الفصل الثاني عشر

سيادة لهجة قريش على سائر اللهجات العربية قبل الإسلام

لقد جهل المؤلف أو تجاهل أنَّ اختلاف اللهجات — اللغات — كان قائمًا، واستمر بعد ظهور الكتاب المنزل على أفصح العرب، ولا شك في أنَّ قبائل العرب على اختلافها قد قالت الشعر بعد الإسلام، ولم يظهر فيه اختلاف اللهجات، وإذا تساءل المؤلف في صفحة ٣٥: «كيف لم تُحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي؛ أي كيف لم توجد صلة واضحة بين هذا الاختلاف في اللهجة وبين الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل؟» فالجواب على ذلك سهل وقريب المنال، فإنه كما استقامت بحور الشعر وأوزانه مع وجود الاختلاف في اللهجات بعد الإسلام، فلم يمنعها مانع أن تستقيم مع الاختلاف في الجاهلية، وقد أقر المؤلف بعض هذه الحقيقة على الرغم منه، فقال في ص٣٥: «ولست أنكر أنَّ اختلاف اللهجات كان حقيقة واقعة بعد الإسلام، ولست أنكر أنَّ الشعر قد استقام للقبائل كلها رغم هذا الاختلاف»، ثم ادَّعى بغير حق «أنَّ الإسلام قد فرض على العرب جميعًا لغة عامة هي لغة قريش» ص٣٥، وهذه دعوى باطلة؛ لأن فصاحة لغة قريش وفوزها بالغلبة في منظوم الشعراء ثابتان لها قبل الإسلام، ولم ينزل القرآن بلغة قريش إلا لأنها أفصح لغات العرب، فلم يكسبها القرآن فصاحتها الفطرية، بل أقرها وأكدها وأثبتها. وقد تخبط المؤلف وخلط وتناقض مع نفسه إذ يقول: «إنَّ الإسلام قد فرض على العرب جميعًا لغة عامة واحدة هي لغة قريش.»

وهذا قول باطل؛ لأن الإسلام لم يفرض على العرب لغة أو لهجة، ولكن العرب أنفسهم هم الذين اختاروا لغة قريش قبل الإسلام للأسباب التي أبديناها، ولم يبصر بها المؤلف مع سعة حيلته، ولكنه كان حائرًا مذهولًا، فقال في ص٣٧: «أسادت لغة قريش ولهجتها في البلاد العربية، وأخضعت العرب لسلطانها في الشعر والنثر قبل الإسلام أم بعده؟» ثم أجاب نفسه: «إنها سادت قبيل الإسلام حين عظم شأن قريش، وحين أخذت مكة تستحيل إلى وحدة سياسية مستقلة.» وهذا الأستاذ الذي يلقن الطلاب آداب اللغة العربية يلف هذا اللف، ويدور هذا الدوران، ويوقع نفسه في تلك الحيرة، ويفضحها أمام العلماء؛ ليفر من الاعتراف باتفاق اللغة واللهجة في الشعر الجاهلي بسبب سيادة لغة قريش قبل الإسلام والتجاء شعراء القبائل إليها لدى نظم قصائدهم؛ لئلا يروح عليه دليل اختلاف اللهجات ضياعًا، على أنه لو أقنع نفسه بهذا الدليل الذي اصطنعه، كما يصطنع الأبناء لأنفسهم بيوتًا من الورق المقوَّى، فإنه لن يخدع به أحدًا من القراء.

قلنا إنَّ فصاحة لغة قريش وفوزها بالغلبة في منظوم الشعراء ثابتان لها قبل الإسلام، ولم ينزل القرآن بلغة قريش إلا لأنها أفصح لغات العرب، فلم يكسبها القرآن فصاحتها الفطرية، بل أقرها وأكدها وأثبتها. أما قلة الشعر فيها فهو لقلة حروبها كما أسلفنا، فلما ظهر الإسلام واستظلت به قريش، وخاضت معامع الحروب القومية والخارجية، وانشغلت بالدين قليلًا عن متاجرها وتنمية ثروتها المادية، نبغ فيها شعراء قرشيون فحول مثل: عمر بن أبي ربيعة، والحارث بن خالد المخزومي، والعرجي، وأبو دهبل، وعبيد الله بن قيس الرقيات بعد أن استفزتهم النهضة الحديثة عليهم، مع أنَّ القبائل الأخرى مثل كندة وقيس وربيعة ظهر شعراؤها الفحول، أمثال امرئ القيس وزهير ولبيد وطرفة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، قبل ظهور الكتاب المنزل على أفصح العرب بأجيال عديدة بسبب الحروب التي كانت بينها، فلم تتقيد القبائل بلغة قريش لأنها لغة القرآن، بل تقيدوا بها لأنها أفصح اللغات، وأنَّ هذه السنة التي نفذت في اللغة العربية جرت على لغة قدماء اليونان من قبل وعلى الفرنسيين من بعد، وعلى الشرق العربي ومصر لعهدنا هذا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠