عمله في الرسالة

أنا لا أعبأ بالمظاهر التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقِبْلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويُمكِّن لفضائلها وخصائصها في الحياة؛ ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيل إليَّ دائمًا أني رسول لغوي بُعثتُ للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه …

الرافعي

لم يعمل الرافعي في صحيفة من الصحف الدورية قبل أن يتصل حبله بالرسالة؛ فإن مذهبه الأدبي لم يكن يعينه على ذلك، وقد قدمتُ القول عن طريقته في الكتابة، وليس يتسع الوقت لمن يكون هذا مذهبه في الإنشاء أن يعمل في صحيفة من الصحف تظهر لقرائها في مواعيد رتيبة …

على أنه كان يكتب قبل ذلك مقالات للهلال والمقتطف وغيرهما في فترات متباعدة إذا وجد في نفسه حافزًا للكتابة، أو إذا دعتْه صحيفة من الصحف إلى إنشاء مقال يراه حقيقًا بالكتابة …

فلما دعتْه الرسالة إلى الاشتراك في تحريرها وحددتْ له عمله وجزاءه، تردد في الجواب، لكنه لم يلبث أن لبَّى نداءها؛ لعله يستعين بما يحصل له من أجر الكتابة في الرسالة على أمر من أمره …

كان ولده الدكتور محمد يومئذٍ يدرس الطب في جامعة ليون–فرنسا على نفقة جلالة الملك، ولكن الإبراشي باشا لأمرٍ ما قطع عنه المعونة الملكية وليس بينه وبين الإجازة النهائية غير بضعة أشهر، فحمل الرافعي بذلك من الهمِّ ما حمل؛ إذ لم يكن له طاقة مالية تعينه على الإنفاق على ولده في فرنسا، فمن ذلك أجاب «الرسالة» إلى ما طلبتْه …

كان ذلك في ربيع سنة ١٩٣٤.

فظل يكتب لها كل أسبوع مقالة أو قصة، لا يفتر عن هذا الواجب إلا أن يمنعه المرض أو تشغله شاغلة من شواغل الحياة، ومات وهو يتهيأ لكتابة مقالته الأسبوعية، ولكن القضاء عاجله فخلَّفها على مكتبه ورقة بيضاء …!

وسأحاول في هذا الفصل أن أتحدث عن كل مقالة من المقالات التي أملاها عليَّ في الفترة التي صحبتُه فيها منذ بدأ العمل في الرسالة حتى صيف سنة ١٩٣٥، وما يجهل القراء أن كل مقالة يكتبها كاتب لها ظروفها وملابساتها ودوافعها، وما يجهلون أن لكل كاتب عند كل مقالة يكتبها حالةً نفسية خاصة يهر أثرها فيما يكتبه، وإني لأعلم أن هذا التاريخ لا يتم تمامه في نفسي ولا يتأدَّى مُؤدَّاه إلى قارئه على وجهه إلا أن أُثبت بعض ما أذكر من دوافع الرافعي إلى كل مقال مما أملاه عليَّ، وإني بهذا الفصل لأحاول جديدًا في فن الترجمة، فما أعرف كاتبًا من كُتَّاب التراجم في العربية حفل بهذا الباب في تاريخ الأدباء، على أن له أثرًا أي أثر في دراسة أدب المترجم يعين على فهمه وتصويب الحكم عليه؛ فمن ذلك كانت عنايتي بهذا الباب، وإني لأرجو أن تعينني الذاكرة على تمامه حتى أبلغ منه إلى ما أريد …

•••

لم يكن بين الرافعي والزيات صلة ما قبل صدور الرسالة، إلا صلة الأديب بالأديب، وما أحسبهما التقيا قبلها قط إلا في كتبهما ورسائلهما، ثم صدرتِ الرسالة فكانت بريد الأدباء عامة إلى الأدباء عامة، وكانت بريد الزيات إلى الرافعي، فتعارفا وائتلفا وإن لم يلتقيا وجهًا لوجه … ومضتْ أشهر …

وتصفحتُ الرسالة ذات مساء من صيف سنة ١٩٣٣، فإذا فيها كلمة عن «أوراق الورد» للزيات، يجيب بها فتاة سألتْه أن يرشدها إلى شيء مما كتب أدباء العربية في رسائل الحب، ومضتْ فترة وكتبتِ الفتاة «عفيفة السيد …» رأيها في أوراق الورد فعابتْه ونزلتْ به منزلة، وكان الرافعي في هذه الأثناء بعيدًا عن طنطا يصطاف في «سيدي بشر»، وكان عليَّ في هذه الفترة، والرافعي في مصطافه، أن أجمع له كل ما يهمه أن يقرأ مما كتبت الصحف، فلما قرأت ما كتب الزيات وما ردَّت به الفتاة، قصصته من صحيفته وبعثت به إليه في سيدي بشر ومعه رسالة مني … وقرأ الرافعي ما بعثت إليه، فانتضى قلمه وكتب كلمة للرسالة يرد بها رأي الفتاة، وكانت كلمة قاسية لم يجدها صاحب الرسالة إلا فصلًا من «على السفود» لا تقوى على لذعاته الفتاة الناعمة … فطوى كلمة الرافعي، ونشر كلمة في الرسالة يعتذر بها إليه وإلى القرَّاء، ويرجوه بهذه المناسبة أن يكتب للرسالة من منثور أوراق الورد … ولم يجب الرافعي هذه الدعوة إلا بعد بضعة أشهر.

كانت كلمة الرافعي إلى «عفيفة السيد» عن أوراق الورد هي أول ما أنشأ للرسالة من مقالاته، ولم تُنشر، ثم سعى إليه يومًا شاب من المرتزقين بمراسلة الصحف، وكان الرافعي يعطف عليه ويُعينه على العيش بما يُحسن إليه، وإذ كان الرافعي لا يملك أن يُحسن إليه بالمال — والمال في يده قليل — فإنه كان يُحسن إليه بما يملي عليه من رسائل الأدب، ليأخذها فيبيعها إلى بعض المجلات فيستعين بما تدفع إليه من ثمنها على حاجات الحياة، وهو ضرب من الإحسان على قدر طاقة الرافعي!

… جاءه هذا الشاب يسأله ويطلب منه الجواب: «لماذا لا تعالج القصة؟»

وأملى عليه الرافعي جوابه، فذهب فنشره في الرسالة بعنوان «فلسفة القصة»، وكان أول ما نشر للرافعي في الرسالة.١
ثم كان عيد الهجرة بعد ذلك بقليل، فطلبت الرسالة إلى الرافعي أن يكتب فصلًا للعدد الممتاز، فأنشأ مقالة «وحي الهجرة في نفسي».٢

ومضى شهر، وأهدى إليه الشاعر محمود أبو الوفا «ديوان الأعشاب» وكان مرجوًّا أن يكتب عنه؛ إذ كان المقصود من طبع هذا الديوان — وطابعه غير صاحبه — أن يكون إعانة مادية لناظمه توسِّع عليه ما ضاق من دنياه …!

وقرأ الرافعي ديوان الأعشاب … ثم هزَّتْه أريحيتُه إلى أن يكتب عنه؛ تحقيقًا لرجاء الرجين فيه وبرًّا بصاحبه، وأبتْ كبرياؤه أن يكتبه مقالًا يُعنْونه بعنوانه ويذيله باسمه، فدعاني إليه واصطنع حديثًا بيني وبينه فأملاه عليَّ ليُنشر في الرسالة مذيلًا باسمي، وما كان بيني وبينه حديث في شيء، ولكنها مقالة تواضعتْ من كبرياء فسُميتْ حديثًا … وأرضى كبرياءه وعاطفته في وقت معًا.

كان الرافعي في حرج وهو يملي عليَّ هذا الحديث؛ إذ كان يخشى أن يُناقض نفسه في الرأي وهو يكتب عن هذا الشعر رعاية لصديق، ولكنه خرج من هذا الحرج بحسن احتياله، فجعل أكثر مقاله عن الشعر بمعناه العام ورأيه فيه ومذهبه منه، ثم خص الديوان بكلمات في خاتمة الحديث كانت هي خلاصة الرأي فيه، وبذلك برئ من الإسراف في المدح ومن الإيلام في النقد، وخرج من الأمرين معًا إلى تحديد معنى الشعر ووسائله وغايته، فأجاد وأفاد في باب من القول له منزلة ومقدار.

ونشر هذا الحديث في الرسالة، ومضى شهر آخر … ثم جاءه البريد ذات صباح بكتاب صاحب الرسالة، يعرض عليه أن يكون معه في تحريرها، وسمَّى له أجرًا … وقَبِل الرافعي، وما كان له بدٌّ من أن يقبل …!

وشبيهٌ بهذا اللون من الإحسان الأدبي برًّا ببعض الحاجات، مقدمةٌ كتبها لكتاب اسمه «الفاروق عمر بن الخطاب» ألَّفه مؤلِّفه وهو مدرس في إحدى مدارس الحكومة، وسعى به إليه ليكتب له المقدمة، وقرأ الرافعي الكتاب، فلم يجد فيه ما يحفزه إلى إجابة هذا الرجاء، فردَّ الكتاب إلى صاحبه معتذرًا، ولكن المؤلف عاد يرجوه ويستشفع إليه، ويبسط له من حاله ويصف حاجته … وأثرتْ كلماتُه وما وصف من حاله في نفس الرافعي، فأجابه إلى ما طلب، وكتب كلمة بعنوان «عمر»، لم يعرض فيها للكتاب، ولا لموضوعه، ولا لمؤلفه، ولكنها كلمة وجد فيها المؤلف طلبته ليصدر بها الكتاب وعليه اسم الرافعي …

… فهذه الكلمات الثلاث: فلسفة القصة، وديوان الأعشاب، وعمر — وللرافعي كثير من أمثالها — هي حسنات أدبية أنشأها على أنها لون من ألوان البر والمعونة، على مثال ما يتصدق ذوو المال بالمال!

•••

وكانت أولى مقالات الرافعي بعدما دعاه صاحب الرسالة إلى العمل معه، مقالة «لا تجني الصحافة على الأدب ولكن على فنِّيته».٣

وتوالت مقالات الرافعي بعد ذلك في الرسالة، فنشر في الأسبوع التالي مقالة «الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام»، وأحسبه اختار هذا الموضوع — على انقطاع الصلة بينه وبين الموضوع السابق — احتفاءً بالمولد النبوي؛ إذ كان هذا موسمه.

ثم نشر «موت أم» وهي صورة حية نابضة لصبْية فقدوا أمهم وما يزال أكبرهم في الثامنة، وهي صورة حقيقية مرت أمام عينيه فانفعلتْ بها نفسه، أما هذه الأم فهي زوج صديقنا الأستاذ حسنين مخلوف، وأما هؤلاء الصِّبية فبنوها، اهتصرها الموت في ريعانها فمضتْ وخلَّفتْ وراءها أربعة، فبكاها الرافعي بكاء الوالد، وما أعلم أنه مشى في جنازة قبل جنازتها، ودفنتْ في مقبرة آل الرافعي بطنطا، ولما عاد الرافعي من الجنازة ليعزي صديقه في داره، دعا بولده ليمسح على رأسه ويسري عنه، فكان بينه وبين عينَيِ الطفل حديث طويل، فما غادر مجلسه إلا ورأسه يفيض بشتى المعاني، وقلبه يختلج بفيض غامر من الألم، وعيناه تترقرق فيهما الدموع!

وروَّح إلى داره فجلس إلى مكتبه يفكر … ومضى يوم ثم أرسل يدعوني إليه فأملى عليَّ «موت أم!»

وكان الأسبوع التالي موعد امتحان الشهادة الابتدائية، فكانت مقالته: «حديث قطَّين» وإنها لتتحدث بنفسها عن شيء من مناسبتها، وإن فيها إلى ذلك لشيئًا من خُلُق الرافعي لم يكن يعرفه إلا الخاصة من أصحابه، ذلك هو طبيعة الرضا بما هو كائن، فقد كان ذلك من ألزم صفاته له، فكان دائمًا باسمًا منبسط الوجه، يُقنع نفسه في كل يوم بأنه في أسعد أيامه، فمن ذلك كان يحاول أن يجعل من كل ألم يناله لذةً يُشعر بها نفسه، ومن كل فادحة تنزل به خيرًا يترقبه ويهيئ له، ولعل أحدًا لا يعرف أن الرافعي لم يكن يرى في تلك العلة التي ذهبتْ بسمعه وهو لم يزل غلامًا، إلا نعمةً هيأتْه لهذا النبوغ العقلي الذي أملى به في تاريخ الأدب فصلًا لم يُكتب مثلُه في العربية منذ قرون! ولا شيء غير الإيمان بحكمة القدَر وقانون التعويض يجعل الإنسان أقوى على مكافحة أحداث الزمن فلا تأخذ منه النوازل بقدر ما تعطيه … وذلك بعض إيمان الرافعي!

هذا الخُلق هو المحور الذي كان يدور حوله الحديث الذي اصطنعه الرافعي على لسان القِطَّيْن، وهو الذي حمله من بعدُ على إنشاء مقالتَيْ: «سمو الفقر» في العددين التاليين من الرسالة، والشيء يُذكر بالشيء، فلولا ما جاء في امتحان الشهادة الابتدائية لذلك العام، ما أنشأ الرافعي حديث قطين، ولولا ما ألهمه حديث القطين من المعاني في فلسفة الرضا ما أنشأ مقالتَيْ: «سمو الفقر» ففي هذه المقالات الثلاث موضوع واحد اختلف عنوانه واتحدت غايته وكانت مناسبته ما قدمت …

وقد يسأل بعض القرَّاء: ولكن ما وجه عناية الرافعي بنقد سؤال توجهه وزارة المعارف إلى تلاميذها في امتحان الشهادة الابتدائية، وليس الرافعي من أهل «البيداجوجيا»، وليست المناسبة من الخطر بحيث تحمل مثله على الاهتمام!

وأقول لهذا السائل الحفيِّ: إن عبد الرحمن الرافعي — وهو أصغر بنيه وأحبهم إليه — كان يؤدي في ذلك العام امتحان الشهادة الابتدائية؛٤ ومن ثمة كانت عنايته بهذا الموضوع، وله في هذا الباب نظائر …!

ثم أنشأ مقالة «أحلام في الشارع»، وقصتها أنني كنت أساهر الرافعي ليلة، فلما انتهت السهرة صحبته إلى قريب من داره، ومررنا في طريقنا بدار «بنك مصر-طنطا»، وقد انتصف الليل، فلما صرنا قبالة «البنك» وقف الرافعي هنيهة ليشهد منظرًا استرعى انتباهه: طفل وطفلة من أبناء الشوارع نائمان على عتبة البنك، وقد توسَّدت الفتاة ذراعًا وألقت ذراعًا على أخيها … ووقف الرافعي ووقفتُ … ورأى الشرطي ما رأينا فأسرع إلى الطفلين …

وفي الغد أملى عليَّ الرافعي مقالة «أحلام في الشارع!»

… وكانت المقالة التالية «في اللهب ولا تحترق!»

وهي الممثلة الراقصة المغنية ف … وكانت تعمل في فرقة من الفرق التمثيلية المتنقلة بين الحواضر، حلت مع فرقتها في طنطا في صيف سنة ١٩٣٤، ولسببٍ ما لم يذهب الرافعي إلى مصيفه في «سيدي بشر» ذلك العام، واستغنى عن البحر والمصيف بما قد يكون في طنطا من أسباب الترويح والرياضة، وإن فيها لغَناء وعوضًا.

وكنا ثلاثة من أصدقاء الرافعي نسمر معه كل مساء «س، أ، ع» وجلسنا حوله ذات ليلة وكان متعبًا مكدودًا يشعر بحاجته إلى لون من ألوان الرياضة يرد إليه نشاطه وانبساطه، قال: «أين تقترحون أن نقضي الليلة؟»

قال «أ»: «إنَّ في منتزه البلدية فرقة تمثيلية هبطتِ المدينة منذ أيام، وإن فيها لمغنية راقصة، أحسبها خليقةً بأن توحي إليك بفصل جديد من أوراق الورد!»

فمط الرافعي شفتيه ولم يعجبه الاقتراح، وأحسب أن الصديقين «أ» و«ع» كانا على رغبة مشتركة في هذه السهرة، فما أحسَّا رفض الرافعي حتى قال «ع»: «… ولكنها راقصة ليست كالراقصات، إنها صوَّامة قوَّامة، تصوم الشهر وستة أيام بعده، وتقوم الليل إلا أقلَّه، وتصلي الخمس في مواعيد الخمس، وما أحسب رقصها وغناءها إلا تسبيحًا وعبادة … إنها …!»

مغنية وراقصة، ولكنها صوامة قوامة … يا عجبًا! وهل في الراقصات كهذه التي يصفها الصديق العابث «ع»؟ … ولكن الرافعي صدَّق، وعرف الصديق طريق الإقناع إلى قلب الرافعي، واتفقنا على الرأي.

«هذه هي الراقصة التي أعني …» هكذا قال الصديق «ع» فاشرأب الرافعي ينظر من وراء الصفوف، لقد رآها، ولكنها لم تكن أمام عينيه كما كانت في أعين الناس … كانت تحت عينيه إنسانة أخرى لها طهر وقداسة واحترام …

هذا الصدر الناهد، وهذه الساق اللفَّاء، وذلك القوام الأهيف، وهاتان العينان الحالمتان، وهذا الخد الناضر، وهذه الشفة الباسمة، وذلك الشعر اللامع …

هذه كلها سحر وفتنة، تعترك حولها شهوات الرجال، وتترامى إليها أماني الشباب، ولكن رجلًا واحدًا بين النظارة لم يكن يبصر شيئًا من ذلك، رجلًا لم يكن أحد — فيمن أعرف — أضعف منه بإزاء سحر المرأة، ولكنه الليلة شخص غير مَن أعرف، وهذه الراقصة بإزائه غيرها بإزاء الناس … هي في عين الجميع أنثى فاتنة، ولكنها بعينيه قدسية تستحق التبجيل والاحترام …

كانت على عين الجميع راقصة تغني، وكانت بعينيه عابدة تسبِّح وتصلي … كان الناس ينظرون إلى الراقصة وهي تفتن في إغراء الرجال بالنغمة والحركة والرَّنْوة الفاتنة، وكان الرافعي ينظر في أعماق نفسه إلى صورة أخرى رسمها من خياله فقامت حياله تريه ما لا يراه الناس!

وانفضَّ السامرون إلا قليلًا تحلَّقوا حول الموائد يقرعون كأسًا بكأس، ونهض الرافعي فيمن نهض …

ومضى يومان، ثم دعاني ليملي عليَّ مقالة «في اللهب ولا تحترق!»

ولما فرغ الرافعي من شأن هذه المقالة، دعا إليه بصديقه «ع» يستزيده من خبر هذه الياقوتة الكريمة، ويسأله الوسيلة إلى لقائها إن كان بينهما سبب، لعلَّ اجتماعًا بينها وبين الرافعي يفتق ذهنه عن موضوع جديد يكتبه لقراء الرسالة، فابتسم الصديق «ع» وقد دبر في نفسه حيلة تجمع بينها وبينه، وهل يُعجزه — وهو مَن هو — أن يجد وسيلة لمثل هذا اللقاء ليمضي في مزحته إلى النهاية؟

وذهب «ع» يسأل عن الراقصة ويستقصي خبرها فعرف …

لقد فرت «الياقوتة» مع موسيقي الفرقة، ومضى زوجها في أثرهما، فانحلت الفرقة وغادرت المدينة.

وجاء النبأ إلى الرافعي، فما عرف إلا من بعدُ أنها كانت مزحة من الصديق «ع» فأسرَّها في نفسه …

وعاد الرافعي إلى المقال يقرؤه منشورًا في الرسالة وهو يضحك ويقول: «أهذا ممكن؟ أهذا مما يكون؟ أتكون في اللهب ولا تحترق؟»

فرد الصديق «ع» قائلًا: «لقد احترقت!»

وكانت كذبة، ولكنها أنشأتْ مقالة لم أقرأ مثلها فيما قرأت من روائع الأدب العربي!

•••

كان أكثر جلساء الرافعي في هذه الفترة هم الأصدقاء «س، أ، ع» فكان لهم سره ونجواه، وإلى موعدهم مَغدَاه ومَرَاحه، وكان حديثهم إليه وحديثه إليهم هو عنده مادة الفكر وموضوع الكتابة، وكان لكل واحد من الثلاثة الأصدقاء في هذه الفترة مشكلة تملأ فراغ رأسه، فهي له في الليل مشغلة وفي النهار مشغلة.

أما «س» فكان على نية الزواج، قد ترامتْ أمانيه إلى واحدة من أهله، ولكن التقاليد وقفت بينها وبينه موقفًا ما، أورثه ضجرًا وملالة وسخطًا على الناس وتبرمًا بالحياة وخروجًا على ما تواضع الناس عليه من التقاليد في شئون الزواج.

وأما «أ» فكان في عهد بين عهدين من حياته، قد ودَّع ماضيه بما فيه من عبث ومَجَانة، وطلَّق شهواته إلى عهد يستشرف إلى ما فيه من المتاع الحلال في ظلِّ الزوجة المحبوبة المُحِبَّة، فسمَّى زوجته وعقد عَقْدَه، ثم وقف ينتظر اليوم الذي يبني فيه بأهله قلقًا عجلان، واليوم الموعود لا يحين؛ لأنَّ التقاليد تُبعده كلما دنا موعده …

وأما «ع» فشاب قد انفرد في الحياة من أهله، فقدَ أمه وهو غلام، فما كاد يستوي شبابه حتى مضى يلتمس ما فقدَ منذ طفولته من حنان الأنثى، فتزوج، ثم فقدَ زوجه، ثم تزوج الثانية فما بقيت إلا بمقدار ما بقيت الأولى، ولكنها خلَّفتْ بَضعة منها بين يديه مصوَّرة في طفلة سلبها القدر أمها يوم منحها الحياة!

… هو أب ولا زوج له، هو عَزب وكانت له زوجتان، وهو فتًى يؤمن بالله ويلحد في القدر، وهو شخصيتان منفصلتان تعرف إحداهما في المسجد وتعرف الثانية في الشارع، وله عين عفة وعين فاجرة، وله في الحياة تجربة ورأي، وله إلى الهوى والملذات مثل اندفاع الشاب الذي لم يذُق ولم يجرب بعد!

ثلاثة نفر لكل منهم رأيه في الحياة ومذهبه، ولكنهم قد التقوا في مجلس الرافعي على هوًى واحد، فأحلُّوه من أنفسهم وأحلهم من نفسه، فكان له من أحاديثهم شعور الشباب، ولهم من حديثه حكمة الشيخ، وللأدب من كل مجلس يجمعهم وإياه موضوع حي مما كتب الرافعي لقرَّاء الرسالة …

ومن هذه الموضوعات «قصة أب».

ذلك هو الصديق «ع» كان الله له …!

جلس مجلسه يومًا إلى الرافعي يشكو بثَّه وهمَّه والدموع تترقرق في عينيه، واستمع الرافعي إلى شكاته متألمًا حزينًا، فما فرغ «الأب» من قصته حتى جمع الرافعي «قصاصات» الحديث فجعلها في جيبه وجلس يتفكر … ثم كانت «قصة أب».

•••

وفي الأسبوع التالي كان زفاف ابنته «وهيبة» إلى ابن أخيه في حفل أهلي خاص وصفه الرافعي في مقاله «عرش الورد»، وهو عرش نظمه أخو العروس٥ لمجلس العروسين، وجعل فيه فنَّه وعاطفته نحو أخته وابن عمه وقدَّمه إليهما هدية عرس.

ولما جلس العروسان ذراعًا إلى ذراع في عرش الورد، بارك لهما الرافعي ودعا، ثم خرج ليمضي ساعات في القهوة، ولقيني هناك وحدي، فانتحينا ناحية على حَيْد الشارع لا يترامى إلينا من أضواء القمر إلا شعاع حائل، وكان الرافعي يؤثر أن يجعل مجلسه في الصيف على ذلك الرصيف في جانب من القهوة، ويسميه «بلاج طنطا» إذ كان انفساح الشارع أمامه، وما يتعاقب عليه في الليل والنهار من ألوان الجمال في الطبيعة والناس، مما يحبِّب إلى العين أن تنظر، وإلى النفس أن تنبسط، وإلى الفكر أن يُبدع فيما يخلق من ألوان الجمال …

وكان الليل نائمًا يحلم، والطبيعة ساجية لا يُسمع من صوتها إلا همسٌ خافت، وفي الجوِّ شعر يهزج في سِرار النسيم وفي حفيف الشجر، وعرائس الخيال تُطيف راقصة تنفح بالعطر وترفُّ بالنور … ولكن الرافعي جلس مجلسه صامتًا لا يتحدث إلا كلمات إلى النادل يطلب كوب ماء ليشرب أو جمرات للكركرة … واحترمتُ صمته فسكتُّ عنه …

ومضت ساعة، ثم رفع عينيه إليَّ وهو يقول: «الليلة عرس ابنتي …!»

ولم يسمع جوابي؛ لأن دمعة كانت تترقرق في عينيه وهو يتحدث حبستْني عن الجواب …!

دمعة لم أترجم معناها إلا بعد سنتين، يوم جاءني يقول والدمع يلمع تحت أهدابه: «إن وهيبة مسافرة إلى زوجها في أمريكا،٦ ليس من الحق أن تبقى هنا وهو هناك!»
ثم يومَ جاءني بعدها يقول وفي يده صحيفة أمريكية: «انظر هذه الصورة، إنهم يسمونه هناك: أصغر سائح مصري في أميركا … إنه حفيدي مصطفى صادق الرافعي …»٧

لقد كان الرافعي يحب أولاده حبًّا لا أعرف مثله فيمن أعرف، ووهيبة كبرى أولاده، ذكرها في «الديوان»، وغنى لها في «النظرات» وأرَّخ زواجها في «عرش الورد».

•••

وكانت المقالة التالية هي: «الإنسانية العليا».

وهي باب من القول في الأدب الديني تنتظم مع «وحي الهجرة» و«الإشراق الإلهي» و«سموِّ الفقر» تحت باب واحد …

… كان يعتاد الرافعيَّ كما يعتاد كلَّ إنسان، نوباتٌ من الضيق والهمِّ تقعد به وتصرفه عما يحاول من عمل، ولم يكن له علاج من هذا الضيق الذي يعتاده إلا أن يقرأ قرآنًا أو ينظر في كتاب من كتب السيرة النبوية، فيفرج همه ويزول ما به، ويهون عليه ما يلقى من دنياه …

في نوبة من هذه النوبات التي تضيق بها الدنيا على إنسان، تناول الرافعي كتابًا من كتب الشمائل يسرِّي به عن نفسه، فاتفق له رأي … وخرج من مطالعته بمقالة «الإنسانية العليا».

•••

… وكان للرسائل التي ترد للرافعي في البريد من قراء الرسالة أثر يوحي إليه في أحيان كثيرة بما يكتب لقرائه، فهو منهم وإليهم، ومنذ بدأ الرافعي يكتب في الرسالة أخذت رسائل القراء ترد إليه كثيرة متتابعة في موضوعات شتى ولمناسبات متعددة، حتى كان يبلغ ما يصل إليه أحيانًا في اليوم الواحد ثلاثين رسالة، وكان يقرؤها جميعًا ويحفها في درج خاص من مكتبه، وللحديث عن هذه الرسائل باب آتٍ، وإنما يعنيني اليوم أن أتحدث عن الموضوعات التي استملاها من رسائله، ومن هذه الموضوعات مقالة «تربية لؤلئية».

كانت تصدر في القاهرة في ذلك الوقت مجلة «الأسبوع» وقد فتحت صدرها لطائفة من شباب الجنسين يكتبون فيها وحي عقولهم وقلوبهم و… وشهواتهم! وكانت صفحاتها لهؤلاء الشبان والشابات أوسع من صدر الحليم، فلم تلبث بهذه السماحة أن صارت — كما يقول العامة — بطن حمار! وأصبحت ميدانًا للغزل البريء وغير البريء، وموعدًا من مواعد التلاقي والوداع.

وفي صبيحة يوم، حمل البريد إلى الرافعي رسالة من سيدة كريمة، تلفتُه إلى محاورة داعرة تعترك فيها أقلام طائفة من الشبان في مجلة «الأسبوع»، وبعث الرافعي في طلب أعداد المجلة فجيء بها، فما قرأها حتى تناول القلم وأملى عليَّ مقالة «تربية لؤلئية».

في هذه المقالة خلاصة رأي الرافعي في حرية المرأة وحقها في المساواة، وترى لهذا الرأي بقية فيما نشر من مقالات الزواج، والطائشة، والجمال البائس، وغيرها، وهو يزعم أنه بهذا الرأي من أنصار المرأة عند مَن يعرف أين يكون انتصار المرأة، وللرافعي حين يتحدث في هذا الموضوع حجة قوية، وبرهان ماضٍ، إلى روح رفافة وشعر ساحر، ولست واجدًا أحدًا يرد عليه في ذلك على قلة مَن تجد من أنصاره، وقد جلستُ مرة إلى المربي الكبير الأستاذ محمد عبد الواحد خلاف نداول الرأي في أدب الرافعي ومذهبه الاجتماعي لمناسبة ما كتب الرافعي للرسالة في موضوع المرأة، فقال لي: «إنك لن تجد أحدًا من أنصار الجديد يرضى هذا المذهب، ولكنك لن تجد أحدًا — أيضًا — يستطيع أن يصاول الرافعي في هذا الميدان بمثل حجته وقوة إقناعه.»

… وأرضى الرافعي بهذا المقال السيدة الكريمة التي كتبتْ إليه، ولكنه أغضبَ مئات من القارئات وعشرات من القارئين، فانثالت عليه الرسائل من هؤلاء وهؤلاء غاضبة مستنكرة، إلا بضع رسائل …

ولما كتب مقالة «تربية لؤلئية» وأرسل بها، ركب قطار البحر إلى الإسكندرية ليستريح يومًا هناك يتزود فيه لفنه وأدبه من عرائس الشاطئ …

كان قد كتب مقاله السالف وأرسل به، ولكن معانيه بقيتْ في نفسه، فلما ذهب إلى الشاطئ وجد تمام موضوعه، فعاد ليملي عليَّ مقالة «لحوم البحر»، وهي قصيدة مترجمة عن الشيطان على نسق من النثر الشعري فاق فيه الرافعي وغَلب …

•••

كان للرافعي عادةٌ حين يعجبه موضوع مما كتب أن يسأل عنه كلَّ من يلقى من أصحابه: «هل قرأت مقالتي الأخير …؟ وما رأيك فيها …؟ هل يملك أحد أن يعرض لرأي فيها بالنقد …؟»

وكان يعتدُّ كثيرًا بمقالة «تربية لؤلئية»، ففي ذات مساء بعد نشر تلك المقالة قصد إلى القهوة ليريح أعصابه، فصادف الأصدقاء «س، أ، ع»٨ فما كاد يستقر به المجلس بينهم حتى أخذ يسأل كل واحد: «هل قرأت …؟ ما رأيك …؟ هل يملك أحد …؟»

كان للرافعي في كل واحد من أصدقائه الثلاثة رأي، وكان لكل واحد في نفسه حقيقة، ولهم في الحياة نظرات تغترب وتقترب، وكلهم قد حُرموا المرأة لونًا من ألوان الحرمان، ولكل منهم في المرأة رأي، مما تخيَّلها، أو مما كابدها، أو مما شقي بها!

والرافعي رجل قد فارق الشباب وخلعه فيما خلع من ماضيه، وإنه لزوج وأب ويوشك أن يكون جَدًّا، فلا قدرة له على أن يعود القهقرى إلى ماضي شبابه يستوحيه خواطر الفتيان وأحلام الشباب في المرأة والحب والزواج، وهؤلاء الأصدقاء — على ما قدمتُ من نعوتهم في أول هذا الفصل — تجمعهم صفة العزوبة على اختلاف أسبابها، وما يزالون في باكر الشباب وفي يقظات الحلم، وكلهم قد مارس المرأة نوعًا من المراس، في وهمه أو في حياته …

فما كاد الحديث يبدأ بين الرافعي وأصدقائه حتى أخذ يتشعب فنونًا، وساقهم الرافعي بحسن احتياله إلى هدف يرمي إليه … فما انفضَّ المجلس حتى كان ثلاثتهم على ميعاد مع الرافعي ليجيبوه كتابة عن أسئلة وجَّهَها إلى كل منهم، على أن يلتزموا الصدق، ويجانبوا الحياء، ويُخلصوا في الإجابة، وكانت الأسئلة هي: كيف ترى المرأة في وهمك؟ وأين مكانها من حياتك؟ وماذا مارستَ من شأنها وعرفتَ من خبرها؟ لماذا لم تتزوج؟

وجاء الميعاد المضروب، وسعى الأصدقاء الثلاثة إلى الرافعي بأجوبتهم، فمنها كانت مقالة الرافعي «س، أ، ع» وهي أولى مقالاته في الزواج، ثم تتابعت مقالاته في هذا الموضوع، فخطا بها إلى قلوب الشباب خطوات، وكان بينهم وبينه من قبلُ سدٌّ منيع.

قبل أن يكتب الرافعي هذه المقالة بأيام، جاءتْه رسالة من بعض الأدباء يسأله أن يكتب إليه في أسباب أزمة الزواج، استيفاء لبحث يهم أن يصدره في كتاب …

وأحسب أن هذا السؤال كان الحافز الأول للرافعي إلى الكتابة في هذا الموضوع، وقد بعث الرافعي إلى السائل بجواب سؤاله، وكان جوابًا فيه كثير من الدقة والتحديد والعمق، ولم أقرأه منشورًا منذ أرسله إلى طالبه.

بدأ كثير من الشبان يهتمون بما كتب الرافعي؛ إذ كان بهذا الموضوع يعالج مشكلة كل شاب عَزَب، وتضاعفتْ رسائل القراء إليه، وطال الجدل في موضوعه بين طوائف من الشباب في مجالسهم الخاصة …

فلما كانت أيام بعد مقالة «س، أ، ع» جاء إلى مجلسنا في القهوة شاب من أصدقائنا المتأدبين، هو الأستاذ إسماعيل خ، وهو محامٍ ناشئ له ولوع بالأدب وشهوة في الجدل، وفيه إلى ذلك لين في الخُلق وشذوذ في الطبع، وكان الرافعي يعرفه عرفاننا، فما رآه حتى وجد فيه عنوان مقالة … فمال عليه يسأله ضاحكًا …

وأجاب الأستاذ إسماعيل: «الزواج؟ وما يحملني على هذا العنت؟ أتريدني على أن أبيع حريتي من أجل امرأة؟ …» ومضى يؤيد دعواه بالبراهين والأمثال.

وتمَّ للرافعي موضوعه، فأملى عليَّ في اليوم التالي مقالة «استنوق الجمل!»

في هذه المقالة يجد القراء سببًا آخر لانصراف الشباب عن الزواج غير ما قدَّم «س، أ، ع» في المقالة السابقة، فهي الحلقة الثانية من هذه السلسلة …

وأحس الرافعي بالتعب، فانصرف عن الكتابة أسبوعًا ليستجمَّ، ولمَّ من هنا ومن هناك طائفة من منثور القول فأرسله إلى الرسالة بعنوان «كلمة وكليمة»، وهي عبارات قصيرة من جوامع الكلم، ليس بينها رابطة في الفكر ولا في الموضوع، وكل كلمة منها موضوع بتمامه.

وقد قدمت القول عن هذه الكلمات القصار التي كان الرافعي ينشرها بعنوان «كلمة وكليمة»، فحسبي هنا أن أشير إلى موضوع هذه الكليمات ودوافعها.

في هذه الكلمات التي نشرها بالعدد ٦٥ سنة ١٩٣٤ كلمات عن المرأة والحب.

وهذه من فضلات المعاني التي اجتمعتْ له في مقالات المرأة والزواج ولم يجد لها موضعًا مما كتب … وفي هذه الكلمات رسائل إلى «فلانة» من تلك الرسائل التي قدمتُ الإشارة إليها عند الحديث عن حب الرافعي، وفيها كلمات عن السياسة المصرية يعرف دوافعها من يذكر الحالة السياسية التي كانت في مصر لذلك العهد، وحكومة صدقي تحتضر …

فمن هذه العناصر الثلاثة اجتمع له هذا القدر من «كلمة وكليمة».

•••

كان بين الرافعي والإبراشي باشا ما قدمتُ الحديث عنه في بعض الفصول السابقة، وكان منه أن انقطعت صلة الرافعي الشاعر بصاحب العرش ليحل محله الأستاذ عبد الله عفيفي … وسارت الخصومة بين الرافعي والإبراشي إلى مدًى، حتى انتهتْ إلى قطع المعونة الملكية عن (الدكتور) محمد الرافعي مبعوث الخاصة الملكية لدراسة الطب في جامعة ليون!

وضاقت نفس الرافعي بهذا اللون من ألوان الكَيْد، ولكنه صبر له واحتمل مشقاته وتكاليفه، وألزمتْه الضرورةُ أن يقوم بالإنفاق على ولده حتى يبلغ مأمله، على قلة إيراده وضيق ذات يده، فاستمر يرسل إليه أول كل شهر ما يقدر عليه وفي نفسه أن يأتي يوم يرفع فيه أمره إلى الملك فيحط هذا العبء عن كاهله! ووجد الفرصة سانحة لذلك في عيد الجلوس الملكي سنة ١٩٣٤، فأنشأ كلمة بليغة في تحيته بعنوان «آية الأدب في آية الملك»، وأرسل بها إلى الرسالة لتنشر في العدد ٦٦ سنة ١٩٣٤.٩

كانت حكومة الإبراشي يومئذٍ في الاحتضار، وقد تنبَّه الشعب وتهيأت نفسه لحادث منتظر يردُّ إلى الأمة سلطانها الذي فقدتْه منذ تولي الإبراشي باشا رياسة الديوان الملكي، وكانت الجرائد السياسية تتحدث في كثير من الصراحة عن سلطة الشعب وسلطة القصر وحقوق الأمة، وفي مثل هذه الحال لا يمكن أن تُقرأ قصيدة أو مقالة إلا على وجه من وجهين، ما دام هناك رأي بإزاء رأي، وحديث عن حق الشعب وحديث عن سلطة الملك …

… ولكن الرافعي لم يعتبر شيئًا من ذلك حين أنشأ «آية الأدب …» ولم يقدِّر ما يمكن أن تؤوَّل إليه كلمته عند مَن يقرؤها من أهل السياسة؛ إذ لم يكن له من العلم بالسياسة ما يؤهله لأن يفهم ذلك …!

والرسالة صحيفة أدبية تحرص على رضا قرائها جميعًا على اختلاف رأيهم في السياسة، فإن صاحبها ليتوقع ما يمكن أن يوجَّه إليه من التهمة لو أذن بنشر هذا المقال في صحيفته، فما هو إلا أن سلَّمه إليه ساعي البريد حتى استقلَّ القطار إلى طنطا ليلقى الرافعي ويُحدثه من حديثه …

والتقيا … وفهم الرافعي ما عناه صاحبه، فأخذ مقاله فأرسل به إلى الأهرام فنُشر بها صبيحة عيد الجلوس، وقرأه مَن قرأه، ثم كانت آخرة العهد الإبراشي بعد ذلك بشهر واحد فكتب مَن كتب مِن خصوم الرافعي يعدد فيما يعدد من «جناية الإبراشي على الأدب، أنه كان يصطنع الأدباء؛ ليحارب بهم سلطة الأمة ويسخرهم للإشادة بحكم الفرد، وكان الرافعي عنده من صنائعه، وآيته هذا المقال وآيات أخرى من تلفيق الخيال!»١٠

•••

وأرسل الرافعي إلى الرسالة بديلًا من هذا المقال، مقالًا آخر بعنوان «أرملة حكومة»، وكان يعني به صديقنا الأديب المهندس محمد أ. وهو شاب من «أدباء القراء» أبيقوري المذهب صريح الرأي، سلخ من عمره ثلاثين سنة ولم يتزوَّج، وبينه وبين الأستاذ إسماعيل خ. صاحب «استنوق الجمل» صلة من الودِّ، وشركة في الرأي، وصحبة في البيت والنديِّ والشارع …

لقِيَنا مجتمعين في القهوة اجتماعنا كل مساء، فعاج يسلِّم ثم جلس، وسأله الرافعي: «… وأنت فلماذا لم تتزوج؟»

قال المهندس: «لست والله من رأي صاحبي فيما حدثكم به أمس؛ إني لأريد الزواج وأسعى إليه، ولكن من أين لي … من أين لي المهر، وهدايا العروس، وأكلاف الفرح؟ إن الزواج عندي ليشبه أن يكون معجزة مالية لا قبل لي بها …! ولو قد عرفتُ أن هذه المعجزة تتهيأ لي بالبخل على نفسي والقصد في نفقاتي وباحتمال العسر والمشقة على نفسي وعلى مَن حولي، لما وجدتُ ما يشجعني على هذا الاحتمال، إني لأعرف من بنات اليوم ما لا يعرف غيري، أفتريدني على أن أحتمل العنت سنتين أو ثلاثًا حتى يجتمع لي من المال ما يجتمع، من أجل الوصول إلى زوجة قد يكون لي منها شقاء النفس وعدو العمر؟»

وقال الرافعي … وقال الشاب … وطوى الرافعي ورقاته وقد اجتمع له موضوع جديد، وتهيأت له الفكرة تامة ناضجة فأملى عليَّ مقالة «أرملة حكومة»، وبعث به إلى الرسالة في البريد المستعجل؛ ليدرك موضعه في عدد الأسبوع بديلًا من «آية الأدب …»

وقلت للرافعي وقد فرغ من إملاء هذا المقال: «أراك لم تنصف صاحبنا المهندس فيما كتبت عنه وما نقلت من رأيه وما رددت به، إنه ليعتذر إليك بعذر لم أجد جوابه فيما أمليتَ عليَّ، لقد صدق؛ فمن أين له … من أين له هو …؟ إنه لحري أن يُوجَّه العتبُ والملامة إلى آباء الفتيات، وإلى هذه التقاليد التي تفرض على الشاب الذي يريد الزواج ما لا طاقة له به إلا أن تكون له معجزة مالية!»

فضحك الرافعي وقال: «أتراه كان يتحدث بلسانك …؟ لقد أخفيتَها عني يوم سألتك، وليس ثمة ما يمنعني أن أصحبك غدًا إلى حميك لأطلب إليه أن يعفيك من هذه المعجزة المالية.»

ومضت أيام، ثم دعاني ليملي عليَّ «قصة زواج»، وكانت هذه القصة هي جوابَ ما سألتُه تأخر إلى ميعاد، وكانت هي أول ما أنشأ الرافعي من القصص لقراء الرسالة.

١  العدد ٤٠ سنة ١٩٣٤ من الرسالة.
٢  العدد ٦٢ سنة ١٩٣٤ من الرسالة.
٣  العدد ٥٠ سنة ١٩٣٤ من الرسالة.
٤  هو الآن ضابط من ضباط المدفعية في الجيش المصري.
٥  الأستاذ محمود سامي الرافعي المدرس بكلية الزراعة بالجيزة.
٦  في سنة ١٩٣٥ سافر الشابان محمود سامي الرافعي، وابن عمه وصهره سعيد الرافعي في بعثة علمية إلى كاليفورنيا؛ للتخصص في بعض فنون الزراعة، ثم لحقتْ بهما بعد قليل «وهيبة» لتكون مع أخيها وزوجها، فلم تعُد ولم يعودا إلا بعد وفاة الرافعي.
٧  لم يطأ هذا الرافعي الصغير أرضًا عربية إلا وقد جاوز الثامنة من عمره وارتضخ لكنة أعجمية فلا يكاد يُفصح في العربية عن معنًى!
٨  «أ» و«ع» هما الصديقان أمين حافظ شرف، وعبد الله عمار، وكانا زميلَيِ الرافعي في محكمة طنطا، أما «س» فما أحسب القراء في حاجة إلى أن يعرفوه!
٩  كان عيد جلوس الملك فؤاد الأول — رحمه الله — في ٩ أكتوبر، وكان موعد صدور هذا العدد يوم ٨ أكتوبر ١٩٣٤.
١٠  انظر: [فصل: في النقد – بين الرافعي وطه] من هذا الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠