الفصل السابع عشر

ماذا يقصد بالجاهلية؟

فلنتقدم مسرعين ولا نتريث كثيرًا، متكئين على تلك العصا التي نسيها المؤلف في عتبة الباب الثالث من كتابه، وهي اعترافه بالحياة الجاهلية، ولننظر في صحيفة تلك الحياة الجاهلية لنرى كيف كانت، وبماذا تميزت، وأية صورة تركت في أذهان الورى، ثم نبحث بعد ذلك في الشعر الجاهلي من حيث صدق نسبته إلى قائليه، فإذا استخلصنا منه نصيبًا صحيح النسبة، رجعنا بالقارئ خطوة إلى الحياة الجاهلية، فنقارن بين محيطها وأحوالها وبين الشعر الجاهلي، فإن صح أنَّ الشعر الجاهلي يمثلها، فقد بلغنا غاية البحث من هذا الفصل، ماذا يقصد بلفظ الجاهلية؟

أطلق المؤرخون والكُتَّاب من العرب والإفرنج صفةَ الجاهلية على تاريخ العرب منذ بداية خلقهم إلى ظهور الشريعة، ولكن النُّقَّاد أجمعوا أمرَهم في هذه التسمية على الفترة من الزمان التي نُظم فيها الشعر الجاهلي، وهي السابقة للمبعث بقرنين من الزمان، وليس المقصود بالجاهلية معناها اللفظي اللغوي؛ أي حالة الجهالة التي يقابلها العلم أو المعرفة؛ لأن من كانت صفاتهم صفات العرب قبل الإسلام لم يكونوا أبناء جاهلية جهلاء من «الجهل»، بل ما أحراهم أن يكون أطلق عليهم ذلك لشيوع عبادة الأوثان بينهم، فلا جدال في أنَّ كثيرين من العرب قبل الإسلام كانوا مجوسًا وصابئة، وكان منهم دهريون وعُبَّاد كواكب ووثنيون يعبدون الأصنام والأنصاب، فالجاهلية يقصد بها تلك الوثنية التي كانت سائدة قبل الشريعة، وذلك الخلق الوحشي الفطري المشبع بالاعتداد بالنفس والأثرة وسرعة الغضب والتحلل من القيود والإباحة، فإذا أجزنا هذا التفسير وأخذنا به، كانت الجاهلية أيضًا حالة عقلية قائمة بهؤلاء الأعراب، يقابلها الحلم الذي هو سيد الأخلاق وجماع الفضائل. أما العربي الجاهلي فما زال على فطرته الأولى شدة في الخلق، وقسوة في القلب، واندفاعًا وراء الشهوات، وتأليهًا للجماد لا يغني عنه علمه وعقله وحكمته وشعره شيئًا، وقد كانت مقاصد المدنية التي ظهرت في الجزيرة العربية أن تبدأ بتهذيب تلك النفوس الفوارة المندفعة، فتستل منها خلائق الشر والأذى، لتُحِل محلها خصالًا حميدة كالعفو والإيثار والصبر واللباقة وسداد الرأي، فالمدنية التي قضت في جزيرة العرب على الجاهلية الجهلاء لم تنشر العلم أو الفلسفة، إنما قضت على الأخلاق والشعائر والعادات والممارسات البربرية والطبائع الجافية التي تميزت بها وثنية العرب، وكان في محوها ثورة إصلاح عمت الجزيرة كلها، فخفت سورة الغطرسة واضمحلت «حمية الجاهلية»، وزالت المضاغنة والأحقاد، وخمدت نيران الأخذ بالثأر، وتحلى العربي بالثبات وكظم الغيظ بعد الرعونة والطيش والعنجهية، ويؤيد تفسير الجاهلية بما أسلفنا البيت المنسوب إلى عمرو بن كلثوم:

إلا لا يجهَلَنْ أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا

كانت العرب الجاهلية أمة ذات بأس وصرامة وحمية وحفاظ وذات خيال وتصور، وامتاز العربي بالشجاعة والكرم والذكاء وفصاحة القول، وكانت العصبية عنده شديدة جدًّا، وهي التي حفظت كيانهم كما أنها من أسباب الحرب بينهم. نشأ العربي في الحرية وسذاجة العيش ومنحته زرقة سمائه صفاء قريحته وسهولة الكلام وفصاحة المنطق، وكان يستهين بالآلام، ولا يجعل شأنًا للغد، يمجد الجمال الأنثوي لأنه جميع ما لديه من الجمال، فشبَّه المرأة بالكواكب وهي أعظم وأجمل ما يرى، وهام بها هيام اليونان الأقدمين بأربابهم، فأصبح الغزل جزءًا من نفسه. وإنَّ الحياة الفطرية البدوية في وسط الطبيعة النقية، ومساس الحاجة الدائمة للدفاع عن النفس، وحماية الذمار والذود عن العرض والحمى، وإغاثة الملهوف والنجدة، لجديرة بتكوين عقله وقلبه تكوينًا خاصًّا.

يقول بعض المستشرقين إنَّ الإنسان كلما كان قلقًا متطلعًا إلى غاية سامية، ثم كان بعيد الغرض لا يرضى بالقليل من العيش، ولا يحد آماله أفق القناعة؛ دعاه ذلك إلى حب البحث، فيبقى في حركة مستمرة غايتها الوصول إلى ما يريد، كمن يبحث عن حقيقة خفية، وكلما أمعن في البحث ظهر له شيء جديد، وانقادت له معانٍ طريفة، وتبينت له أسرار دقيقة في الحياة والكون، وهذا النوع ظاهر في آداب الأمم الآرية. ولأمر ما ينكر المستشرقون هذا النوع من سعة الخيال على الأمم السامية وفي جملتها العرب، وإنهم في ذلك يبالغون في التفريق لتتسع مسافة الخلف بين الشعوب التي ينتمون إليها والشعوب التي ينتسب إليها العرب، والحقيقة هي أنَّ العرب تصوروا آلهة متعددة، ونصبوا لها الأصنام والأنصاب، وعكفوا على عبادتها قبل الإسلام، وعبدوا الكواكب والنجوم والشمس والقمر والنار، وكان منهم دهريون وطبيعيون و«لا أدريون»، وذلك ثابت في شعرهم ونثرهم وأمثالهم، وسيأتي بعضه عند الكلام على حياتهم الدينية.

وقد تخيل بعض نوابغ العرب نفوسًا أخرى من الجن كانت توحي إليهم عبقريتهم وعدُّوها أصحابًا لكبار الشعراء، فكان لافظ بن لاحظ صاحب امرئ القيس، وهبيد صاحب عبيد بن الأبرص، وقال قائلهم: «لولا هبيد ما كان عبيد»، وهذا لا يقل عن خيالات اليونان المتجلية في أساطيرهم، فإنَّ الشعر حالة من حالات النفس لا تنتابها إلا حينًا بعد حين، فظنته شيئًا طارئًا عليها من الخارج، ولهذا نسب القدماء تجلي تلك الحالة إلى فعل أرواح أخرى تمتزج بالنفس، فكان شعراء اليونان واللاتين يطلقون عليها اسم الموز Les Muses، ويفسرونها بآلهة الشعر، وطالما كانوا يستدعونها عند قول الشعر، وهذا أومرش وفرجيل ولوكريس كلهم ينادون تلك الآلهة، ويستنجدون بها في مطالع قصائدهم، وكذلك كان مذهب العرب الذي ذكرناه في أنَّ لكل شاعر منهم شيطانًا يلقي عليه الشعر، والشعراء كافة على هذا المذهب جاهلية وإسلامًا، قال شاعر الجاهلية:
إني وإن كنت صغير السن
وكان في العين نُبوٌّ عني
فإن شيطاني أمير الجن
يذهب بي في الشعر كل فن

وقال حسان بن ثابت:

إذا ما ترعرع فينا الغلام
فما إن يقال له من هوه
إذا لم يَسُدْ قبل شد الإزار
فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشيصَبَان
فطورًا أقول وطورًا هوه

وكان اسم شيطان الأعشى مسحلًا واسم شيطان المخبل «عمرو» قال:

دعوت خليلي مسحلًا ودعوا له
جهنام جدعًا للهجين المذمم

هذا قول الأعشى في شيطانه، وقال أبو النجم في شيطانه:

إني وكل شاعر من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

وكان العربي الجاهلي يشعر بالوقار والجد في الحياة، وينفر من الأباطيل وأوهام المشعوذين، ويندر ميله إلى التصابي والمرح، ويبغض المجون والمزاح المفرط، وقد يكون أقل الناس ضحكًا، وإن كان يدرك النكتة الدقيقة، ويصوغها في قالب يليق بها عند مقتضى الحال، وهذا الخلق مستفاد من بساطة الحياة العربية التي وحدتها الفرد فالعيلة فالقبيلة، ومن مخاطر الحياة التي لا تنقطع ومشغوليته الدائمة في طلب القوت والدم.

وقد يختلف العربي في معنى الشرف عن جميع الأمم، فإن شرف الأمم الأخرى مستمد تارة من القوة المادية والجبروت والبطش وطورًا من المال والغنى، ولكن العرب لا يعرفون إلا الشرف المكتسب من الأنساب والأحساب، فشرف الرجل يكون بسبب انحداره من رجل شريف أو انتسابه إلى أسرة كريمة أو قبيلة شهيرة؛ ولذا كانوا أعظم الأمم حفظًا لأنسابهم (ص١٣ تاريخ اللغات السامية لرينان)، وكان الجاهلي يأبى الضيم ولا يرضخ له، ولو بأبهظ الأثمان، ولا يغفل عن ثأره، ولا يفرط في عرضه، ولا يبالغ في التسامح والبذل، ولا يلين فيما يعده حقًّا، ولا يفتر عن المطالبة به، وإنه وإن كان لا يعتبر القوة مصدرًا للشرف إلا أنه يعتبرها مصدر الحكم. أما تهتك العربي الجاهلي في العشق والمعاقرة والميسر والمراهنة والمطوحات، فتشهد بها قصائده، وكذلك كان العربي وفيًّا إذا كان له من وراء الوفاء مغنم، وبعض هذه الصفات دليل الأثرة. والشعب العربي — بلا ريب — أحفظ الشعوب لذكرى الماضي، لا سيما ما كان منها ذا مساس بأصله ونشأته؛ وذلك لأن الشرف في عرف العربي الجاهلي مستمد — كما أسلفت — من الأجداد والرؤساء والمشايخ، وقد شهد رينان في كتابه سالف الذكر أنه لم يعهد أمة تحافظ على سلسلة أنسابها محافظة الأمة العربية مهما طالت السلسلة أو تعقدت محافظة قوية دقيقة، لا يعتورها تساهل أو وهن، كان من نتائجها حفاظ علاقة الدم وأسباب القرابة وشدة الحب بين الأهل، وشاهدنا وفرة أشعار الرثاء في الجاهلية كرثاء أبي خراش الهذلي وهشام ابن عقبة العدوي ومتمم بن نويرة ودريد بن الصمة والحريث بن زيد الخيل والنابغة الذبياني، والخنساء وليلى وجليلة وغيرهم وغيرهن كثير. وهذا شعر صادق لا شك فيه، وكانت المرأة المحبوبة لدى العربي الجاهلي تشغل من قلبه المكان الأول، فهي موضع غزله وتذكاره ولذته وألمه، يستحضر صورتها في مخيلته، فتحبوه شجاعة وإقدامًا وفصاحة وطلاقة، وقد يطلق سراح فريسته إذا لمح طيف الحبيب، وقد يزداد شوقه فينقلب لوعة فيذكر حادثة غرامية في شيء من الصراحة والفحش، ولكن حبه مهما قوي لا ينسيه خيله وإبله ودروعه وقسيَّه وسهامه وأسيافه؛ لأنه شجاع بفطرته، شريف شديد التأثر بالألفاظ، سريع الغضب، قليل السكوت والهدوء. أظهرُ خصاله دفاعُه عن شرفه وعرضه، ولعله أشد الفروع السامية احتفاظًا بمميزات الخلق السامي على نقاوتها الأصلية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠