الفصل الثالث عشر

اللهجات في اللغة اليونانية القديمة

أما عن اليونانية القديمة فقد كانت فروعًا كثيرة، مرجعها إلى فرعين كبيرين: الدوري واليوني، وكان يتكلمهما سكان قلب بلاد اليونان ومستعمراتهم، ويلحق بهما فرع ثالث هو الأيولي، وهو لغة بعض سكان آسيا الصغرى، فمؤلفات بنداروس وثيوقريط باللغة الدورية، وشعر هوميروس وهزيود باليونية.

وكان بين اللغتين على تقاربهما فرق يضاهي نظيره بين بعض اللهجات العربية، وكان للدوريين شعر وأوزان دورية ولليونيين شعر وأوزان يونية، واللغة اليونية هي التي نظم بها هومير — كما تقدم — في القرن التاسع قبل الميلاد، وكتب بها ثوكيذيذس وهيرودوت في القرن الخامس، وديموستين في الرابع، وهذه اليونية أشبه عند اليونان بلغة قريش عند العرب، فكانت تُهَذَّب وتُصقل على أفواه الشعراء والكتاب والخطباء، وكانت أثينا تشبه مكة من حيث الحضارة والتمدين والاستعداد الفطري، فلما ظهرت المدينة الفتية على سائر المدن اليونانية تبعها الشعر اليوني بأوزانه، وتغلب على غيره من أنواع الشعر، واضطر أهل اللغة الدورية إلى أن ينظموا وينثروا على أسلوب أهل أثينا، ويستعملوا اللغة اليونانية التي هذبها ونقحها أهل أثينا، فكان الدوريون يعدلون عن لغتهم ولهجاتهم وأوزانهم وأساليبهم إلى لغة الإثنيين ولهجتهم وأوزانهم وأساليبهم، وهكذا فعل العرب في نهضتهم الأدبية قبل الإسلام، فعدلوا في لغتهم الأدبية عن كل ما كانت تمتاز به لغتهم ولهجتهم الخاصتان بهم إلى لغة قريش ولهجتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠