الفصل السابع

الشعر الجاهلي واللهجات العربية

لفظ «اللغة» ولفظ «اللهجة»

اللهجة لفظ يقصد به اللسان، وامتد معناه إلى لغة الإنسان التي جُبِل عليها وتعودها، فقيل: فلان فصيح اللهجة، وصادق اللهجة. ولم تنصرف — إلا في النَّدرَى — في اللغة العربية إلى المعنى الذي أراده مؤلف الشعر الجاهلي في الفصل الخامس «الشعر الجاهلي واللهجات» كقوله ص٣٢: «إنَّ قبائل عدنان لم تكن متفقة في اللهجة»، وقوله في الصفحة ذاتها: «لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لهجتها»، وقوله ص٣٣: «تعددت اللهجات وتباينت تباينًا كثيرًا»، فهذه الكلمة لم تستعمل في المعنى الذي أراده إلا قليلًا، وكان العرب يقولون «لغة» كقولهم السكين لغة في المدية، واللغة أصلًا الألفاظ الموضوعة للمعاني، والأصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وتنصرف إلى الكلام المصطلح عليه بين كل قبيلة.

وتفسير «اللغات» أو «اللهجات» عند العرب هو أنها الشواذ والنوادر، واختلاف المعاني للكلمة الواحدة باختلاف المتكلمين بها، وقد أَلَمَّ السيوطي في المزهر بهذا البحث، وألَّف فيه أيضًا حسين بن مهذب المصري كتاب السبب في حصر لغات العرب، وأتى فيه على اللغات أو اللهجات من نحو المصنوع والضعيف والمتروك والحوشي.

وأطلق الإغريق لفظ dialektos والفرنسيون dialete على نفس المعنى الذي يقصد إليه المؤلف بكلمة «لهجة»، ومعنى الكلمة الإغريقية والفرنسية نوع أو شكل من إحدى اللغات خاص بقطر أو بلد أو فئة مختلفة عن اللغة القومية، وقد يطلق على اللغات العامية المحكية في الطبقات النازلة، وهذه المعاني بذاتها منطوية في لفظ «اللغة»، ولكن المؤلف استغله في الفصل السابق وحيره، فادعى التجديد بالتخليط، فاستعمل كلمة «لهجة» في غير ما وضعت له أصلًا، وأطلقها على ما يريده الإفرنج الأقدمون والمحدثون بكلمة Dialecte، فنقول: لم يكن في العربية لهجات، إنما كان فيها لغات، وسنضطر لمجاراته في هذا المجاز لإظهار خطئه دون إقراره.
بدأ بإنكار ما قاله الرواة من تنقل الشعر في قبائل عدنان ولم ينكره لأنه خطأ في ذاته، أو لأن لديه دليلًا تاريخيًّا أو لغويًّا على اختلاقه، أو لأنه غير معقول، كلًّا! لم يتقدم للقارئ بشيء من هذا، إنما ينكر نظرية تنقل الشعر في قبائل عدنان قائلًا: «ونحن لا نستطيع أن نقبل هذا النوع من الكلام إلا باسمين»، ولا ندري إن كان هذا الابتسام عبقريًّا أم مقبريًّا على حد قول الفرنسيين Sourire macabre، لماذا لا تقبل هذا النوع من الكلام؟ جوابه: «لأننا لا نعرف ما ربيعة، وما قيس، وما تميم معرفة علمية صحيحة.» فنرد عليه بأن هذا لا يدل على علم صحيح أو رأي ناضج، فإن كانت ربيعة أول من نبغ في الشعر، فليس هذا القول عبثًا ولا تخليطًا، فإنها أول من نهض للاستقلال، وإنَّ الحركات القومية تسبقها أبدًا نهضة أدبية، وتاريخ العالم القديم والحديث شاهد على ذلك، وسنلم بأطراف هذا البحث عند الكلام على الشعر والشعراء، ونقتصر الآن على تنبيه المؤلف إلى أنَّ معرفة ربيعة أو قيس أو تميم أمر خاص بأنساب القبائل، وليست مسألة الأنساب مطروحة أمامنا، ولا يمكن أن يكون بينها وبين شاعرية القبائل علاقة.

والذي يعنينا في هذا الباب قول «كان من المعقول جدًّا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل، ولكننا لا نرى شيئًا من هذا في الشعر العربي الجاهلي، وإنَّ اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيرًا ما» ص٣٢-٣٣، فقد جعل المؤلف هذا الفصل صورة مصغرة من بحث اللغة. ومثلما ادعى وجود لغة قحطانية واحدة وشعر قحطاني، واستنتج بالباطل انتحال الشعر العربي العدناني المنسوب إلى شعراء قحطانيين، كذلك يفرض في هذا الباب وجود اختلاف جوهري في اللغات التي عبر عنها باللهجات باختلاف القبائل، ويحتم ظهور صور هذا الاختلاف في الشعر الجاهلي المنسوب إلى القبائل، فإن لم يحمل هذا الشعر أدران تلك الخلافات اللفظية، فهو إذن شعر مختلق، ولا بد أن يكون هذا الشعر «قد وُضع وضعًا وحُمِل على أصحابه حملًا بعد الإسلام، أما أنا فلا أكاد أشك الآن في هذا» ص٤١، وسنأتيه بالدليل القاطع على خطئِه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠