الفصل السادس

مؤلف الشعر الجاهلي في مجال الشك

هذا ملخص وجيز لأئمة النقد ومذاهبهم في فرنسا، وقد رأى القارئ أنَّ مؤلف الشعر الجاهلي لم يتخذ منها مذهبًا مع تعددها واتساع نطاقها وكمال التيسير في حرية الاختيار سوى مذهب ديكارت الذي كان فيلسوفًا رياضيًّا، ولم يكن ناقدًا مثل من ذكرنا، على أنَّ الذي يستفاد من تمهيد كتاب الشعر الجاهلي وبيان منهج بحثه هو أنَّ المؤلف اختار ديكارت لظنه أنَّ ديكارت إمام المتشككين، وأنه هو شديد الشغف بالشك لذاته لا لكونه وسيلة لليقين على حدِّ قولهم: «الشك أول مراتب اليقين.» وإننا نلفت نظر القارئ إلى أننا نقصد الشك في العلم والأدب دون غيرهما.

ونقول إنَّ مؤلف الشعر الجاهلي شغوف بالشك لذاته لتمام الموافقة بينه وبين مزاجه وعقله، فقد وصف المجددين وهو في مقدمتهم بقوله: «فقد خلق الله لهم عقولًا تجد من الشك لذة، وفي القلق والاضطراب رضًى» ص٥. وقال أيضًا: «والشك الذي يبعث على القلق والاضطراب، وينتهي في كثير من الأحيان إلى الإنكار والجحود» ص٢. وهذا المزاج التشككي يجعل مؤلف الشعر الجاهلي أمام نقطتين يجب البحث فيهما؛ الأولى: هل كان ديكارت فيلسوفًا متشككًا؟ والثانية: هل يأخذ العلماء الشك وسيلة لليقين أو يجعلونه غاية لمجرد التلذذ به لذاته؟ أما عن الأولى فإنَّ الفلاسفة منذ ما ظهروا على وجه الغبراء إلى وقتنا هذا؛ أي من أول عهد الفلسفة اليونانية — على ما شرحناه في كتابنا مائدة أفلاطون — إلى عهد نيتشه في ألمانيا وبرجسون في فرنسا، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: الفلاسفة الروحانيون، وهم القائلون بقوة باطنية روحانية خلقت الكون وتدبره، وهم المؤمنون بالغيبيات. والقسم الثاني: الفلاسفة الماديون الذين يخالفون القسم الأول، ويقولون بأزلية المادة وقوتها، وأنها الكل في الكل، وأنها وسيلة الكون وغايته. والقسم الثالث: فريق المتشككة، وهم القائلون بوصول المعلومات إلى الذهن الإنساني عن طريق الحواس، وهم يقولون إنه من حيث أنَّ الحواس قد تخدع أحيانًا، فلا يمكن أن تصل تلك المعلومات إلى الذهن بصفة يقينية دائمًا وفي كل الأحوال، فهؤلاء الفلاسفة المتشككون يبقون دائمًا في شك؛ لأن طريقة وصول المعلومات إلى ذهنهم مشكوك في سلامتها، أما ديكارت فليس من هؤلاء. وكل مؤرخي الفلسفة يُقرُّون ذلك في كتبهم، بل مؤلفات ديكارت ذاتها شاهدة بأن فلسفته مبنية على عبارة يقينية، وهي: «أنا أفكر فإذن أنا موجود»، كما سيأتي الكلام على ذلك. هذه هي النقطة الأولى وغايتها، أنَّ ديكارت ليس من الفلاسفة المتشككين كما ظن مؤلف الشعر الجاهلي.

أما النقطة الثانية فهي أنَّ الشك المطلق الذي يمجده مؤلف الشعر الجاهلي ويتلذذ به وبما يورثه من اضطراب وقلق، لا يمكن أن يكون وسيلة دائمة لتفكير الحكيم، بل يجوز أن يكون الشك سلمًا للوصول إلى حكم يقيني، كما كانت حال ديكارت؛ لأن غاية كل عالم ومفكر وباحث هي الوصول إلى الحقيقة، والحقيقة لا تظهر إلا في ثوب اليقين، فالحكيم الصادق لا يمكن أن يتلذذ بالشك الدائم؛ لأن الشك حال سلبية، والعقل السليم لا يقر له قرار إلا على حال إيجابية، حتى ولو كانت جحودًا أو إنكارًا مطلقًا لرأي من الآراء أو مبدأ من المبادئ؛ لأن الجحود المطلق كاليقين المطلق هو حالة إيجابية بالنسبة للشك؛ وذلك لأن عقل المفكر لا يستريح في كل المسائل إلا إذا صدر عنه حكم قاطع بالإثبات أو بالنفي، فاليقين حكم والإنكار حكم، ولكن الشك ليس حكمًا، فلا يرتاح إليه عقل الحكيم، ولا يمكن للعقل أن يقر البقاء عليه.

وقد بلغ حب مؤلف الشعر الجاهلي للشك درجة عجيبة، فإنه لم يكتفِ بأن جعله وسيلة للبحث، بل جعله غاية فقال في ص١٠: وأنا أعترف منذ الآن بأنَّ البحث عسير كل العسر، وبأني أشك شكًّا شديدًا في أنه قد ينتهي بنا إلى نتيجة مرضية ومع ذلك فسنحاوله!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠