الدِّين

ثمَّ دنا منه كاهن شيخ وقال له: هات حدِّثنا عن الدِّين.

فأجاب قائلًا:

وهل تكلمت اليوم في موضوع آخر غير الدين؟
أليس الدين كل ما في الحياة من الأعمال والتأملات؟
أليس الدين كل ما في الحياة مما ليس هو بالعمل ولا بالتأمل، بل غرابة وعجب ينبعان من جداول النَّفْس أبدًا، وإن عملت اليدان في نحت الحجارة أو إدارة الأنوال؟
من يستطيع أن يفصل إيمانه عن أعماله، وعقيدته عن مهنته؟
من يستطيع أن يبسط ساعات عمره أمام عينيه قائلًا:
«هذه لله، وهذه لي، هذه لنفسي، وهذه لجسدي؟»
فإن جميع ساعات الحياة أجنحة ترفرف في الفضاء منتقلة من ذات إلى ذات.
وإن من ينظر إلى فضيلته نظرته إلى أفضل حلة يلبسها، فالأجدر به أن يسير بين الناس عاريًا؛
لأن الريح والشمس لا تمزقان بشرته.
وكل من يقيد سلوكه وتصرفه بقيود الفلسفة والتقليد إنما يحبس طائر نفسه الغريد في قفص من حديد؛
لأن أنشودة الحرية لا يمكن أن تخرج من بين العوارض والقضبان.
وكل من يعتقد أن العبادة نافذة يفتحها ثمَّ يغلقها فهو لم يبلغ بعد هيكل نفسه المفتوحة نوافذه من الفجر إلى الفجر.

•••

إنَّ حياتكم اليومية هي هيكلكم وهي ديانتكم.
خذوا السكة والكور والمطرقة والطنبور، وكل ما لديكم من الآلات التي صنعتموها رغبة في قضاء حاجاتكم أو سعيًا وراء مسراتكم ولذاتكم؛
لأنَّكم لا تستطيعون أن ترتفعوا بتأملاتكم فوق أعمالكم، ولا تقدرون أن تنحدروا بتصرفاتكم إلى أدنى من خيباتكم.
وليرافقكم جميع معارفكم من أبناء الإنسان؛
لأنَّكم لا تستطيعون في عبادتكم أن تحلِّقوا فوق آمالهم، ولا أن تضعوا ذواتكم إلى أحقر من يأسهم.

•••

وإنْ شئتم أن تعرفوا ربكم فلا تُعنَوْا بحل الأحاجي والألغاز،
بل تأملوا ما حولكم تجدوه لاعبًا مع أولادكم،
وارفعوا أنظاركم إلى الفضاء الوسيع تبصروه يمشي في السحاب، ويبسط ذراعيه في البرق، وينزل إلى الأرض مع الأمطار.
تأملوا جيِّدًا تروا ربكم يبتسم بثغور الأزهار، ثمَّ ينهض ويحرك يديه بالأشجار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠