الفصل التاسع عشر

الشعوبية وانتحال الشعر

تناول المؤلف البحث في الشعوبية بالمغالاة والاستهتار والخلط والتعصب التي تناول بها سائر فصول الكتاب، ولو كان على حق وعلم لقصر هذا الفصل على تأثير الشعوبية في الحياة الأدبية وحدها، وعلى انتحال الشعر الجاهلي بوجه خاص، ولكنه جعله مزيجًا من التاريخ المغلوط والحقائق المشوهة، وهو في ذلك معذور وخطؤه مردود عليه. وقبل أن نتناول مسائل هذا الفصل بالتصحيح نذكر للقارئ أنَّ الشعوبية فرقة من الناس ذهبت إلى تصغير شأن العرب، ولا ترى تلك الفرقة لهم فضلًا على غيرهم، وقد وُصفت تلك الفرقة بذلك الوصف لانتصارها للشعوب المغايرة للقبائل، فقد قال جماعة من المفسرين في آية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ إنَّ القبائل يقصد بها العرب، وإنَّ الشعوب يقصد بها العجم، فقامت تلك الفرقة تفضل بعض أنواع العجم على العرب.

هذا أصل التسمية، وهذه خلاصة المذهب، فإن شئت سميت هذه الفرقة حزبًا متعصبًا دينيًّا وجنسيًّا ضد العرب، وإن شئت سميتهم خوارج يبغضون العرب لدينهم ومدنيتهم. وقد استفحل أمر الشعوبية في أطراف القرن الثاني، فوضعوا على العرب شيئًا كثيرًا من المثالب والأخبار ردَّ أهل الرواية من المحققين أكثره على واضعيه وكذبوهم فيه.

ومن أركان الشعوبية أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٩ﻫ، وكان متعصبًا على العرب، ويرى رأي الخوارج، وكان شديد الطعن حاد اللسان، فلم يسلم شريف من طعنه، وألَّف كتابًا في المثالب، وكان مدخول الدين والنسب (ابن خلكان ص١٠٥ ج٢)، وابن غرسيه، وله رسالة في تفضيل العجم على العرب، وانفرد علماء الأندلس بالرد عليه في جملة رسائل. ومنهم زياد — ابن أبيه — الذي ادَّعى بأبوة أبي سفيان؛ أي أراد أن ينتسب إليه، ثم علم أنَّ العرب لا تقر له بذلك مع علمهم بنسبه، كما كانت حال الابن الطبيعي في القانون الفرنسي إلى حين، فغاظه أن يعيش مدخول النسب، فوضع كتاب المثالب وألصق بالعرب كل عيب وعار وباطل وإفك وبهتان، فكان هو أيضًا نغلًا موتورًا، ثم جاء الهيثم بن عدي — وكان دعيًّا — فأراد أن يعر أهل الشرف تشفيًا منهم، واشترك اثنان من النسابين: النضر بن شميل الحميري، وخالد بن سلمة المخزومي في وضع كتاب «المثالب والمناقب»، وليس في هذا الكتاب ذكر لقريش، ثم محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة ١٤٦ﻫ، وقد أجمع النقاد والعلماء على تركه واتهموه بالكذب والرفض وزيفوا كلامه عن أصل العرب والعربية؛ لكثرة ما وضع منه زورًا وكذبًا، وعنه أخذ ابنه هشام بن الكلبي المتوفى في أوائل القرن الثالث، وهو أول من افترى خبر كتابة القصائد السبع المعلقات وتعليقها على الكعبة، كما كان عبد اللطيف البغدادي أول من افترى على العرب إحراق مكتبة الإسكندرية، وقد اتهم العلماء هشام بن الكلبي كما اتهموا أباه بالرفض واطَّرحوا حديثه لذلك ولما ظهر من كذبه.

هؤلاء هم رءوس تلك الفرقة الشعوبية وزعماؤها، وكلهم أعداء للعرب ومدنيتهم بالفطرة، وموتورون للجنس أو للنسب أو للعقيدة. روى بديع الزمان الهمذاني أنه كان عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد، فسمعه يقول: «لا أدري أحدًا يفضل العجم إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليه.» (ص١٦٤ بلوغ الأرب ج١)، فأدب الشعوبية كله نثرًا وشعرًا صدر عن نفاق في الاعتقاد، وعن حقد في النفس، وهذه النزعة الشعوبية التي ترمي إلى تفضيل العجم على العرب أشبه الأشياء بالعصبية والحمية والنخوة في الجاهلية، وهي التي نهى عنها أفصح العرب وحرمتها شريعة الكتاب المنزل عليه، ولم يكن العرب بعد الإسلام على شيء من التعصب، فقد سمح الصاحب بن عباد لأحد شعراء العجم أن ينشد بين يديه قصيدة يفضل فيها قومه على العرب ويذمهم، منها:

فلست بتارك إيوان كسرى
لتوضح أو لحَوْمل فالدَّخُول

وذكر الجاحظ الهند والفرس والروم في مجال الأمم التي فيها الأخلاق والآداب والحكمة والعلم، واستشهد بشعر حكيم بن عياش الكلبي:

ألم يك ملك أرض الله طُرًّا
لأربعة له متميزينا
لحمير والنجاشي وابن كسرى
وقيصر غير قول الممترينا

(ص٢٠٤ ج١ البيان والتبيين)، وعندنا أنَّ هؤلاء المتعصبين من المنافقين والخوارج تمسكوا بقول منسوب إلى العرب وهو: «لا تساوينا العجم وإن تقدمتنا إلى الإسلام ثم صلَّت حتى تصير كالحني، وصامت حتى تصير كالأوتار.» وليس هذا القول المريب بأصدق من قول محمد: «المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على سواهم»، وقوله في خطبة الوداع: «ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.» وهذا نص صريح، وما كان أحرى الشعوبية بأن تهمل القول المنطوي على الشك والنكاية، وتتمسك بالقول الظاهر الحق! على أنَّ لكل مدنية ودولة أعداء، ولا يمكن أن تجمع الإنسانية كلها على محبة قوم وتمجيد ثقافتهم، وقد انبرى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٧٦ﻫ للرد على الشعوبية في كتاب «التسوية بين العرب والعجم وتفضيل العرب»، ونقل عنه صاحب العقد الفريد فصلًا في ص٧١ ج٢، ونشر له الأستاذ محمد كرد علي صاحب مجلة المقتبس في المجلد الرابع من مجلته رسالة في الرد على الشعوبية، وفند رأيهم، وهدم حجتهم، ونقض دليلهم، وعادت الشعوبية فردت على ابن قتيبة فقالت: «لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم، ولكنا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم وأحسابهم، ولكن بأفعالهم وأخلاقهم، وشرف أنفسهم وبُعد هممهم.»

على أنَّ سبب تفضيل العرب عند من فضَّلهم لا يرجع إلى النبوة أو المدنية فقط، إنما يرجع أيضًا إلى جنس العرب، وما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم.

فهذه هي الشعوبية التي عقد مؤلف الشعر الجاهلي لها فصلًا، كان فيه على العرب ومدنيتهم أشد من الشعوبية أنفسهم، فلم يكن له مناص وهذه نزعته من أن يذكر شاعرين من أخس شعراء القرن الأول: أولهما أبو العباس الأعمى أحد موالي ابن الدئل الأذربيجاني، وكان من جملة الشعراء الموالي الذين تكاثروا في الإسلام بمن أسلم من غير العرب، ولم يكن له مذهب معروف، بل كان جاسوسًا مع أنه كان ضريرًا، فقد كان يكاتب الأمويين ويتجسس لهم (ص٥٩ ج١٥ الأغاني)؛ لأن بعض الأمويين كانوا يرسلون إليه عطاءه من الشام إلى مكة من «الأموال السرية»، فكان طبعًا يمدحهم، ثم صار صديقًا حميمًا لمصعب بن الزبير، ولم يقصر مصعب في الإحسان إليه، فلما قتل مصعب عام ٧١ﻫ رثاه أبو العباس بأبيات منها:

رحم الله مصعبًا فلقد ما
ت كريمًا ورام أمرًا جسيمًا

وكان من قبل قد هجا مصعبًا وعشيرته بأبيات منها:

متى تُسأَلوا فضلًا تضنُّوا وتبخلوا
ونيرانكم بالشر فيها تَحَرُّقُ

والشاعر الثاني الذي اختاره المؤلف إسماعيل بن يسار النسائي المتوفى سنة ١١٠، وهو من الموالي كصاحبه أبي العباس، وكان هذا النسائي خسيسًا في خلقه، فمدح آل الزبير، ومدح آل مروان، وبلغ به النفاق أنه وفد على الغمر بن يزيد بن عبد الملك فحجبه، ثم أذن له فدخل يبكي، فقال له الغمر: ما لك تبكي؟ فقال النسائي: وكيف لا أبكي وأنا على مروانيتي ومروانية أبي (؟!) أُحجَب عنك؟! فجعل الغمر يعتذر إليه وهو يبكي، فما سكت حتى وصله الغمر بجملة لها قدر (من الأموال السرية طبعًا)، وخرج إسماعيل من عنده فلحقه رجل لم يحفظ لنا التاريخ اسمه فقال له: أخبرني، ويلك يا إسماعيل! أيُّ مروانية كانت لك أو لأبيك؟ قال إسماعيل: بغضنا إياهم، امرأته طالقٌ (؟!) إن لم تكن أمه تلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: لعن الله مروان؛ تقرُّبًا بذلك إلى الله تعالى.» (ص١١٩ ج٤ الأغاني).

هذا هو النسائي الذي كان اسمه على مسمى فيبكي حيث شاء، وينافق نفاق الفواجر، ويقبل المال ممن يلعنه والداه صباح مساء، والمؤلف يحدثنا عنه وعن صاحبه أبي العباس في فخر وزهو، ويذكر ما كان يصل إليهما من العطايا والمنح في سرور وغبطة، ولا يعيب عليهما شيئًا مما عابه الأقدمون والمحدثون، بل يعلل تلك الأخلاق أحسن تعليل، ويزكي هذا المسلك الغريب، ويحاول إيجاد مشابهة بين أبي العباس الأعمى والنسائي وبين بعض أبناء هذا الزمان فقال في ص١٠٧: «فكان من هؤلاء الموالي شعراء يتعصبون للأحزاب العربية … فقد كان أحدهم لا يكاد يظهر تأييده لحزب من هذه الأحزاب حتى يفرح به هذا الحزب، ويعطف عليه ويجزل له الصلات، ويذهب في تشجيعه كل مذهب على نحو ما تفعل الأحزاب السياسية الآن بالصحف التي تقف منها مواقف التأييد (أقرءوا واسمعوا!) تقبل عليها وتمنحها المعونة لا تبالي في ذلك بشيء؛ لأنها لا تريد إلا نشر الدعوة، ولأنها لا تريد إلا الفوز.» فنحن لا نقرأ كتابًا في الشعر الجاهلي، ولكننا نقرأ صدى حوادث لا تزال في الأذهان حاضرة.

هذا كلام فيه رنين الذهب أو حفيف صكوك المصارف، وفيه أبلغ تعليل لإنفاق أموال تشبه ما كان يصل إلى أبي العباس بمكة، وإلى ابن يسار بمجلس الغمر بن يزيد، ذلك الذي كان يذرف دموع التمساح ليقبض ذهب الأمير أو لتُلقى عليه الحُلل والثياب حتى تكاد تخفيه، فينهض فيجلس عليها بقية مجلسه مع عبد الملك بن مروان (ص١٠٩).

هذا المؤلف لا يذكر تأييد الأحزاب لغاية شريفة كصدق الاعتقاد أو اتباع الحق حيث كان، ولكنه يمجد مناصرة الأحزاب التي تجزل الصلات، وتذهب في تشجيع المناصر كل مذهب لا تبالي في ذلك بشيء، فأية دعاية هذه وعلى أي إيقاع يلقي هذا المدرس العجيب دروسه على مائتين من طلاب كلية الآداب بالجامعة المصرية؟ بل ما دخل هذه الخطط السياسية في انتحال الشعر الجاهلي؟

لا نجد في هذا الفصل ما يدل على انتحال الشعر الجاهلي، ولكننا نجد أكاذيب وأباطيل وأضاليل منها قوله في ص١١٤ إنَّ أبا عبيدة الذي ذكرناه آنفًا «يرجع العرب إليه فيما يروون من لغة وأدب»، وهذا كذب وباطل؛ لأن أبا عبيدة لم يكن إلا واحدًا من الرواة الذين يعدون بالمئات وفي كلامه مبالغة كثيرة، فقد رُوِيَ عنه أنه قال: «ما التقى فرسان في جاهلية أو إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسهما.» (ص٢٠٣ ج٢ المزهر)، وهذا العلم الواسع مستحيل؛ لأنه يكاد يكون علمًا بالغيب، فلا يمكن أن يرجع العرب إليه وحده فيما يروون من لغة وأدب، إنما يرجعون إلى غيره من الثقات وهم كثيرون. وقد أقر المؤلف في ص١١٤ أنَّ «الزندقة ليست إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية، وليس تفضيل النار على الطين وإبليس على آدم إلا مظهرًا من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على الإسلام»، فإن كان الخوارج والرفضيون والمنافقون من الفرس يعجبون بخطب الفرس وسياستهم وعلم الهند وحكمتها ومنطق اليونان وفلسفتهم، فقد أعجب بها العرب بعد الإسلام، ونقلوها إلى لغتهم، فلم يقع لهم كتاب في السياسة أو الفلسفة أو الحكمة بإحدى لغات تلك الأمم إلا فسروه بالعربية، وحرصوا عليه وأذاعوه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠