الفصل الرابع عشر

المستشرقون يلتمسون مرآة الحياة الجاهلية في الشعر الجاهلي

فإذا صدقت هذه النظرية بالنسبة لشعر الأمم القديمة والحديثة في الشرق والغرب، فلماذا لا تصدق في عرب الجاهلية؟ لا سيما أنَّ العرب في الجاهلية قد خاضوا عباب بحور الشعر، وولجوا كل باب من أبوابه، فوصفوا وترسلوا وتفننوا وتغزلوا ورثوا ودونوا الأخبار ومدحوا وهجوا، وضربوا الأمثال، ووضعوا الحكم، وتنافروا وتفاخروا، وشاعرهم مندفع في كل ذلك بسائقة الطبيعة، يفكر في محسوس بين يديه، ومنظور أمام عينيه، وعاطفة بين جنبيه، وشعيرة تختلج في صدره، وصورة مرسومة في مخيلته منعكسة عن طريق معيشته وفطرته، لا يتطلع إلى ما وراءها، ولا يتكلف الزخرف والتنميق.

وكان الشعراء الجاهليون يسددون قولهم نحو كبد الحقيقة فلا يخطئونها، ويقولون الشعر عن شعور حي، ولا يتخطون إلى ما وراء مشهودهم ومعقولهم، فجاء شعرهم مثالًا صادقًا لبداوتهم وحضارتهم، حتى لو اندثرت جميع أخبارهم وآثارهم، وما بقي إلا شيء من شعرهم لتيسر للباحث أن يستخرج منه وصفًا كاملًا لجميع أحوالهم، كما استخرج الباحثون كثيرًا من غوامض جاهلية اليونان من شعر هوميروس، ويسري هذا الحكم على جميع شعراء الجاهلية من عبدة الأوثان والصابئة والمجوس واليهود والنصارى، ومن أدرك الإسلام وأسلم أو لم يسلم، فالشاعر العربي ينزع دائمًا إلى رسم الحقيقة رسمًا ناطقًا. قال الأستاذ موريس كروازيه في مقدمة كتابه في تاريخ الأدب اليوناني: «إنَّ جملةً لخطيبٍ أو بيتَ شعر لشاعر أشبه بمرآة تنعكس فيها صورة تدل على ماضي اللغة والتاريخ لشعب من الشعوب، وتدل على المتفنن الذي صاغ شكلها ووهب لها جمالها، كل هذا يرى في الشعر والنثر، ومؤرخ الأدب كمؤرخ العلم الطبيعي، فهو قبل كل شيء ذو ملاحظة خالية من الأهواء والأغراض.»

وقال تين في مقدمة كتابه «تاريخ فنون الأدب عند الإنجليز»: «إنَّ الآداب صورة كاملة صحيحة من الأشخاص والزمن الذي يعيشون فيه.» وقد توفقنا بحسن الطالع إلى أقوال العلماء الأخصائيين في هذا الموضوع، وفي هذه المسألة عينها، وتتم بذكرها متسلسلة فضيحة نظرية المؤلف أمام عينَي القارئ، فإنه يدَّعي أنَّ الشعر الجاهلي لا يمثل حياة الجاهلية، فانظر الآن إلى ما قاله هؤلاء العلماء الأعلام من المستشرقين، قال نيكلسون أستاذ آداب اللغة العربية في جامعة أكسفورد ومؤلف تاريخ آداب اللغة العربية في صفحة ١١ من مقدمة الكتاب المشار إليه طبع ١٩١٤: «بالنظر إلى خطورة شأن الشعر العربي لكونه في جوهره ولبه المقصود مرآة صادقة لحياة العرب، فلا أحسبني مسرفًا في سعة المكان الذي أفسحته له في هذا الكتاب.» وإليك نصه بالإنجليزية ليطمئن قلب القارئ:
Considering the importance of Arabic poetry as (in the main) a true mirror of Arabian life, etc.

واللطيف المطرب في هذا الدليل الذي استدللنا به أنَّ المؤلف الإنجليزي الفاضل الذي أرَّخ الآداب العربية عبَّر بمرآة الحياة العربية، وهو عين التعبير الذي استعمله مؤلف الشعر الجاهلي ليدلل على عكس هذه النظرية، وهذا نص تعبيره: «مرآة الحياة الجاهلية يجب ألَّا تُلتَمس في الشعر الجاهلي!»

وقال نيكلسون نفسه في ص٢٦: «إنَّ مزايا العصر الجاهلي وخواصه مرسومة صورها — كما تُعكس صور الأشياء في المرآة — بأمانة ووضوح في الأغاني والأناشيد التي نظمها الشعراء الجاهليون.» وقال في صفحة ٢٧: «إنَّ الأدب الجاهلي المنظوم منه والمنثور يُمكِّننا من تصوير حياة تلك الأيام الجافية — الجاهلية — تصويرًا أقرب ما يكون من الدِّقة في مظاهره الكُبرى.»

وقال ثوربيكه Thorbecke الألماني في كتابه «عنترة أحد شعراء الجاهلية» صفحة ١٤: «لا نملك مصادر موثوقًا منها لتدوين تاريخ تلك الغارات البدوية سوى القصائد والمقطوعات المحفوظة عن شعراء الجاهلية.» وقال المؤلف نفسه في صفحة ٧٩: «يمكن تعريف الشعر الجاهلي بأنه وصف مزيَّن بالشواهد لحياة الجاهلية وأفكارها، فقد صوَّر العرب أنفسهم في الشعر صورة منطبقة على الحقيقة بدون تزويق ولا تشويه.»

وقال نولدكه المستشرق الهولندي العظيم في كتابه عن الشعر العربي القديم — الجاهلي — ص١٧ وما بعدها، طبع هانوفر سنة ١٨٦٤: «إنَّ عادات عرب الجاهلية وأحوالهم معلومة لنا بدقة نقلًا عن أشعارهم، فلدينا نصيب وافر جدًّا من أخبار مكة وشئونها في وقت ظهور النبي .» وقال: «إنَّ في الشعر الجاهلي ما يفتن القارئ من أوصاف الحياة والعادات في البادية، حتى أنَّ الشعراء لم يفرطوا في ذكر حمار الوحش وأنواع شتى من الظباء والغزلان والآرام والوعول.»

وقال أيضًا: «وفي أحوال كثيرة يحتفظ الشاعر بوحدة الفكرة في قصيدته بأن يجعل كلًّا من أقسامها خاصًّا بوصف مناظر وحوادث من حياة الشاعر نفسه، أو الحياة العامة التي يحياها البدو في الصحراء» ا.ﻫ. المنقول عن نولدكه. وتكلم رينان الشهير في كتابه تاريخ اللغات السامية ومعارضتها ص٣٦٢ و٣٦٣ فقال: «إنَّ الشعر العربي الجاهلي لم يفقد قيمته التاريخية والأدبية (من حيث هو تصوير صادق للحياة الجاهلية)، وقد شبَّه طرفة بن العبد (ص٣٥٩) خدَّ ناقته بقرطاس الشامي في البيت الأول بعد الثلاثين من معلقته:

وخد كقرطاس الشآمي ومشفر
كسبت اليماني قده لم يحرد

مما يدل على أنَّ الورق كان صنفًا غريبًا نادرًا، وأنه كان يستجلب من سورية في عهد قريب لنظم هذه المعلقة.» ا.ﻫ. المنقول عن رينان.

هذه آراء العلماء المستشرقين قد انصبت كلها بنصوص صريحة على تفنيد رأي المؤلف، وقد سردناها لنهدم نظريته بأقوال لا يقوى على نقضها لصفات قائليها وامتيازهم وإجماعهم، وما زال رأيه في العراء مهملًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠