الفصل السابع عشر

القُصَّاص والانتحال

هؤلاء القصاص يوجد أمثالهم في كل أمة وفي كل جيل، وفنهم أن يقصوا على الناس قصصًا وروايات، وغايتهم الأصلية تعميم العلوم ونشرها بين الدهماء والطبقات النازلة من الشعب، وعمود صناعتهم أخبار الأمم البائدة، ونتف من التفسير والحديث يزينون بها أقوالهم، وكانت لهم في القرن الأول مكانة وفوائد؛ لأن بعض القواد كانوا يقدمونهم في الحروب قبل اشتباك الوقائع ليقصوا على المحاربين أخبار الشهداء، وليحمسوهم حتى لا يستولي الرعب على قلوب المجاهدين، ولا يملكهم الفزع من الإقبال على موارد الحتوف، وكان نابوليون بونابرت يخطب جنوده قبل مباشرة القتال، وله كلمات مشهورة قبل المواقع الحاسمة، وكذلك كان لنيلسون، وفي الحرب الكبرى اشتهر بعض القواد والوزراء بخطبهم، ولعمري إن هؤلاء القواد الغربيين كانوا أقرب إلى قواد الصدر الأول للإسلام، فإنه قبل دولة بني أمية كانت الموعظة في الحروب والتذكير بما يصدق الله من وعده للمجاهدين في إعلاء كلمته شأنًا من شئون القواد يخطبون بذلك في الجند، ولا يتجاوزون به آيات من الكتاب المنزل على أفصح العرب وبعض الأحاديث، ولهم جمل يرتجلونها بين ذلك، وفي البيان والتبيين خطب كثيرة من هذا القبيل ص١٥٨ ج٢ و١٩١ ج١.

فالقصص بدعة مستحدثة لم يكن للعرب غنى عنها؛ لأنهم لم يجعلوا لصنعة الكلام والفنون الجميلة معاهد وأماكن كاليونان، ولم يعرفوا التمثيل، وكان من عادتهم السالفة وأنظمتهم في الجاهلية عقد المجالس، على أنَّ العرب لانشغالهم في زمن النبي وبعض الراشدين لم يتعودوا القصص، ولم يألفوه، وكيف لا ينشغلون لقرب عهدهم بالرسالة التي بهرتهم وملكت عليهم أفئدتهم، فضلًا عن اجتماع كلمتهم واتجاه نفوسهم إلى عظائم الأمور؟ ولكن مذ تولى معاوية وقلبت صفحات جديدة في تاريخ الإسلام حافلة بالحوادث والوقائع أحدثت القصص، بل إنَّ معاوية نفسه هو الذي شجع على انتشار هذا الفن، بأن اتخذ قاصًّا كان يجلس إليه بعد صلاة الفجر فصارت عادة أهل الشام؛ لأن الناس على دين ملوكهم.

فأول قاصٍّ في تاريخ الأدب العربي عبيد بن شرية الجرهمي العالم بالأنساب والأخبار، وكان من المخضرمين، استحضره معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول من صنعاء عاصمة اليمن، فسأله معاوية عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة وافتراق الناس في البلاد ونحو ذلك، فلما أجابه أمر معاوية أن تدوَّن أقواله وتُنسب إليه، وهذا التدوين أول ما حصل في الإسلام من نوع القصص والأخبار التي هي وسط بين التاريخ والأساطير فلا تخلو من الحقيقة ولا يمكن تصديق كل ما جاء فيها جملة واحدة. بيد أنَّ أوائل القصاصين بعد عبيد بن شرية الجرهمي ظهروا بالكمال والعلم والفطنة، واتخذوا علوم الدين أساسًا لقصصهم، فقصروها على الموعظة الحسنة، وروى لنا الجاحظ في ص١٩٥ ج١ من البيان والتبيين أنَّ أول من قص الأسود بن سريع وهو الذي قال:

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة
وإلا فإني لا إخالك ناجيا

وقص بمكة عبيد بن عمر الليثي، وأقبل الناس عليه وأقرته عائشة أم المؤمنين، ومنحته لقب «قاص أهل مكة»، وشرف مجلسه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقص بعدهما أبو بكر الهذلي، ومن العجيب أن ورثه ابنه مطرف بن عبد الله بن الشخير، فقص في مكان أبيه كما هو الشأن في بعض جامعات أوروبا، يخلف الولد النابه أباه في التدريس، وقد يجتمعان في وقت واحد، ثم قص مسلم بن جندب، واتخذ مسجد النبي في المدينة موضعًا لإلقائه.

ومما يدل على خطورة شأن القصاصين في هذا الطور الأول أنَّ رجلًا جليلًا كان في مقدمتهم هو الحسن البصري المتوفى في مفتتح القرن الثاني، وناهيك بحسن البصري ذكاء وعلمًا وصلاحًا وخلقًا، وكان فوق هذا من المحققين الثقات في كل العلوم.

فهذه الطبقة الأولى من القصاص كانت طبقة علماء فضلاء، لم يأتوا بأمر مرذول، وانقضى القرن الأول ولهم الكرامة، ولديهم العلم والأدب والفن الصحيح، وما أشبههم بأساتذة الجامعات، لكلٍّ منهم مجلس محفوف بالمهابة والاحترام.

وكان أول فساد هذا الأمر إدخال أخبار الأمم السالفة والبائدة وأهل الديانات الأخرى، فخرج القصاص من مجال الحقائق إلى الروايات وفنون الخيال والتأليف القصصي، وكان زعماء هذا المذهب الجديد رجالًا من الملل والأجناس الأخرى أسلموا، ومنهم اليهود واليونان والفرس أمثال كعب بن الأحبار، ووهب بن منبه، وطاوس بن كيسان الفارسي، فهؤلاء أول من وضع للمسلمين قصص الأنبياء، وهي أشبه بما يسميه الإفرنج Histoire sainte وفيها رائحة الأعجمية والإغريقية والوثنية، ومذ نشرت أخبار الأمم البائدة وأخبار أهل الملل السابقة للإسلام وقصص الأنبياء نشأت طبقة من القصاص أخذت عنها العامة فكثرت الأقوال، وفشت الأكاذيب في الأحاديث، وفي أخبار العرب، وفي الشعر، وأصبح القاص لا هم له إلا أن يجيء بكل غريب خارق للعادة، ولم تخفَ هذه الحال على طلاب العلم الصادقين في طلبهم، فانصرفوا إلى مجالس الرواية، ولم يبقَ حول القصاص إلا العوام، ومنهم موسى الأسواري، ومن يقرأ أخباره يجد أنه كان من أعاجيب الدنيا، كأنه أحد نوابغ عهد الإحياء في إيطاليا، قالوا عنه إنه كان يتقن العربية والفارسية في وزن واحد، وكان يجلس في مجلسه، فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيفسر الآية للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس، فيفسرها لهم بالفارسية (ص١٩٦ ج١ البيان والتبيين للجاحظ).

وكان بعض هؤلاء القصاص والمدرسين يثابر سنين طويلة، فقد استمر أبو علي الأسواري ستًّا وثلاثين سنة، وكان ربما يفسر آية واحدة في عدة أسابيع، وكان يقص في فنون كثيرة من القصص، ويجعل للقرآن نصيبًا من ذلك. وقد كان أحدهم — صالح المري أبو بشر — فصيحًا صحيح الكلام رقيق المجلس، حتى إنَّ سفيان بن حبيب وصفه لصديقه مرحوم العطار، فقال: «هذا ليس قاصًّا … هذا نذير!» ص١٩٧ ج١ البيان للجاحظ.

وفي القرن الثالث قضت هذه الطريقة الفنية نحبها، وانقرض نوع القصاص لعدم الحاجة إليهم وانصراف الناس عنهم، وأصبح لقبهم مبتذلًا، وكانت العلوم الإسلامية والمذاهب الفلسفية قد بلغت أشدها، ونضجت ثمارها، فظهر العلماء والفلاسفة والحكماء ودخل الإسلام في طور البحث العلمي على أساس متين.

فيرى القارئ من هذه العجالة في تاريخ القصص والقصاص أنَّ القصص لم يكن من الدين، ولا من السياسة، ولا من العلم الصحيح أو الأدب الراقي في شيء، بل كان فنًّا وسطًا من فنون الآداب العامية أشبه بما يسميه الإفرنج Folklore وقد دعت الحاجة إليه؛ إذ كان الشعب متعطشًا للإلمام بمبادئ العلوم والتاريخ، وإذ كانت الكتب معدومة أو نادرة كذلك، كانت مواهب الشعب في أول عهدها، وكانت عقول العرب لم تتمخض بعد بعلومهم، فظهر فن القصص ونما، ثم ذبل وذوى.

وكان فن القصص هذا مقضيًّا عليه منذ بدايته؛ لأن العرب انشغلوا بتفسير القرآن والحديث واستنباط أحكام الفقه والسنة، وهذا كله جد وحقائق وله أشد مساس بالحياة العملية والمعاملات اليومية، أما هذا القصص فقد كان بعد الطبقة الأولى من القصاص مظهرًا من مظاهر الخيال الشرقي، فلا عجب إذا انصرف المسلمون عنه وهم أهل جد واهتمام بالأمور الخطيرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠