مقدمة

هذه أطراف من أحاديث الشعر والنثر أُلقِيت إلى الناس منذ أعوام في محاضرات عامة، كان بعضها في قاعة الجمعية الجغرافية، وكان بعضها في ملعب حديقة الأزبكية، قبل أن أُقصَى عن الجامعة، ثم كان بعضها الآخر في قاعة الجامعة الأمريكية أثناء بُعدي عن الجامعة.

وأحب أن يعلم الذين يقرءون هذا الكلام أني لم أكتبه قبل إلقائه، وما تعودت قط أن أكتب محاضرة قبل أن ألقيها إلى الناس، ولا أن أكتب درسًا قبل أن ألقيه إلى الطلاب.

لم أكتب هذا الكلام قبل إلقائه، ولم أصلحه بعد إلقائه، ولست أكره شيئًا كما أكره العودة إلى كلام قلته أو أمليته؛ إنما الكلام عبء أتخفف منه بالإلقاء أو الإملاء، ثم أكره التحدثَ عنه أو الرجوع إليه، ولكن جماعة من أصدقائي الطلاب كانوا يستمعون لهذا الكلام الذي ألقيته فيقيدون الألفاظ حينًا، ويقيدون المعاني حينًا آخر، يقيدون الألفاظ ما واتتهم سرعة اليد، وما استطاعوا أن يسايروني بأيديهم وأنا أقول، فإن سبقتُ أيديهم فهموا عني ثم أدوا ما فهموه بألفاظ من عند أنفسهم، واجتهدوا أن تكون هذه الألفاظ مقاربة لما تعودت أن أقوله.

وكانوا يحرصون على إذاعة هذا الكلام الذي يقيدونه وكانوا يلحون في قراءته عليَّ قبل إذاعته في الصحف والمجلات، فكنت أجيبهم لما يريدون حينًا، وأعتذر من ذلك حينًا آخر. وكنت حين أجيبهم لا أسمع لهم إلا بإحدى أذنيَّ، كما يقول الفرنسيون؛ لأني كنت مشغولًا عنهم بعملي في الجامعة حين كنت عميدًا لكلية الآداب، أو بعملي في الصحافة حين كنت أحرر في «كوكب الشرق»، ولأني — كما قلت منذ حين — أبغض الرجوع إلى ما أُلقي أو أُملي.

وقد نُشِر هذا الكلام في الصحف والمجلات، وخُيِّل إليَّ أن عهدي به قد انقضى، وأن صلتي به قد انقطعت، وأن أحدًا من الناس لن يذكرني به، ولن يحدثني فيه.

ولكني فيما يظهر كنت مخطئًا فيما ظننت، فقد تحدَّث إليَّ كثير من الناس وألحوا في الحديث، وكتب إليَّ كثير من الناس وألحوا في الكتابة، كلهم يريدني على أن أنشر هذه المحاضرات مجموعة في كتاب، فلما كثر الإلحاح عليَّ في ذلك واتصل، لم يسعني — كما كان يقول المتقدمون — إلا أن أجيب الطالبين إلى ما طلبوا، وآذنَ في نشر هذا الكلام.

على أني اشترطت لذلك فيما بيني وبين نفسي شرطًا لم أكن أستطيع أن أتحلل منه؛ لأن وقتي لا يُبيح لي هذا التحلل، وهو ألا أصلح من هذا الكلام شيئًا، ولا أغير له نظامًا.

ومن لي بالوقت الذي يمكنني من إعادة النظر في كلام مضتْ عليه أعوام، وأنا لا أجد الوقت الذي يمكنني من أؤدي كثيرًا من الواجبات اليومية على وجهها؟

ومن لي بفراغ البال الذي يتيح لي أن أفكر فيما قلته أمس، وأنا رجل مضطر دائمًا إلى أن أفكر فيما أقوله اليوم أو غدًا؟

ومن لي بهذه الراحة التي تبيح لي أن أستحضر ما مضى، وأنا رجل مدفوع دائمًا إلى الأمام لا أستطيع أن أقف، ولا أن أهدأ ولا أن أستقر، ولا أكاد أحسن التفكير فيما سأستقبل به من الأمر كلما تقدمت بي ساعة من ساعات النهار أو ساعات الليل؟

وأنا أرجو ألا يسوء بي ظن الذين يقرءون هذه الأسطر، وألا يقولوا في أنفسهم إني أسرف وأتكلف وأزعم لنفسي من ضيق الوقت وكثرة العمل وازدحام الواجبات ما ليس لها، فالله يشهد ما أصور لهم إلا بعض الحق، والذين يعرفونني من قريب يعلمون هذا ويشفقون عليَّ منه، ويتمنون حين يريدون الرفق بي أن يهيئ الله لي بعض الراحة والهدوء.

على أني لم أرد أن تذاع هذه المحاضرات في كتاب دون أن تُقرأ عليَّ، لا لأصلح من ألفاظها ولا لأقوِّم مما قد يكون فيها من عوج، ولكن لأثق بأن الذين نقلوا عني قد أحسنوا النقل، وأحسنوا الأداء، ولم يحملوا عليَّ ما لم أقل، ويضيفوا إليَّ ما لم أرَ.

وقد قُرِئت عليَّ هذه الفصول، فإذا هي تصور آرائي فيما تناولت من موضوعات الحديث عن الشعر والنثر، وإذا هذه الآراء لم تتغير أو لم تكد تتغير إلا قليلًا، وقد نبهت على ما تغير منه في موضعه.

وكان كثير من الأصدقاء يسرفون في لومي والإنكار عليَّ؛ لأنهم لاحظوا — فيما يقولون — أن هذه المحاضرات قد استُغِلت عند بعض الكتاب والباحثين استغلالًا يتفاوت في الجودة والرداءة، وفي الأمانة والخيانة، دون أن يشير المستغلون إلى ما استغلوا منها حين سمعوها أثناء الإلقاء، أو حين قرءوها في الصحف والمجلات، فأظهروا أنهم مبتكرون وغلا بعضهم فاتخذ هذا الابتكار المصنوع وسيلة إلى الطعن عليَّ، والغضُّ مني، وكان هؤلاء الأصدقاء يريدونني على أن أظهر من الحرص على آثاري وآرائي أكثر مما أظهرت إلى الآن.

فإلى هؤلاء الأصدقاء الكرام أعتذر من أني لا أستطيع أن أجيبهم إلى ما يريدون؛ لأني — كما قلت في غير موضع — أبغضُ الناس للتفكر فيما صدر عني من أثر، وأزهدُ الناس في أن يُعرف لي السبق إلى رأي من الآراء أو خاطر من الخواطر، وأرغبُ الناس في أن أظهر على ما فيَّ من عيب، وما في آرائي ومذاهبي من عوج.

وأنا حين أذيع في الناس رأيًا، أو أنشر فيهم كلامًا، لا أتحفظ ولا أعطي بيد لآخذ بالأخرى، وإنما أذيع مخلصًا، وأنزل للناس صادقًا عن كل ما أنشر وما أذيع، وأبيح لهم أن يأخذوا وأن يستغلوا، بل أجد سعادة لا تعدلها سعادة حين أراهم يأخذون ويستغلون، وليس يعنيني أن يقولوا «أخذنا عن فلان» و«استغللنا مذهب فلان»، وإنما يعنيني أن أكون نافعًا لهم، وأنا أُوثر أن أنفعهم على غير علم من الناس، وعلى غير علم منهم خاصة، وأنا أستحي أن يتحدث إليَّ متحدث بأنه أخذ عني أو انتفع بما كتبت أو رأيت، ولست أدري ماذا أصنع ليشعر القارئ أني مخلص كل الإخلاص، صادق كل الصدق، بعيد كل البعد عن التكلف فيما أقول؟ وأني كذلك مخلص كل الإخلاص، صادق كل الصدق، بعيد كل البعد عن التكلف حين أقول إني لا أحب شيئًا كما أحب نقد الناقدين لي، وإنكار المنكرين عليَّ، وتشهير المشهرين بي.

أجد في ذلك لذة توشك أن تكون مرضًا، ومصدرُ ذلك أني أعرف نفسي أكثر مما يعرفها غيري، وأن الذين ينقدون ويعيبون ويشهرون لا يعرفون من عيوبي إلا أقلها، وهم حين ينقدون ويعيبون ويشهرون إنما يؤدُّون إليَّ بعض ما أحب أن يُؤدى إليَّ من حق، فأيسر ما للكاتب على قرائه أن يقوِّموا عوجه ويصلحوا خطأه، كما أن أيسر ما للمشتغل بالسياسة على مواطنيه أن يقوموا عوجه السياسي ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

وإني لأعرف بين الناقدين لي، والمنكرين عليَّ، جماعةً سيُسقَط في أيديهم حين يقرءون هذا؛ فهم يكتبون ليسوءوني، فما بالهم حين أقسم لهم إنهم يحسنون إليَّ، وإني أستزيدهم جاهدًا من النقد والعيب والتشهير.

أما بعد، فإني أرجو أن يجد الذين يقرءون هذه الفصول لأنفسهم فيها نفعًا، وأن يجد الذين يلتمسون العيب ويجدون في البحث عن الهفوات، ما يمكنهم من أن يكتبوا فيكثروا الكتابة ويقولوا فيطيلوا القول.

وأرجو آخر الأمر أن يوفقني الله إلى ما أتمنى عليه دائمًا من أكون نافعًا محمدًا.

طه حسين
يناير ١٩٣٦

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠