الرسالة الثامنة والخمسون

وكتبت في جريدة الأهالي عدد ٧٥ بتاريخ ١٠ ذي القعدة سنة ١٣١١، قالت الجريدة:

لقد وصلنا رسالة ضافية الذيل في موضوع الصداقة تناولناها من جانب الشاعرة الناثرة، والفاضلة الأديبة، حجة النساء في سائر مدعياتهن بأسرها على الرجال، ورافعة لواء فضلهن في كل ساحة ومجال، وبرهان القائلين بوجوب تعليم البنات في كل أمة شاءت أن تكون أطفالها في مقام الأبطال، حضرة السيدة «زينب أفندي فواز» الكاتبة الشهيرة، والمؤلفة الخطيرة؛ فأثبتنا الرسالة المنوَّه عنها بحروفها كما وصلتنا من قِبلها، وها هي تزهو بقد مبناها الباهر وترفل في ثوب معناها الزاهر:

الصداقة

قد اختلفت الأقوال في وجود الصديق، وكثر اللغط، وتعددت أقوال الفلاسفة؛ فمنهم من أنكر وجوده، وجزم بأنه مستحيل لا وجود له البتة (الصديق هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك) إشارة إلى أن الصديق قد لا يكون صديقًا إلا إذا توافرت فيه الخصال التي في نفس الآخر؛ لأن الإنسان وإن كان واحدًا بالنظر لشكله، إلا أنه كثير بالنسبة لتعدد صفاته؛ فالكثرة حينئذٍ هي التي حالت بين الإنسان وبين وجود صديق له في جمهور أحواله واختلاف طبائعه وخلاله، ولولا ذلك لما كنت تجد إنسانًا يخالف الآخر، ولكان الكل على هيئة واحدة، وشكل واحد، أعني أنك ترى الإنسان دائمًا إما طلق الوجه باسم الثغر سهل الخُلق جوادًا بالمال طارحًا للخلاف لين العريكة حسن المعاشرة، وإما على خلاف ذلك كله عابس الوجه شرس الخُلق عديم البِشر، بخيلًا بالمال عسر المرام مولعًا بالخلاف.

أو فيما بين هذه الأضداد بالزيادة والنقصان والانحراف والاعتدال، فلما وجد الإنسان على هذه الأحوال المختلفة الأشكال المفترقة من اختلافات لا تتلاحم ولا تتلاءم، حصل الخلاف، وقلت الصداقة بين الفريقين، وصار الاتفاق عنهما بمعزل، ووقع النفور.

وأما إذا وجد الإنسان شخصًا آخر على شاكلته وطينته وجبلته، وكان جامعًا لخصاله وسائرًا على منواله، لكان إذ ذاك يميل إليه بكليته، ويكثر إليه حنينه في صدر كلٍّ منهما برد الدين والطمأنينة نحو صاحبه، وتلتئم حينئذٍ القلوب بدون افتراق لِما يجده الواحد في الآخر من طلاوةٍ في السمع وحلاوةٍ في المنظر؛ لأن صحة الظاهر بالموافقة، وسلامة الباطن في المؤالفة، واستقرار النفس على وجدان المواصلة والإسعاف وإيثار الصديق على نفسه، والاستفهام عن كل دقيقة وجلية من شئونه، والاحتياط في كل ما حرس على أسباب القوة والزلفة، وطرْح ما أشار إلى المئونة والكلفة؛ كل هذه الأشياء من شروط الصداقة، وقيل: «إن غزل الصداقة أرق من غزل العلاقة.» ثم فإننا نرى الكثيرة ممن بينهما علاقة حبية لم يكن بينهما علامات مما اتصفت به الصداقة؛ لأنها مأثورة بالعقل، ومجراة على أحكامه، ومجبولة على رسومه.

فأما العلاقة فهي من قِبل الحس والطبيعة غالبة على أمرها، وآثارها فيها ظاهرة، والحاصل ينبغي أن يُعلَم أن الفرق بينهما من هذا القبيل، وإلا فماذا نرى أن المتحابين إذا افترق أحدهما عن الآخر الْتَهب بنار الوجد، وإن اقتربا وقع بينهما الخلاف وحصلت المشاجرة، هذا ولم نجد لذلك من سبب إلا ما قدمناه من اختلاف الخصال، وتفرُّق الأشكال، ولم تتسبب هذه العلاقة إلا من ائتلاف البعض من هذه الخصال؛ مثلًا إذا كان ذو الطبيعة مشاكلًا لذي الطبيعة، وكذلك ذو النفس مشاكلًا لذي النفس، وذو العقل كذلك، وهذه التفرقة لم تقع من جهة الطبيعة الأولى لأنها واحدة سارية في الجميع، وقعت من جهة المواد والقوابل بالزوائد والنواقص.

وهكذا الحال في النفس والعقل؛ لأن شأنهما أعلى، ومحلهما أسنى وأسمى، وذلك أن ننهيَ الشيء اليسير مما نحصِّله من ناحية النفس والعقل، والطبيعة نفس في الأصل، والنفس عقل في الأول، ولولا أن الإطالة تكاد أن تُخرجنا عن الموضوع لامتددنا في البحث من هذا القبيل؛ لأن كل عبارة من هذه تستوعب فكر النفس، وتفرقة بال الإنسان في أقفار البحث، وبالجملة فإن الصداقة تفوق العلاقة.

وسأل بعضهم عن الحد الذي حدَّه الفيلسوف في أمر الصديق، وهو «الصديق آخر هو أنت.» فقال: الحد صحيح ولكن المحدود غير موجود.

فيكون قد أنكر وجود الصديق بالكلية؛ وذلك لتعذُّر الخصال التي تتألف منها الصداقة. وقيل له: ما العشق؟ قال: «تشوُّق إلى كمالٍ ما بحركة دالة على صبوة ذي شكل إلى شكله.» فيكون بذلك قد أثبت العشق، وأنكر وجود الصداقة، وعلى ذلك قد صح قول الشاعر:

أيقنتُ أن المستحيلَ ثلاثةٌ
الغولُ والعنقاءُ والخِلُّ الوفي

فالصداقة إذ أخذها الإنسان من جانب اشتقاق اسمها كانت من الصدق، والصدق ميزان النفس، وحوزة العقل، وكمال الجملة، وزينة الفضل. فإذا صادق الإنسان إنسانًا آخر فقد أجراه فوق كل ما يألفه من الأشياء؛ لأن الإنسان قد يألف ثوبًا وحليًّا وهدايا وطعامًا ومنزلًا ومتنزهًا والمألوفات كثيرة، ولا يصادق شيئًا منها لأن الفرق بين الصداقة والألفة عظيم، وبَوْن بينهما بعيد، فإذا صادق الإنسان صديقًا فقد رفع شأنه، وأعلى مكانه فوق كل ما يألفه، وميَّز قدره، وأفرد حاله عن كل شيء حتى إنه يؤثره على نفسه.

ونقل بعض الحكماء عن أخبار الإسكندر أنه كتب إلى أرسطوطاليس وصف له ما رآه في بلاد الهند من العجائب، فكان من ضمن ما كتب له: أيها الحكيم إننا انتهينا من خليجٍ من البحر من ورائه مدينة عظيمة من مدائن الهند، ورأينا في اللُّجَّة من ذلك الخليج شيئًا شاذًّا بارزًا كهيئة الجزيرة، فمنعني صديقي «فيلون»، وقال: بل أعبر أنا أولًا، فإذا كان هناك مكروه كان دونك، فإنه إن هلك «فيلون» وجد الإسكندر منه خلفًا، وإن فُقد الإسكندر لم يكن على وجه الأرض له خلف، فعَبَر فيلون وعدة من خلاني، فإذ ذلك الذي رأيته في البحر دابة عظيمة من دوابه، فلما دنى منها أصحابي غاصت في البحر فاضطرب الماء وغشي الموج سفائن أصحابي فأغرقها، فلما شاهدت ذلك اشتدَّ جزعي على صديقي «فيلون»، ومن غرق معه، وانصرفتُ بقلب مصدوع، وطرف مولع بالدموع.

فعلى هذا القياس يكون الصديق غير معدوم، ولكنه نادر، ولا حكم له، وعلى ما أظن أن الفلاسفة شبَّهوه بالعدم لقلته، وذلك مبالغة في القول على وجه الإجمال، وقد قال بعضهم:

تمسكْ إن ظفرتَ بذيلِ حُرٍّ
فإنَّ الحُرَّ في الدنيا قليلُ

وهذا الشاعر ممن أثبت وجوده، ولكن مع التقليل؛ وبذلك يكون أقرب للعدم من الوجود؛ لأن الطالب له غير آمل لوجوده لأنه قال: «إن ظفرت»، ولفظة إن للشرط أو للتعليل، فيكون أوصاه بحفظ الصديق إن ظفر به، وهذه الوصية غير لازمة؛ لأنه كما قدمنا في الأول أن الصداقة لا تكون إلا بائتلاف الطباع واتفاق الخصال، وإذا كانت على هذه الصفة، فإنه لا يلزم لها التحريض على حفظها؛ لأن القلوب تلتئم من طبيعتها، فيصير الافتراق بينهما بعيدًا، والله أعلم بالصواب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤