مُخْتَار عَلي

ثم واصل مختار علي الحكاية، يستطيع الآن مختار علي المَشي لقضاء الحاجة وحده، بل أن يذهب للدكان عند ناصية الطريق، ويشتري حجارة البطارية، قال: لما قلنا كدا بسم الله، ودخلنا السمسم، كَبَّر الجلابي سُماعين ثلاث مرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لَمَّن الخَلا كُلهُ صَنَّ يَوُوُوُوُ.

ثم جاء الجلابي سُماعين بخروفين كبيرين أقرنين، كرامة، وسلامة، وطلب منهم أن يذبحوهما وقتما شاءوا.

عندما يكون السمسم جيِّدًا فتيًّا مرصوصًا كالدرر على ساق حمراء شامخة، يجبر الجنقوجوراي على الانحناء لحصاده، حينها يصبح الحصاد مهرجانًا من الرقص، يغني الجنقو لحنًا واحدًا ثريًّا حلوًا على إيقاع ضربات المنِجل، خشخشة ربط الكُلِّيقَة، ورميها بالخلف، متعة الإنجاز: كُلِّيقَةْ.

كُلِّيقَةْ.

كُلِّيقَةْ.

كُلِّيقَةْ.

تصنع «حِلة» والحِلَّة استطاعوا هذا العام أن يرفعوا سعرها إلى ثمانية جُنيهات، وهو ثلاثة أضعاف سعرها في العام الماضي، كل ضربة مِنْجَل هي جزء من ثروة كبيرة، كل ربطة كُلِّيقَة، كُراع بوليس: هي بعض الحلم يتحقق، كل حِلة أنجزت؛ هي ثمانية جنيهات تنضاف إليها ثمانيات أخريات، ثم ثمانيات أخريات، ثم تسلم إلى الخالة؛ بالحلة: ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + …

ث م ا، +

م، ني +، م

ا، ة + ث

ﻧﻴ، ث-ث + نية

ة، م + ة

نما، ن … ية … + + + نية.

وأحسَّ مختار علي برأسه ثقيلًا، بيديه مشلولتين، رجليه؛ أين هي رجلاه؟

أحسَّ أنه ينسحب، قليلًا قليلًا، ﻳﻨ، ﺳ، ﺣب، من حقل السمسم، حقل الحياة: أبَّكر آدم ما لاحظ إنُهُ أنا اتأخرت، يمكن إلَّا عندما وقعت في الواطا تَبْ، حتين شافاني.

أسبوع بأكلمه قضاه مختار علي مريضًا في التَّاية وحيدًا، حيث يذهب الجميع إلى العمل يتركونه مع الفئران، الزرازير، أولاد أبرق، عشوشاي، وكلب الخفير.

– والله لمَّان تقول جاتني نفسِيَّات، كلمت سماعين الجلابي قلت ليهُ: أنا يمكن أموت هنا في الخلا دا ساكت «بلا فائدة»، وديني الحِلَّة، عندي أخت لي هناك متزوجة، وديني ليها، وشالاني جاباني هنا، رماني رمية واحدة، بت عمي، أختي سافرت همدائييت، راجلها اشتغل هناك في التهريب.

لم يره الجلابي سُمَاعِين مرة أخرى، كأنما رمي بشيء قذر في وادٍ مهمل مهجور، كان قد وعده بأن يحضر المساعد الطبي، أو يأخذه إلى المستشفى المحلي، أو حتى ينادي له الفكي علي ود الزغراد، وهو زول يده لاحقة، لكنه هرب منه هروبًا، كما وصفه بعض الجنقو فيما بعد: هروب جبان.

ولكن بارك الله في الأخوات والإخوان، على رأسهم الصافية، وهي غزالة سوداء نحيلة، قل: نحلة؛ لأنها دائمة الحركة، لها رائحة متميزة، عبارة عن صُنان مختلط ببقية الليلة الماضية، وعرق كدح دءوب، هذه السيدة البسيطة الهزيلة، التي يتبعها لفيف من الجنقو كظل لها، المسالمة، من يحتفي بالإخوان ومجالسهم الطيبة، هي ذاتها الحيوان الشرس الضاري في المشروعات الزراعية، الذي عندما يقتحم حقل السمسم يرمي الحِلَّة خلف الحِلَّة، خلف الحلة، خلف الحلة، خلف الحلة، خلف الحلة.

وكأنها تعمل بماكينة، ما شاء الله، ينجح الجلابي صاحب المشروع حتمًا، إذا نجح في أن يضم الصافية إلى فريق عمله، حكى مختار علي: قالت لي الصافية: أنا حأدب ليكم سُماعين ود الحايل، حَأخَليهُ يَبْكي بِدِموعُهُ.

جابت لي الممرضة، جابت لي الفكي علي ود الزغراد بنفسه، جابت لي القِضيم، جابت لي العدسية، جابت لي أم جَلاجِل وعِرْقَهَا المُر، سوت لي المديدة، الفيتريتة الحمراء، وعصيدة الدُّخُن. قاطعة الشايقي؛ وهو كما يعرف الجميع جعلي، ولكنه ملقب بالشايقي لآثار شلوخ في وجهه: قالوا الصافية دي فيها جنس مرا؟

وعضَّ يده في ألم، ثم أضاف: لو كان بتنعرس، والله أعرسها.

ضحك الجميع في آنٍ واحد، ولو أن بعضهم يخالفه الرأي، بل يحتفظ في أضابير وعيه، برأي عكس ما طُرح تمامًا، لكنهم ضحكوا، تململ البعض، آثروا الاستماع، الكلام عن النساء وفيهن مثل أكل المُوليتة، مُرٌّ حارقٌ، ولكنه لذيذ، دائمًا له طعم متجدد، ربما لأنه يحرك حنينًا منطويًا في ذواتهم عن أم جميلة فُقدت في موطن ما، أو أخت حنينة لم تُنسَ تمامًا، ولكنها مختبئة في ركن غيب الذاكرة، بعيدة قريبة في آنٍ واحد، أو بنت استحال إنجابها، وربما زوجة، عشيقة، صديقة لم تتبين ملامحها بعد في موطن جاءوا جميعًا منه إلى هنا، ولكن أيضًا للصافية خصوصيتها، هنالك جوانب مظلمة في حياتها، خاصة في ما يتعلق بنشاطها الجسدي، وكل ما يدور في هذا الشأن ليس سوى أسطورات صغيرات يمْخِرن في أودية وخيران دافئة، تحت سنطات وسيالات عجفاوات، وعلى حوافر الثعالب والأرانب والحَلُّوفات، أسطورات حالمات وديعات.

قال له مختار علي متحديًا، وقد نسي أم تناسى حكايته: إنت لقيتها وين؟

قال أبَّكر آدم: لو ما لقيتها ما بكون سمعت بحكايتها مع وَد فُور، يا أخوي لو ما مُتنا شقينا المقابر.

حسنًا، سوف لا نتطرق إلى هذه الحكاية الآن؛ لأنها معروفة ومكرورة، وقد يتولد لدى البعض بأننا نعرف كل ما يحيط بها، وهذا مجانب للحقيقة، فكل شخص في هذا المكان يحتفظ برواية خاصة به عن الصافية وود فور، حُكيت من قبل من قِبل عشرات الأشخاص؛ نساء ورجال وأطفال، وكل حكاية ما كانت تشبه الأخرى، وما جاءت به، ما يُشبه الندوة في بيت أدَاليا دَانيال يوم مريستها؛ كان شيئًا آخر.

الجناح الذي خصتنا به الأم من بيتها الكبير المتسع يقع في آخر صف من القطاطي، الملحقة برواكيب صغيرة ممتدة في شريط قد يصل طوله إلى مائتي متر، وهو موقع شبه مهجور، وربما خاص، اكتمل المزاج بالشيشة حيث برع في إعدادها وَد أَمُّونة الذي لم يحتمل بقاءنا بدون نساء يحلين طعم القَعَدة ويكسبن بعض المال، ولم تعجبه فكرة أننا نكتفي بهذا الوحش — في نظره — الصافية، وذكر في أذني اسم ألم قِشي، كلما وجد فرصة لفعل ذلك؛ لأنه لا يعرف عني زهدي في النساء، ظل يلاحقني إلى أن لاحظتْ ذلك الصافية، فتحدثت معه بأسلوب غليظ، حرمنا من نكاته وملاحظاته الجميلة عن الحِلَّة وناسها وعن السجن، وحرمنا من نفحات عطر راقٍ يَنْسِمها، صمت ثم خرج.

قالت لنا الصافية من بين قرقرات الشيشة، وكأنها تمتص العالم كله في نفس واحد: البلد دي أسَّستها حَبُوبَتِي «جدتي» الصافية، أنا سموني عليها، لمَّان جات هِنا كان البلد ما فيها غير المرافعين «الضباع»، والقرود، والحَلُّوف، والجنون، البلد كُلها غابة كِتِر، ولالُوب، ونَبَك.

حَكَتْ لنا حكايات كثيرة ممتعة عن المكان قبل عشرات السنين؛ عن سُجناء يهربون ﺑ «الفِرو» من سجن الحُمرة بإثيوبيا، عن شياطين يسكنون ويتزاوجون مع البشر، عن بشر يتحولون إلى حيوانات وغربان، عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت «أشباح».

وعن أناس عندما يموتون ويحيون سبع مرات، يتحولون إلى أبي لمبة، وعن بشر يأكلون البشر، وعن، وعن.

إلى أن قاطعها صديقي سائلًا: قولي لينا حكايتك شُنُو مع ود فور؟

أنا والحق يُقال خفت، ولأول مرة في حياتي أخشى ردود أفعال لا أستطيع أن أتنبأ بها إطلاقًا، نهضتْ مدتْ خرطوش الشيشة إليَّ، دون أن تنظر إلى أيٍّ مِنَّا، مشتْ نحو قُطيةٍ تبعد قليلًا عن مَجلسنا، القطية الأكبر حجمًا، منذ أن غابت الشمس أضاءها وَد أَمُّونة مع بقية القطاطي الفارغة، حتى لا يتخذها الشيطانُ مسكنًا، اختفت هناك لم يُسْمَعْ لها حس، لم أستطع أن أتفوه بكلمة، ولو أنني كنت في أشد الحاجة لكي ألومه، وأن أكرر ملحوظتي عن سلوكه الفظ وطريقته المباشرة الفجة عند مخاطبة الناس.

«تعلم الكياسة، تعلم كيف تخاطب الناس.»

لم أتفوه بكلمة واحدة، وضعتُ الخرطوش جانبًا، نهضتُ، ناديتُ بأعلى صوتي: يا ود أمونة.

وفي لمح البصر، وكأنما كان ينتظر خلف الباب مترقبًا النداء، جاء ووقف أمامي في أدب وهدوء قائلًا: نعم؟

قلت له: أرح، نمشي.

لم يَقُل إلى أين ولكنه مضى أمامي ومشيت خلفه، كنا نهرول هَرْوَلة، دخلنا زقاقًا ضيقًا أفضى بنا إلى زقاق ضيق عبر صف من الرواكيب والقطاطي، عبرنا شجرتي نيم خلف زريبة تبيناها من رائحة روث البهائم تفوح منها رائحة «المُشُك»، ثم يتلوى بنا زقاق آخر؛ ليلفظنا خارج بيت الأم في طريق رحبة، يؤمها السكارى والعاشقون ولفيف من خلق الله، من الجنقو، والجلابة، وبعض عساكر الجيش، ومضى وَد أَمُّونة، ومضيت خلفه صامتًا إلى أن دخل بيت مختار علي، حينها قال لي: إنت عايز بيت مختار علي، مش كدا؟

قلت له: أيوه.

ولم أسأله كيف عرف ذلك، دخلنا وجدنا مختار علي، وقد خلد إلى النوم، استيقظ بمجرد أن ولجنا الحوش الكبير وصاح: منو؟

قال وَد أَمُّونة: نحنا يا مختار.

– مرحبا، اتفضلوا.

قال لي وَد أَمُّونة مستأذنًا: أنا عندي شُغُل في بيت الأم، لو ما كدا كنت قعدت معاكم، الليلة في ضيوف كُتار في البيت، نتلاقى الصباح.

ودون أن ينتظر ردًّا مني ذهب واختفى في الأزقة التي حتمًا ستسلمه إلى أزقة، التي سوف تلقي به في بيت الأم.

بيني وبين نفسي كنت قد فسرت هروب وَد أَمُّونة مني، وادعاءه المشغولية بعودته السريعة إلى بيت الأم، كان يريد أن يشهد بأم عينيه ماذا سيجري ما بين صاحبي والصافية، سألني مختار علي بصوت نعسان مرهق عن صاحبي، قلت له: تركته في بيت أَدِّي مع الصافية.

قال محتجًّا وقد طار النعاس من عينيه: لييه؟

قلت له في برود: رغبته.

قال وقد جلس: لكن مع الصافية؟

قلت مؤكدًا: نعم مع الصافية.

قال لي: ما سمعت قصتها مع ود فور؟

قلت ببرود: ولكن قصتها معك كانت مختلفة.

قال محتجًّا: الموضوع مختلف، معاي براو «بشكل»، ومع ود فور براو.

قلت له: هل أنت متأكد من أن قصتها مع ود فور صحيحة؟

قال مستسلمًا: في الحقيقة ما في زول متأكد من الحصل بالضبط لود فور، ولكن الناس كلها متأكدة إنو حصل ليهُ شيء، كويس؟ كعب؟ الله يعلم، المهم ربنا يستر.

قلت له وقد عاد واضطجع في السرير: ما يهمني إنا «أنها» ما حتقتله؛ لأنو ما بيموت بالساهل، وكل شيء غير الموت هو تجربة مفيدة في حياة الزول بتنفعه وما بتضره، كعب الموت بس.

ولكي ينهي النقاش سألني مختار إذا كنت أرغب في النوم داخل القُطِية مثلما يحب صديقي، أكدت له أنها رغبتي أنا أيضًا، وأنني معتاد على ذلك منذ صغري، طالما لم تكن لديَّ رغبة في النوم، قلت لنفسي: لأجرجرنه في الكلام ولو في الموضوعات التي يحبها كبار السن مثله.

– ليك كم سنة هنا؟

انقلب على جنبه الأيسر ليقابلني وجهًا لوجه: والله ما بتذكر أنا جيت «جئتُ» هنا متين «متى» أول مرة، لكن من ما كانت الحِلَّة دي بيت واحد كبير مزروب بشوك الكتر، والسيال، المرافعين والثعالب تحوم، والشمس في نص السما، كان الجلابة البيزرعوا هنا، محسوبين على أصابع اليد الواحدة، والأرض المزروعة ذاتها كانت صغيرة وضيقة، كنت أنا وكيل مشروع، أكبر مشروع، ما بشوف التاجر الجلابي دا إلَّا يوم الحصاد وبس، كل البوابير، والعمال تحت إدارتي أنا، ولكن نحنا ما فينا فايدة، الواحد بيلقى العشرة والعشرين في زمن القرش الواحد عندو قيمة، ولكن الواحد مننا يشيل القروش وينكسر في كنابي «بيوت» المريسة في «الحُمرة» في فريق قرش: دي حلوة، دي مُرَّة، دي حامضة، دي فطيرة، دي خميرة، دي فتاة، ودي عزباء، دي شرموطة، ودي شريفة، لحدي ما يكمل الفي جيبهُ، وتاني يبدأ من جديد، أكثر من أربعين سنة بالصورة دي، يمكن حتى تقوم الساعة دا لو ما انتهى الواحد مننا في شجرة الموت، في فريق قرش، وتبقى سوء الخاتمة.

قلت له مندهشًا: شجرة الموت؟ تقصد سدرة المنتهى؟

– لا، دي شجرة الموت دي شجرة كبيرة في الحُمرة في فريق قرش، لمَّان يكبر الجنقوجوراي خلاص، ويقرِّب من الموت، أو يمرض مرض تاني ما في عافية بعده، يمشي وحده، أو ترميه الفدادية «صانعة المريسة» صاحبة البيت في الشجرة دي حتى يموت، الإخوان ما بيقصروا منه يدوهُ الفيها النصيب كان طعام، كان قُرُوش، كان هُدُوم، كان شراب، كان تُمباك.

قلت له ثائرًا: لييه ما يرجعوه لأهله؟

– ما في زول يقبل يرجع لأهله بعد العمر دا كله، يرجع ليهم زول موت؟ عيب والله؟

ثم حدثني أن الجنقوجوراي، أي جنقوجوراي، يأتي إلى هنا للعمل موسمًا واحدًا فقط ويقول لنفسه: إنه بعد هذا الموسم سوف يعود لأهله، يبسط أمه، وأخواته، ويتزوج، فيعمل موسمه الأول، ولكن أولاد الحرام وبنات الحرام دائمًا له بالمرصاد، فيشرب قروشه كلها مريسة، وعرقي، وينوم مع النسوان، ويصاحب، ويقول السنة الجاية بعد حصاد السمسم مباشرة سوف أعود إلى أهلي وهكذا، إلى أن يبلغ من العمر عتيًّا، فيمرض ويموت، قال ضاحكًا: أنا في حياتي ما شفت جنقوجوراي واحد رجع لأهله! إلَّا إذا جاء أهله، وساقوه من هِنا.

– غريبة!

ثم أضفت وقد طغى على ذهني موضوع الشجرة الغريبة: أنا أتمنى أشوف شجرة الموت دي.

– في حي قرش، شجرة مشهورة في الحُمرة جنب بيت العُمدة دَوَدَة، هي مصير الزيِّنا ديل.

قلت له مشفقًا: إنت أهلك وين يا مختار؟

قال في حسرة: أنا ما عندي أهل، أنا حسي «الآن» عمري فوق الستين، بعد دا في أم ولا أبو ولا إخوان بيكونوا موجودين؟ وأنا كنت أصغر واحد في الأسرة.

– أولاد إخوانك وأخواتك وين؟

– لا أعرفهم، ولا هم يعرفوني، وقريتنا ذاتها في دارفور انمسحت بالواطا، ضربتها الحكومة، أنا مصيري بس شجرة الموت يا ولدي، وأنا ما ندمان على شيء، والله عشت زي ما عايز، واستمتعت بحياتي في شبابي، وحتى الآن أنا بعمل وبجيب دخل، وأنا مقتنع أنه أي إنسان ضاق نُسْوَان البلد دي، وشرب مريستها تاني ما بيفارق عيشتها، وأنا لا خليت نساوين ولا مرايس، من خشم القربة حتى فريق قرش في الحُمرة، ومن الحواتة حتى الفزرا، بس أنصحك يا ولدي ما تفرط في حياتك.

قلت بيني وبين نفسي: والله فرطتُ وانتهى.

قلت له: الله يستر، الله يستر.

استيقظنا مبكرين كعادة ناس البلد هنا، ينامون مع الدجاج ويستيقظون معه، ما عدا السكارى، والعشاق، يسهرون إلى ما بعد منتصف الليل، ويستيقظون مبكرين، تركتُ له ما تبقى لديَّ من تُمباك، وقصدت بيت الأم مباشرة، كانت الشوارع تضج بالمارة القادمين من القرى القريبة في طريقهم إلى سوق الجمعة، البربارات مشحونة بالسمسم، القرويون يقتسمون ظهرها الضيق، مرَّ أمامي لوري، ثم كارو لماء الشرب، ناداني الطفل الذي يقود الحمار باسمي، عندما التفت إليه معيرًا إياه كل انتباهي خاطبني قائلًا: صاحِبك أُمبارح نجمتو الصافية.

قلت مندهشًا: شنو؟

قال مكررًا في استمتاع خاص، ولذة قوالاتية بالغة: صاحِبك الصافية أُمبارح «بالأمس» ورتُو «أرته» نجوم النهار.

قلت بسرعة: وين؟

قال وهو يطرق برميل الماء إعلانًا لمائه: أمبارح، بعدما مشيت خليتُهُ، وسبتُهُ إنت وود أمونة في بيت أَدِّي مع الصافية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠