أسماء بعض الحيوانات الواردة في هذا الكتاب

(١) الْبَجَعُ

كثيرًا ما خَلط الْكُتَّاب، والأدباء، والنقلة، والمترجمون، اسم هذا الطائر بما يشبهه بعض الشبه، «بالقوق» — راجع ما حققناهُ هنا في هذا الفهرس — أو «اللَّقْلَق».

ونحن نذكر هنا ما يتعلق بالْبَجَع، فإننا لم نجد مَنْ عرف حقيقة هذا الطائر إلا النفر القليل، والسبب هو أن اسمهُ يختلف باختلاف الديار العربية، فأهل الشام يُسَمُّون «اللَّقْلَق» «بجعًا» «كذا» وعليه درج صاحب دائرة المعارف، فإنه وصف «البجع» وصفًا يوافق مرةً «اللقلق»، ومرة «الْبَجَع»، فجاء هذا الطائر في تلك الدائرة يدور مع أصحاب البلاد المختلفة، أو قُلْ جاء طائرًا، لا هو «البجع» ولا هو «اللَّقْلَق».

وأهل مصر الأقدمون يسمونهُ «الْكُيُّ» بضم الكاف وتشديد الياء (راجع ابن البيطار في «الْبَجَع» و«الْحَوْصَل») وقد ذكر نَقَلَته إلى الألمانية والفرنسية أنه هذا الطائر العظيم الْحَوْصَلة؛ أي pélican، وهذه التسمية الفرنسية مأخوذة من اللاتينية PELLICANUS أو PELECANUS، وكلتاهما من اليونانية πεγεχάν, ανος المشتقة من «فَلَقُس» πελέχυς أي القدوم، وعندنا أن الْهَلَّنية فَلَقُس من العربية «الفلق»؛ لأن العوام تزعم أن هذا الطائر الجليل يشق صدره شقًّا ليطعم فراخهُ، أو ليغذيها من دمِهِ.

أما الحقيقة فأن هذا الطائر يخرج غذاء أولاده — وهو اللِّبَأ على ما سَمَّاهُ الجاحظ — من صدرهِ، على حد ما يفعله بعض الطيور؛ إلا أن هذا الأمر يبدو أظهر في البجع؛ لأنه أكبر حجمًا، وحوصلتهُ بَيِّنة لكل ذي عينين؛ فإطعام فراخهِ من لِبَئهِ أَبْيَن للناظرين، وأعظم تأثيرًا في نفوسهم من سائر الطير.

والقول بأن «البجع» يُغذي أولادهُ من دمِهِ كان شائعًا عند الأقدمين، من الغربيين والشرقيين، ولا سيما عند أبناء القرون الوسطى؛ ولا يزال ثَمَّ أناس على هذه العقيدة إلى وقتنا هذا، فإن صاحب المعجم المسمَّى «دليل الراغبين، في لغة الأراميين» في الصفحة ٦٩٧، في الكلام على الطائر الْمُسمَّى بالإرميَّة «قَقا» ما هذا نقله بحروفه: «قَقَّا: قيق. أبو زُرَيْق. بجع: طائر مائي أبيض في صدره حُمْرة، يحب فراخهُ حبًّا شديدًا؛ فإذا مات أحدها، يشق صدره، ويرش عليه من دمِهِ، فيعيدهُ حيًّا؛ ولذا قد شُبِّهَ به السيد المسيح.» ا.ﻫ.

ففي هذا الكلام عدة أوهام؛ الأول: أن ليس في صدرهِ حُمرة. الثاني: أن حبهُ لفراخهِ كحب سائر الطير لفراخها. الثالث: لا يشق صدرهُ، بل يخرج اللِّبَأ من صدرهِ كما تفعل بعض الطير؛ وإنما ذهب العوام إلى هذا الوهم؛ لأن اسمهُ الإرمي يشبه مادة «قاء يقيء» العربية بمعنى القيء، وهو إلقاءُ ما في الصدر «أو المعدة» من الطعام والشراب، كأنه عند زقه فراخه يخرج ما فيه لها. الرابع: إذا ماتت الفراخ فلا طمع في إحيائها بدم الأب ولا بسائر الأدوية. الخامس: أن القيق غير أبي زريق وهذا غير البجع.

فالإرمية «قَقَّا» هي البجع دون سائر اللفظين، وكذلك «الْقَاتْ» عند الْعِبْريِّين.

ومن أسماء البجع التي لم نذكرها في صدر هذا المقال: «الْعُلْجُوم» و«جَمَلُ الماء»، وقد وردت في بعض الكتب «حَمَل الماء» بالحاءِ المهملة، وهي غير صحيحة، و«أبو جِراب» و«السَّقَّاء» وزان شدَّاد، لِحَوْصَلتِهِ التي تشبهُ زق السَّقَّاءِ، وعوام أهل العراق يُسَمُّونه «نُعَيْج الماء».

وكان المصريون يُسَمُّونه في سابق العهد: «بَجَعَا» و«كُيًّا»، وقد ذكر لي الأستاذ النابه مصطفى أفندي جواد، فكتب إِليَّ في ٢٠/ ١/ ١٩٣٨ من باريس يقول لي: قال في مسالك الأبصار في حوادث سنة ٦٨٢ للهجرة: «وفيها، رمى السلطان الملك الصالح علاء الدين علي بن عبد الملك المنصور قلاوون بجعًا بجهة الْعَبَّاسيَّة بالبندق.» ا.ﻫ. ثم قال الأستاذ المذكور ما هذا نصُّهُ: «وقال مؤلف «تشريف الأيام والعصور، بسيرة الملك المنصور» في حوادث هذه السنة نفسها: «ذِكْرُ خروج مولانا السلطان الملك الصالح، والملك الأشرف، للصَّيْد، وصَرْع مولانا السلطان لِكُيٍّ مباركٍ، في رابع عشري شوال من هذهِ السنة خرج مولانا السلطان الملك الصالح، وأخوهُ المتولِّي، الملك الأشرف للصَّيد إلى جهة الْعَبَّاسيَّة … صرع مولانا السلطان الملك الصالح كُيًّا مباركًا».» ا.ﻫ.

ما نقلهُ لنا حضرة الأستاذ المصطفى.

فهذان اسمان مُخْتَلفان لِمُسَمًّى واحد، وكانا معروفين في المائة السابعة في ديار مصر، لهذا الطائر الضخم، «الحوصل»، فهما حرِيَّان بأن يُقَيَّدا لمعرفة لغة ذلك العصر.

«وأما اشتقاق لفظ «البجع» نفسه، فإما أن يكون من بَجَعَهُ؛ أي قطعهُ بالسيف، وهنا سيف الطائر منقارهُ؛ لأنه يُشْبه السيف حقيقة، فيؤيد الرواية المشهورة من شق صدرهِ لإطعام فراخِهِ؛ وإما تصحيف مقصود قصدًا عَمْدًا من «فَجَعَهُ»؛ أي أوجعهُ؛ لأنهُ يوجع نفسهُ بعملهِ المذكور، وقد قالوا إن الْفَجع أن يُوْجَعَ الإنسانُ بشيءٍ يَكْرُمُ عليهِ فَيُعْدَمَهُ» (القاموس)، فتصح أيضًا على هذا الطائر الرواية المذكورة، والله أعلم بالحقائق.

وأما «اللقلق» فطائر آخر معروف بالعراق بهذا الاسم حكاية لصوته، وأهل فلسطين، ولا سيما في جهات حيفا، والكرمل، والناصرة، يسمُّونهُ «أبو سَعْد» بفتح السين، وآخرون يصغرونهُ فيقولون: «أبو سْعَيد» لكن بإسكان السين وفتح العين، وهم كثيرًا ما يصغرون بعض الأسماء على الوجه المذكور، واللقلق كان معروفًا عند عوام العراقيين في عهد العباسيين ﺑ «أبي حُدَيْج»، وكان أهل الأندلس يسمُّونهُ: «فَالَرْغَس» بِالْغَيْنِ، وفي كتاب مفردات ابن البيطار جاءت بالعين المهملة، وأهل شمالي إفريقية يسمونهُ «الْبَلَارج»، وهذه الأسماء الثلاثة الأخيرة من اليونانية PELARGOS، ولليونان لفظة أخرى لهذا الطائر تشبه العربية وهي LOKALOS، وهو بالفرنسية CIGOGNE، وبالإنجليزية STORK، وللعرب اسم طائر آخر هو اللغلغ وهو غير اللقلق على ما حققناهُ، بل أول مَنْ حققه بأدلة لا تُرد الأستاذ الجليل مصطفى أفندي جواد.

(٢) القوق

أغلب الأدباء الذين كتبوا على هذا الطائر لم يهتدوا إلى حقيقتهِ؛ ولا سيما النقلة الذين ترجموا التوراة، منذ أقدم العهد إلى عصرنا هذا، وكذلك قُلْ عن نقلة كتب الأعاجم إلى لساننا الفصحى، فإنهم خلطوا بينه وبين «البجع»، وبينه وبين «اللَّقْلَق»، ونحن نذكر هنا ما يتعلَّق بالقوق:

إننا قلنا في [فصل: تصحيفات وتحريفات وتشويهات المعربات] من هذا الكتاب إن «القوق» — ونزيد عليها هنا: «الْقُقْنُس» أو «الْقُقْنُوس» — هو نفس الطائر الْمُسمَّى باليونانية KYKNOS، أو الرومية CYCNUS، أو الفرنسية CYGNE، وهو طائر من بنات الماء من القواطع وقد يكون من الأوابد، طويل العنق، عريض المنقار، والنوع المشهور منهُ، أبيض الريش، وبياضهُ يقق؛ ولهذا سُمِّي أيضًا بالعربية «قيق»، مقلوب «يقق»؛ أي الأبيض الناصع البياض.

وقد اشتهر عند الغربيين ﺑ «قُوق مَنْطُو» وهو «فِرْجِيل»، و«قوق كَمْبرِي» وهو «فَنَلُون».

وقد عدل أغلب الْكُتَّاب من النقلة عن كتابة «القُوقْنس» بصورة «القُقْنُس»؛ لمشابهته لاسم طائر آخر، لكنه خرافي: وهو «الفَقَنَّس» أي phénix، وقد جاء عنه في تاج العروس ما هذا نِصاب نَصِّهِ: «الفَقَنَّس، كعملَّس، أهملهُ الجماعة، قال الدميري في حياة الحيوان: هو طائر عظيم، بمنقاره أربعون ثقبًا، يصوت بكل الأنغام والألحان العجيبة المطربة، يأتي إلى رأس جبل، فيجمع من الحطب ما شاءَ، ويقعد ينوح على نفسهِ أربعين يومًا، ويجتمع إليهِ العالَمُ يستمعون إليهِ ويتلذَّذون بحسن صوتهِ؛ ثم يصعد على الحطب، ويصفق بجناحيهِ، فتنقدح منهُ نار، ويحترق الحطب والطائر، ويبقى رَمَادًا، فيتكوَّن منه طائر مثله.» ذكره ابن سينا في الشفاءِ والعهدة عليه.

وقد ذكروهُ في شرح قولهِ: «والذي حارت البريَّة فيه.» بيت التلخيص، وشرحهُ في المطوَّل وحواشيهِ؛ وكأنهُ سقط من نسخة شيخنا فنسب المصنف إلى القصور، وهو كما نرى، ثابت في سائر النسخ.

وقال القزويني: هو «قوقيس»، ثم ذكر قصتهُ بمثل ما ذكرها الدميري، وزاد: «فإذا سقط المطر على ذلك الرماد تولَّدَ منهُ دود، ثم تنبت لهُ أجنحة، فيطير طيرًا، فيفعل كفعل الأول من الحك والاحتراق.» ا.ﻫ. كلام الشارح.

قال الأب أنَسْتَاس مَارِي الْكِرْمِليُّ: إني لم أجد في كتاب القزويني والدميري إلا «القوقيس» وذكرا القصة على ما يضاهي الرواية المنقولة عن التاج.

وقد وردت «الفنقس» بصورة «بَنْجِس» في كتاب البلدان ص٢٠٧ من طبع الإفرنج، فالبنجس إذن، هي أقدم صورة للكلمة «فنقس»؛ لأن صاحب الكتاب المذكور هو ابن الفقيه، وقد أنشأ كتابهُ في سنة ١٨٩ للهجرة (أي ٩٠٢ للميلاد).

وقد صَحَّفَ أدباء الترك الأقدمون «الفَنِقْس» أو «الفَقنَّس» نقلًا عن بعض كُتَّاب العرب فقالوا: «قُقْنُوس» و«قُوْقْنُوس» و«قُوْقْنُس» (راجع المعجم التركي للمستشرق الفرنسي بَرْبيه دي مَيْنَار)، وراجع أيضًا ما كتبناه في المشرق (المجلة البيروتية) ٢ : ٩٢٦ (أي في سنة ١٨٩٩).

و«القوق» يسميه الشاميون «وز عراقي» وهو واضح الخطأ، والمصريون «التَّم». قال في صبح الأعشى: «التَّمُّ، بفتح التاءِ وتشديد الميم: طائر في قدر الإِوَزِّ، أبيض اللون، وهو أعظم طيور الواجب، وأرفعها قدرًا.» (٢ : ٦٤).

وقد وردت روايات أُخر «للقُقْنُس» باختلاف نُسخ التآليف؛ منها: «القُوقْنُوْس»، و«القَوْقِيس»، و«الفنقس»، و«الفُقْنُس»، و«القُقْنُوس»، و«القُوقش»، والصحيح من هذه جميعها «القُوق»، و«القوْقْنُس»، و«القُقْنُس».

وأما بمعنى «الفَقنَّس»، فالصواب من اختلاف رواياتهِ: «الفَنِقْس» و«البَنِجْس»، وأما «القَفنَّس» فخطأ، وإن كانت مشهورة، بل أشهر من سائر أخواتها.

وكنا قد ذهبنا إلى أن «القوق» هو «البجع»، اعتمادًا على ترجمة قديمة للتوراة نقلها سعيد بن يعقوب الفيومي المشهور عند الغربيين باسم سعديا الْمُتَوَفَّى سنة ٩٤٣ للميلاد، وتابعهُ في النقل جميع مَنْ تأثره من التراجمة والنقلة.

والآية التي ورد فيها هذا اللفظ هي هذهِ: «شابهتُ قوق البريَّة، صِرتُ مثلَ بومة الأخربة.» (المزمور ١٠١، الآية ٧)، فأراد الناقل بالقوق هنا «البجع» أو «الْحَوْصَل»، وهو غير صحيح، والسبب هو: أن هذهِ الآية الزبورية نقلها الشيوخ السبعون قبل المسيح بنحو مائتي سنة أو أكثر، وسَمَّوه باليونانية PELFKANOS «بَلَكَانُس» وهو بالعبرية «قَاتْ»، وزان سبب، بهمزة في الوسط.

وقد أجمع أعظم فريق من علماءِ اللغات على أن «الْقَأَتْ» هذهِ ساقت كثيرين من المُعَربين إلى هذا الوهم، وكنا نحن من الهاوين في هوَّتهِ (راجع لغة العرب ٨ : ٣٥٨ إلى ٣٦٠)، أما الآن فنعدل عنه إلى الحق، تابعين فيه رأي الأستاذ الجليل «كرلو نَلَّينو» — رحمهُ الله — على ما صرَّح بهِ في مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق (١٠ : ٦٥ إلى ٧٦٠).

ومن أسماء «القوق» التم (راجع ما حققناهُ في مجلتنا لغة العرب ٨ : ٣٦٠)، وأخذ الفرس منَّا اسم القوق فقالوا: «قُو» و«غُو»؛ والترك، فقالوا: «قوغو» جامعين بين اللفظين الفارسيين، أو أنهم صحَّفوا «القوق» تصحيفًا يوافق لغتهم، وراجع أيضًا البجع في هذا الفهرس.

(٣) و(٤) اللغلغ غير اللقلق

على أن الأقدمين من اللغويين كانوا يجعلون الواحد الآخر، ولا يميزون بينهما؛ اعتقادًا منهم أن ما كان بِالْغَيْنِ لغة في القاف، على ما ورد في كلامهم أكثر من أن يُحصى، فقد قالوا مثلًا: سمعت نَغْية حقٍّ أو نقية حق، وامتشقهُ كامتشغهُ، وتزيَّغ وتزيق، إلى آخر ما عندهم، ونرى اليوم في أنحاءِ العراق وبعض مُدُن ديار إيران مَنْ لا يستطيع أن يلفظ «القاف»، بل يقول دائمًا: «الغاف»، فلا يمكنهم أن يقولوا: «الحق»، و«القرآن»، و«القرابة»، بل «الْحَغ»، و«الْغُرآن»، و«الغرابة»، وكل ذلك غريب؛ ولهذا كان رأينا مرة أن اللقلق هو اللغلغ.

وفي حياة الحيوان: «اللَّغْلغ: طائر أعجمي طويل العنق، وكنيتهُ «أبو حُدَيْج».»

وعبَّر عنهُ الجوهري بالقاف، وهو اسم أعجمي. قال: وربما قالوا: «اللغلغ» وفي القاموس في لغغ. «اللغلغ: طائر غير اللقلق.» ا.ﻫ. وقال في لقق: «اللَّقْلق … طائر، أو الأفصح اللقلاق، والجمع لَقَالق.» ا.ﻫ.

وفي اللسان في لغغ: «اللغلغ: طائر معروف. غيرهُ: اللغلغ طائر معروف، قال ابن دُرَيْد: لا أحسبهُ عربيًّا.» وقال في مادة «ل ق ق»: «اللَّقْلَق واللَّقْلَاق طائر أعجمي، طويل العنق، يأكل الحيَّات، والجمع: لقالق، وصوتهُ: اللقلقة، وكذلك كل صوت في حركةٍ واضطراب.» ا.ﻫ.

وفي محيط المحيط: «اللقلاق: طائر أعجمي نحو الإوزة، طويل العنق، وكنيتهُ عند أهل العراق «أبو حُدَيْج»، وربما قالوا: اللغلغ «كذا»، وهو يأكل الحيَّات، ويوصف بالفطنة والذكاءِ، ومن ذكائهِ: أنهُ يتخذ لهُ عشَّيْن، يسكن في كل واحد منهما بعض السنة، وأنهُ إذا أحسَّ بتغيُّر الهواءِ عند حدوث الوباءِ ترك عشهُ وهرب من تلك الديار.» ا.ﻫ.

على أن البصراء من علماء الحيوان من أبناءِ هذهِ اللغة مَيَّزوا بين اللقلق واللغلغ، فقد قال القلقشندي في صبحهِ (٢ : ٦٣): «اللغلغ: الثالث من طير الجليل أو طير الواجب، وهو دون الإوز في المقدار، لونهُ كلون الإِوَز الحبشي إلى السواد، أبيض الْجَفْن، أصفر الْعَيْن، ويُعرف بمصر بالعراقي، ويأتي إليها في مبادئ طلوع زرعها، في زمن إتيان الكراكي إليها، ومن شأنها أن يتقدمها واحد منها كالدليل لها؛ ثم قد تُكَوِّن صَفًّا واحدًا ممتدًا كالْحَبْل، ودليلها في وسطها متقدم عليها بعض التقدم؛ وقد يصف خلفهُ صَفَّيْنِ ممتدين يلقيانهِ في زاوية حادةٍ، حتى يصير كأنهُ حرف جيم بلا عراقة، متساوية الطرفين.»

«ومن خاصَّتها: أنها إذا كبرت، حدث في بياض بطونها وصدورها نُقَطٌ سُودٌ، والفَرْخ منها لا يعتريه ذلك.» ا.ﻫ.

كان رأينا في السابق أن اللغلغ لغة في اللقلق، متأثرين أقوال بعض اللغويين كما ذكرنا قُبَيْلَ هذا، فكتبنا بذلك إلى الأستاذ الجليل المحقق المدقق مصطفى جواد، وهو اليوم في باريس، فكتب إلينا منها في ٢٠ / ١ / ١٩٣٨ ما هذا نصُّه: «… وأما اللغلغ فليس بلغة في اللقلق، كالذي ذكرتم، وإنما هو طائر آخر، اشتق اسمه من لقلقته، واللقلق هو السبيطر، كما ذكرت لكم، وليس بمالك الحزين، قال شارح ديوان المتنبي، وأظنُّهُ شمس الدين ابن الخبَّاز الإِرْبِلِي في قول المتنبي:

وملمومةٍ سَيْفِيَّةٍ ربعيَّةٍ
تصِيح الْحَصَا فيها صياح اللقالق

ما صورتهُ … واللَّقالِقُ جمع لَقْلَقٍ، وهو طائر يسكن العُمران في أرض العراق، وهو كثير في قُرَى العراق … وهو من طيور الجليل، والجليل أربعة عشر صنفًا … إوزة، نَمْر، أنيسة، صَوْغ، أرنوق (كذا، لعلها غُرْنُوق)، لغلغ، كركي، عنَّاز، مِرْزم، عقاب، سبيطر، وهو هذا اللقلق.» ا.ﻫ.

ثم قال الأستاذ متمِّمًا كلامهُ: فهو لم يذكر كل هذا إلا ليؤكِّد أن اللقلق هو السبيطر «وغير اللغلغ»، ثم إن الأوصاف تمنع أن يكون السبيطر غير اللقلق، ففي قصيدة الشاعر العامي عُمَرَ بْنِ السِّفْتِ الذي هرب من الإمام الناصر لدين الله إلى حلب، وامتنع من الادعاءِ للإمام بعد وَصْفِه «المرزم» في مُخَمَّسِهِ:

وبعدهُ السَّبَيْطَر الْمُكَنَّى
أبيضُهُ أسْوَدُ ما ذكرنا
فيهِ لِمَنْ قد يَتَمَعْنَى معنى
مِغْرَزهُ أحْسَنُ ما وصَفْنَا

وقال شهاب الدين محمود الكاتب الحلبي، الشاعر المشهور في كتابه «حُسْن التوسُّل إلى صِناعة الترسُّل» في وصفهِ بعد الْمِرْزَم:

«والتحق بهِ سبيطر، كأنهُ مُدْيَة مُبَيْطِر، يَنْحَطُّ كالسَّيْل، ويكر على الكواسر كالْخَيْل، ويجمع من لونهِ بين ضِدَّيْن، يُقبل بالنهار، ويُدْبِر باللَّيْل، يتلوَّى في منقارهِ الأيْمُ تَلَوِّي السَّنا في الْغَيْم:

تراهُ في الجوِّ مُمْتَدًّا وفي فمهِ
من الأفاعي شجاعٌ أرقم ذَكَرُ
كأنهُ قَوْسُ رامٍ عنقهُ يدها
ورأسُهُ رأسها والحيَّة الْوَتَرُ

فهذا وصف اللقلق وصيدهُ للحيَّات وطيرانهُ بها إلى عُشِّهِ.» ا.ﻫ.

ومن أعجب ما أوكِّد لكم به ذلك ما ورد في ديوان سِبط التعاويذي، ونصُّهُ: «وقال في ناظِرٍ يُلَقَّبُ باللقلق، وكان جماعة من خواص الخليفة — خلَّد الله ملكهُ — يخرجون إلى معاملتهِ للبرزة (أي للْخَرْجة إلى الصيد) بطريق الولع بهِ:

يا ابن عبد الحميد، إني نصيح
لك فاقبل نصيحتي ووصاتي
أنتَ من جملةِ الجليلِ أو ما زِلـْ
ـتَ كثير الأصحابِ والفلواتِ
فَتَخَيَّشْ ففي طريقِ خُرَاسَا
نَ رُمَاةٌ أكرِم بهم من رُمَاةِ
وَتَحَرَّزْ حِفْظًا لنفسِك مِن وَجـْ
ـهِ عِشَاءٍ فهم ووجه عداة
واعتَصِمْ بالجدار لا تَنْأَ عن
عُشِّكَ في مثل هذهِ الأوقاتِ
وتيقَّنْ أن السَّبَيْطَرَ لا يُقـْ
ـصَدُ إِلَّا في مَهْمَهٍ أَوْ فَلَاةِ
أو فَدَعْهَا ولايةً أنت فيها
غَرَضًا للهُمُومِ والآفَاتِ»

يقول لهُ: يا فلان اللقلق، أنتَ من الطير الجليل، فكيف خَرَجْتَ من أعالي الجدْران، وفيها عُشُّك، فتعرَّضت لأن تُرْمَى، مع أنك لو بقيت على الجدار، لم يَجُزْ للرامي رَمْيُكَ؛ لأن السَّبَيْطَر؛ أي اللقلق، أي إياك أعني، لا يُعَدُّ صَيْدًا جليلًا إلا إذا خرج إلى الْمَهْمَهِ والفلاةِ، وأما وهو على الجدارِ فلا.

وقال الشيخ الإمام الفقيه الشافعي، محمد بن إسماعيل بن ودعة المعروف بابن البقَّال، من أهل الظَّفَرِيَّةِ ببغداد، وَالْمُعِيد في المدرسة النظامية، المتوفَّى سنة ٥٨٨، في كتابهِ «المقترح في المصطلح» ما نصُّهُ: «وقد اشترطوا في الاعتداد بالسَّبَيْطَرِ أن يُصْرَعَ في موضع يكون بينهُ وبين الجدران خمس مقامات. وقال في موضع آخر: وأما موضع صَرْعِهِ فاعلم أنْ لا يُشترط إلا في السَّبَيْطَر دون باقي الأصناف، فاشترط الرماة أن يكون بين موضع صرعهِ وبين الجدران خمس مقامات فما زاد … وإنما اشترطوا ذلك؛ لأنهُ يتخذ الجدران سَكَنًا، فإذا قَرُبَ «الرامي» منهُ توقَّفَ في الطيران توقُّفًا يصير بهِ كالمساعد لهُ، لا كما إذا بعُدَ، فإنهُ يجدُّ في طلب مأواهُ، بخلاف ما عداهُ من الطيور العتيق.» ا.ﻫ.

ثم قال الأستاذ المصطفى: أما اللغلغ فقد قال فيهِ عُمَرُ بن السِّفْتِ في مخمَّسِهِ:

والقهقريَّات من اللغالغِ
والْخَزَرِي حُبِّي إليهِ بالغِي
والجفن كالْعَسْجَدِ عند الصائغِ
والقلبُ من حُبي لهُ بفارغ
وبعد ذا حسن المعانيِّ اكتمل
يا حُسنها تحن في صبَاحِها
إن هبت النسمة في صباحها
حتى إذا ما نشرت جناحها
عند حواشي الفيض في مراحها
هُناك يرتاح لها قلب البطل
بمقلةٍ تُشْبِهُ طرف الرِّيمِ
مُسْوَدَّةٍ في غُنْجِها كالميمِ
في مشيها تخطر كالعظيمِ
«إن لَغْلَغَتْ» في الصُّبح والنسيمِ
تهتف بالأسحار صوتًا لم يُمَلْ
طول الشِّتا تسكن في الْعِرَاقِ
وفي الرَّبيع تعزم الفراق
تقتلني في حُبها أشواقي
ثم يصير الدمع كالمهراقِ
إذا نأتْ عني وفي الخدِّ هَطل

وقال في قصيدة أخرى:

هل ذاك بالرقِّ، بالْغُوَيْرِ، أنارَا
أم أضْرَمُوا بلوى الْمُحَصَّبِ نارا؟
وصبا إلى الْبَرَزَاتِ قلبٌ كُلَّمَا
طارت بهِ خُزْرُ اللَّغَالِغِ طارا!

ﻓ «اللغلغ» يترك العراق في الربيع ويشتو به، وهو من بنات الماء، وليس من طير العمران، وليس في الجليل من طيور العمران سوى السبيطر أي اللقلق، ولذلك جعلوا لصيده المقبول الفَتَوِي شروطًا، وقد تقدَّم ذكرها. ا.ﻫ. كلام الأستاذ مصطفى جواد المحقق.

ونحن نشكر لهُ هذه الإفادات الجليلة التي لم ترد مجموعة في كتابٍ، وقد آثرنا درجها هنا إفادة لعلماءِ الطير من أهل هذه اللغة؛ لأن الكتب التي ذكرها السرسور المحقق هي من مخطوطات خزانة الكتب الباريسية، ولم ترد في مصنف مطبوع إلى يومنا.

وفي هذا الكلام تحقيق بديع للسبيطر فضلًا عن اللقلق، واللغلغ، وطير الجليل، ونزيد القراء فائدة أننا سمعنا في أثناءِ إقامتنا على جبل الْمُحْرَقَة (وهو ذُؤابة الْكِرْمِلِ)، في سنة ١٩٢٤-١٩٢٥، كلمة اللُّغْلُغ بضم اللامين كَهُدْهُد.

وقد سبقنا فقلنا إنهم يُسَمُّون اللَّقْلَق أو السَّبَيْطَر «أبو سَعَد» بفتح السين والعين، أو «أبو سْعِيد» بإسكان السين وكسر العين لا بفتحها، ولا يعرف الفتح إلا القليلون.

وليس هنا مكان هذا المقال الطويل العريض؛ إنما دوَّناه للاحتفاظ به، وردًّا على كثير مَنْ كتبوا في هذا الموضوع، وخبطوا فيه خبط عشواء، ولا نريد أن نُسَمِّي أحدًا، فإنهم في أغلاطهم الجريئة، ومماحكاتهم الوقحة، ومجادلاتهم الفارغة، واحتقارهم للناس، غنًى عن ذكرهم بأعيانهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠