اجتماع التصحيف والتحريف والقلب والإبدال معًا في الكلمة الواحدة

يظهر ذلك من الفصول المتقدمة، إذا ما أَمْعَنَ فيها النظر مَنْ يحب استقراء هذا البحث، ونزيد ما يأتي على ما تقدَّم:

قال السيد مرتضى في تاجهِ في مادة «م ع ش»: «أَمْغِيْشَا … وكانت البس عينًا مالحة.» والصواب: «وكانت أُلَّيْس (وزان قُبَّيْط) مِنْ مَسَالِحَها.» فقرأ: «أُلَّيْس»: «البسَّ» و«مِنْ»: «عَيْن» ثم أعمل الفكرة فيما عسى أن تكون «عين» هنا، ولا سيما لأنها وقعت موقع مفعول به، فاستحسن أن يقرأها منصوبة ليستقيم لها معنى، فقرأها عينًا، ثم قال في نفسه: إن العين تكون إما عذبة، وإما مالحة، ولا بد أن تكون هنا مالحة؛ لأن صورة الكلمة لا تجيز لي أن أقرأها «عذبة»، والفرق بينهما عظيم فقال: إنها «مالحة» وقد صُحِّفت على الناسخ، فأصبحَتْ: «وكانت البسُّ عينًا مالحة»، ولذلك معنى مأنوس؛ لكن أين هذا المعنى من المقصود التعبير عنه في الجملة المصحَّفة المحرَّفة المقلوبة المبدَّلة.

وورد في القاموس في مادة «ب ر ق ش»: «أبو بَرَاقش: طائر صغير بري كالقنفذ.» فلا جرم أن في قوله: «كالقنفذ» خطأ ظاهر، والصواب: «كَالْقُنْبُر»؛ لأن القنفذ ليس طائرًا حتى يُشَبَّه طائر به (وراجع مقالة طويلة في أبي براقش في المقتطف ٣٩ : ٤٨٨).

وهذا الفصل حافل بالعجائب والغرائب والمعايب والشوائب، وكنا نود أن يتسع لنا الوقت والمقام لنذكر ما جاء منها في هذا الصدد.

فمن هذه المدهشات ما جاء في القاموس في مادة «ع س د». قال: «عسد يعسِد: سار.» فانتقده السيد الزبيدي بقوله: «هكذا في سائر النسخ، وهو تصحيف قبيح وقع فيه، وذلك أن ابن دريد قال في الجمهرة: والعسد أيضًا: البَبْر فصحفه المصنف بالسير، ثم اشتق منه فعلًا، فقال: عَسَدَ يَعْسِدُ: إذا سار، ولم أَرَ لأَحَدٍ من أئمة اللغة ذكر الْعَسْد بمعنى السَّيْر؛ وإنما هو الْبَبْر.» ا.ﻫ.

قلنا من عادة الشارح أن يجد أغلاطًا في القاموس ويجهد في هذا السبيل ما استطاع، والذي عندنا أن عسد بمعنى سار وأسرع لغة في عسل باللام في الآخر، قال في اللسان: «عسل الدليل بالمفازة: أسرع.» قلنا وكل من الدليل والمفازة من باب التمثيل لا من باب التقييد والتخصيص، والدليل أنهم قالوا من هذه المادة: عَسَلَ الذئب والثعلب يعسِل عَسَلًا وَعَسَلانًا: مَضَى مُسْرِعًا واضطرب في عدوهِ وَهَزَّ رأسَهُ. قال:

واللهِ لولا وَجَعٌ في الْعُرْقُوب
لَكُنْت أَبْقَى عَسَلًا مِنَ الذِّيبْ

استعاره للإنسان، وقال لبيد:

عَسَلَانَ الذِّئْبِ أَمْسَى قارِبًا
بَرَدَ اللَّيْلِ عليهِ فنَسلْ …

وقَوْل سَاعِدَةَ بن جُؤَيَّةَ:

لَدْنٌ بِهَزِّ الكفِّ يَعْسِلُ مَتْنَهُ
فيهِ، كما عَسَلَ الطرِيقَ الثَّعْلَبُ

أراد عَسَلَ في الطريقِ، فَحَذَف وَأَوْصَلَ: كقولهم: «دخلتُ البيتَ.» ا.ﻫ. وقالوا أيضًا من هذه المادة: رجل عَسِلٌ، شديد الضرب «سريع» رَجْع اليد بالضرب، وقالوا: العسل والعسلان الخبب، وفي حديث عمر: أنه قال لعمرو بن مَعْدِ يكْرِبَ: كذب، عليك العَسَلَ؛ أي عليك بسرعة المشي، هو من العسلان: مشي الذئب، إلى آخر ما جاء في تلك المادة، وتبادل اللام والدال معروف في لغتنا، ومنه المعكود والمعكول (أي المحبوس)، ومعده ومعله (أي اختلسه)، وتأبد وتأبل (أي قلَّ أربه في النساء)، والوغد والوغل (أي النذل) والعدس والعلس.

والذي أخذه صاحب التاج على صاحب القاموس يؤخذ عليه؛ فقد كتب في تركيب «ﻫ ر ف» ما هذا نصه: «يهرِف، كيضرب: اسم سبع سمي به لكثرة صوته.» ا.ﻫ. أفتدري من أين أتى بهذا السَّبُع وكيف خلقه وأخرجه إلى أبناء الناطقين بالضاد؟ إنه قرأ في المخصَّص لابن سِيده ما إليك نصابَهُ: «يقال لبعض السباع: هو يهرف بصوته أي يتزيد فيه.» ا.ﻫ. فالظاهر أن السيد الزبيدي وصل إلى قراءة العبارة إلى حد قوله: هو يهرف، ووقف ولم يمضِ في وجهه فكتب ما كتب، ولو أَتَمَّ العبارة على ما جاءت لما سقط في هذه الهاوِية السحيقة الْقَعْر، فكأنَّ النسخة التي كانت بيده انقطعت عند الكلمة التي دونها؟ والعلم عند الله.

ومما جاء في هذا الباب ما نقله ابن منظور في ديوانه في مادة «ع ر ا»، قال: وفي حديث عروة بن مسعود قال: والله ما كلمت مسعود بن عمرو منذ عشر سنين، والليلة أكلمه، فخرج فناداه، فقال: مَنْ هذا؟ قال: عُرْوَة، فأَقْبلَ مَسْعُود وهو يقول:

أَطَرَقَتْ عَرَاهِيَهْ
أَمْ طَرَقَتْ بِدَاهِيَهْ

حكى ابن الأثير عن الخطابي، قال: هذا حَرْفٌ مُشْكِلٌ، وقد كتبتُ فيه إلى الأزهري؛ وكان من جوابه أنه لم يجده في كلام العرب، والصواب عنده: «عَتَاهِيَهْ» وهي الغفلة وَالدَّهَش. أي أَطْرَقَتْ غَفْلَةً بلا رَوِيَّةٍ أو دَهَشًا. قال الخطابي: وقد لاح لي في هذا شيءٌ، وهو: أن تكون الكلمة مركَّبَةً من اسمين ظَاهِرٍ وَمَكْنِيٍّ، وأبدل فيهما حرفًا وأصلها: إما من «العراء»، وهو وجه الأرض، وإما من «العرا»، مقصورٌ وهو الناحية، كأنه قال: أطرقت عرائي أي فنائي زائرًا وضيفًا، أم أصابتك داهيةٌ، فجئتَ مستغيثًا، فالهاء الأولى من «عَرَاهِيَهْ» مُبْدَلَةً من الهمزةِ، والثانيةُ هاءُ السكتِ، زِيدت لِبَيَانِ الحركة، وقال الزمخشريُّ: يحتمل أن يكون بالزاي، مصدرٌ من عَزِهَ يَعْزَهُ فهو عَزِهٌ: إذا لم يكن له أرب في الطرب، فيكون معناه: أطرقت بلا أربٍ وحاجةٍ، أم أصابتك داهيةٌ، أحوجتك إلى الاستغاثة. ا.ﻫ. نقل ابن منظور.

قال الأب أَنَسْتَاسُ مَارِي الْكِرْمِليُّ: والذي عندنا أن أحسن هذه التفاكير الثلاثة ما جاء به الأزهري، وهو أعظمُ حجةٍ في اللغة العربية ولا يدانيه أحدٌ ممن سبقه، ولا ممن عاصره، ولا ممن جاء بعده؛ إلا أننا نقول: إن «عراهية» صحيحة بمعنى «عَتَاهية» وبمعنى الغفْلَة والدهَش على لغةٍ من لُغَى العرب، فقد جاء عندهم من هذا القبيل: السُّبرور والسبروت، للأرض القفر التي لا نبات فيها، وعود متيخ وَمِرِّيخ أي طويل ليِّن، وَحُتِّش (على المجهول) وحُرِّش أي هُيِّج بالنشاط، واحْتتَش واحْتَرَش، إلى آخر ما جاءَ من هذا القبيل من كلامهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠