من الشعر إلى الكتابة

ملكة الإنشاء – إنشاء الجامعة المصرية – تاريخ آداب العرب – إعجاز القرآن – حديث القمر – شيوخه في الأدب.

***

بلغ الرافعي الشاعر مبلغه بعد سنة ١٩٠٥، ونزل منزله بين شعراء العصر، وجرت ريحه رُخاءً إلى الهدف المؤمل، فامتدَّ نظره إلى جديد …

وأخذ يَرُوض قلمه على الإنشاء، لعله يبلغ فيه مبلغه في الشعر، فأنشأ بضع مقالاتٍ مصنوعة فتنتْه وملكتْ إعجابه، فتهيأ لأن يُصدر كتابًا مدرسيًّا في الإنشاء سماه «ملكة الإنشاء» يكون نموذجًا للمتأدبين وطلاب المدارس، يحتذون فنَّه وينسجون على منواله، ووعد قرَّاءه أن ينتظروه، وأحسبه كان جادًّا فيما وعد لولا أمور نشأتْ من بعدُ وصرفتْه عن وجهه، فظل الوعد قائمًا بينه وبين قرائه حتى نسيه ونسُوه.

ولا أحسب أن شيئًا ذا بال قد فات قرَّاء الرافعي بعدم نشر هذا الكتاب، وحسبُ الأدباء والباحثين في التاريخ الأدبي أن يقرءوا من هذا الكتاب الذي لم يُنشر، مقالاتٍ ثلاثًا نشرها الرافعي في الجزأين الثاني والثالث من ديوانه، وفي الجزء الأول من ديوان النظرات، إعلانًا ونموذجًا لكتابه، فإن في هذه المقالات الثلاث كل الغَنَاء للباحث، تدله على أوَّل مذهب الرافعي في الأدب الإنشائي، وطريقته ونهجه.١

إنشاء الجامعة المصرية

قلت: إن الرافعي كان جادًّا فيما وعد بإصدار كتابه «ملكة الإنشاء» لولا أمور نشأت من بعدُ وصرفتْه عن وجهه، فهذا كان يوم إنشاء الجامعة المصرية في سنة ١٩٠٧، كان قد مضى على الرافعي يومئذٍ عشر سنين في مدرسته التي أنشأها لنفسه وكان فيها المعلمَ والتلميذ، يدرس ويطالع ويتعلم لا يرى أنه انتهى من العلم إلى غاية، وما كان يدرس ليكون عالمًا في الأدب، أو راويًا في التاريخ، أو أستاذًا في فرع من فروع المعرفة، وإنما كان يدرس ليتزوَّد للشعر زادَه، وليبلغ من العلم مبلغًا يعينه على أن يقول وينشئ، فلما أنشئت الجامعة المصرية، تطلَّع إلى ما يُقال هناك في دروس الأدب، لعله يجد فيه الجديدَ الذي يتشوَّف إليه ويطلبه، فماذا وجد هناك؟

مضى على إنشاء الجامعة سنتان وما استحدثتْ شيئًا في الأدب يفتقر إليه الرافعي، وما تحدَّث أساتذتها حديثًا في الأدب لا يعرفه الرافعي … ماذا؟ أهذا كل ما هناك؟ … وأيقن الرافعي من يومئذٍ أنه شيء، فلبث يتربَّص …

وطال انتظار الرافعي وما استطاعت الجامعة أن تثبت له أن فيها دروسًا للأدب، وما استطاع الرافعي أن يقنع نفسه بأن في الجامعة أساتذة يدرسون الأدب، فكتب مقالًا في الجريدة يحمل على الجامعة وعلى أساتذة الجامعة، وعلى منهج الأدب في الجامعة، ورنَّ المقال رنينه وأحدث أثره، فاجتمعتِ اللجنة الفنية للجامعة، ونشرت دعوة على الأدباء إلى تأليف كتاب في «أدبيات اللغة العربية» جعلت جائزة للفائز فيه مائة جنيه، وضربت أجلًا لتقديمه إليها سبعةَ أشهر، وقرأ الرافعي دعوة الجامعة، فما رضي ولا هدأت نفسه، لقد كان أمله يومئذٍ أكبر من ذاك، إن مائة جنيه شيء مُغْرٍ لمثل الرافعي الأديب الناشئ، والموظف الصغير، والزوج العائل: أبي وهيبة وسامي ومحمد، ولكنه كان يطمح في أكثر من مائة جنيه، ويطمع في أن يكون هو أستاذ الأدب بالجامعة.

إنهم على الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغير مؤلفه، فيكون الحاضر لديهم كالغائب عنهم، ولا فضل لدارِهم إلا أنها مصدر التلقين، فإذا طُبع الكتاب صارت كل مكتبة في حكم الجامعة؛ لأن العلم هو الكتاب لا الذي يُلقيه، وإلا فما بالهم لا يعهدون بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس؟ وهل يقتصرون على أن يكون من كفاية الأستاذ القدرةُ على إلقاء درسه دون القدرة على استنباط الدرس واستجماع مادته حتى لا يزيد على أن يكون هو بين تلامذته التلميذَ الأكبر …؟

لِمَ تنفض إدارة الجامعة يدها من قوم هم رؤساء الصناعة، وظهورُ مناصبها العالية، وألسنة الحكم فيها، ثم تلتمس من ضعف الأفراد ما لم تؤمله في قوة الجماعة، وهي تعلم أن الحمل الذي تتوزعه الأكف يهون على الرقاب؟٢

وما سبعة أشهر لمَن يريد أن يؤلف في تاريخ آداب العرب؟ إنه فنٌّ لم يتناوله أحد من قبل، وإن مراجع البحث لكثيرة، وإن من وراء ذلك جهدًا لا يطيقه إنسان!

وكتب الرافعي مقاله الثاني في «الجريدة» ينعت الجامعة ولجنة الجامعة، ويتأبَّى على الدعوة التي دعتْ، ويقرِّر أن الذين دعوا الدعوة إلى وضع الكتاب وجعلوا لذلك العمل إلى فِصاله سبعة أشهر، إنما مَسَّتْ بهم الحاجةُ إلى كتاب وأعوزهم مؤلفه، فالتمسوه بتلك الدعوة يفتشون عنه في ضوء الجائزة … ومضى الرافعي يتجنَّى ويتدلل، وعادت الجامعة تُفكر في الأمر.

وأعادت نشر المسابقة لتأليف الكتاب، وزادت المدةَ إلى سنتين، والجائزةَ إلى مائتين، وتعهدت بطبع الكتاب المختار.

ووجد الرافعي بذلك ما يشغله، فعاد إلى نفسه، وأغلق دار كتبه عليه …

تاريخ آداب العرب

إن كثيرًا من الأدباء لا يرضيهم أن يعترفوا للرافعي بيدٍ على العربية أو يرَوْا له صنيعًا في الأدب يستحق الخلود، إلا حين يذكرون كتابه «تاريخ آداب العرب» وإنه لكتاب حقيق بأن يُذكر فيذيع فضل الرافعي على الأدب والأدباء.

انقطع الرافعي لتأليف كتابه من منتصف سنة ١٩٠٩، إلى آخر سنة ١٩١٠، وفي سنة ١٩١١ أتمَّ طبع الكتاب على نفقته قبل أن يحل الأجل الذي عينتْه الجامعة.

لم يكن الرافعي طامعًا في جائزة الجامعة؛ ولذلك لم يتقدَّم إليها به قبل طبعه، ترفعًا عن قبول الحكم فيه لجماعة ليس منهم مَن هو أبصرُ منه بالمحكوم فيه.

وكان أسبقَ المؤلفات ظهورًا إلى دعوة الجامعة، الجزء الأول من كتاب العلامة جورج زيدان، ثم الجزء الأول من تاريخ آداب العرب للرافعي، «سبقه ذاك بشهر أو شهرين سبقًا مطبعيًّا».٣

وكانت مقالات الرافعي في «الجريدة» وكتابه «تاريخ آداب العرب» من بعد، هما السبب في تدريس الآداب العربية وتاريخها في الجامعة المصرية، وهما السبب كذلك في وضع ما وُضع من الكتب في هذا العلم.

وأعان الرافعيَّ على جمْع ما جمَع من وسائل البحث لكتابه مكتباتٌ ثلاث بطنطا، كلها حافل بالنادر من كتب العربية، مطبوعها ومخطوطها، هي: مكتبة الرافعي، ومكتبة الجامع الأحمدي، ومكتبة القصبي.٤

وكان من وسائل تشجيعه على إتمامه وطبعه، ما أعانه به مدير الغربية الأديب المرحوم محمد محب باشا من معونات أدبية ومادِّية …

ليس من همي هنا أن أتحدث عن القيمة الأدبية لكتاب الرافعي «تاريخ آداب العرب»، فقد فرغ الأدباء من الحكم عليه، وما منهم أحد إلا له فيه رأي محمود وثناء مستطاب، وما ناله أحدٌ بنقد إلا الأديب طه حسين الطالب بالجامعة المصرية يومذاك؛ إذ قال في مقال نشرته له «الجريدة» سنة ١٩١٢:

… هذا الكتاب الذي نُشهد الله على أننا لم نفهمه …

لكنه عاد فصحح رأيه فيه سنة ١٩٢٦، فاعترف بأنه لم يعجبه أحد ممن ألفوا في الأدب إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي «فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في انتحال الشعر وإضافته إلى القدماء، كما فطن لأشياء أخرى قيِّمة وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابة تاريخ آداب العرب.»٥
نال الرافعي بكتابه هذا مكانًا ساميًا بين أدباء عصره، وشغل به العلماء وقتًا غير قليل، وحسبك به من كتاب أن يقضي الأستاذ الكبير أحمد لطفي السيد أسبوعًا يخطب عنه في مجالس العاصمة،٦ وقد كتب عنه مقالًا ضافيًا في الجريدة جاء فيه:

قرأنا هذا الجزء، فأما نحوُه فعليه طابع الباكورة في بابه، يدل على أنَّ المؤلف قد ملك موضوعه ملكًا تامًّا، وأخذ بعد ذلك يتصرف فيه تصرفًا حسنًا، وليس من السهل أن تجتمع له الأغراض التي بسطها في هذا الجزء إلا بعد درس طويل وتعب ممل … وأما أسلوب الرافعي في كتابه فإنه سليم من الشوائب الأعجمية التي تقع لنا في كتاباتنا نحن العرب المتأخرين، فكأني وأنا أقرؤه أقرأ من قلم المبرد في استعماله المساواة وإلباس المعاني ألفاظًا سابغة مفصلة عليها، لا طويلة تتعثر فيها، ولا قصيرة عن مداها تُودَّى ببعض أجزائها …

وكتب عنه الأمير شكيب أرسلان — وهو أشهر كُتَّاب العربية في ذلك الوقت٧ — مقالة في صدر المؤيد جاء فيها:

لو كان هذا الكتاب خطًّا محجوبًا في بيت حرام إخراجه للناس منه، لاستحق أن يُحَجَّ إليه، لو عُكِف على غير كتاب الله في نواشئ الأسحار، لكان جديرًا بأن يُعكف عليه …

وقال عنه المقتطف: «إنه كتاب السَّنة …» وما كتب المقتطف مثل هذه الكلمة من قبلُ ومن بعدُ لغير هذا الكتاب.

وأسلوب الرافعي في هذا الكتاب أسلوب العالم الأديب، يجد فيه كل طالب طلبته من العلم والأدب والبيان الرفيع، وكان الرافعي يومئذٍ قد أتمَّ الثلاثين …!

وفي السنة التالية، أصدر الرافعي الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب، وموضوعه إعجاز القرآن والبلاغةُ النبوية، وهو الذي أصدره من بعد في طبعته الثانية باسم «إعجاز القرآن»، وباسمه الثاني يعرفه قرَّاء العربية، وقد طبعه على نفقته المغفور له الملك فؤاد — رحمه الله، ومات الرافعي وفي مكتبته أصولُ الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب، ومعها تعلقات كان ينوي إضافتها إلى الجزء الأوَّل في طبعته الثانية فعاجلتْه المنية.٨

•••

هل كان للرافعي خيَرَة في المذهب الجديد الذي ذهب إليه عندما شرع يكتب «تاريخ آداب العرب»؟

وهل كان يعني ما يفعل حين انحرف عن الهدف الذي كان يسعى إليه في إمارة الشعر، إلى المنحى الجديد في ديوان الأدب والإنشاء؟

هل كان عن قصد ونيةٍ أن يتخلى الرافعي عن أماني الشباب وأوهام الصبا وأخيلة الفتيان وأحلام الشعراء، ليقف نفسه على العربية وتراث العربية يستبطن أسرارها ويغوص على فرائدها، وعلى الإسلام وأبطال الإسلام يكشف عن مآثرهم وينشر آثارهم؟ …

الحق أن الرافعي لم يكن له خِيرة في شيء من ذلك، ولا كان يعنيه، ولا توجهتْ إليه نيته، ولكنه ألَّف تاريخ آداب العرب؛ لأنه وجد في نفسه رغبة إلى أن يؤلف في تاريخ آداب العرب، وكتب في إعجاز القرآن؛ لأن إعجاز القرآن باب في تاريخ الأدب، فلما أخرج كتابيه إلى الناس، لم يلبث أن ارتدَّ إليه الصَّدى مما يقول الناس، فإذا هو عند أكثرهم أديب ليس مثله في العربية، وإذا هو كاتب من الطراز الأوَّل بين كُتَّاب العربية، وإذا هو صاحب القلم الذي يكتب عن إعجاز القرآن فيعجِز، ويتحدَّث عن الإسلام حديث المؤمن إلى المؤمن، حديثَ قلب إلى قلب ليس بينهما حجاب فكلُّ ما ينطق يُبين … ووجد الرافعي كأنما اكتشف نفسه!

وهنا بدأ الرافعي الكاتب الذي يعرفه اليوم قرَّاء العربية، على حين أخذ الرافعي الشاعر يتصاغر ويختفي رويدًا رويدًا حتى نسيه الناس أو كادوا، لا يتحدَّثون عنه إلا كما يتحدَّثون عن شاعر استمعوا حينًا إلى أغاريده العِذاب، ثم ترك دنياهم إلى العالم الثاني ليتحدَّث إليهم من صفحات التاريخ.

لقد عرف الرافعي من يومئذٍ أن عليه رسالة يؤدِّيها بين أدباء الجيل، وأن له غاية أخرى هو عليها أقدر وبها أجدر، فجعل الهدف الذي يسعى إليه أن يكون لهذا الدين حارسه وحاميه، يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وأن ينفخ في هذه اللغة روحًا من روحه يردُّها إلى مكانها ويردُّ عنها، فلا يجترئ عليها مجترئ ولا ينال منها نائل، ولا يتندَّر بها ساخر، إلا انبرى له يبدِّد أوهامه ويكشف عن دخيلته.

ونظر فيما يكتب الكُتَّاب في الجرائد، وما يتحدَّث به الناس في المجالس، فرأى عربية ليس من العربية، هي عاميَّة متفاصحة، أو عُجمة مستعرِبة، تحاول أن تفرض نفسها لغة على أقلام المتأدبين وألسنتهم، فقرَّ في نفسه أن هذه اللغة لن تعود إلى ماضيها المجيد حتى تعود «الجملة القرآنية» إلى مكانها مما يكتب الكتَّاب وينشئ الأدباء، وما يستطيع كاتب أن يشحذ قلمه لذاك إلا أن يتزوَّد له زاده من الأدب القديم.

وعاد الرافعي يقرأ من جديد، ينظر فيما كتب الكُتَّاب وأنشأ المنشئون في مختلف عصور العربية، يبحث عن التعبير الجميل، والعبارة المنتقاة، واللفظ الجزل، والكلمة النادرة، فيضيفها إلى قاموسه المحيط ومعجمه الوافي؛ لتكون له عونًا على ما ينشئ من الأدب الجديد الذي يريد أن يحتذيه أدباء العربية.

•••

هذا سبب مما عدل بالرافعي عن مذهبه في الشعر إلى مذهبه الجديد في الأدب والإنشاء، وثمة سبب آخر كان الرافعي يصرِّح به كثيرًا لمن يعرفه؛ ذلك أنه كان يرى في الشعر العربي قيودًا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به عن العواطف المضمرة في نفسه، هكذا كان يقول هو، وأقول أنا: إنه كان يعجز أن يصبَّ في قصيدة من الشعر ما كان يستطيع أن يكتبه في سهولة ويسر مقالًا من مقالاته الشعرية الرائعة التي يعرفها قرَّاء العربية فيما قرءوا للرافعي، والحق أن الرافعي بطبعه شاعر في الصف الأوَّل من الشعراء، لا أعني الشعر المنظوم، فذلك ميدان سبقه فيه كثير من شعراء العصر، بل أعني الشعر الذي هو التعبير الجميل عن خلجات النفس وخطرات القلب ووحي الوجدان ووثبات الروح، ولقد كان — رحمه الله — بما فيه من اعتداد بالنفس، يكتب المقال الفنيَّ المصنوع، فيقيس لفظه بمعناه، ويربط أوله بآخره ويجمع بين أطرافه كل ما ينبض به قلبه من معاني السرور والألم، والرجاء واليأس، والرغبة والحرمان، فإذا فرغ من إنشائه جلس يترنم به ويعيده على سمعه الباطن، ثم لا يلبث أن يلتفت إلى جليسه قائلًا: «أسمعت هذا الشعر؟ أرأيت شاعرًا في العربية يملك من قوَّة البيان ما يجمع به كل هذه المعاني في قصيدة منظومة …؟»

هذه العبارة التي كان يسمعها جلساء الرافعي كثيرًا، تُفسر لنا قول الرافعي: «إن في الشعر العربي قيودًا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به عن نفسه الشاعرة، أو تؤيد ما أدعيه أنا، من أنه كان يشعر بالعجز عن الإبانة عن كل خواطره الشعرية في قصيدة من المنظوم، ولا يُعجزه البيان في المنثور. نعم، كان شعر الرافعي أقوى من أداته، وكانت قوالبه الشعرية تضيق عن شعوره …»

أفترى في العربية شاعرًا يستطيع أن ينظم ورقة واحدة من «أوراق الورد» في قصيدة منظومة دون أن يتحيف المعنى ويخل بالميزان؟

لا أحسب أن الرافعي كان يعني ما يقول حين يزعم أن القيود في الشعر العربي من أسباب الضعف في الشعر، فهو نفسه لم يكن يستطيع أن يجهر بهذا الرأي، بل أحسبه في بعض نقداته الأدبية أنكر مثل هذا القول على أديب من الأدباء وراح يتهمه بمحاولة الغض من قدر الشعر في العربية، فما أراه كان يقول ذلك إلا تعبيرًا عن معنًى تأبى كبرياؤه الأدبية أن يُصرح به.

•••

ذلك هو السبب الثاني الذي عدل بالرافعي عن الاستمرار في قرض الشعر معنيًّا به مقصورًا عليه.

لم يهجر الرافعي الشعر هجرًا باتًّا بعد أن اتخذ لنفسه هذا المذهب الجديد، ولكنه لم يجعل إليه كلَّ همه، واتجه بقلبه ولسانه إلى الهدف الجديد، فلا يقول الشعر إلا بين الفينة والفينة إذا دعتْه داعية من دواعي النفس أو من دواعي الاجتماع، وسنرى فيما سيأتي بعدُ، أنه قد صبا إلى الشعر ثانية عندما مسَّ الحبُّ قلبه، واتقدتْ جذوته في أعصابه سنة ١٩٢٣، فدعتْه نفسه، وعندما اتصل ببلاط الملك فؤاد — رحمه الله — سنة ١٩٢٦، فدعتْه داعية الجماعة.

حديث القمر

قلت: إن الرافعي بطبعه كان شاعرًا، ولكن شعره كان أقوى من أداته، وكانت قوالبه الشعرية تضيق عن شعوره، فنزع إلى النثر الفني، وقلت: إنه كان يرمي إلى أن يُعيد «الجملة القرآنية» إلى مكانها مما يَكتُب الكُتَّاب ويُنشِئ الأدباء؛ لتعود اللغة على أوَّلها فصيحة جزلة مُبِينة، وإنه أخذ على نفسه أن يكون نموذجًا في هذا الأدب الجديد يحتذيه أدباء العربية، وقدَّمتُ في أول هذا الفصل أن الرافعي كان على نية إصدار كتاب مدرسي سماه «ملكة الإنشاء» يكون عونًا للمتأدِّبين وطلاب المدارس على الاقتباس لإجادة الإنشاء. فذلك بعض ما دفعه إلى إصدار كتابه «حديث القمر» من بعدُ.

وقد أنشأ هذا الكتاب بعد رحلة إلى لبنان في سنة ١٩١٢، عرف فيها شاعرة من شواعر لبنان، وكان بينها وبين قلبه حديث طويل في الحب،٩ فلما عاد من رحلته، وجد في نفسه حاجة إلى أن يقول فقال، فكان حديث القمر!

وهو أوَّل ما نشر الرافعي من أدب الإنشاء، أصدره بعد كتابيه: تاريخ آداب العرب، وإعجاز القرآن، وما بي أن أصفه لقرَّاء العربية، فهو مشهور متداول وهو أسلوب رمزيٌّ في الحب، على ضرب من النثر الشعري، أو الشعر النثري، يصف من عواطف الشباب وخواطر العاشق وما إليهما في أسلوب فنيٍّ مصنوع لا أحسبه مما يُطرب الناشئين من قرَّاء العربية في هذه الأيام، إلا أن يقرءوه على أنه زاد من اللغة، وذخر من التعبير الجميل، ومادَّة لتوليد المعاني وتشقيق الكلام في لفظ جزل وأسلوب بليغ.

ومن هذا الكتاب كانت أوَّل التهمة للرافعي بالغموض والإبهام واستغلاق المعنى عند فريق من المتأدِّبين، ومنه كان أول زادي وزاد فريق كبير من القراء الذي نشئوا على غرارٍ في الأدب لا يعرفه ناشئة المتأدِّبين اليوم.

شيوخه في الأدب

أما إذا وصلتُ إلى هذا المكان من تاريخ الرافعي فإني أسأل نفسي: عمن أخذ الرافعي هذا المذهب في الكتابة، وبمَن تأثر من كُتَّاب العربية القُدامى والمحدثين؟

هذا سؤال لا أجد جوابه فيما حدثني به الرافعي أو أحدٌ من أهله وصحابته، وما أستطيع أن أثبت شيئًا في هذا المقام يعتمد عليه الباحث، وأكبر ظني أن الرافعي نفسه كان لا يعرف أستاذه في الأدب والإنشاء، فما كان همه أول همِّه أن يكون كاتبًا أو منشئًا، ولكن تطورات الزمن هي ردَّتْه من هدف إلى هدف، وألزمتْه أن يكون ما كان، وقد قرأ الرافعي كثيرًا وأخذ عن كثير، فمذهبه في الكتابة من صنع نفسه، هو ثمرة درس طويل وجهاد شاقٍّ، اختلطت فيه مذاهب بمذاهب، وتداول عليه أدباء وأدباء من كُتَّاب العربية الأولين.

ولكني أجد من الفائدة هنا أن أشير إلى اثنين من أدباء العربية كان يقرأ لهما الرافعي أكثر ما يقرأ إلى آخر أيامه، هما: الجاحظ، وصاحب الأغاني، وكان يُعجب بأدبهما ويَعْجب لإحاطتهما عجبًا لا ينقضي وإعجابًا لا ينتهي، وكان لا بدَّ له حين يهم بالكتابة بعد أن يجمع عناصر موضوعه في فكره أو في مذكرته، أن يفتح جزءًا من الأغاني، أو كتابًا من كتب الجاحظ يقرأ فيه شيئًا مما يتفق، ليعيش فترةَ ما قبل الكتابة في جوٍّ عربي فصيح.

وأحسبه إلى ذلك قد تأثر كثيرًا في صدر أيامه بما كان يكتب الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلتي «الضياء والبيان».

ومما لا يفوتني إثباته في هذا المجال أنَّ مجلة «الهلال» قد استفتتْ أدباء العربية يومًا منذ سنوات، في أيِّ الكتب العربية تُعين الأديب الناشئ على مادَّته؟ وكان للرافعي في هذا الاستفتاء جواب لا أذكره، أحسبه يُفيد الباحث عن المصدر لأدب الرافعي.

وسمعته مرة يقول: إن كلمة قرأتُها لفكتور هوجو كان لها أثر في الأسلوب الأدبي الذي اصطنعتُه لنفسي، قال لي الأستاذ فرح أنطون مرة: إن لهوجو تعبيرًا جميلًا يعجب به الفرنسيون كل الإعجاب، قوله يصف السماء ذات صباح: «وأصبحت السماء صافية كأنما غسلتْها الملائكة بالليل.»

قال الرافعي: «وأعجبتْني بساطة التعبير وسهولة المعنى، فكان ذلك حَذْوِي من بعدُ في الإنشاء.»

أفيحق لنا بهذا أن نزعم أننا عرفنا واحدًا من شيوخ الرافعي في الأدب والإنشاء …!

١  تقرأ في الجزء الثاني من الديوان ص٦٧ «وصف البحر»، وفي الجزء الثالث ص٨٠ «رسالة فكاهية»، وفي ديوان النظرات ص٩٢ «الحسن المصنوع».
٢  ما بين القوسين من مقال الرافعي بنصه.
٣  حكاه الرافعي.
٤  هي المكتبة التي أنشأها وجمعها المرحوم الشيخ إمام القصبي وولده الشيخ محمد القصبي شيخا الجامع الأحمدي قبل المرحوم الشيخ الظواهري الكبير. وقد حدثني عنها أبي، كما حدثني عنها المرحوم الرافعي، أنها مكتبة حافلة، مشحونة بفرائد العلوم والفنون، زاخرة بنوادر المخطوطات والمطبوعات من كتب الدين والعربية، وهي الآن محبوسة في حجرة رطبة لا ينفذ إليها الهواء، من حجرات زواية القصبي بطنطا، لم يفتح بابها منذ ربع قرن أو يزيد؛ لعدم عناية القائمين عليها وجهلهم قدرها، فإذا لم يكن السوس قد أتى عليها، فإن هناك فرصة لا تزال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها، وحسب العربية ما لقيتْ من أهلها في عصور الجهل والانحطاط.
٥  ص٩٠ و٩١ في الشعر الجاهلي، وص١٩٢ في الأدب الجاهلي للدكتور طه حسين.
٦  عبارة الأستاذ لطفي السيد إلى الرافعي.
٧  تُوفي في ديسمبر سنة ١٩٤٦.
٨  نشرته المكتبة التجارية بالقاهرة، سنة ١٩٤٠.
٩  نتحدث عنها فيما بعد، عند الحديث عن الرافعي العاشق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١