تحت رأسه، كأنها خافت أنْ يناله ألم، ثم فرشت الأزهار على رأسه وصدره، وقالت: أهذه هي النومة الأخيرة أم أراك أيضًا يا ولدي؟ أي بُنِيَّ أستودعك جماد القبور، وما كنت أرضى لك مقامًا غير الصدور، أوَتوسَّدُ التراب والعظام! وما كنت أرضى لك وسادة ريش النعام:

أتفجعني يا ابني وأنت سعادتي
فيا مُثْكلًا قلبي إلى أين مزمع
وما كنتُ أرْجُو أنْ تكونَ مُفارِقي
وما كنتُ أرْجُو أنْ أراك تودع
ترى لهذا البين أفديك آخر
وهل لزمان الصفو والأنس مرجع
فيا ولدي إني لأُودِعُك الثرى
ولكنَّ قلبي في ضريحك مُودَع
ويسقي ضريحًا ضمَّ جسمَك مدمعي
وما هو إلَّا مهجتي تتقطع
أرى نور هذي العينِ أصبح سافعًا
على أن هذا الصبح أدجى وأسفع
ولَيْتَ نحيبي كان بعدك مُجْديًا
وليت التأسِّي بعد بَيْنِك ينفع
تعذِّبني الذكرى ويقلقني الأسى
وتصرعني أيدي الليالي فأُصْرَع
دعاك الردَّى طفلًا فلبَّيْت مُسرِعًا
ولستَ بدارٍ ما الفِراق فتجْزَع
لئن كنتَ يا شطرَ الفؤاد سبقتني
فإني أوفيك الوداع وأتبع

فلم يبقَ أحد من الحضور إلَّا انفطر قلبه لهذا الوداع.

ولما حملوا النعش تعلَّقت به، وهمت أنْ تأخذه منهم، ولكنهم أخذوه برَغْمِها، وساروا، فوقفت أمام النافذة، وجعلت تنظر إليهم، وتنوح إلى أن تواروا:

ولما دفنَّا ذلك الطِّفْل في الثرى
غَدَوْنا وكلٌّ قلبه مُتفطِّر
وما فجعت غيري المنون وإنما
رجعنا وكلُّ دمعِه مُتفجِّر

ولما وصلنا إلى البيت أخذ درتيل البارون من إبطه إلى غرفته الخاصة، أما أنا فوجدت جونريت مرتمية على المقعد بلا حراك، فاقتربت منها، وجعلت أسكب الماء على وجهها إلى أن أفاقت، فلما رأتْنِي نظرت إليَّ نظرة مُحزِنة، وجعلت تبكي وتنوح، وتلطِم خدَّيْها، ثم أشارت بيدها إلى غرفة ريتا، وقالت بصوتٍ متقطِّع، ماتت … ففاضت الدموع من عيني، وخَفَقَ قلبي من شدة الجزع، وذكرتُ عندئذٍ ما قالته لي آخر مرة اجتمعتُ بها: «إنني أعيش لأجل هنري، فإذا مات فإمَّا أقتلك وإمَّا أنتحر.»

قالت بعد أنْ ذهبتم إلى القرافة طرقت باب غرفتها فلم يُجِبْني أحد، ثم سمعت طلقًا ناريًّا، ثم أنينًا، ولم أعُدْ أسمع شيئًا، فهرع الخادم وكسر الباب، وإذا بها تَخْتَبِط بدمائها، وكانت على آخر دقيقة من عمرها فدنوتُ منها وقبَّلتها وبكيت، فنظرت إليَّ نظرة، وقالت: مكسيم، مكسيم، ثم فاضت روحها، فلما سمعتُ كلام جونريت نهضتُ إلى غرفة ريتا، فوجدت الباب مكسورًا فدخلت وإذا الحبيبة مُلقاة على السرير الذي كنت أرى فيه غير هذه الجثة الباردة، وكانت مقاطِع وجْهِها التي غيَّرها الهوى والأحزان قد استكانت، وعاد لها جمالها القديم، وكان ثغرها مبتسمًا، كأنها أدركت بالموت راحةً ونعيمًا.

وكانت يدها لم تزَلْ مُمْسِكة بالغدَّارة، وعلى صدرها ثُقْب كبير فيه دم مُتجمِّد، وفي حالها هذه ما يدل على أنها ماتت مسرورة، وأن يدها لم ترتجف حين إطلاق النار.

(تمت)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠