الخير والشَّر

ثمَّ قال له أحد شيوخ المدينة: هات حدِّثنا عن الخير والشَّر.

فأجاب قائلًا:

إنني أستطيع أن أُحدِّثكم عن الخير، لا الشَّر الذي فيكم؛
لأنه أليس الشَّر هو بعينه الخير المتألم آلامًا مبرحة من تعطُّشه ومجاعته؟
فإني الحقَّ أقول لكم، إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة، وإن عطش فإنه يشرب حتى من المياه الراكدة المنتنة.
أنت صالح، يا صاح، إذا كنت واحدًا مع ذاتك،
وإذا لم تكُ واحدًا مع ذاتك، فأنت لست بالشِّرير؛
لأن البيت المنقسم على ذاته ليس مغارة لِلُّصوص، ولكنه بيت منقسم على ذاته لا أكثر ولا أقل،
والسفينة التي تضيع سكانها وتهيم في البحار بين الجزائر تحدق بها الأخطار من كل جهة، ولكنها لا تغرق إلى قعر البحر.
أنت صالح، يا صاح، إذا جاهدت لكي تعطي الناس من ذاتك، ولكنك لست بالشرير إذا سعيت وراء منفعة نفسك؛
لأنَّك في سعيك وراء منفعة نفسك تشبه جذر الشَّجرة الذي يريق دموعه على الأرض، ثمَّ يمتص الحليب من ثدييها.
الحقَّ أقول لك، إنَّ الثَّمرة لا تستطيع أن تقول للجذر: «كن مثلي ناضجًا، جميلًا، جوادًا، يبذل كل ما فيه لأجل غيره.»
لأنَّ العطاء حاجة من حاجات الثمرة لا تعيش بدونها، كما أن الأخذ حاجة من حاجات الجذر لا يحيا بغيرها.

•••

أنت صالح، يا صاح، إذا كنت تبلغ كمال يقظتك في خطابك.
بيد أنك لست بالشرير إذا نمت وكان لسانك يهذر من غير مرمًى؛ لأن الكلام، وإن كان مجلبة للعثرات، لا بدَّ أن يشدد لسانًا ضعيفًا.

•••

أنت صالح، يا صاح، إذا كنت تسير إلى محجتك راسخ العزم ثابت الخُطى.
غير أنك لست بالشرير إذا كنت تمشي إلى محجتك متلكئًا؛ لأن العُرْج أنفسهم لا يسيرون إلى الوراء.
ولكنك، وأنت صحيح القدم قوي الجسد، أَنظَر ألا تعرج أمام العُرْج وأنت تحسب ذلك رقةً وظُرفًا!
أنت صالح بطرق عديدة يا صاح. وإذا لم تكن صالحًا فإنك لست بالشرير، بل أنت كسول متراخٍ.
ويا ليت الظباء تستطيع أن تعلِّم السلاحف البطيئة السرعة والرشاقة!

•••

أجل، إن الخير الذي فيك إنما هو في حنينك إلى ذاتك الجبارة، وهذا الحنين فيكم جميعكم،
غير أنه يشبه في البعض منكم سيلًا جارفًا يجري بقوة منحدرًا إلى البحر، فيحمل معه أسرار التلال والأودية وأناشيد الأحراج والجنان.
وهو في غيرهم أشبه بجدول صغير يسير في منبسط من الأرض، يريق ماءه في الزوايا والمنعرجات؛ ولذلك يطول به الزمان قبل أن يصل إلى الشاطئ.
ولكن لا يَقُلْ ذو الحنين الكثير إلى ذي الحنين القليل: «لماذا أنت كسيح بطيء؟»
لأن الصالح الصالح لا يسأل العُراة: «أين ثيابكم؟» ولا الغرباء: «أين منازلكم؟»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠