الفصل العاشر

رأي علماء الشرق والغرب في تنقيح لغة قريش

ولا يخفى أنه كانت لبعض قبائل العرب لهجات رديئة شاذة، وأنَّ قريشًا تميزت بفطرتها واستعدادها لحسن الاختيار، وبفرط الجهد في صنعة التنقيح والتهذيب. وعند بعض العلماء أنَّ القبائل غير قريش كانت تدأب في تنقيح لغاتها، وأنَّ نهضة التهذيب كانت تعم سائر القبائل، فتفوقت قريش، وتكون الذوق العام في التقدير والنقد والانتقاء، ولما حل دور التدوين دون العلماء لغات معينة، وتناولوا نتفًا من اللهجات الأخرى مما كان باقيًا لعهدهم لحاجة اللغة العربية إليه، وأسقطوا سواه وضاع عليهم كل ما لم يسمعوه من أفواه العرب مما اندثر في أزمنة قبل زمانهم، ولم تبق لغة قريش ولهجتها إلا لأنها أقوى اللغات لدى التناحر وأصلحها للبقاء.

وقد رأينا نبذة في كتاب المزهر للسيوطي تؤيد رأينا، وتشد أزر نظريتنا في امتزاج جميع لغات العرب في لغة قريش، ونقصد بلغات هنا ما عبر عنه المؤلف بلهجات، وما يسميه الإفرنج dialectes. وقد سبقَنَا إلى الاستشهاد بهذه النبذة في مثل هذا المقام بوكوك في كتابه نماذج من التاريخ العربي ص١٥٧ و١٥٨، ووافق على مغزاها وروحها دي ساسي في كتابه في النحو العربي ص١٢٧ و١٢٨، وأقر صحة ما جاء فيها رينان إذ قال في ص٣٤٦ من تاريخ اللغات السامية: «ولكن الفرض الذي تخيله علماء أصول اللغة من العرب يجب أن يوضع موضع النظر؛ لأنه ينطوي على نصيب من الحقيقة.»

جاء في المزهر ص١٠٩ ج١: «وأفصح العرب قريش، قال ابن فارس في فقه اللغة باب القول في أفصح العرب: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد مولى بني هاشم قال: أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أنَّ قريشًا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة؛ وذلك أنَّ الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدًا فجعل قريشًا قطان حرمه وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، فإذا أتتهم الوفود من العرب يتخيرون من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طُبِعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب. ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا كسر أسد وقيس؟! قال ابن عباس: «نزل القرآن على سبع لغات — لهجات — منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم: عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية وثقيف.»

قال أبو عبيد: «وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر؛ وذلك لقول رسول الله : «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر»، وكان مسترضعًا فيهم، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم.» وعن ابن مسعود أنه كان يستوجب أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر، وقال عمر: لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف. وقال عثمان: اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف. قال أبو عبيد: فهذا ما جاء في لغات مضر، وقد جاء لغات — لهجات — لأهل اليمن في القرآن معروفة، ويروي مرفوعًا: نزل القرآن على لغة الكعبين: كعب بن لؤي وكعب بن عمرو وهو أبو خزاعة. قال ثعلب في أماليه: ارتفعت قريش في الفصاحة عن العنعنة والتلتلة والكشكشة والكسكسة والتضجع والعجرفة.

وقال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف: «كانت قريش أجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس … ولم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم. والذي نقل اللغة واللسان العربي عن أفصح القبائل وأثبتها في كتاب فصيرها علمًا وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب.» انتهى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠