الفصل الثاني

فنُّ النقد في الآداب العربية قديمًا وحديثًا

بعد أن ظهرَ المقال الأوَّلُ في مقدمة نقد كتاب الشعر الجاهلي، سألني كثيرون من الأدباء عن المنهج الذي اصطنعته لنفسي، ولهم أن يسألوا؛ فإننا منذ نعاني مطالعة المطبوعات الشرقية من كتب ومجلات وصحف، لم نعثر إلا في الندرى بمبحث ينطبق عليه وصف «النقد الصحيح»، فإنَّ هذا الفن الجميل قد تعطل عندنا، ووقف عند حدٍّ حتى جمدت قواعده، وركدت أساليبه، وأَسِنت وسائله، وبقي كغيره من الفنون والعلوم العربية في ضجعة أبدية بعد نهضتها الأولى، وقد أعان على امتداد تلك الرقدة التي توشك أن لا يعقبها يقظة أنَّ علماءنا وكتَّابنا لم يتعودوا أن يسمعوا أو يقرءوا نقد مؤلفاتهم وآثارهم ظنًّا من كثيرين أنَّ الانتقاد قد يحط من أقدارهم، فكأنهم معصومون عن الخطأ، أو ظنًّا بأنَّ ظهور عيب أو غلط في كتاب يذهب بقيمته ويهدم مجد مؤلفه! لهذا لم ينصب أحد من أدبائنا نفسه للمباحث الانتقادية والتاريخية، ما عدا واحدًا أو اثنين يريدان أن يهدما كل شيء، أو يبلغا من خصومهما مأربًا، ثم يبنيا لذاتهما شهرة على أنقاض ما هدما.

وإنَّنا نلتمس للكتَّاب والأدباء عذرًا، فإنَّ النقاد الشرقيين أدُّوا وظيفَتهم أداءً معكوسًا، فإن أكثرهم يسوِّئون على من ينتقدون كتبهم ما استطاعوا، ويزيفون كل حسنة، كأن بينهم وبين المؤلفين ثارات لا تزال دماؤها جارية، أو حربًا لا يزال وطيسها حاميًا، كما صنع الخفاجي في نقد شرح درة الغواص للحريري، وكما يصنع في مصر لعهدنا هذا بعض الشعراء والكتَّاب من نقد فحول النظم والنثر المعاصرين ممن لم يبلغوا شأوهم وليسوا ببالغيه ولا بشق الأنفس! ولن نذكر أسماء من نعني بهذا القول من الأحياء، دفعًا لما يجره ذلك من الجدل الذي يذهب بفضل الغايات العلمية. فإنْ لم يسلك المنتقد تلك الخطة الخفاجية التي قوامها تجريح المؤلف وتزييف حسناته حتى تنقلب سيئات، فإنه يكون على عكس ذلك متفانيًا في التمجيد والثناء، فيحتال في تفسير كل وهم يقع له في كلامه، وتبرير كل هفوة تصدر عنه، كما هي حال معظم شُرَّاح الكتب الدينية والأدبية، فقد نصبوا أنفسهم خولًا ونواطير للمتون، فيأخذون في حسن التعليل ولطف التأويل والتماس الصواب فيما هو واضح الخطأ، وادعاء الصحة لما هو واضح البطلان! وبعض آثار هذه الطريقة العقيمة ظاهر فيما نقرؤه عن المطبوعات الحديثة من أنها «كتب نافعة جيدة الطبع والورق، ويُتمنَّى لها الرواج والانتشار»، ونقول إنَّ كلتا الطريقتين غلط وتضليل، وفيهما تشويه الحق وفساد العلم وقضاء على الذوق السليم، وإنَّ الطريقة المثلى هي خطة العدل والإنصاف، وعدم ستر وجوه الحقائق ببراقع التمويه، وحفظ كرامة الناقد والمنتقَد بذكر ما للكتاب وما عليه بدون تحيز ولا مكابرة، فإنَّ المنتقِد الذي لا يستطيع أن يجرد نفسه عن الهوى خليق به أن ينزوي ويعدل عن نشر الإفك بين الورى، فإننا في يومنا هذا ونهضتنا هذه أحوج ما نكون لخلع الكمائم، وشم ريح الشمال، ورفع الغطاء عن الأبصار والبصائر للتمتع بالنور والجمال. ورحم الله من قال: «الناقد البصير قسطاس نفسه.» فالجمال والعدل والحق ليست عناصر يناقض بعضها بعضًا، بل هي كلها مظاهر عقل واحد أزلي، وإنَّ العاجز كاتب هذه الأسطر بقي مدة طويلة نظَّارًا متأملًا متجنبًا الدخول في المعامع إلى أن ظهر كتاب الشعر الجاهلي وقرأت فيه ما قرأت، فَصَحَتْ عزيمتي على أن أفارق المرصد الذي كنت أراقب منه صور هذا الوجود لأخوض غمرة هذه الدعوى الجديدة الغريبة.

إنَّ العرب الذين يدور هذا البحث حول شعرهم منتقدون بفطرتهم، وقد حاولوا الاشتغال بفن الانتقاد مجاراة لميلهم الفطري، بيد أنهم لم يجعلوا منه فنًّا بأصول وفروع، أو علمًا مقيدًا بقواعد مربوطة. ولم يكن هذا الجري مع السليقة بمانعهم عن ظهور مواهبهم الطبيعية بفضل بعض فحول كتَّابهم، فإنَّ أبا محمد عبد الله بن قتيبة — واضع أدب الكاتب — هو من أقدم النقاد، ومقدمة كتابه شاهدة بفضله، وللخوارزمي مؤلف مفاتيح العلوم نُبَذ قيِّمة في الباب الخامس في نقد الشعر، وكان مثله ابن العميد، وعبد الله بن المقفع في درته اليتيمة. ولأبي القاسم الآمدي والصاحب بن عبَّاد قدمٌ في النقد، فقد بدأ الآمدي طريقة النقد المقارن بالموازنة بين أبي تمام والبحتري، وهي طريقة حديثة تشكر ذلك القديم على استنباط خطتها، وقد تلاه أحد أكابر العلماء، وهو القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز صاحب كتاب «الوساطة بين المتنبي وخصومه في الشعر»، فإنَّ المطَّلع على هذا الكتاب القديم بزمنه الجديد بنوعه لا يرتاب في أنَّ مؤلفه ممن ألموا إلمامًا حسنًا ببعض وجوه فن الانتقاد، وظهر ميله الفطري إليه بالإنتاج والتأليف، وبعد أن كان النقد الأدبي قاصرًا على القول بأنَّ الشاعر فلانًا سرق المعنى ممن تقدمه، وأنه لا فضل لمواهبه ولا طلاوة لألفاظه، أو الاعتذار له بأنه «قد يقع الخاطر على الخاطر، كما يقع الحافر على الحافر»، ترقَّى إلى مثل انتقاد المطرز الشاعر لقول الشريف الرضي:

وخذ النوم من جفوني فإني
قد خلعت الكرى على العشاق

بقوله: لقد خلع سيدنا ما لا يملك على من لا يقبل. وقد حاول الحريري في كتابه «درة الغواص في أوهام الخواص» شيئًا من النقد الصحيح، وهو الكتاب الذي انتقده الخفاجي نقدًا جارحًا مقذعًا، وأشرنا إليه وإلى طريقته في افتتاح هذه الجملة، ثم ظهر الأستاذ العالم أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني صاحب كتاب العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقد عيوبه، وهو القائل:

لعن الله صنعة الشعر ماذا
من صنوف الجهال منه لقينا
يؤثرون الغريب منه على ما
كان سهلًا للسامعين مبينًا
ويرون المحال معنًى صحيحًا
وخسيس الكلام شيئًا ثمينًا
يجهلون الصواب منه ولا يَدْ
رُون للجهل أنهم يجهلونا

وقد أَلَمَّ بفنِّ النقد عز الدين أبو الحسن بن الأثير في «المثل السائر»، ولا عجب إذا ضرب هذا العالِمُ الفَذُّ في الانتقاد الأدبي بسهمٍ، فإنه من العلماء الأعلام الذين طبَّقوا قواعد الانتقاد العلمي على التاريخ ثم تاريخ الرجال خدمةً لفن «الرواية» في كتابه الجامع «أسد الغابة في معرفة الصحابة» الذي هو أصفى مثال للعنعنة الكبرى العربية، وناهيك بمن ينتقد الرجال دون الأقوال، وجاء بعد هؤلاء صاحب المقدمة بمثل ما دونه في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه، والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام، وذكر شيء من أسبابها. ومعظم هذه المقدمة خاص بتطبيق علم النقد بحسب زمان المؤلف ومكانه على علم التاريخ، فأسس بذلك مبادئ علم الاجتماع، ويوشك أن يكون من نقاد الأدبِ العسكريُّ صاحب كتاب «الصناعتين»، وشهاب الدين الحلبي صاحب «حسن التوسل».

هؤلاء هم بعض كُتَّاب العرب في فن الانتقاد قد أتينا عليهم لنذكِّر قُرَّاءَ العربية بما كان لدى الأولين من إتقانٍ وطلاوةٍ وحكمةٍ. وبعض مؤلفات هؤلاء الأساتذة ستبقى بقاء أمثلة الأدب التدريسية؛ ليعلم أبناء هذا الجيل المراهق أنَّ العربية ليست بالضيقة العطن، التي لا تطيق علمًا حديثًا ولا أدبًا طريفًا، بل إنها لغة واسعة النطاق لا تجد في صدرها حرجًا من كل دخيل، فقد استأذنت عليها علوم الأمم المتحضِّرة وآدابها وأمثالها وفنونها وأقاصيصها من قديم الزمان، فازدادت بها كمالًا وكسبت بها صقالًا. وقد ذكرنا من الكتَّاب من وَعَتْهم الذاكرة ممن يمتون لفنِّ الانتقاد بحبل قرابة أو نسب، ولا ريب أنَّ في البلاغة العربية كثيرين ممن درسنا ثم نسينا، أو ممن لم تقع لنا آثارهم، فَحُرِمْنا لذة الانتفاع بثمرة جهودهم على الرغم منا. ومهما تكن قيمة مباحثهم في نظر المتشددين من كُتَّابِنا المعاصرين لنا أو نُقَّاد المستشرقين من الإفرنج، فإننا نحييهم ونترحم عليهم ونحيي ذكراهم؛ لأن فضلهم أسبق، وعملهم أقدم وأعرق، وكيف يسوغ لنا — نحن أبناء هذا الجيل — أنْ نطالب هؤلاء الأجداد الأمجاد بأكثر مما جادت به قرائحهم؟! فأين هم من الأنداد من أهل هذا الزمان ببسطة عمرانه وامتداد مدنيته، وما به من توافر أسباب العلم والدرس والمراجعة والتأليف والترجمة والنشر والطبع؟ بل أين بعض العلماء والأدباء الذين قُتِلُوا أو عُذِّبوا أو سُجِنوا أو سُلِبت أموالهم في سبيل بادرة بَدَرَتْ أو رشاشة مداد من قلم فيَّاض أمثال: ابن سينا، وابن رشد، وابن النديم، وابن المعتز، والمتنبي، والسهروردي؛ من مكانة العز الكرامة والغنى التي هيأتها المدنية الحديثة للعلماء والأدباء أمثال: هيجو، وأناتول فرانس، وروديارد كبلنج، وجوته، ودانونزيو؟

فنحن في عصر الحضارة الممدودة والعلم الغزير والحرية الواسعة لا نستطيع أن نحكم على هؤلاء الأسلاف إلا بحسب زمانهم ومحيطهم، ولا يغيب عن الناقد البصير أنَّ ذوق المؤلف أو الشاعر أو المتفنن لا يتفق وذوق كل إنسان، ولا يمكن استيعابه بطريقة واحدة؛ وذلك لاختلاف المشارب والأذواق، وتفاوت العقول في وسائل الوعي والفهم والإدراك، وإليها يرجع الحكم في أصول الفنون وأنواع الجمال.

ويؤيد رأينا هذا ما رُوِيَ عن «أريستارك» الإغريقي القديم زعيم مذهب النقد المهذب الحر من أنَّ كل كِتاب أدب يجب أن يُنْتَقدَ دون التغافل عن العقائد والآداب التي كانت سائدة في عصر تأليفه. وعلى هذا الأساس الذي جَعلَ النقدَ تبعًا لأحوال التأليف، نَصَّ «لونجان» في كتابه «غاية الكمال» على وجوب العلم بالوسائل التي بلغ بها هوميروس وإيشيل وأفلاطون شأوهم فيما تركوا من الآثار؛ لأنَّ آداب اللغات لم تعهد لنفسها إلا في النادر الأندر قوالب بهذا الجمال الرائع، وأمثلة بهذا البهاء الرائق، وصورًا بهذه الدرجة من الجلاء والصقال. فقرر «لونجان» أنَّ هذه الوسائل تنحصر في مطابقة الصورة الذهنية لما تنتجه قريحة الشاعر أو الكاتب، فإذا حاول وصف سماء صافية بأقمارها وكواكبها فيقصد الشرق، ويصعد في جبل شاهق في ليلة صافية الأديم، فينقل هذا الوصف من الطبيعة والمحيط، وإن شاء وصفَ عرسٍ لأعراب البادية، فينزل بأحد القبائل، فينظر في عاداتهم وخيامهم وهوادجهم ونسوتهم وأفراحهم وأتراحهم وشعرهم وأمثالهم، فيكتب أو ينظم حينئذٍ عن حقيقة ثابتة، وقعت تحت حواسه بعد أن ظفر بالوسائل المطابقة للصورة الذهنية.

ويتبع هذا تطبيق تلك القاعدة على فن النقد، فإذا حاول الناقد مبحثًا في الشعر الجاهلي، فليتخذ الوسائل لذلك بأن يدرس دواوينه وأخبار عرب الجاهلية وتاريخهم، حتى يستقصي بالدرس والبحث أخلاقهم وعاداتهم وآدابهم؛ ليصح له استنتاج صدور الشعر عن القوم المنسوب إليهم، أو تقوم لديه الأدلة على العكس، ثم يكوِّن عقيدته بالتدريج حتى يصل إلى الغاية التي ينشدها، وهي الحكم الصادق العادل، فلا يخضع في حكمه لميل أو تشيُّع أو فكرة سابقة التكوين في ذهنه، فإنَّ الميل والتشيع غطاء على عين البصيرة، يعوقها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله.

قال مؤلف الشعر الجاهلي في ص٢: أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعًا يعلمون أنَّ القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد صاحب البحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوًّا تامًّا. وهذا المنهج كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرًا، وأنه جدد العلم والفلسفة وغيَّر مذاهب الأدباء والفنانين، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث.

فظاهر من هذه النبذة أنَّ مؤلف الشعر الجاهلي تخيَّر طرائق النقد الفرنسوي، ومن تلك الطرائق تخير ما وصفه بالمنهج الفلسفي الذي اصطنعه ديكارت. وإنه من العدل أن ننظر مليًّا في مذاهب النقد الفرنسوي لنُهدى إلى المكان الذي يشغله هذا المنهج الكارتيزي — نسبة إلى ديكارت — وهل سار المؤلف عليه والتزمه حقًّا في مباحثه من دون أن يحيد عن قواعده، وهل هذا المنهج هو «الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث» أم لا؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠