منافع معارضة العربية بغيرها من اللغات

إن منافع معارضة اللغة الضادية بغيرها من اللغات لا تُقَدَّر، ولا يمكننا أن نأتي على ذكرها كلها، إلا أننا نذكر بعضها؛ إذ ما لا يُدْرَك كُلُّه لا يترك جُلُّهُ.

فأول هذه الفوائد أنها تطلعنا على معاني بعض الكلم التي لم يشرحها لغويونا الأقدمون شرحًا كافيًا لنقف على حقيقة المشروح وقوفًا يُصَوِّرُهُ لنا تصويرًا لا نرتاب فيه، فهناك ألفاظ قالوا فيها: «معروف»، ولا بدَّ أنه كان معروفًا عندهم حينئذٍ، وأما اليوم فإن طائر الريب والشك يحوم حوله، وهناك ألفاظ لم يُذكر منها إلا بعض الشيء الذي لا يكفي لتعريفه، كقول القاموس: «الدُّهْنة، بالضم، الطائفة مِنَ الدُّهْن، والجمع: أدْهَان ودِهان، وقد ادَّهَنَ بهِ، على افتعل، والْمُدْهُن بالضم آلتهُ وقارورتُهُ، شاذ.» ا.ﻫ. هذا كل ما ذكرهُ في هذا المعنى، فما هو الدُّهْن؟ فلنسأل ابن منظور، فلعلهُ يوضح لنا معناهُ.

قال في مادة «دهن»: «الدُّهْن: معروف. دَهَنَ رأسهُ وغيرهُ، يدْهُنُهُ دَهْنًا: بَلَّهُ، والاسم: الدُّهْن، والجمع: أدْهان ودِهَان.» إلى آخر ما سَرَدَهُ من الكلام والأبيات والأحاديث؛ لكن لم يَتَبَيَّن من كل ذلك معناه الواضح.

وقد كتب أحد الأدباء مقالاتٍ في المقتطف في جزء أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) من سنة ١٩٣٦، وفي جزء أبريل من سنة ١٩٣٨؛ محاولًا أن يقنع أدباء العرب أن المراد بالدهن: الزيت الذي يُتخذ من عصر بعض الأنبتة، مخالفًا بكلامه هذا ما هو شائع عند جميع أبناء الناطقين بالضاد، وهذا الشائع هو أن الدهن يُراد به كل جوهر دسم من مَعْدِنيٍّ ونباتيٍّ وحيوانيٍّ، على ما ورد في كلام كبار لغوييهم وكتَّابهم، وأظن أن مَنْ يطالع هذه السطور يتهمني بأني أنسب إليه ما لم يَقُلْ، فأنقل آخر عبارة وردت في كلامهِ (أي في مقتطف أبريل ١٩٣٨) ودونكها بنصها: «… فنجد أن١ الأب أنستاس واهم فيما قالهُ؛ فالدهن لا تفرزهُ رءوس الناس،٢ لا نساءً ولا رجالًا، بل هو الدهن أو الزيت٣ كما جاء في القرآن الكريم، فالأب جعلهُ شحمًا؛ رغبةً منهُ في جعل الدهن كذلك، وهو مخالف للآية التي ورد فيها الدهن، ومن العجب٤ أن ذلك يجوز على الجوهري والفيروزآبادي والزبيدي ولاين٥ الأعجمي، ولو تبصر الأب أنستاس في عبارة التاج لما حصل لهُ هذا الوهم؛٦ فالدهن كما ذكرت في المقالة الأولى ولا يمكن غيرُهُ،٧ وكما ذكرت في مقتطفي أبريل ويونيو٨ سنة ١٩٣٦ التي قبل السنة الماضية.٩
فإذا أراد الواحد أن يقول: الدهن فَلْيَقُلْ إنها عامية أو مولدة١٠ أمنًا للعثار فلا يصطدم الدهن بكتب اللغة١١ والآية الكريمة، أما الدهن والشحم فكما ذكرت في صدر هذه المقالة والتي قبلها، ثم إن الدهن والشحم لم يردا في القرآن الكريم إلا في آيتين فقط وقد ذكرتهما، عرفت ذلك من فهرست فلوجل، اشتراه١٢ لي وأنا في بغداد الأب أنستاس ا.ﻫ كلام الكاتب.»

وكان أول اهتدائنا إلى معنى الدهن الحقيقي والأصلي بمعارضتنا إياها باليونانية التي ذكرناها في الحاشية هنا، فكتبنا في مقتطف يوليو سنة ١٩٣٨ (أي المجلد ٩٣ : ١٠٥): «هذا المعنى «الأصلي» سبق معناه الآخر الفرعي؛ أي الزيت بمعنى ما يُستخرج من الأنبتة؛ إذ ورد بالمعنى الأول في الإلياذة في ٣٢ : ٥٠١ و٢٣ : ٧٥٠، إلى غيرهما من المواطن، والعدد الأول يشير إلى رقم القصيدة بموجب ترتيبها، والرقم الثاني إلى رقم البيت بحسب ترتيبه، وجاء أيضًا في الأودسَّة في ١٤ : ٤٢٨ إلى مواطن عدة أخر، وكذلك في هسيودس الأسكري المتوفى بين ٩٠٠ و٨٠٠ق.م، في قصيدته الموسومة بثئوغونية في البيت ٨٣٨، إلى غير هؤلاء الشعراء والكَتَبة والمؤرخين اليونانيين بما يضيق المقام عن إيراد شواهدهم، وذلك قبل الميلاد.»

وأما الدهن بمعنى الزيت فكان في أوائل النصرانية وقبيل الإسلام، فحصر العرب معنى الدهن بما ماع من الشحم، أو بما يُستخرج عصرًا من بعض الأنبتة الدهنية أو الدسمة، وعليه: كان العَوْد إلى الدهن بمعنى الشحم أحمدَ، وهو الوجه الأوجه والأشبه، والأصل أحق أن يُتبع؛ لأنه إذا جاز لنا أن نتخذ الفرع حجة لنا، فَبِحُجَّة أولى أن نتبع الأصل، ويزيدنا إثباتًا لذلك وأخذًا به استعمال جميع الناطقين بالضاد في الربوع العربية اللسان، بلا شاذٍّ ومن أقدم العهد، ولا يهمنا إنكار المكابرين لهذا الشيوع والتعميم، ثم قلنا:

«قد قلنا سابقًا: إن «الدهن» العربية تنظر إلى اليونانية (المقتطف ٩٢ : ٦٤)، ومعنى ذلك أنها تشبهها، وليس معناهُ أن اليونانية هي من العربية، ولا أن العربية هي من اليونانية، كما يتوهمه بعضهم، ولما لم يكن عندنا كلام مدوَّن يرتقي عهده إلى ما قبل الميلاد، بخلاف ما عند الإغريق، نضطر إلى النظر في هذه اللغة اليونانية في الألفاظ المشابهة لألفاظنا فيما ورد في مدوناتهم لمعرفة قِدَمها عندنا؛ وعند استشارة كتبهم وجدنا أن أول معنى للدهن هو الشحم الجامد.»

«وهكذا كان في لغتنا، ولو كان عندنا من المدوَّنات القديمة، كما نرى منها عند الْهَلنيين، لوجدنا أول معنى كان للدهن هو الشحم الجامد، ثم انتقلوا به إلى المعنى الثاني؛ أي إلى الدهن السائل والإهالة، وبالحالة التي يكون عليها وهو في الْجِسْم.» ا.ﻫ. المطلوب من إيرادهِ هنا.

وقد اهتدينا إلى معاني مئاتٍ من الألفاظ غير البينة في المعاجم باتخاذنا هذا الأسلوب اللغوي؛ أي بمعارضة ألفاظنا بألفاظهم، فكانت النتيجة من أعظم ما يحلم به فقهاء هذه اللغة المُبِينة.

فعرفنا أن «الْقُنْسَطِبط» هي خمرة معروفة عند الأقدمين، لا «شجرة» كما وردت في جميع كتب اللغة (راجع مقالتنا في جريدة الأهرام الصادرة في ٣ / ٩ / ٣٧) وأصلها في اليونانية Κονυξίιης (οίνος) (Konyzitès oinos).
وقد حار علماء الطير في عصرنا هذا من معرفة اسم الطائر الْمُسَمَّى عند الفرنسيين CYGNE والإنجليزية SWAN، فمنهم مَنْ نقله إلى بجع وهم الأكثرون، وهذا خطأ؛ لأن البجع هو pélican بالفرنسية، وPELICAN بالإنجليزية، ومنهم مَنْ نقله إلى «أرْدَف» وأول مَنْ ذكرها مطبوعة في كتاب هو بقطر صاحب المعجم الفرنسي العربي، وهي غير موجودة في العربية؛ إنما هي تصحيف: «أوردق» أو «أوردك» بالتركية ومعناها: البطة ويطلقها بعضهم على البجع سهوًا، فنقلها عن بقطر أصحاب المعاجم الفرنسية إلى العربية، ومنهم مَنْ قال: إنهُ «الفون»، وهذا غير معروف في لغة الضاد، وأظن أن الأصل الحقيقي هو «القُوق» أو «القيق» بقافين بينهما واو أو ياء، فصحف وهو ينظر إلى اليونانية χύχνος, KYKNOS، ويظن علماؤهم أن اليونانية مشتقة من الأصل KAN، ومعناه: رَن وصَقَع وصَلَع، ونحن لا نرى هذا الرأي بل نظن أنه مقلوب «يقق» أي أبيض، وهذا الطائر معروف بلونهِ الأبيض الناصع، ويقال فيه: «قوق»، و«قيق»، و«يقق» (راجع لغة العرب ٨ : ٣٥٩) وهذا الكتاب [فصل: تصحيفات وتحريفات وتشويهات المعربات].

ولا نريد أن نتبسط في البحث هذا لاتساعه فهو كالبحر الخضم، فاجتزأنا بالإشارة إليه فقط.

هوامش

(١) نحن لا نمس النص بشيء، لكن نشير هنا في الحاشية إلى ما في كلامه وفكره من الضعف؛ فقوله: «فنجد أن الأب.» غير صحيح، والصواب: فنجد الأب، قال في اللسان: «وجد مطلوبهُ والشيء يجدهُ وجودًا.» ولم يَقُلْ: وجد أن مطلوبهُ.
(٢) قوله: «لا تفرزهُ رءوس الناس، لا نساءً.» خطأ ظاهر. والصواب: لا تفرزهُ رءوس الناس؛ نساءً ولا رجالًا؛ لأن النفي الذي يتقدم النساء موجود في قوله: لا تفرزهُ، ومنه الآية: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا، ولم يَقُلْ: لا تذرُنَّ لا آلهتكم، وقوله: «لا تفرزهُ رءوس الناس». قول مدهش؛ لأنه أمر لا يجهله أصغر طلبة المدارس، فإن الذين يعرفون الفرنسية مثلًا يقرءون في معجم لاروس الصغير الذي بأيدي الطلبة ما هذا معناه: «الدهن جوهر دسم يسهل ذوبانه ويكون في الإنسان والحيوان، ودهن الحيوان صرفًا كان أم غير صرف، يتخذ لطبخ الأطعمة ودهن أدوات الآلات، إلى نحو ذلك، وقد يكون الدهن في النبات «ويسمى زيتًا إلخ»، وقد يكون في المعدن «ومنه النقط إلخ».» ا.ﻫ. كلام المعجم الصغير المطبوع في سنة ١٩٣٨، وَمَنْ يشكَّ يطالعه في GRAISSE.
(٣) كلام لا معنى له. والصواب: «لأن الدهن هو الزيت.» والزيت لا تفرزه الرءوس.
(٤) قوله: «ومن العجب.» كلام لا يتسق بسابقه ولا بلاحقه، وكان عليه أن يقول: «فمن العجب.» والفاء هنا سببية، فيكون معناها: «فلهذا السبب من العجب أن يجوز.»
(٥) لا أرى سبب كتابة LANE هكذا: «لاين»، فإن الإنجليز يلفظونها «لين» بفتحة ممال بها إلى الكسر، كما يلفظ العوام «بيت»؛ حينما يقولون مثلًا: «بيت لحم»، ولهذا يكتبها الإفرنج BETHLEHEM. وكما أن العرب يكتبونها «بيت لحم»، لا «بايت لحم» كذلك يحسن أن تُكتب LANE «لين» لا «لاين»؛ لأن هذا العَلَم يُنطق به لو كتبناه بأحرف فرنسية هكذا LENE، فإما أن يكتبها «لان» وتُقرأ «لين»، كما يكتبون «سام»، وهي «سيم» أي: SEM، وإما «لين».
(٦) قوله: «لما حصل له هذا الوهم.» قول غريب يكاد يكون هنديًّا أو صينيًّا أو يابانيًّا، أو بلغة لا تصل إليها أفهامنا، أو لم نسمع بها، أفلو قال: «لما وهم هذا الوهم»، أو «لما وقع في خَلَده هذا الوهم»، أو «لما سها هذا السهو»، أو «لما وقع في صدره هذا الوهم» إلى ما ضاهى هذه التعابير وهي أكثر من أن تُحصى أو تُحصر، أما كان أحسن؟
(٧) قولهُ: «ولا يمكن غيره.» كلام يدل على أن صاحبه متشبع من نفسه، فبأي سلطة يحكم هذا الحكم المطلق، والأئمة اللغويون الأقدمون لم ينطقوا البتة بمثل هذا الكلام الجازم؟ فإذا كان الدهن لم يرد بمعنى الدسم الذي يكون في الحيوان والإنسان، فكيف يفسر لنا ما ورد في اللسان في مادة «ودك»: «وفي حديث الأضاحي: ويحملون منها الودك هو دسم اللحم «ودهنه» الذي يستخرج منه.» أنتبع حضرته أم نتبع مؤوِّل الحديث وَمَنْ سبقه وجميع سكان البلاد العربية اللسان؟
(٨) قولهُ: «في مقتطفي أبريل ويونيو.» قول مخالف للحقيقة؛ لأننا نعلم ويعلم كل قارئ أن المقتطف يصدر مرة في الشهر لا مرتين، فكان يجب عليه أن يقول: «في مقتطف أبريل ويونيو.» فيكون معنى المعطوف: ومقتطف يونيو، أما لو كانت المجلة تصدر مرتين في الشهر، فكان القول صحيحًا، وإلا فكيف يكون قوله لو كان المقتطف يصدر مرتين في الشهر؟ وهناك وجه آخر للقول وهو: في مقتطف أبريل ومقتطف يونيو، على أن كلامه كما ذكره يجوز لكن على ضعف، وهو من تعبير المولدين لا الفصحاء الصميم.
(٩) لم نفهم هذه العبارة، فحضرة المعترض يكتب في أبريل من سنة ١٩٣٨، ولا جرم أن يونيو سنة ١٩٣٦ هو قبل السنة الماضية أي ١٩٣٧، أفتكون سنة ١٩٣٦ في غير وقت، حتى يقول: «التي قبل السنة الماضية؟» هذا كلام مطلسم لا نصل إلى كنهه، ولا نفهم وجه هذا التأكيد الغريب في بابه ولا التعبير عنه بهذه الصورة.
(١٠) لا نرى ولا يرى أحد أن الدهن بهذا اللفظ وهذا المعنى عامية ولا أنها مولدة؛ إذ إنَّنَا وجدناها في عهد سابق للمسيح حين معارضتنا إياها باليونانية δημòς démos، فالحرف اليوناني H كثيرًا ما يقابل حرفًا محذوفًا، ولا سيما حرفًا حلقيًّا، وهو هنا يقابل الهاء، وأما الميم في آخر اليونانية، فيقابله نون في لساننا أو ميم أيضًا، ويقابله هنا نون، وهذا ليس عجيبًا فإن هذه المعاقبة تُرى في العربية نفسها، فيقال: المدى والندى (الغاية)، والبنام والبنان، وقال الأزهري في القعن والقعم: العرب تعاقب الميم والنون في حروف كثيرة لقرب مخرجيهما مثل الأيم والأين للْحَيَّة، والغيم والغين للسحاب، ولا أنكر أن يكون القَعَن والقَعَم منها (اللسان في قعن)، ونقَلهُ صاحب التاج ولم يَعْزُهُ إلى صاحبه، ومن هذا التعاقب الرسَاطون وأصلهُ: ROSATUM، والماطرون وأصلهُ: MARTYRIUM، وقالوا: بالعكس فام، وهي بالرومية PANIS، وقال اليونان: ματϱα, (mairè) وματϱα, MAIRA، ومعناها عندهم: الكوكب الأكبر والشِّعْرَى اليمانية من كواكب السماء، وهي تنظر إلى «النَّيِّرَة»، وإذا خففتها قلت: «النَّيْرَة». فتكون كاليونانية بقلب الميم نونًا.
(١١) هذا تعبير عامي ركيك، والصواب: لا يصطدم الدهن وكتبَ اللغة، قال في اللسان: «التصادم: التزاحم. والرجلان يَعْدُوانِ فيتصادمان أي يُصَادِم هذا ذاك وذاك هذا، والجيشانِ يتصادمانِ، قال الأزهري: واصطدام السفينتين: إذا ضربت كل واحدة صاحبتها، إذا مرَّتا فوق الماء بحمولتهما، والسفينتان في البحر تتصادمان وتصطدمانِ: إذا ضرب بعضهما بعضًا، والفارسان يتصادمان أيضًا.» ا.ﻫ.
(١٢) لم نفهم سر ذكر مشتراه لفهرس فلوجل في مقالة يتكلم فيها على الدهن، وله مثل هذه الاستطرادات ما يدفع القارئ إلى الْحَيْرة فيما يفكر بأمرهِ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠