الفصل العاشر

الطابع الذي يمتاز به العصر الحديث

ثم ما هذا الاستمرار في ذكر ديكارت حتى ملته نفس القارئ وزهدته وضعفت ثقته فيه، فهو تارة في رأي المؤلف مظهر الكمال الكلي ولو أنَّ الإنسان خلق كاملًا لما احتاج إلى أن يطمع في الكمال — صحيفة ١٣ — وطورًا نرى منهج ديكارت خصبًا في العلم والفلسفة والأدب والأخلاق والحياة الاجتماعية — صفحة ١٤ — وأنَّ منهج ديكارت هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث، وإننا نرى في خجل وأسف أنَّ المؤلف عرض بديكارت وآذاه وحمَّله وزر أغلاطه، فما كان هكذا مذهب ديكارت ولا منهجه، وليس ذلك المنهج بالطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث، إنما هذا العصر الحديث عليه سيما من ذكرنا من فطاحل الفلاسفة والنقاد أمثال فولتير ورينان وكوزان وميشليه وجيو وبرجسون في فرنسا وغوته وكانت وشوبنهور ونيتشه وهينه في ألمانيا.

ومن العجيب أن يقول مؤلف الشعر الجاهلي إنَّ عصرنا الحديث يحمل طابع ديكارت ونحن لسنا كغيرنا نحاول أن نخدع نفسنا بمراجعة الماضي، فنلقي على كاهل حكيم واحد عبء محصول الفكر البشري منذ رحل ديكارت عن هذا العالم في وسط القرن السابع عشر، فقد حل محله من بحثوا في أعظم مسائل الكون من جهتها الإيجابية والسلبية، وكانت أمانيهم الوصول إلى الحقيقة، وسر العدالة العميق، وكُنْه الفضيلة، وحلم خلود النفس، وقواعد الحب، ووساوس العقائد. ونشأ فلاسفة ونقاد استطاعوا أن يتخيلوا وجدانًا مرسومًا وغاية مقصودة، وآخرون يترقبون ملكوت الإنسان الأكمل، وهي الطوبى البشرية «إيتوبيا».

أما دوحة الآداب العربية التي عُنِي بغرسها واستثمارها العلماء المستشرقون الألمان والفرنسيس والطليان المتميزون أمثال: ديجوجيه وجريمه ونولدكه وساسي ورينان وليون كايتاني وأينعت بفضلهم، وقد شادوا للعلم الشرقي والآداب العربية مجدًا لا يدانيه في مجال التأليف إلا جلال مباحثهم، هؤلاء كلهم علماء انطوت مواهبهم العقلية على حذق النقاد ودقتهم، وقد أطاف كلٌّ منهم سجية تطلعه حول جميع الأمور من عالٍ ودون، حتى كشف لنفسه منها مبدأ مستحدثًا، فهذا برونتيير نأخذ طريقته على سبيل المثل، فإنها تقتضي أن يرى الناقد عيوب الكاتب أو الشاعر قبل الاكتراث لمحاسنه؛ لأن العيوب في عرف برونتيير ضروب من المحاسن في نظر الناثر والناظم أخطأ في فهمها على حقيقتها؛ أي إنه قد رأى حسنًا ما ليس بالحسن، فالناقد الذي يقصد إلى إظهار عيوب الكاتب إنما هو في الواقع يعمل على إظهار محاسنه، كما أنه يعمل على اتقاء العيوب بإظهارها والإسهاب في بيان الأسباب التي أنتجتها، فالنقد الذي غايته البحث في عيوب الكاتب يرمي إلى إظهار قواعد فن الأدب الصحيحة ومحاسن التأليف التي يجب اتباعها. فيظهر للقارئ مما تقدم أنَّ تمجيد مؤلف الشعر الجاهلي لديكارت والإشادة بذكره وإذاعة الاقتداء به لم تكن مقصودة لذاتها، إنما لما سبق لذهن المؤلف من أنَّ الانتساب إلى ديكارت يبرر الشك في كل شيء؛ لأنه في زعمه إمام الفلاسفة المتشككة، وقد أثبتنا من كتب ديكارت نفسها ما يهدم هذا الزعم الطبيعي أو المصطنع، ولا نجد ما نخاطب به مؤلف الشعر الجاهلي في هذه المسألة أبلغ من قول السير أوليفر لودج ردًّا على الأستاذ أرمسترنج: «يظهر لي أنَّ صديقي الظريف الأستاذ … يشك في أشياء كثيرة مما تقوم عليه أدلة راهنة ويفتخر بشكه، ولكن لا مزية للشك، فإنَّ رفض الدليل المتين سخافة كالتمسك بالدليل السخيف، وموقفه هذا يحرمه من الابتهاج بما كشف في هذا العصر من الأمور الجليلة؛ لأنها لا تنطبق على رأيه، إلا أنَّ غرض العلم معرفة الحق لا التردد والجهل، والحذر حسن جدًّا، ولكنه قد ينحط إلى تجنب البحث، ولو كان في نفسي شيء من الريبة لما ترددت عن إظهارها، ولكن إنكاري الحق جنان مطبق مهما ترتب على الاعتراف به.» مقتطف ج١ مجلد ٦٩ صحيفة ٦٩.

هؤلاء — يا مؤلف الشعر الجاهلي — هم حملة ألوية العلم والفلسفة والنقد في العصر الحديث، ومناهجهم هي الطابع الذي يمتاز به هذا العصر بإجماع العلماء وأهل الأدب في أنحاء الدنيا، فرحمة الله على ديكارت ومنهج ديكارت وشك ديكارت ويقينه أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠