هدايا ونصائح لوَد أَمُّونة

افتُتح البَنكُ في وقت حُسِبَ بدقةٍ؛ ليواكب الموسم الزراعي لهذا العام، وجاء الموظفون ونزلوا في ضيافة شركة الاتصالات إلى أن تكتمل اللمسات الأخيرة لميس خاصٍّ بهم، تَم بناؤه من المواد الثابتة، وشبه الثابتة؛ ليوائم المُناخ وطبيعة المكان، كان يدور حوله صريف من القصب والشُّوك كغيره من بيوت السُّكان، ولكن بُنِي الجزء الأسفل من القطاطي بالطوب الأحمر والحجر، الجزء الأعلى من القَش النال والقنا، كما تبتنى القطاطي عادة في الحلة، أول من تعرف عليه موظفو البنك كانت ألم قِشي، كونها تعمل في ميس شركة الاتصالات، وعندما سألوا عن شخص يعمل معهم كمراسلة، اقترحت عليهم وَد أَمُّونة دون تردد، كان الشخص الوحيد الذي بدا لها مفيدًا في هذه المِهنة، ولربما لمعرفتها التي اكتسبتها من معاشرة أولاد المُدن في ميس الشركة، ولمعرفتها لوَد أَمُّونة؛ حيث إنه طيِّع، وطائع، وسهل التعامل، ويمكن إرساله لأي غرض مهما صغر، كإشعال سيجارة مثلًا، ومهما كَبُرَ كخطبة امرأة، فلا يشكو أو يتبرم، دائمًا ما يُرى نظيفًا، طلق الوجه، لا يسكر إطلاقًا بالنهار مهما كان الندامى، أما عند الليل فليس قبل أن يتأكد من أن لا أحد يحتاج إلى خدماته، شخصٌ مثله نادرًا ما يُوجَد؛ حيث السِّمة العامة للرجال هنا هي الفظاظة، والرعونة، والرائحة النتنة. وَد أَمُّونة، وَد أَمُّونة، ما في غيره، ظريف، وسيم، مؤدب، طيِّع، ومسكين، ويترسل، حدثتهم بأنه يعمل الآن في بيت الأم بأجر زهيد، وشرحتْ لهم الصفات التي اعتبرها بعضهم نعمة، لم يرفض شكرها.

اشترى بنطلون وقميص وصتني وصيتا جديدين، وذهب للعمل، في الحقيقة الأم هي التي أعطته المال؛ ليبدو بمظهر يليق بمراسلة، كان يعمل عندها منذ زمن طويل، ومثل أم رءوم دعت له بالتوفيق والنجاح في مهنته المقبلة، وطلبت منه أن يبتعد من خِصْلةٍ وحيدة سيئة رافقته منذ الصغر: «أوعك من القُوالة والسُّواطة»، وتقصد الأم: نقل الكلام من زول لزول.

أرسلت له أمه أمونة من القضارف؛ حيث تزوجت واستقرت، عندما عرفت بوظيفته الجديدة حذاءً جديدًا من الجلد الأصلي، دعت له بالخير والبركة، وحذرته من خِصلةٍ وحيدةٍ سيئةٍ فِيه، رافقته منذ أن أخذ يعمل عند الأم: «أوعك من فَش أسرار الناس»، وتقصد أمونة علاقات الناس العاطفية، وعاداتهم التي يريدون أن تبقى سرِّية.

أهدته أداليا دانيال ساعة سَيكو جميلة لها خلفية ذهبية، كانت قد اشترتها من أحد الجنقو قبل موسمٍ مضى، وحذرته من خِصْلةٍ واحدة سيئة فيه اتصف بها منذ أن عرفته: «أوعك من التعرصة!» وتقصد أداليا دانيال عدم المقدرة على مقاومة الرغبة الجامحة نحو جعل كل فتاة جميلة تنام مع رجل ما، ويكون الفضل له في ذلك وحده، وعندما يتم مثل هذا اللقاء يشعر ود أمونة بِرِضًا في نفسه، ولذة لا تشبهها لذة أبدًا.

أرسل إليه فكي علي طالبًا أن يبارك وظيفته الجديدة، أعطاه حِجابًا يقيه من الحسد والغيرة وأولاد الحرام وبنات الحرام، وحذره من خِصْلة واحدة سيئة فيه عرفها عنه الفكي منذ عامين ونيف: «أوعك من النسنسة والدَّسْدَسَة والخَسْخَسَة»، ويقصد الفكي علي فِعلةً كان هو طرف فيها، والطرف الآخر الشرطة، ولُقِّنَ فيها الفكي درسًا لن ينساه.

طلبته بُوشِي، أهدته شريط أغنيات حبشية وقارورة عطر، وحذرته من خِصْلةٍ وحيدة فيه، إذا تركها فإنه سيمتلك القلوب، قالت له: أوعك من الكذب، وتقْصِد ما شهد به فيما يُشْبه ندوة بغيضة عُقِدَتْ ببيت أَدِّي الخريف الماضي، نُوقِشَت فيها حقيقة عذريتها.

أرسلت له العازة هدية من سجنها بالقضارف، وهي عِبارة عن شَالٍ من الصُّوف صنعته بيديها، وأوصته بأن هنالك خصلة واحدة فيه عليه الحفاظ عليها، وهي: الوفاء، وتقصد كما هو واضح وجلي، التزامه نحوها بدفع ما عليها من دِيَة حتى يتم إطلاقها من السجن.

وطلبه كثيرون لأجل هدايا ووصايا إلَّا أنه اعتذر في أدب جم، في أن الوقت سوف لا يسعفه، وعليه الذهاب إلى العمل، مضى وفي ذهنه وصيةٌ واحدةٌ همستْ بها نفسُه إليه قائلة: أوعك يا ود أمونة تخلي الفرصة تفوتك، اطلع فوق، فوق، فوق، فوق.

بالتأكيد، حتى تلك اللحظة لم يكن في ذهن وَد أَمُّونة ولا في مُخيلته، أو في مُخيلة أي مخلوق آخر أن وَد أَمُّونة سوف يصعد إلى أعلى «فوق، فوق، فوق، فوق»، لدرجة أن يصبح وزيرًا اتحاديًّا بعد عشر سنوات فقط لا غير، وهي قصة مُدْهِشة سيرويها صديقي في كتابه التوثيقي: ثَوْرَةُ الجَنْقُوجُورَايَات.

جاء إلى بيت الأم في الصباح الباكر ستة من الجنقو، في صحبتهم ثلاث جنقوجورايات أخريات ومعهم الصافية، عشرة في تمام حالهم وكمالهم، قابلتهم في الديوان، وهو حيث يُسْتَقبل الضيوف في بيت الأم، قالوا إنهم يريدون الذهاب إلى البنك طالما كان هذا البنك للفقراء والمساكين من المزارعين، كما قِيل في خطبة جمعة قبل عام مضى، في الحق لم يحضرها أي من الحضور، حتى الفكي الزغراد نفسه كانت عنده حَضرةٌ في ذلك اليوم من جنٍّ، جاء على عجلٍ من بلاد الفِرِنجة، كما فسر سر غيابه لاحقًا، أكدوا أنهم يريدون سلفية من المال، تمكنهم من شراء مشروع كبير ينظفونه بأنفسهم، ويحرثونه بوابور يشتريه البنك لهم أيضًا، مزودًا بِمِحراث من ماركة جيدة تم تحديدها بدقة فائقة: موديل، ماركة، صناعةً، ولونًا، إذا صادفت السلفية خريفًا جيِّدًا كريمًا معطاءً سيعيدون أصل الدين في ذات العام، «وتفضل لينا شُويَّة حربَشَات نتقاسمها»، قال أبرهيت وفي فمه ابتسامة كبيرة، جعلت شاربه يبدو طويلًا وعريضًا، ثم أضاف: ونرجِّع للبنك الأرباح السنة اللِّي بعدها، وبعد داك يكون البابور، والدسك، والمشروع، ملكنا نحن برانا، ولا كيف يا إخوانا؟

قلتُ له: كلامك في مكانه، ولكن زي ما عارفين الموضوع دا يحتاج لدراسة جدوى.

سأل جنقوجوراي صغير الحجم أنيقًا، يحمل قلمًا ونوتة في جيب قميصه التترون، كان يجلس ما بين أبرهيت وإحدى الجنقوجورايات: شنو دراسة الجدوى دي؟

ثم تساءلت الصافية: يمكن نشتريها من سُوق القضارف، مهما كلَّف؟

طلبت منهم أن يمهلوني أيامًا قلائل، وبإمكاني إعدادها لهم: ثلاثة أيام بس، كنت أرى أحلامهم بالنجاح والثراء بأم عيني تتطاير حولنا، تملأ المكان إنشادًا، بهجة، وودادًا، قبل أن يذهبوا انتحى بي أبرهيت جانبًا، واعتذر لما بدر منه من رعونة في موضوع صديقي، وأنه ظنه مرسلًا من قِبل الأمن، حدثني عن بعض المصاعب التي لا يزال يُعاني منها من جهات كثيرة، أمنية ودينية متطرفة، نسبة لدوره المزعوم في ترحيل الفلاشا لإسرائيل عام ١٩٨٥م، وأنه مستهدف، وقَدَّم لي نِيَابة عن المجموعة هدية مرتجلة وهي زجاجة كونياك، قالوا فيما قالوا إنها مفيدة لرجل تزوج حديثًا من حبشية جميلة كانت تعمل في بيت أَدِّي، احتفلنا أنا وألم قشي احتفالًا صباحيًّا بالهدية، تناقشنا في فكرة الجنقو الخطيرة، سألتني ألم قِشي سؤالًا مباغتًا: بتظن البنك حيسلفهم؟

قلت لها: ما عارف، ولكن نكتب ليهم دراسة الجدوى، بعد داك الله كريم، يمكن، ويمكن، ما في شيء عند الله بعيد.

أما بيني وبين نفسي، فكنت أعرف النتيجة مسبقًا، واستطعت أن أتخيل تمامًا منظر الجنقو وهم يُطْرَدُون من البنك شرَّ طردة، وأنا معهم أعتذر أو أتوعد، الأمر سيَّان.

ردت ألم قِشي معلنة: الناس ديل وراهم الفكي علي الزغراد ذات نفسه.

وفكي علي كما هو معلوم لا يعمل بالقرآن وحده، ولا بالكجور وحده، ولا بالشجر أو السحر الأسود، ولكنه يعمل بالكتب والقرآن، السحر، التنجيم وعلم الحَرف، ولديه خُدَّام، وبإمكانه أن يفعل ما ينوي فعله، قالت: فكي علي يَدهُ لاحقة، فكي علي يرَوِّب المُوية عديل كدا.

أنا أحد أصدقاء فكي علي، تعجبني حياته البسيطة، ثقته العالية في نفسه، وعلمه، وفعل يده، رائحة أثوابه وجسده الخليط من الصمغ والوبر، وشيء من الجلد المدبوغ، تعطيه مسحة غموض، وتؤكد فيما تؤكد تفرده في كل شيء حتى شميم الثوب، لديه فهم للدين، ليس متقدمًا أو متخلفًا، ولكنه غريب وخاصة في مسألة شُرب الخمر والتكليف؛ حيث يرى أن الناس عند الله ليسوا مسلمين وغير مسلمين، ولكنهم نساء ورجال وأطفال، فالأطفال والنساء غير مكلفين بالعبادة؛ لأن لا مكان لهم في موضوع الثواب بالجنة، فالجنة للرجال وحدهم؛ لذا عليهم دفع تكلفة ما سيجدونه في الجنة هنا في الدنيا، أما في الخمر فإنها محرمة على السُّفهاء والصعاليك فقط؛ لأنهم يتخذونها لهوًا، أما الخيرة والصفوة والمتأدبون من الناس بمن فيهم الحكام، والفقهاء، والقضاء، والفُكَية، فإنها خير جليس لهم، وقال: أفكاري دي كلها كلمني بيها إبليس ذاته، إبليس دا كان واحد من الملائكة، وأكثرهم علمًا وقربًا من الله، الناس ما تستهين بيهُ.

الكونياك الحبشي ألذُّ طعمًا وليست له آثار اليوم التالي للشُّرب من صُداع نصفي مؤلم، حرقان أو غثيان، كل ما يفعله بك أنه يجعلك تتبول كثيرًا وتتشهى ممارسة الجنس، سواء كنت امرأة أو رجلًا، الأحباش يستوردونه، ويصنعونه أيضًا، أما الإريتريون فإنهم يصنعونه بإمكانات محلية لا بأس بها في الغالب، أنا أفضل الحبشي، احتفينا عند منتصف النهار، عند المساء في الحلم جاء إلينا الجنقو على ظهور حُمر الوحش، تتبعهم أشجار السِّمْسِم وعيدان قصب الذرة، وعلى رءوسهم تبيض السمبريات والعشُوشَايَات، أخذوا دراسة الجدوى، وتركوا لي حميرهم الوحشية في معية خريف مطير طيني وشمس حارقة كالنار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠