الفصل السابع

مذهب ديكارت على حقيقته

لقد كان لاسم ديكارت ومنهجه شأن يذكر في الجدل الذي قام بين المؤلف وبعض الأساتذة من الذين أُطْلِق عليهم اسم «أنصار القديم»، وصوَّب إليهم سهام نقده لقوله بأنهم جهلوا اسم ديكارت وفلسفته، واصطنع لهم قصة خرافية وضع فيها ديكارت موضع المتصوفين أرباب الكرامات القادرين على خوارق العادات بِسِرِّ شيوخهم، إلى آخر ما أنتج خياله ذو التربة الخصبة. على أنه لا يوجد عالِمٌ أو مفكرٌ يلوم مؤلفًا على طريق البحث التي ينتهجها، ولكن للناقد أن ينظر مليًّا في طريق البحث ليرى لون الضياء الذي تلقيه تلك الطريقة على ثمرة عمله، وهل هذه الطريقة واجبة التطبيق ومثمرة، أم هي اتُّبِعَت أو انتُحِلَت لمجرد القول بتطبيقها، مع أنها لم تطبق، أو أنها طُبِّقت في غير صواب؟!

لقد بنى ديكارت فلسفته على الرياضيات التي كانت في زمنه المظهر الوحيد للحقائق، وقال إنَّ فلسفته ظهرت له في شبه رؤيا روحانية، رآها كالوحي في ليلة ١٠ نوفمبر سنة ١٦١٩، وتصورت له فلسفته كأنها شجرة جذورها علم ما وراء الطبيعة — الغيبيات — وجذعها العلوم الطبيعية، وفروعها الميكانيكا والطب والأخلاق، فلما تيقظ ديكارت من غشيته التي رأى فيها تلك الرؤيا، وأيقن أنَّ تطبيق تلك العلوم هو ثمرات تلك الشجرة، أخذ في وضع تأليفه، ولكنه لم يتمكن إلا من إتمام الغيبيات والعلوم الطبيعية، ثم ترك بقية المباحث في شكل مشروعات لم تتم. نقول إنَّ ديكارت بدأ طريقته بالشك، ولكنه استثنى من حالة الشك كبرى مسائل الغيبيات «ما وراء الطبيعة»، وهاك نص ما قاله الأستاذ بنجون — عضو المجمع العلمي الفرنسوي وأستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة ليل بفرنسا — في كتاب تاريخ المذاهب الفلسفية ص٢٤٣ في عرض كلامه على ديكارت: «وقد آلى ديكارت على نفسه ألَّا يقبل المعلومات مهما كانت صفتها وقوة الثقة الملازمة لها، ما عدا الحقائق الخاصة بالعقيدة، فإنه لم يطبق عليها هذه الطريقة.» وهذا هو النص الفرنسوي ليقرأه المؤلف وغيره من الذين يعرفون اللغة الفرنسوية:
Descartes n’admettra done plus désormais, les verités de la foi mises á part, de verités toutes faites, quelle que soit l’autorité qui les propose.

وكان ديكارت يعتقد بذات واجب الوجود، وأنها المنبع الأول للحقيقة، ولكن شيطانًا شديد الخبث والخداع وشديد البطش أيضًا قد استعمل كل قوته وحذقه ودهائه للتمكن من خديعته — أي خديعة ديكارت نفسه — وهذه العبارة واردة بنصها في استهلال تأملات هذا الفيلسوف العجيب!

وهذا الفيلسوف ديكارت الذي اتخذه مؤلف الشعر الجاهلي إمامًا في منهج البحث، يعتقد بنص صريح في «تأملاته» أنَّ ماردًا قويًّا وداهية من دواهي الجن اختص بمعاكسته وتضليله. ولم تكن الأرقام الهندية، ولا أشكال الهندسة، ولا معادلات الجبر والميكانيكا بواقية له من هذه الفكرة الجهنمية التي ملكت عليه نفسه، ونغصت حياته، وعذبت عقله بعد أن جرده من الحقائق السابقة إلى علمه. ولم تفارقه تلك الحالة حتى بعد أن استدل بفكره على وجوده بكلمته الشهيرة Cogito, ergo sum «فكري دليل وجودي»، على أنَّ المؤلف والطبقة المستنيرة ممن قرءوا الكتاب بإمعان يعلمون يقينًا أنَّ طريقة ديكارت لم يحسن تطبيقها أحد سوى تلاميذه المباشرين أمثال مالبرانش وسبينوزا «في وجود الله» ص٢٧ وما بعدها من فلسفة سبينوزا منقولة عن اللاتينية بقلم الأستاذ فولرتون أستاذ الفلسفة في جامعة بنسلفانيا بأميركا، طبع نيويورك سنة ١٨٩٤. فقد بدأ بتعريف الألفاظ والاصطلاحات في ثمانية بنود، ثم تكلم في سبع بديهيات حتى وصل إلى الغرض الأول أو النظرية الأولى، وهي «المادة بطبيعتها سابقة للصور»، وأخذ يدلل على صحة هذه النظرية من التعاريف والبديهيات السابقة، كما يثبت إقليدس النظرية المعروفة «مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين». فأين الأدلة والقرائن والشبهات التي أوردها مؤلف الشعر الجاهلي من هذا العلم الصحيح الصادق اليقيني، الذي لا يأتيه الشك من إحدى جهاته الست؟!

حقًّا لقد غالى المؤلف في السخرية من خصومه الذين وصفهم بأنصار القديم، ولكنه أحسن الإحسان كله من الوجهة الفنية الخيالية في تنسيق القصة الخرافية، التي جعل فيها ديكارت يُحمَل على قِدر من الفخار، ويطير في الجو، ويطعم من علبة من ذهب مرصعة يحملها له بربيش، وهو الطير الخادم لسر شيخه من بعده، وقد أخبرنا أحد أكابر الأدباء أنه يعتبر هذه القصة الخرافية أبلغ وألطف ما دبجته يراعة مؤلف الشعر الجاهلي منذ بدأ بالتحرير والتأليف إلى الآن. ولكن هل غاب عن ذهن المؤلف الذي أوحت إليه شخصية ديكارت هذه التحفة الفنية أنَّ ديكارت هذا كان شخصًا شاذًّا، وأنه كان يسمل عيون الحيوان، ويعذب صغارها بوخز الإبر تارة والخنق طورًا، فلما اعترضوا عليه، أجاب بأن الحيوانات ما هي إلا أدوات ميكانيكية لا تحس ولا تشعر بالألم، وقد جاء هذا بالتفصيل في عرض ترجمته وشرح فلسفته، تأليف المحقق باييه، طبع ليون في مجلدين، ومنه نسخة في دار الكتب المصرية.

وقد أثبتت مباحث جميع علماء الحيوان عكس ذلك، فدلل داروين في الجزء الثاني من كتاب تسلسل الإنسان أنَّ الحيوان يتألم ماديًّا ومعنويًّا، وأنَّ إحساس الألم لديه لا يقل عنه لدى الإنسان العاقل، غير أنَّ من الحيوان ما يعد أكثر مروءة وأطول أناة وصبرًا، وأفضل ظنًّا بمن يعذبه من بني آدم، فروى داروين قصة الكلب الذي شق مولاه قلبه حيًّا في سبيل تجربة علمية، والكلب لا يكف عن لعق اليد التي تمزق فؤاده، وقد أثبت علماء أمثال جون فابر تألم الحشرات وإحساسها، وأثبت عالم هندي تأثر النبات — جغادير بوز — أفلا يحق بعد هذا لخصوم ديكارت أو أنصار القديم، سواء أعلموا باسم ديكارت وفلسفته أم لم يعلموا، أن يشكُّوا هم أيضًا في صدق الطريقة التي ابتدعها رجل بدأ حياته العلمية برؤيا خيالية — كما أسلفنا — وختمها بإنكار الإحساس على كائنات حية مدركة ولو بعض الإدراك؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠