الفصل الرابع عشر

اللهجات في اللغة الفرنسية والشرق العربي ومصر

وإذا انتقلنا إلى أمة أوروبية حديثة فلنضرب مثل فرنسا، فإن فيها إلى جانب اللغة الفرنسية المحضة — لغة أهل باريس ولغة قاموس الأكاديمية — لغات إقليمية لها نحو وقوام خاص بها، ولها شعر ونثر أيضًا (راجع صحف ٧٩–١١٩ ج١ من تاريخ آداب جنوب أوروبا تأليف سيموند دي سيسموندي في أربعة أجزاء، طبع باريس سنة ١٨١٩)، ومع ذلك فأهل الأقاليم إذا أرادوا أن يظهروا آثارًا أدبية أو علمية ذات قيمة، يعدلون عن لغتهم الإقليمية إلى اللغة الفرنسية المحضة، ولم ينفرد بمذهب خاص سوى فردريك ميسترال الشاعر البرونصي Provençal المولود في مايان عند مصب نهر الرون سنة ١٨٣٠ والمتوفى في أوائل هذا القرن، فإنه كتب بلغته الإقليمية الخاصة «البرونصية»، واشتهر بمؤلفه ميرايل Mireille، وإذا نظرنا إلى الشرق العربي رأينا الحجازي واليمني والنجدي والعراقي والمصري والسوري والمغربي، وإن اختلفت لهجاتهم ومصطلحاتهم في كل قطر من أقطارهم فهم جميعًا يكتبون بلغة واحدة على أصول ثابتة لا تختلف شيئًا بين إقليم وإقليم.

ولسنا ندري كيف فاتت المؤلف كل هذه الناحيات من البحث، حتى لم يتنبه إلى مثل حي أمامنا في لغتنا القومية، فإنَّ في لغة مصر العصرية لهجات مختلفة وأشكال وأساليب متباينة وتراكيب ومصطلحات متمايزة، فأهل صعيد مصر لهم لهجات، وأهل القاهرة لهم لهجة، ويكاد يكون لكل إقليم من أقاليم الوجه البحري لهجة أو عدة لهجات، ولأهل الثغور المصرية كذلك لهجات مختلفة، ومع هذا الاختلاف الناشئ من تعدد اللهجات، فشعراؤنا حين ينظمون الشعر الأدبي وكُتَّابُنا حين يكتبون النثر الأدبي في الكتب والمجلات والصحف يعدلون عن لغتهم ولهجتهم الإقليمية إلى هذه اللغة واللهجة التي عدل إليها العرب قبل الإسلام، وهي العربية المحضة بلهجة قريش، فلا غرابة إذن بعد هذا البيان إذا اتفقت اللغة واللهجة في الشعر الجاهلي؛ لأن قريشًا كانت سائدة في الجاهلية على العرب بتجارتها وحضارتها ولغتها ولهجتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠