مصطلحات لغوية لا بُدَّ منها

عرف بعض حُذَّاق أبناء يعرب الأقدمين هذا الرأي ومالوا إليه، ومِمَّنْ قال به ولم يَحِدْ عنه قيد شعرة الأصبهاني صاحب كتاب غريب القرآن؛ فإنه بنى معجمه الجليل على اعتبار المضاعف هجاءً واحدًا، ولم يُبَالِ تكرار حرفهِ الأخير، فهو عندهُ من وضع الخيَال، لا من وضع العلم ولا التحقيق؛ أي إنه إذا أراد ذكر «مَدَّ يَمُدُّ مَدًّا» مثلًا في سِفرهِ، ذكرها كأنها مركبة من مادة «مَدْ» أي ميم ودال ساكنة، ولا يلتفت أبدًا إلى أنها من ثلاثة أحرف أي «م د د»، كما يفعل سائر اللغويين، ولهذا السبب عينِهِ يذكر «مدَّ» قبل «مدح» مثلًا، ولا يقدم هذه على تلك، على ما نشاهده في معظم معاجم اللغة؛ كالقاموس ولسان العرب وأساس البلاغة وتاج العروس وغيرها.

والمستشرقون وضعوا معاجمهم مقتفين أثر الأصبهاني، ولم يبتكروا الطريقة من عندهم، بخلاف ما يظنه جمهور المتطفلين على اللغة.

ويُسَمَّى الحرفان اللذان ينشأ منهما معنًى، أو إن شئت فقُلْ — وَيُسَمَّى الهجاء الواحد إذا أفاد معنًى — «مادةً»، أو «تركيبًا»، أو «أصلًا»، أو «ترجمةً».

ويلازم كلًّا من هذه الأسماء الأربعة هذا الاصطلاح، وإن تعدَّد الهجاء فكان اثنين أو ثلاثة أو أكثر.

وقد استقلت كل مادة بمعنًى فاشتُهرت به، وإذا تقاربت أحرف بمخارجها من أحرف مخارج كلم أخرى، تدانت أيضًا معانيها بعضها من بعض وتلازمت وتضامت وظهرت القربى بينهما كل الظهور؛ مثال ذلك:
  • لَدَمَهُ: أي ضربه بشيءٍ ثقيل يُسْمع وقعهُ.
  • ولَطَمَهُ: أي ضرب خدَّهُ أو صفحة جسدهِ بالكفِّ مفتوحة، أو بباطن كفهِ.
  • ولَتَمَهُ: ضربه، وأكثر ما يكون اللتم: الطعن في النحر.
  • ولَثَمَ أنفهُ: لَكَمَهُ.
  • ولَحَمَهُ: أضرَّ به وناله بمكروهٍ.
  • ولَخَمَهُ: لطمه.
  • ولدَمَهُ: لَطَمَه.
  • ولَكَمَه: ضربه باليد مجموعة الأصابع، أو لكزهُ، أو دفعه، إلى آخر تلك الأمثال، وكل حروفها متقاربة المخرج ومتقاربة المعنى الذي هو «الضَّرْب».
وإذا زاد الهجاءُ حرفًا فصار هجاءَين أو ثلاثة أو أربعة سُمِّي ما زاد على أولهِ: «تصديرًا PRÉFIXE»، وما زاد في قلبهِ «حشوًا INFIXE»، وما زاد في آخره «كاسعًا SUFFIXE»، وما زاد في أولهِ أو آخرهِ «مُطَرِّفًا AFFIXE»، وما زاد في أي موضع كان سُمِّيَ «مُفَئِّمًا PARTICULE AUGMENTATIVE» والمصدر التفئيم، ويقال له أيضًا: «الضم» و«التوسيع».

وهناك غير هذه الأسماء لهذه الأوضاع نفسها، فذكرنا ما اشتهر منها.

ونحن نورد هنا أمثلة على التصدير والحشو والْكَسْع.

(١) أمثلة التصدير

  • ثَرَمَ: الثَّرَم محركةً، انكسار السن من أصلها أو سن من الثنايا، والرَّبَاعِيَات، أو خاص بالثَّنِيَّةِ. ثَرِم كفرح فهو أثرم وهي ثرماء (ق) وفي الثرم معنى القطع.
  • جَرَمَ: الْجَرْمُ: القطع. جَرَمَهُ يَجْرِمُه جَرْمًا: قطعه (ق).
  • حَرَمَ: حَرَمَه الشيء يَحْرِمُه وحَرِمَه يَحْرَمُه حريمًا وحرمانًا وحِرْمًا وحِرْمة وحَرِمًا وحَرِمةً وحريمة: منعه إياه، ومنه حرم أُسقف النصارى فلانًا: قطعه من شركة المؤمنين، والاسم الحِرْم بالكسر، وفيه معنى القطع (محمح).
  • خرم: خرم الخرزة يخرِمها وخرَّمها فتخرَّمت: فَصَحَها، وفلانًا. شقَّ وَتَرَة أنفه، وهي ما بين مَنْخِرَيه فخرِم هو كفرِح أي تخرمت وترته، والخَرَمَة، محرَّكةً، موضع الخَرْم من الأنف، والخرماء: الأذن المنخرمة (ق) والقطع ظاهر في المادة.
  • شرم: الشَّرْم: الشق، والفعل، كضرب وقطع ما بين الأرنبة، ورجل أشرم بيِّن الشَّرَم محركةً؛ أي مشروم الأنف، ومنه قيل لأبرهة: «الأَشْرَمُ» (ق).
  • صَرَمَ: يصرِمه صَرْمًا ويُضَمُّ: قطعه بائنًا، وفلانًا: قطع كلامه، والنخل والشجر: جزَّه كاصطرمه (ق).
  • عرم: عَرَمَ العظم: نزع ما عليه من لحم كتعرَّمهُ (ق).
  • غرم: الغرام: الهلاك والعذاب، والغريم: الدائن والمديون، ضدٌّ (ق)، ومعنى القطع لا يخفى على أحد.

والأصل في كل ما تقدم: الرَّمُّ، يقال: رمَّ الشيء أكله، والرُّمَّة بالضم: قطعة من حبل وبكسر (ق).

(٢) أمثلة الحشو

من جمهور اللغوين أصحاب المعاجم المطولة.
  • رَتَمَ: رتم فلان الشيء. كسره أو دقه، أو خاص بكسر الأنف.
  • رثم: رثم (بثاء مثلثة) أنفه أو فاه: كسره حتى تقطَّرَ الدم منه.
  • رَجَمَ: رجم فلان فلانًا: قتله ورماه بالحجارة، وهذا الأخير هو الأصل في معناه، وباقي المعاني متفرع منه.
  • رَدَمَ: ردم الباب: سدَّه كله أو ثلثه.
  • رَسَمَ: رسمتِ الناقة: أثَّرت في الأرض، ورسم أيضًا: كتب وخط.
  • رَشَمَ: رشم: كتب وخط.
  • رَضَمَ: رضم الأرضَ: أثارها لزرع ونحوهِ.
  • رَطَمَ: رطمَ بسَلْحِهِ: رمى به.
  • رَغَمَ: رغمَ فلان فلانًا: كرههُ وقسرهُ وفعل شيئًا على رغْمِهِ.
  • رَقَمَ: رَقَمَ الكتاب: رسم حروفه، والرسم لا يخلو من ضرب القلم للورق.
  • رَكَمَ: ركم الشيء: جمعهُ وألقى بعضهُ فوق بعضٍ.

وفي كل هذه الألفاظ معنًى جامعٌ هو الكسر أو الدق أو الضرب، والأصل فيه الرمُّ كما تقدَّم شرحه، لكن الْمُفئِّم هنا حرف الوسط أو حرف القلب، فأحدث في محوَّلاتهِ غير ما أحدث فيما صُدِّرَ بأحرفٍ أُخر.

(٣) أمثلة الكسع أو التذييل

  • نَبَأ: نبأ الشيءُ: ارتفع، وعلى القوم: طلع عليهم، ومن أرض إلى أرض: خرج، ونبأ: صاتَ خفيًّا أو هو صوت الكلاب مثل النبح.
  • نَبَتَ: نبت الزرع: خرج من الأرض، والإنسان نما شبابهُ.
  • نبَثَ: البئر: أخرج ترابها، وعن الأمر والسر: بحث عنهُ.
  • نَبَجَ: نبجت القبجة: خرجت من مكمنها.
  • نَبَحَ: نبح الكلب والظبي والتيس والحية: أخرج صوتًا.
  • نَبَخَ: النَّبْخُ: جدري الغنم وغيرهِ وما نفط من اليد عن العمل، ونبخ العجين حمض وفسد فخرج عليه شيء كالرغوة أو كالنفاطات.
  • نَبَذَ: نبذ الشيء: طرحهُ من يدهِ، أمامه أو وراءه، أو هو عام.
  • نَبَرَ: نبر الشيءَ: رفعهُ، والمغنِّي رفع صوتهُ بعد خفضٍ، والحرف همزهُ.
  • نَبَزَ: نبزهُ أي لمزهُ بمعنى عابهُ وأشار إليهِ بعينهِ ونحوها وضربهُ ودفعهُ.
  • نَبَسَ: نبس بالمجلس: تكلم؛ أي أخرج كلامًا.
  • نَبَش: نَبَش الشيء المستوي: أبرزهُ، والكنز عن الأرض كشفهُ عنها وأخرجهُ.
  • نَبَصَ: نبصَ بمعنى نبس، يقال: ما يَنْبِصُ أي ما يتكلم، ونبص الطائر والعصفور نبيصًا: صوَّت ضعيفًا، ونبص الغلام نبيصًا: صوَّت بشفتيهِ إذا أراد تزويج طائر بأنثاهُ.
  • نَبَضَ: نبض فلان في قوسهِ: أصاتها أو حرَّكَ وترها لترنَّ، ونبض العِرْقُ: تحرَّك.
  • نَبَطَ: الماء: نبع، ونبط فلان البئر: استخرج ماءَها.
  • نَبَعَ: نبع الماء: خرج من العين.
  • نَبَغَ: نبغ الشيء: خرج وظهر، والماء: نبع، وفلان: قال الشعر وأجادهُ ولم يكن في إرث الشعر، ونبغ رأسهُ: ثار منه النُّباغَة وهي الْهِبْرِية وهي شيء كالنخالة يتساقط من الرأس.
  • نَبَقَ: نبقَ الرجل: كتَبَ، والشيء: خرج.
  • نَبَلَ: نبلَ الإبل: ساقها سوقًا شديدًا، وكذلك إذا قام بمصلحتها.
  • نَبْك: النَّبْك بالفتح: ما ارتفع من الأرض، والنَّبْك على ما قال ابن شميل: مثل الْفَلْكة، غير أن الْفَلْكَة أعلاها مدوَّر مجتمع، والنَّبْكة: رأسها محدَّد كأنهُ سنان رُمْح، وهما مُصْعِدَتان، ومكان نابك: مرتفع.
  • نَبِهَ: نَبِهَ من نومهِ: قام منه واستيقظ، ونَبهَ الرَّجل نباهةً: شرُف واشتهر فهو نابِهٌ ونبيهٌ ونَبِهٌ.
  • نَبَا: نبا الشيءُ: بعُدَ وتأخر ولم يستقِمْ مكانهُ، والسيف عن الضريبة نَبْوًا: كَلَّ وارتدَّ عنها ولم يمض، والنَّباوَة: ما ارتفع من الأرض.

والأصل في كل ذلك من نَبَّ، يقال: نبَّ التيس خاصةً يَنِبُّ نَبًّا وَنَبابًا وَنَبِيبًا: صاح عند الهياج.

وقد اكتفينا من كل زيادة بمادَّةٍ واحدةٍ، وإلا فإن الكلم الثلاثية كلها لا تخرج عن أن أصلها بُنِيَ على هجاء واحدٍ، ثم تفرعت الفروع بضم الحروف إليها، فجاءت المعاني متعددة مختلفة، وقد يكون هذا الاختلاف زهيدًا أم غير زهيد بموجب قوة كل حرف، وما اختص به من المعنى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠