كيف كان يكتب؟

اختيار الموضوع، كان أولَ عمل يحتفل له الرافعي، وإذ كان لم يعمل في الصحافة قبل اشتغاله بالرسالة، فإنه لم يتعوَّد من قبلُ أن يفتش عن الموضوع؛ إذ لم يكن يحاول الكتابة إلا أن يدفعه إلى الكتابة دافع يجده في نفسه قبل أن يطلبه، فلما دعاه صاحب الرسالة إلى العمل معه، راح يلتمس الموضوعات التي تصلح أن يكتب فيها للرسالة، فكان يضيق بذلك ويتحير، ثم لم يلبث أن تعوَّدها، فكان يرسل عينه وراء كل منظر، ويمد أذنه وراء كل حديث، ويرسل فكره وراء كل حادثة، ويلقي باله إلى كل محاورة، ثم يختار موضوعه مما يرى ويسمع ويشاهد ويحس، ثم لا يهم أن يجمع له فكره ويهيئ عناصره، إلا أن يجد له صدًى في نفسه، وحديثًا في فكره، وانفعالًا في باطنه، وكثيرًا ما كان يعرض له أكثر من موضوع، وكثيرًا ما كان يتأبَّى عليه القول فلا يجد موضوعه إلا في اللحظة الأخيرة، واللحظةُ الأخيرة عنده قبل موعد إرسال المقال بثلاثة أيام!

فمن خشية مثل ذلك كان دائمًا في جيبه ورقات يكتب في إحداها عنوان كلِّ ما يخطر له من موضوعات الأدب؛ ليعود إليها عند الحاجة، ويتخذ الورقات الباقية مذكرة يقيد فيها الخواطر التي تتفق له في أيٍّ من هذه الموضوعات أين يكون، وبلغ بذلك أن يجتمع عنده في النهاية ثبت حافل بعناوين مقالات لم يكتبها ولم يفرغ لها، وورقاتٌ أخرى حاشدة بخواطر ومعانٍ شتى في أكثر من موضوع واحد، لا تربط بينها رابطة في المعنى ولا في الموضوع، ومن هذه الورقات، ومن فضلات المعاني في المقالات التي كتبها وفرغ منها، كان يختار «كلمة وكليمة» التي كان ينشرها على قراء الرسالة في فترات متباعدة كلما وجد حاجة إلى الراحة من عناء الكتابة، فهذه الكلمات هي إحدى ثلاث: خواطر مبعثرة كان يُلقاها في غير وقتها، أو عناوين موضوعات لم تتهيأ له الفرصة لكتابتها، أو فُتات من مقالات كتبها وفرغ منها وبقيت عنده هذه المعاني بعد تمام الكتابة؛ إذ لم يجد لها موضعًا مما كتب.

وبسبب أنه كان يقيِّد عناوين الموضوعات التي كان يختارها ليكتبها في وقتها، كان يَعِد قراءه أحيانًا بموضوعات ثم لا يكتبها ولا يفي بما وعد؛ لأنه لا يملك منها إلا عنوانًا في ورقة بيضاء.

ومن ذلك مقالة «الفيلسوف الزبَّال» التي وعد أن يكتبها حين أنشأ قصة «بنت الباشا»،١ ثم مضتْ ثلاثة أعوام ووفاه الأجل وما تزال مقالة الزبال عنوانًا في رأس ورقة تحته نثار من الخواطر والمعاني التي كان يدخرها إلى يومها المؤمَّل!

ولقد وجدْتُ على مكتبه في طنطا غداة نعيه كثيرًا من هذه الورقات، تشير إلى كثير من أمل الأحياء، وإلى كثير من خداع الحياة …!

•••

فإذا تم له اختيار الموضوع الذي يتهيأ لكتابته، تركه للفكر يعمل فيه عمله، وللواعية الباطنة تهيئ له مادته، ويدعه كذلك وقتًا يطول أو يقصر، يقيد في أثنائه خواطره لا تكاد تفلت منه خاطرة، وهو في ذلك يستمد من كل شيء مادة وَحْي، فكأن في كل موجود يراه صوتًا يسمعه، وكأن في كل ما يسمعه لونًا يراه، وكأن في كل شيء شيئًا زائدًا على حقيقته يملي عليه معنًى أو رأيًا أو فكرة.

فإذا اجتمع له من هذه الخواطر قدر كافٍ — والقدر الكافي لتجتمع له هذه الخواطر هو يومان أو ثلاثة — أخذ في ترتيبها معنًى إلى معنًى، وجملة إلى جملة، ورأيًا إلى رأي، فهذه الخطوط الأولى من هيكل المقالة.

ثم يعود بعد ذلك إلى هذه الخواطر المرتبة — بعد أن ينفي عنها من الفضول ما يدخره ﻟ «كلمة وكليمة» أو لموضوع آخر — فينظر فيها، ويزاوج بينها، ويكشف عما وراءها من معانٍ جديدة وفكر جديد، ولا يزال هكذا يزاوج ويستولد، ويستنتج من كل معنًى معنًى، ويتفطر له عن كل رأيٍ رأي، حتى تستوي له المقالة فكرةً تامة بعضها من بعض، فيكتبها.

إلى هنا يكون قد انتهى عمل الذهن، وعمل النفس، ويبقى عمل الفن والصناعة لتخرج مقالة الرافعي إلى القراء في قالبها الأخير الذي يطالع به الأدباء.

•••

لم تكن الكتابة عند الرافعي فكرةً ومعنًى وعاطفة فحسب، بل كانت إلى ذلك فنًّا وأسلوبًا وصناعة، والأدب العربي منذ كان إلى أن يُطوى تاريخه بين دفتين هو فكر وبيان، ما بدٌّ من اجتماع هاتين المزيتين فيه ليكون أدبًا يستحق الخلود، ذلك كان رأي الرافعي ومذهبه؛ فمن ذلك لم يكن يعتبر المقالة وقد انتظمت في خاطره معنًى وفكرة، مقالةً تستحق أن تكتب وتنشر إلا أن يهيئ لها الثوب الأنيق الذي تظهر به لقرائها، وهذه هي المرحلة الأخيرة.

وأول ما يعنيه في ذلك هو بدء الموضوع وخاتمته، لست أعني العبارة التي يبدأ بها والتي يختم، ولكني أعني طريقة البدء والختام في الموضوع، شأنه في ذلك شأن القاصِّ، تجتمع له أسباب القصة بمقدمتها وحوادثها وما آلتْ إليه مرتَّبة ترتيب الحادثة بما بدأتْ وما انتهتْ، حتى إذا أراد أن يحكيها لمن يسمع أو يكتبها لمن يقرأ، قدَّم وأخَّر، وأظهر وأخفى، وبدأ القصة بما لم تبدأ ليعقد «العقدة» ويُرصد للحل والنفسُ مستشرقة إليه متطلعة إلى خاتمته … وكذلك كان الرافعي يفعل في مقالاته.

… فإذا عقد العقدة ورتب موضوعه ترتيب الفصول في الرواية، آن أوان الأداء فأخذ له أهبته، فيطوي وريقاته ساعة ليرجع إلى كتاب، أي كتاب، من كتب العربية يقرأ منه صفحات كما تتفق لإمام من أئمة البيان العربي، فيعيش وقتًا ما قبل أن يكتب في بيئة عربية فصيحة اللسان، وخير ما يقرأ في هذا الباب، كتب الجاحظ وابن المقفع، أو كتاب الأغاني لأبي الفرج.

وسألته في ذلك مرة فقال: «نحن يا بنيَّ نعيش في جوٍّ عامي لا يعرف العربية، ما يتحدث الناس وما ينشئ كُتاب الصحف في ذلك سواء، واللسان العربي هنا في هذه الكتب، إنها هي البادية لمن يطلب اللغة في هذا الزمان، بعدما فسد لسان الحضر والبادية …»

على أنه كان لا يُفيد من هذه القراءة اليسيرة قبيل الكتابة إلا الجو البياني فقط، أما حروف اللغة وأما أساليب اللغة، فلم تكن تعنيه في شيء، فيقرأ عجلانَ غير متلبِّث كما يطالع صحيفة دورية، حتى يفرغ من الفصل الذي بدأ، ثم يطوي الكتاب ويستعد للإملاء.

وإذا كان كثير من الكتاب تزعجهم الحركة والضوضاء وتعوقهم عن الاستمرار في الكتابة،٢ فإن الرافعي كان — على ما في أذنيه — يزعجه أن يمر النسيم على صفحة خدِّه … كان مكتبه إلى جانب باب الشرفة، وكان لي نضد صغير إلى جانب مكتبه حيث أجلس ليملي عليَّ، فكان يلذُّني أحيانًا والجوُّ حارٌّ أن أفتح باب الشرفة لأتروَّح، فلا تكاد تهب نسمة بجانبه حتى يكف، وعرفتُ عادته هذه فكنت أغلق الشرفة والنافذة جميعًا، لأَصْلَى حرَّ الغرفة أربع ساعات أو يزيد حتى يفرغ من إملائه، وكان يؤذيني من ذلك أنني كثير التدخين، والحر والمجهود العصبي يزيدان الرغبة فيه، فلا تمضي ساعتان منذ بدأنا حتى يفسد جو الغرفة، فأفتح الشرفة لتجديد الهواء برهة نتبادل فيها الحديث، ثم أعود فأغلقها ليملي عليَّ … على أنه في غير وقت الكتابة كان يحب أن يقضي في الهواء الطلق أكثر وقته، حتى في برد الشتاء القارس، فكان إذا فرغ من إملائه خرج إلى الشرفة البحرية يفتح صدره للهواء يعبُّه عبًّا كما يُقبل الشارب الحرَّان على الماء في يوم قائظ …

ولم أكن أقاطعه حين يملي عليَّ مقاطعةً ما، إلا حين أشعر أنه يهم بالانتقال في الموضوع من فصل إلى فصل، فأُلقي إليه ما أريد أن أقوله مكتوبًا في ورقة، لأحاوره في عبارة أو لأستوضحه معنًى … ثم يعود إلى إملائه وأنا أكتب صامتًا، وهو لا يرفع عينيه إليَّ، كأنما يتحدث من وراء ستار إلى سامع غير منظور، أو كأنه في نجوى خاصة ليس فيها سامع ولا مجيب، ولقد كان يُخيَّل إليَّ أحيانًا وأنا صامت في مجلسي والقلم يجري في يدي على الصحيفة وأذني مرهفة السمع كأنه في شبه غيبوبة يتحدث إلى نفسه والمجلس خالٍ إلا منه، فما أنا فيه بشيء إلا إدراكًا غير مجسَّد، وأحيانًا أخرى كانت تتسع روحه وتنبسط حتى تشملني، فما أكتب كلامًا يمليه عليَّ، ولكن تمليه نفسي على نفسي وإن صوته ليرنُّ في أذني بما سبق إليه خاطري …

ولم يكن يملي مسترسلًا، ولم يكن يملي وانيًا متمهلًا، ولم يكن في كل أحواله سواءً، فحينًا يُطاوعه القول، وحينًا يتأبَّى عليه فيسكت وهو يدُقُّ على المكتب بحديدة في يده ويغمغم بصوت لا يبين، فإذا طال به الوقوف تناول كتابًا أيَّ كتابٍ على مكتبه، فيفتحه فيقرأ كلمة أو سطرًا أو جملة، ثم يطوي الكتاب ويعود إلى الإملاء، ولقد يراه مَن يراه في هذا الوقت فيحسبه يملي مما قرأ، وما به ذاك، ولكنها كانت لازمة من لوازمه تعوَّدها حين يُرتج عليه، وتعوَّد أن يجد فيها مفتاح القول …

ولقد تأبَّى عليه القول مرة فطال به الصمت، فمدَّ يده إلى كتاب على مكتبه وهو يقول ضاحكًا: «يا أخي، لقد تعوَّدتُها وما أجد لها علة، وتعودت بها أن أجد ما أريد عند أول كلمة أقرؤها ولو كان الكتاب معجمًا لغويًّا …» وكان الكتاب الذي مدَّ إليه يده هو «القاموس المحيط» قلت: «إن في بعض الأشياء مثل المفاتيح العصبية …» قال: «صه، هذه هي الكلمة التي أريدها: المفاتيح العصبية …» ثم طوى الكتاب وعاد إلى الإملاء.٣
وكانت له عناية واحتفال بموسيقية القول، حتى ليقف عند بعض الجمل من إنشائه برهة طويلة يحرك بها لسانه حتى يبلغ بها سمعه الباطن، ثم لا يجد لها موقعًا من نفسه فيردها وما بها من عيب، ليبدل بها جملةً تكون أكثر رنينًا وموسيقى، وكان له ذوق فني خاص في اختيار كلماته، يحسه القارئ في جملة ما يقرأ من منشآته، وكنت أجد الإحساس به في نفسي عند كل كلمة وهو يملي عليَّ، هذا الذوق الفني الذي اختص به، هو الذي هيَّأه إلى أن يفهم القرآن ويعرف سر إعجازه في كل آية وكل كلمة من آية وكل حرف من كلمة، وحَسْبُ القارئ أن يعود إلى تفسير الرافعي لقوله — تعالى: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ٤ ليرى نموذجًا من هذا الذوق الفني العجيب في فهم اللفظ ودلالة المعنى، يقابله وجه آخر من هذا الذوق في اختيار ألفاظه عند الإنشاء، وكان إلمامه بمتن اللغة، وإحاطته بأساليب العربية، ومعرفته بالفروق اللغوية في مترادف الكلام، مُعينة له عونًا كبيرًا على البلوغ بعبارته هذا المبلغ من البيان الرفيع، احتاج مرة أن يعبر عن معنًى في أسلوب من أسلوبه، فتأبَّى عليه القول، فأخذ يغمغم برهة وأنا منصت إليه، فإذا هو يقرأ لنفسه من ذاكرته بابًا من كتاب المخصص لابن سيده، ثم دعا بالكتاب فأخرجتُه إليه، فما هو إلا أن فتحته فوقع على مراده حتى طوى الكتاب وعاد إلى إملائه، وهو على صحة عبارته وسلامتها قلما كان يلجأ إلى معجم من المعاجم ليبحث عن كلمة أو معنى كلمة، ومع حرصه على أن يكون قوي العبارة عربي الديباجة قلما كان يستعمل عبارة من عبارات الأولين، وكم أجدَّ على العربية من أساليبه ومعانيه، وكان له في إنشاء «الكناية» إحساس دقيق، وأحسب لو أن واحدًا من أهل البيان أراد أن يتتبع ما أجدَّ الرافعي على العربية من أساليب القول، لأخرج قاموسًا من التعبير الجميل يعجز عن أن يجد مثله لكاتب من كُتَّاب العربية الأولين؛ إذ كان مذهب الرافعي في الكتابة هو أن يعطي العربية أكبر قسط من المعاني ويضيف ثروة جديدة إلى اللغة، وقد بلغ ما أراد.

إنني لم أعرف كاتبًا غير الرافعي يجهد جهده في الكتابة أو يحمل من همها ما يحمل، وما أعرفه حاول مرة واحدة أن يسخر من قرائه أو يشعوذ عليهم ليملأ فراغًا من صحيفته يريد أن يمتلئ، على أنه أحيانًا كانت تدعوه دواعٍ إلى كتابة لم يتهيأ لموضوعها أو يفرغ له باله، فيمليها على عجل بلا إعداد ولا توليد، ولكنك مع ذلك تجد عليها طابع الرافعي وشخصيته، فتعرف كاتبها وإن لم يذيلها باسمه، والعجيب أن هذا النوع من المقالات التي كان الرافعي يكتبها بلا إعداد ولا احتفال كان أحبَّ إلى كثير من القراء، وكان الرافعي يرتفع به عن منزلته درجات عند طائفة منهم …

والشاي أو القهوة هما كل المنبهات العصبية التي يطلبها الرافعي عندما يكتب، وفنجانة أو اثنتان هما حَسْبُه في هذا المجلس الطويل، وعلى أنه في أخريات أيامه قد ولع بتدخين الكركرة — الشيشة — ويستعيض عنها بالدخان في أثناء الكتابة، فإنه لم يكن يشعل إلا دخينة — سيجارة — أو دخينتين في مجلس الكتابة، فكان يشتري العلبة فتظل في درج مكتبه شهرًا إذا لم يزره في مكتبه زائر …

… فإذا فرغ الرافعي من إملاء مقاله، تناوله مني فطواه قبل أن يقرأه، ثم يودعه درج مكتبه إلى الصباح ويخرج إلى الشرفة يشم نسيم المساء … ثم يأوي إلى فراشه …

وأول عمله في الصباح بعد صلاة الفجر أن يعود إلى المقال الذي أملاه عليَّ في الليل فيقرأه ويصححه … ثم يسعى به ساعيه إلى حيث يُنشر … ويفرغ يومًا لنفسه قبل أن يهيئ فكره لموضوع جديد …

مقالة … هي عمل الفكر، وكد الذهن، وجهد الأعصاب، وحديث النفس في أسبوع كامل، ولكنها مقالة … ومع ذلك فقد أنشأ كتاب «رسائل الأحزان» في بضعة وعشرين يومًا، وكتب «حديث القمر» في أربعين، وكتب «السحاب الأحمر» في شهرين …

وقال قائل من خصومه: «إنه يقاسي في هذه الكتابة ما تُقاسي الأم من آلام الوضع …!»

وقال الرافعيُّ يجيبه: «أتحداك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها … وعليَّ نفقات القابلة والطبيبة متى ولدتَ بسلامة الله!»

١  وحي القلم.
٢  حدثني الأستاذ الزيات صاحب «الرسالة» أنه لا يستطيع أن يكتب فصلًا من مثل ما تعود قراؤه أن يطالعوه له في الرسالة، إلا أن يحشو أذنيه قطنًا حتى لا ينفذ إليه صوت ولا نأمة!
٣  انظر مقالة «تربية لؤلئية» وحي القلم الجزء الأول.
٤  سمو الحب، وحي القلم، ج١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠