الفصل الحادي والعشرون

مُثُلٌ من الشعر الجاهلي تصوِّر حياة عرب الجاهلية

ومن الشعر الجاهلي الذي يعتبر بمثابة صور لحياتهم، وأخلاقهم، وآدابهم، ما نذكره مثلًا تصور تلك الحياة كقول الأحوص يفتخر بكرمه:

عوَّدت قومي إذا ما الضيف نبَّهني
عَقْرَ العِشَارِ على عسري وإِيساري

وكان العرب في الجاهلية يطلِّقون نسوتهم، ودليل ذلك من قول الأعشى:

أيا جارتي بِينِي فإنك طالقةْ
كذاك أمورُ الناس غادٍ وطارِقَةْ

وكان الولد يتزوج من امرأة أبيه بعد وفاته، تزوج عمرو بن معدي كرب أرمل أبيه، ثم قال فيها بعد أن كرهها:

تقول حليلتي لما قلتني
شرائج بين كدريٍّ وجون
تراه كالثغام يعل مسكًا
يسوء الفاليات إذا فليني
لَقعقعةُ اللجام برأس طرف
أحبُّ إليَّ من أن تنكحيني
فلولا إخوتي وبنيَّ منها
ملأت لها بذي شَطبٍ يميني

ومن ذلك حبهم الخيل وحرصهم على حفظ أنسابها وأسمائها، دع عنك ترتيبها في نظم المسابقة، حيث قالوا: المجلي والمصلي والمسلي والعاطف والمرتاح، ثم الحظي ثم المؤمل، وهذه السبعة ذات الحظوظ، ثم اللواتي لا حظوظ لها: اللطيم والوغد والسكيت. ونرى أنَّ العرب في الجاهلية كانوا أكثر شفقة على الخيل وتقديرًا لها من هواة المضمار في وقتنا هذا، فإن المعاصرين يجعلون حظًّا للمجلي والمصلي دون غيرهما — جانيان وبلاسيه — ولم يجعل أهل زماننا من أرباب الحلبة والرهان حظًّا لما بعد الثاني، ولم يضعوا لها وصفًا ولا اسمًا. وقد أفرد الغندجاني كتابًا لأسماء خيل العرب الفحول والحجور التي نجلت وأنجبت وتفرق نجلها في العرب، ومن مشاهيرها أعوج الأكبر لغني بن أعصر، قال بشر بن أبي حازم يفتخر:

وبكل أجرد سابح ذي ميعة
متماحل في آل أعوج ينتمي

كذلك قول بلعاء بن قيس الكناني في جواده «الأغر»:

قدر الرحمن أن ألقاكم
عارضًا رمحي على متن الأغر

وكان من عاداتهم العقر على القبور، وفي ذلك قول زياد الأعجم في رثاء المغيرة:

فإذا مررت بقبره فاعقر به
كوم الجلاد وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها
فلقد يكون أخا دم وذبائح

ومن عاداتهم الرتم، كان الرجل إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة، فإذا عاد نظر إليه، فإن وجده بحاله علم أنَّ زوجته لم تخُنْه، قال الكميت:

لا تحسبن رتائمًا عقَّدْتَها
تُنبِيكَ عنها باليقين الصادق

وكانت المرأة إذا عسر عليها خاطب الزواج نشرت جانبًا من شعرها وكحلت إحدى عينيها مخالفة للشعر المنشور وحجلت على إحدى رجليها، ويكون ذلك ليلًا، وتقول: «يا فلان» أبغي «كذا» قبل الصباح. وهي تعتقد أنَّ هذا يسهل أمرها ويقرب زواجها، قال ذو الإصبع مخاطبًا إحدى هؤلي العوانس البائرات:

تصنَّعي ما شئت أن تصنَّعي
وكحِّلي عينيك أو لا فدعي
ثم احجلي في البيت أو في المجمع
ما لك في بعلٍ أرى من مَطمعِ

وكان فريق من شعرائهم وفضلائهم يحرم الخمر فممن حرمها عامر بن الظرب وقيس بن عاصم التميمي وصفوان الكناني، وفي ذلك يقول قيس بن عاصم:

لعمرك إن الخمرَ ما دمت شاربًا
لسالبةٌ مالي ومُذهِبة عقلي
وتاركةٌ بين الضيوف قراهُمُ
ومُورِثة حرب الصديق بلا قتل

وكانت العرب إذا أجدبت وأمسكت السماء عنهم وأرادوا أن يستمطروا عمدوا إلى السلع والعشر، فحزموهما وعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النيران، وأصعدوها في جبل وعرٍ وأتبعوها يدعون ويستسقون، وإنما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلًا للبرق بالنار. روى هشام بن الكلبي لأمية بن أبي الصلت هذه الأبيات في وصف تلك العادة:

ويسوقون باقر السهل للطو
دِ مهازيل خشيةً أن تبورا
عاقدين النيران في ثكن الأذ
ناب منها لكي تهيج البحورا
سَلَعٌ ما ومثله عُشَرٌ ما
عائلٌ ما وعالت البَيْقورا

ومنها تعليق الحُليِّ والجلاجل على اللديغ يرون أنه يفيق بذلك، قال النابغة:

فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ
من الرُّقشِ في أنيابها السم ناقع
يُسهَّدُ من ليلِ التمامِ سليمُها
بحَليِ النساء في يديه قَعاقِعُ

ومن عاداتهم تحريم الخمر على أنفسهم في مدة طلب الثأر؛ لأنها مشغلة عن كريم الأخلاق. قال الشنفرى في رثاء خاله تأبط شرًّا:

فأدركنا الثأر فيهم ولما
ينجُ من لحيان إلا الأقل
حلت الخمر وكانت حرامًا
وبلائي ما ألمت يحل

وفي عادة الوأد المشهورة يقول أبو المشمرج اليشكري:

يا ليت أم تميم لم تكن عرفت
مرًّا وكانت كمن أودى به الزمنُ
إن تقتلونا فأعيارٌ مُجدَّعةٌ
أو تُنعِمُوا فقديمًا منكم المِنَنُ

أما شعرهم في الميسر فكثير، وكانت هذه النقيصة شديدة الانتشار وبالغة أقصى المجازفة، فكان الرجل يخاطر على أهله وماله، قال لبيد بن ربيعة في معلقته:

وجَزُورِ أيسارٍ دعوت لحتفها
بمغالقٍ متشابهٍ أجسامها
أدعو بهن لعاقرٍ أو مُطفِل
بُذِلت لجيرانِ الجميع لحامها
فالضيفُ والجارُ الجنيبُ كأنما
هبطا تَبالَةَ مُخصِبًا أهضامُها

ومن عاداتهم الاستقسام بالأزلام، فكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرًا أو تجارة أو نكاحًا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظيمة جاءوا إلى هُبل، وهو أعظم صنم لقريش بمكة وكان في الكعبة، ومعهم مائة درهم، فأعطوها صاحب القداح بمثابة أجر الفتوى حتى يحيل القداح لهم، وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها. وروى أبو فرج الأصبهاني وابن الكلبي في كتاب الأصنام أنهم كانوا يستقسمون عند ذي الخلصة أيضًا، وأنَّ امرأ القيس لما خرج يطلب بثأر أبيه استقسم عنده، فخرج له ما يكره وهو تأجيل الأخذ بالثأر، فسب الصنم ورماه بالحجارة وأنشد غاضبًا:

لو كنت يا ذا الخلص الموتورا
لم تنهَ عن قتل العداة زورا

وكان ذو الخلصة صنمًا مبجلًا في وادي تبالة شمالي نجران، وله في قلوب الوثنيين من العرب مكانة عظيمة (ص١٠٥ كتاب نيكلسون).

وكانت العرب في الجاهلية يؤرخون بالنجوم، ثم أرخوا بكل عام يكون فيه أمر مشهور، فأرخوا بعام الفيل، قال أبو قيس صيفي بن الأسلت بن جشم بن وائل:

ومن صنعه يوم فيل الجيوش
إذ كل ما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه
وقد شرموا أنفه فانخزم

ثم أرخوا بعام الختان لأنهم تهاونوا فيه وعظم عندهم أمره، فقال النابغة الجعدي:

فمن يك سائلًا عني فإني
من الشبان أيام الختان
مضت مائة لعام ولدت فيه
وعشر بعد ذاك وحجتان

وأرَّخت قريش بموت هشام بن المغيرة المخزومي لجلالته فيهم فقال شاعرهم:

وأصبح بطن مكة مقشعِرًّا
كأن الأرض ليس بها هشام

وكان من العرب من تمس حوائجهم إلى ركوب البحر ومعاناة السفر فيه، والقيام بما يعين على ذلك كعلم الملاحة، قال طرفة بن العبد البكري في معلقته:

كأن حُدوج المالكية غُدوةً
خلايا سَفينٍ بالنواصف من دَدِ
عدوليةٌ أو من سفين ابن يامنٍ
يجور بها الملاح طورًا ويهتدي
يشق حبابَ الماء حيزومها بها
كما قسم التربَ المُفايلُ باليدِ

وقد دل شعرهم على كتابتهم، قال لبيد بن ربيعة:

وجلا السيولُ عن الطلولِ كأنها
زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أقْلامُها

وقال كندي من دومة الجندل يمن على قريش بما علمهم إياه بشر من فن الكتابة، وقد ذكره رينان في تاريخ اللغات السامية:

لا تجحدوا نَعماءَ بِشْرٍ عليكمُ
فقد كان ميمونَ النقابة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتمُ
من المال ما قد كان شتى مبعثرا
فأجريتمُ الأقلام عَودًا وبَدْأةً
وضاهيتمُ كتَّاب كسرى وقيصرا

وكانت الصحيفة التي يكتبون فيها الحكمة تسمى «المجلة»، قال النابغة:

مجلتهم ذات الإله ودينهم
قويم به يرجون خير العواقب

وكان بعض مشاهير شعرائهم أميين، ومنهم المتلمس وابن أخته طرفة، وقصة صحيفته معلومة، وفيها يقول وقد قذف بها في نهر الحيرة:

قذفت بها في اليم من جنب كافر
كذلك أقفو كل فظٍّ مضلل
رضيت لها لما رأيت مدادها
يجول به التيار في كل جدول

قال نيكلسون ص٧٩: «إنَّ الشعر الجاهلي وصف نقدي لحياة الجاهلية وأفكارها، ومعظم الشعر الذي قيده أبو تمام خاص بشجاعة العرب في الحروب، وصبرهم على الشدائد، وثباتهم لطلب الثأر، وحماية الضعيف وعدم المبالاة بالقوي وتحديه أحيانًا، وقد شملت هذه المحامد كلها كلمة «الحماسة»، فأطلقها أبو تمام على هذا الديوان.» ورأى هذا العالم أنَّ شعر الحماسة يعد صورة لحياة الجاهلية ووصفًا لأخلاقهم، قال إنَّ شعر الشنفرى وتأبط شرًّا مثال واضح لصفات العرب القديمة التي تدل عليها صفة «المروءة»، وتأبط شرًّا هو ثابت بن جبير وهو القائل:

إذا المرء لم يحتَلْ وقد جد جدُّهُ
أضاع وقاسى أمرَهُ وَهْو مدبِر

وهو بيت من قصيدة يصف بها فراره من أعداء أحاطوا به؛ إذ كان يشتار عسلًا في غار في هذيل (حماسة طبع مصر ص١٤)، وقد فر وأحسن في وصف الفرار كما جاء في الفصل السابق، ولكن العربي الجاهلي إذا فر أحيانًا من الخطر المحدق كالقائد الحاذق فإنه يستقتل في الدفاع عن المرأة، قال عمرو بن معدي كرب:

لما رأيت نساءنا
يفحصن بالمعزاء شدَّا
وبدت لميس كأنها
بدر السماء إذا تبدَّى
وبدت محاسنها التي
تُخفِي وكان الأمر جدَّا
نازلت كبشهمُ ولم
أرَ من نزال الكبش بُدَّا
ذهب الذين أحبهم
وبقيت مثل السيف فردَّا

ويدلنا الشعر الجاهلي على أنَّ دستور «القبيلة» كان ديموقراطي النزعة يشرف عليه الشيخ أو الزعيم، وكان الشيخ أو الزعيم أو كبير القوم يستمد شرفه من الدماء الزكية التي تجري في عروقه ومن الخلق الكريم والثروة والحكمة، وفي هذا قال الأفوه الأودي أبياته المشهورة:

والبيت لا يُبتَنَى إلا له عمدٌ
ولا عمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ
فإن تجمعَ أوتادٌ وأعمدةٌ
وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراةَ لهم
ولا سراة إذا جُهَّالُهُم سادوا
تهدا الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولَّت فبالأشرار تنقادُ
وقد رد بعض مؤلفي الإفرنج (Noldeke: Delectus P. 4-118-1) شهامة الأشراف والنبلاء وعهد البطولة والنخوة في القرون الوسطى بأوروبا إلى الاقتداء بآداب عرب الجاهلية (ص١٤ من تفسير المعلقات بالإنجليزية للمرحوم صديق مصر وصديقنا المستر ويلفريد سكوين بلنت وحرمه اللادي بلنت حفيدة لورد ببرون) وإليك قول ابن ناشب في دفع العار:
سأغسل عني العار بالسيف جالبًا
عليَّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها
لعرضيَ من باقي المذمة حاجبا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت
يميني بإدراك الذي كنت طالبا

أما طلب الثأر فقد اشتهر عن العرب في كل زمان ومكان، فلا يدل عليه في نظر علماء المشرقيات شعر أبلغ وأقوى من قصيدة تأبط شرًّا التي سماها بعضهم «نشيد الانتقام»، ونقلها إلى الألمانية الشاعر العظيم غوته، ونُقلت إلى الفرنسوية والإنجليزية والإيطالية مرارًا، ومنها:

إن بالشِّعبِ الذي دون سلعٍ
لقتيلًا دمُهُ ما يُطِلُّ
خلَّف العبءَ عليَّ وولى
وأنا بالعبء له مستقلُّ
ووراء الثأر مني ابنُ أختٍ
مِصَعٌّ عقدته لا تحلُّ
مُطرِقٌ يرشح سُمًّا كما أطـ
ـرق أفعى ينفث السمَّ صل

ومعظم أسماء الأدوات المعدنية مستفاد من الطبيعة، فلما رأوا الصفر شبيهًا بالذهب وبنبات شائك اسمه الشبه سموه كذلك، ومن أسمائه الصرفان فقيل:

ما للجمال مَشيُها وئيدا
أجندلًا تحمل أم حديدا
أم صرفانًا باردًا شديدا

ومن هذا القبيل «الصاد» وفيه يقول حسان:

رأيت قدور الصاد حول بيوتنا
قنابل دهمًا في المباءة هبَّما

وهي مأخوذة من الصيداء مؤنث الأصيد للأحجار التي تعمل منها القدور، كأن القوم كانوا في عصرهم الظروري يستعملون تلك القدور الحجرية، فلما وجدوا الصفر، واصطنعوا منه القدور سموا ذلك المعدن صادًا، اشتقاقًا من تلك الحجارة. ومما يرى أنَّ البرم مأخوذ من اسم الأبرم لنبات ربما بدأ القوم يبرمونه ليتخذوا منه حبلًا أو خيطًا، ومثله الفتل لورق نبات ليس منبسطًا لكنه يفتل، وكذلك الجدل ومنه الجديل للزمام المجدول من أدم وفيه يقول امرؤ القيس:

وكشح لطيف كالجديل مخصر
وساق كأنبوب السقي المذلل

ثم أطلق الجديل على الحبل من أدم أو شعر، وبعد ذلك تسمى الوشاح جديلًا:

كأن دِمَقسًا أو فروع غمامة
على متنها حيث استقر جديلها

واستخدم العرب القطن إذ نسجوا منه كثيرًا، وكان بدء معرفتهم به في بلاد اليمن جريًا على سنة معظم الصناعات في بلاد العرب؛ لأنه ورد أنَّ سحولًا موضع باليمن تنسج به الثياب ويسمى نسجها سحلًا، وفيه يقول الشاعر:

في الآل يخفضها ويرفعها
ريعٌ يلوح كأنه سَحلُ

وتنوعت ألوان الأنسجة عندهم وقيل إنهم يصبغون بلون الشمس؛ أي بصفرتها، وأغلب ما يتخذون هذا للعمائم، فتكون المهرَّاة أفخرها، وفيها يقول الشاعر:

رأيتك هرَّيت العمامة بعدما
عمرت زمانًا حاسرًا لم تعمم

وشهدوا بعض الحيوانات تذود عن نفسها بالقرون الناطحة فاغتصبوها بعض هاتيك القرون، وحددوا رءوسها بحجر سموه ثفاقًا وشدوا ذلك إلى الهراوة الطويلة، فنتج لهم ضرب من الرماح يقال له المدرية، كان أقدم سلاحهم عهدًا، وفيه يقول لبيد بن ربيعة العامري:

فلحقن واعتكرت لها مدرَّية
كالسمهرية حدها وتمامها

ولما كانوا يستدرون الضرع فما عتموا أن اهتدوا إلى نساجة شعر الحيوان واصطناعها ثيابًا منها الخسيج والمرط والبت، وفي هذا الأخير يقول الشاعر:

من كان ذا بتٍّ فهذا بتِّي
قفيط مصيف مشتى
أخذته من نعجات ست
سود نعاج كنعاج الوشت

وكانوا إذا أوردوا البقر فلم ترد ضربوا الثور ليقتحم البقر بعده، ويقولون إنَّ الجن تصد البقر عن الماء، وإنَّ الشيطان يركب قرني الثور، وقال قائلهم:

إني وقتلي سُلَيكًا حين أعقله
كالثور يُضرَب لما عافتِ البقرُ

وقال نهشل:

كذاك الثور يضرب بالهرَاوَى
إذا ما عافت البقر الظماء

وإذا أصاب الجرب الإبل يُكوَى الصحيح ليبرأ السقيم، قال النابغة:

وكلفتني ذنبَ امرئ وتركته
كذي العرِّ يكوي غيره وهو راتع

وكانوا يقولون ليس من قتيل يُقتَل إلا ويخرج من رأسه هامة، فإن كان قتل ولم يؤخذ بثأره نادت الهامة على قبره: «أسقوني فإني صدية!» قال أبو داود الإيادي:

سلط الموت والمنون عليهم
فلهم في صدى المقابر هام

وكانوا يعتقدون أنَّ الرجل إذا أحب امرأة وأحبته، فشق برقعها وشقت رداءه، صلح حبهما ودام، فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما، قال سحيم:

وكم قد شققنا من رداء محبرٍ
ومن برقع عن طفلة غير عابس
إذا شُقَّ بُردٌ شُقَّ بالبُردِ بُرقع
دواليك حتى كلُّنا غير لابس
نروم بهذا الفعل بقيًا على الهوى
وإلف الهوى يُغري بهذي الوساوس

وكان بعضهم إذا رحل الضيف عنهم وأحبوا ألَّا يعود كسروا شيئًا من الأواني وراءه، قال شاعرهم:

كسرنا القدر بعد أبي سواح
فعاد وقدرنا ذهبت ضياعا

وقال آخر وهو يمثل معظم العرب في الكرم:

ولا نكسر الكيزان في إثر ضيفنا
ولكننا نقضيه زادًا ليرجعا

وكانت النساء إذا غاب عنهن من يحببنه أخذن ترابًا من موضع قدمه ويزعمن أنَّ ذلك أسرع في رجوعه، قالت امرأة:

أخذت ترابًا من مواطئ رجله
غداة غدٍ كيما يئوب مسلما
وإنَّ في ثنايا الشعر الجاهلي لأبياتًا تعد في ذاتها «لوحات مصغرة» Miniatures متقنة الرسم والتلوين والتزويق ترينا دخائل الحياة الجاهلية، انظر إلى قول الأزدي الذي قتله ولده سليمة خطأ بسهم طائش:
جزاني لا جزاه الله خيرًا
سليمة إنه شرًّا جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني

أليس في هذين البيتين طعم الحب الوالدي وأثر عناية الأب بابنه، وفقد هذا الحب فجأة بحكم القدر، وانفجار قلب القتيل خطأ بالدعاء على ولده لما علم أنه لا شك هالك بفعله وإن كان بغير قصد. ثم انظر إلى عتاب جهيمة لأخته رقاش:

خبريني رقاش لا تكذبيني
أبحُرٍّ زنيتِ أم بهجين
أم بعبد فأنت أهل لعبد
أم بدون فأنت أهل لدون

وهذان البيتان الدالان على غسل جماجم الموتى، وحزن الحبيب لمضاعفة المصاب بموت حبيبه، وإهمال تلك العادة التي كانت تعد من الشعائر:

ولم تغسل جماجمهم بغسل
ولكن في الدماء مرملينا
تظل الطير عاكفة عليهم
وتنتزع الحواجب والعيونا

وما أبلغ هذا الاستنفار للثأر في قول عمرو بن ثعلبة الطائي:

مَنْ مُبلِغٌ عَمرًا بأَنْ
نَ المرء لم يُخلَق صُبارَهْ
وحوادثُ الأيامِ لا
تبقى لها إلا الحجَارَهْ
إن ابن عِجزَة أُمِّه
بالسفح أسفل من أُوارَهْ
تسعى الرياح خلال كشـ
ـحَيْه وقد سلبوا إِزارَهْ
فاقتل زرارة لا أرى
في القوم أفضل من زراره

وهاك ثلاثة أبيات لعلقمة تدل على أخلاق النساء لعهده، ولعمرك إنَّ دليل صدق هذا الشعر صلاحه لكل زمان ومكان، فإن طباع النساء لم تتغير:

فإن تسألوني ما النساء فإنني
خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ ماله
فليس له في وُدهنَّ نصيب
يردن ثَراءَ المال حيث عَلِمْنَهُ
وشرخ الشباب عندهن عجيب

ومن هجائهم المبطن بالتهكم مع الدقة في وصف الخلق والبيئة قول عمرو بن كلثوم في سلمى أم نعمان، وكانت بنت حداد:

حلت سُليمى بخَبْتٍ بعد فرتاج
وقد تكون قديمًا في بني ناج
إذ لا تُرجِّي سُليمى أن يكون لها
من بالخَوَرْنَقِ من قين ونَسَّاج
ولا يكون على أبوابها حرسٌ
كما تلفَّف قبطيٌّ بديباج
تمشي بعدلين من لؤمٍ ومنقصةٍ
مشي المقيد في اليلبوت والحاج

وقال معاذة يصف حزن النساء على وفاة عزيز وهو مالك بن زهير:

من مثله تمسي النساء حواسرًا
وتقوم مُعوِلةً مع الأسحارِ
قد كن يَخبَأْنَ الوجوهَ تستُّرًا
فاليوم حين برزْنَ للنُّظَّارِ
يخمشنَ حُرَّ وجوههن على فتًى
سهلِ الخليقةِ طيِّبِ الأخبارِ

ومن دلائل الكرم قول قيس لزوجته:

إذا ما صنعتِ الزادَ فالتمسي له
أكيلًا فإني لست آكله وحدي
وإني لعبدُ الضيفِ من غير ذلة
وما بي إلا تلك من شيم العبد

هذا وإننا قد اقتبسنا هذه الأبيات من مختلف دواوين الشعر الجاهلي، وكلها تنطبق على شروط المؤلف من حيث صحة النسبة لأربابها، وقد تركنا كنوز المعلقات والمجمهرات والمنتقيات والمذهبات، وهي قصائد قامت الأدلة العلمية والتاريخية على صحة نسبتها، وتبلغ ألف بيت تقريبًا، وأبقينا الكلام عليها إلى حين البحث في الشعر والشعراء عند بلوغ الغاية والنهاية من هذه العجالة، فإن الشعر الجاهلي عامة والمعلقات والمجمهرات والمنتقيات والمذهبات هي في القسم الأعلى من البلاغة العالمية، فإن من يقرؤها بإمعان يرى في ثنايا أبياتها المرصعة وجوهًا مشرقة وقدودًا ممشوقة وحركة مرسلة على سجيتها، فكأنه في متحف تلمع وراء زجاجه التحف والنفائس الغريبة، ولا شك في أنَّ كل من تبصر في محاسن هذا الشعر قد رانت عليه جلالة الديباجة وطلاوة الأسلوب وحلاوة المعاني، فضلًا عن أنَّ كل شاعر جاهلي يُرى للقارئ من خلال بلور نظمه ريان من الحياة، فبعضهم وقور ساكن الطير، وبعضهم حكيم خبير بأمور الناس والعالم، وبعضهم قلق ثائر وروحه مملوء هياجًا وحسرات، وبعض هذا الشعر يكون في بداياته عكرًا، ثم لا يلبث أن يروق سبيله ويتكشف عن شذور الذهب، وما شئت بعدها من شواهد وتذكارات وأنساب ومناقشات وملح. ولا نعجب إذا كان المؤلف لم يدرك من أسرار هذا الشعر العجيب كثيرًا ولا قليلًا، فإن هذا الشعر وقائليه من محيط يفوق محيط المؤلف ويسمو عليه كثيرًا.

وقف جوستاف مورو المصور الفرنسي الشهير وصديق له أمام لوحات شتى في متحف، فقال مورو لصاحبه مشيرًا إلى بعضها: «هذه يا صديقي مثال صادق للفن، أما تلك فلا شيء فيها من الفن.» فسأله صديقه: وما هو الفن يا أخي؟ فأجاب جوستاف مورو بعد أن أطرق: «من أصعب الأمور أن يدرك حقيقته من لم يكن متفننًا.» فمن لم يكن بطبيعته شاعرًا أو متفننًا تذهب الجهود في تفهيمه سدًى!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠