الفصل التاسع عشر

كتاب «الشعر الجاهلي» مصدر تاريخي

ولدينا غير ما ذكرنا مصدر ذو شأن خطير عن حياة الجاهلية، وهو كتاب الشعر الجاهلي نفسه، فإنَّ المؤلف بعد أن تفضل على الأمة العربية بالاعتراف بحياتها، وقال إنه لا ينكرها، جاء في كتابه بنبذ مختلفة، فيها لمحات جلية عن الحياة الجاهلية، منها ما جاء في صحيفة ٢٧ عن قريش قال: «كانت قريش في أول القرن السابع للمسيح قد انتهت إلى حظ من النهضة السياسية والاقتصادية ضَمن لها السيادة في مكة وما حولها، وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من البلاد العربية الوثنية، وكان مصدر هذه النهضة والسلطان أمرين: التجارة من جهة والدين من جهة أخرى. فأما التجارة فنحن نعلم أنَّ قريشًا كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة. وأما الدين فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها قريش وتحج إليها العرب المشركون في كل عام.» ا.ﻫ. كلام مؤلف الشعر الجاهلي.

وقال في ص٢٠ عن مدنية الجاهلية: «أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة … كلا، لم يكونوا جهالًا ولا أغبياء ولا غلاظًا ولا أصحاب حياة خشنة جافية، وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة.» ا.ﻫ. كلامه.

وقال عن اليهود والنصارى ص٨٧ من الكتاب: «وفي الحق أنَّ اليهود قد استعمروا جزءًا غير قليل من بلاد الحجاز في المدينة وحولها، وعلى طريق الشام. وفي الحق أيضًا أنَّ اليهودية قد جاوزت الحجاز واليمن، ويظهر أنها استقرت حينًا عند سراة اليمن وأشرافها، وأنها أثرت بوجه ما في الخصومة التي كانت بين أهل اليمن وبين الحبشة وهم نصارى، ثم في الحق أنَّ اليهودية قد استتبعت حركة اضطهاد للنصارى في نجران، كل هذا حق لا شك فيه.» ا.ﻫ. كلام المؤلف.

وقال في ص٨٨: «ليس من المعقول أن ينتشر هذان الدينان — اليهودية والنصرانية — في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام.»

وقال في ص٩٨: «والحق أنَّ العرب كانوا كغيرهم من الأمم ذات الفصاحة واللسن والأذهان القوية، يكثر فيهم الشعر دون أن يعم كافتهم.»

هذه خمس نبذ واضحة جلية في أنها صور من حياة العرب في الجاهلية ومنقولة جميعها عن كتاب الشعر الجاهلي، ونحن نسأل المؤلف عن المصادر العلمية والتاريخية التي استقى منها هذه المعلومات، ثم جزم بصحتها ودوَّنها كأنها قضايا مسلم بها. فهل هي عين المصادر التي استنبط منها رأيه في الشعر الجاهلي؟ وكيف أمكنه وهو يشك في كل شيء أن يحكم على حالة قريش في القرن السابع لسيدنا يسوع المسيح؟ وكيف استطاع أن يصل إلى وصف رفاهية العرب ودقة عواطفهم ورقة إحساسهم ولين عيشهم؟ وكيف علم بانتشار اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية؟ ولا يخفى أنني أسأل هذه الأسئلة لأن المؤلف لم يذكر في متن كتابه ولا في حواشيه أي مصدر من مصادر العلم، ولا أي مرجع من المراجع المعلومة أو المجهولة، فكأنه يملي معلومات وعقائد صادرة عن وحيه النفساني، فحق لنا — نحن القراء — أن نسأله عن قيمة المستندات العلمية التي ارتكن عليها، ونسأله كيف اعتبر النبذ التي أوردها من نوع «الحق الذي لا شك فيه» في حين أنه اعتبر بعض المسائل مثل «تاريخ إبراهيم وإسماعيل»، «ويوم ذي قار»، «ووصف امرئ القيس بأنه حامل لواء الشعراء» أساطير وخرافات لم يقم عليها دليل تاريخي. فما هو الدليل التاريخي الذي قام لديه فجعله يتثبت من أقواله في صفحات ٢٠ و٢٧ و٨٧ و٨٨ و٩٨؟ وهل اصطنع مذهب ديكارت في صفحة ٢٦ عند ذكر إبراهيم وإسماعيل وطرحه جانبًا في الصحف الأخرى، كما يطرح الخيام (الشاعر الفارسي) «ثوب التوبة عند حلول فصل الربيع»؟ ولماذا يقول المؤلف إنه وقف موقفًا علميًّا من مؤلفات ابن هشام وابن إسحاق؛ أي إنه وقف موقف الشدة المطلقة التي انتهت بالجحود وغلا في هذا الموقف أشد غلو، ولكنه عاد فوقف موقف المستيقن المطمئن من الأخبار التي دونها عن قريش وعن اليهود؟ مع أنَّ أخبار قريش واليهود التي نقلها ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من مؤلفات ابن هشام وابن إسحاق، فضلًا عن كتب أخرى نجلها عن الذكر في هذا المقام «الكتب المنزلة»، ولا أقل من أن تعتبر كمصادر تاريخية في أعلى طبقات الصحة والتصديق، فما سر هذا الاطمئنان الغريب — أيها المؤلف «النجيب» — إلى نحو من الأخبار دون النحو الآخر؟ أيمكن أن يكون مؤلف الشعر الجاهلي لم يبرأ من هذا التعصب لرأيه الذي يرمي به الباحثين الآخرين؟ إنما نسأل هذه الأسئلة ونبدي هذا العجب؛ لأن التناقض ظاهر بين ما كتبه وبين وعوده التي ذكرها في ص٧ إذ يقول: «ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق.» فأين الصراحة وأين الأمانة والصدق؟ وأين وعدك في ص١١ «أحب أن أكون واضحًا جليًّا، وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن أضطرهم إلى أن يتأولوا ويتمحلوا، ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها»؟

لقد حل الغموض محل الوضوح، واللبس محل الجلاء، وحقًّا لقد اضطرنا هذا المؤلف أن نتأول ونتمحل ونذهب المذاهب المختلفة، فقد آلى على نفسه أن يستقبل هذا الأدب العربي وتاريخه، وقد برأ نفسه من كل ما قيل فيهما من قبل، وخلص من كل الأغلال الكثيرة الثقيلة التي تأخذ أيديه وأرجله — ص١٢ من كتابه — ورأسه، فتحول بينه وبين الحركة المطلقة الحرة، فهل هذا الخلاص من الأغلال خلصه في الوقت عينه من الصدق والإخلاص وحب الحقيقة أيضًا؟ أم أنَّ الصدق والأمانة والصراحة هي تلك الأغلال نفسها التي خلص منها وكانت تضايقه، فوجد الحركة الحرة المطلقة في أضدادها؟

قل لنا — أيها المؤلف — بل قل لكل من يقرأ كتابك من طلاب وعلماء ونقاد كيف وصل إليك العلم بأخبار قريش واليهود والنصارى، وكيف صدقت هذه الأخبار، وأخذت بها ودونتها في كتابك على أنها «حق لا شك فيه»، بعد أن برأت نفسك من كل ما قيل في الأدب وتاريخ الأدب؟

إنَّ أساس الدرس والتأليف في العلم الحديث هو استنباط نمط البحث والدقة في التبيين وانتهاج منهج الصدق ومراجعة الضمير، فإذا فرضنا أنَّ مؤلف الشعر الجاهلي كان صادقًا في اصطناع المذهب الكارتيزي فتجرد من معلوماته السابقة، فليس معنى هذا التجرد أنه ينكر كل ما سبقه إلى تدوينه المؤلفون والباحثون، ثم يستمر في سبيل هذا الإنكار دون أن يقدم دليلًا علميًّا، أو مقدمات تؤيدها حقائق الاستقراء، وتتلوها نتائج تعد بحق ثمارًا لتلك المقدمات، إنما التجرد من المعلومات القديمة معناه إعداد العقل لتكوين معلومات جديدة يكونها المؤلف أو الباحث بعد الفحص والتمحيص كمن يهدم بناء ويمهد الأرض لوضع أساس جديد متين، ولكن مؤلف الشعر الجاهلي يحاول أن يهدم بمعول الشك والإنكار والنفي والتردد دون أن يقنعنا بضرورة هذا الهدم، ودون أن يظهر في كتابه علمًا كافيًا لإعداد المواد لإعادة البناء، ونحن نصرح بأن هذه الطريقة عقيمة ومخالفة للعلم، ولا يجوز أن تسمى طريقة علمية؛ لأن فيها ازدراء لكل قواعد البحث العلمي الصحيح، فلا تحتمل الفحص في نظر الباحثين في الغرب والشرق، ونأسف جد الأسف لمواربة المؤلف في نقل الأخبار وسوء التعليل وخطأ التفسير، فإن معظم آرائه يجب أن يعرض عنه.

ولا أعجبَ في طريقته من الإنكار بغير دليل، والمثابرة على النفي والشك في وضح النهار إلا التماسه التخفيف بالتمويه بكلمات يرميها على عواهنها في مقام البحث الذي يستغرق همة العالم، ويقتضي بذل أقصى ما يستطاع من الحذق والقوة، وكان يصح للمؤلف أن يسير مع العصر الحالي في كل ما يتمحص من الحقائق وتتقرر فائدته لا أن يبقى مع أبناء القرن السابع عشر لغاية في نفسه، على أنَّ الحق في مسألة الشعر الجاهلي أمنع من أن يمضغه مكابر مهما كان مولعًا بالمناقضة نزاعًا إلى القول بما لا يقول به الجمهور، ولو لم يكن في نفسه جازمًا بصحة ما يدافع عنه كل ذلك في سبيل الظهور بابتداع شيء جديد والإتيان بفكرة غير مسبوقة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠