الفصل الرابع والعشرون

رواة البدو والحضر

فمن يقرأ قوله في ص١٢٣ عن رواة البادية يحسب أنهم أشخاص وهميون، اخترع الرواة أسماءهم وأخبارهم، أو أنهم — على أفضل تقدير — نكرات لا شأن لها، أو أنهم لا يقلون عمن أخذوا عنهم فسقًا وفجورًا وزندقة، لا سيما بعد أن وصف المؤلف هؤلاء الأعراب أيضًا بالإسراف في الكذب واستباحة التلفيق طمعًا في المال الذي يربحونه من المبالغة والتطويل في الروايات الصحيحة والمكذوبة، على أنَّ التاريخ قد قطع الطريق على أمثالك، فحفظ لنا أسماء هؤلاء الأعراب الأعلام، ومنهم: أبو البيداء الرباحي، وأبو مالك عمرو بن كركرة، وأبو عرار، وأبو سوَّار الذي أخذ عنه أبو عبيدة، وأبو الجاموس ثور بن يزيد الذي أخذ عنه ابن المقفع، وأبو أشبل العقيلي، وقد وفد على الرشيد واتصل بالبرامكة، والبهدلي، وعنه أخذ الأصمعي، وقد ذكر صاحب الفهرست منهم عشرات (ص٤٧)، ولبعض هؤلاء الفصحاء من الأعراب كتب في اللغة والخيل والإبل وخلق الإنسان.

وعن هؤلاء أخذ بعض أفاضل الرواة الذين طعنت في أعراضهم منهم اللحياني غلام الكسائي، والأموي، وأبو المنهال، وأسرة اليزيدي وهم جملة رجال، والذي يسمعك تعدد رواة وتطعن فيهم يظن أنَّ العلم والبلاغة واللغة كانت تُروى خفية وتُنقل في قمقم، بيد أنَّ الرواية والعلم والنقل كانت تتم بمرأى ومسمع من مئات من الأمراء والوزراء والعلماء والأدباء في مجامع في بغداد والبصرة والكوفة لا تقل شأنًا عن المجامع العلمية الحديثة، وقد وسعت رجالًا ثقات كلهم آذان صاغية وأذهان واعية وأعين ناظرة وبدائه حاضرة، وكلهم نقاد شداد وعلماء أنداد، لا يغفل أحدهم عن خَطَاء أو غلط أو تلفيق، وإن غفل واحد أو عشرة لا يغفل مائة منهم أو من تلاميذهم وأتباعهم، بيد أنَّ طريقة الرواية وجمع الشعر والأخبار وتدوينها لم تكن متروكة لفرد أو لأفراد من الرواة بغير رقيب ولا حسيب، بل كان يجمع أشعار الشاعر الواحد أو القبيلة الواحدة عدة رواة، وقد يختلفون في الرواية والأشعار أو الأخبار، فيأتي من يجمع بين الروايات ويعارضها ويقارنها وينقح ويضبط، كما حدث في شعر امرئ القيس وحده، فقد رواه أبو عمرو بن العلاء، والأصمعي، وخالد بن كلثوم، ومحمد بن حبيب، ثم جاء أبو سعيد السكري وربط جميع هذه الروايات وضبطها، وأعاد مراجعته وضبطه بعد سعيد راويتان هما أبو العباس الأحول، وابن السكيت.

وهؤلاء كلهم لم تستطع تجريحهم، ومن الرواة الذين لم تستطع أن تلدغهم بلسانك أبو زيد الأنصاري، وأبو عبيدة، والأصمعي، وكلهم أخذوا عن أبي عمرو بن العلاء — أحد القُرَّاء السبعة — اللغة والنحو والشعر ورووا عنه القراءة، وقد اشتهر بصدق الرواية ومدحه الفرزدق. وكان قبله قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه، وبلغ من اشتهاره بالعلم وصحة الرواية أن قالوا: لم يأتنا من علم العرب أصح من شيء أتانا من قتادة (ص٤٢٧ ج١ ابن خلكان وص١٧١ ج٢ المزهر). وكان أبو زيد الأنصاري الراوية عالمًا ثقة، وكان سيبويه إذا قال «سمعت الثقة» فإنه يريد أبا زيد الأنصاري، وكان لفرط رغبته في استيعاب العلم وتحقيقه يأخذ عن أهل الكوفة وهو من البصريين، وكان من أوثق الرواة (ص٥٤ الفهرست).

ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام من فحول رواة الفقه والحديث والأدب، وكان ذا دين وورع، ولم يطعن أحد في شيء من دينه (ص١٠٣ تاريخ آداب العربية ج٢ للمرحوم زيدان)، وولي القضاء ثمانية عشر سنة في طرسوس، ولما وضع كتاب غريب الحديث أعجب به ابن طاهر وقال: «إنَّ عقلًا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألَّا يخرج عنا إلى طلب المعاش» (طبقات الأدباء ص١٨٨). ومنهم أبو عمرو الشيباني الذي وصفه المؤلف في ص١٢٢ بالإسراف في شرب الخمر، فقد كان هذا الرجل واسع العلم في اللغة ثقة في الحديث (ابن خلكان ص٦٥ ج١)، وكان كلما جمع أشعار قبيلة وأخرجها للناس كتب مصحفًا وجعله في مسجد الكوفة، فهل يُعقل أنَّ من يقرن عمله الأدبي بعمل ديني كهذا يسرف في شرب الخمر؟ مع أنَّ تاريخ الرجل ناطق ببراءته من تلك التهمة، فقد عاش أكثر من مائة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان له بنون وأحفاد يروون عنه كتبه، وترك مؤلفات كثيرة غير ما جمعه من الدواوين، وليست هذه خلال المدمن الذي يسرف في شرب الخمر، ويقول المؤلف في ص١٢١ إنَّ خصوم أبي عمرو يقولون عنه إنه ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر، فلو كان المؤلف عادلًا أو صادقًا أفلا يحقق هذه الرواية قبل نشرها أم يقبل كل ما يقوله الخصوم؟ ثم من هم هؤلاء الخصوم؟! ولماذا تذكر قولهم وتخفي ما قاله المنصفون كابن خلكان ومعجم الأدباء ص٢٣٣ ج٢ والفهرست ص٦٨؟!

على أنَّ المؤلف لم يترك تلابيب الشيباني قبل أن يدعي عليه بأنه كذب، فكان أظلم من خصومه الذين شهدوا بأنه ثقة، فقال إنَّ الشيباني كذب ووضع على الأعشى بيتًا:

وأنكرتني وما كان الذي نكرت
من الحوادث إلا الشيب والصلعا

وفات المؤلف أنه من المستحيل أنَّ راوية يروي ويدون أشعار ثمانين قبيلة ويصدق فيها كلها، ثم يكذب في بيت واحد، وصاحب هذه الرواية أبو الطيب اللغوي، ونحن نكذبها سيما وأنَّ ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد نقل أنَّ حمادًا قال: «أعشى بكر لم يكن يحوز في شعره الوضع»، وأنَّ حمادًا هو الذي زاد البيت المنسوب وضعه إلى الشيباني، فهذا التناقض في الرواية وعدم انطباقها على المعقول دليل بطلانها.

لقد أجمع العلماء والنقادة على أنَّ روايات الرواة على إجمالها صادقة، ومن هؤلاء العلماء رينان في تاريخ آداب اللغات السامية، ونولدكه في مقالته على المعلقات بدائرة المعارف البريطانية، وقد تكون بعض الأشعار نسبت لغير أصحابها بدون قصد سيئ كما يدعي المؤلف، وإنما حدث ذلك اعتباطًا لتشابه القافية والوزن والمعنى، فإن أشعار العشاق قد تتشابه لتشابه معانيها، فإذا اتحدت قوافيها وأوزانها اختلطت وصعب تفريقها كقصيدة ابن الحدادية التي مطلعها:

سقى الله أطلالًا بنعم ترادفت
بهن النوى حتى حللنا المطاليا

فإن بعضهم يدخل أبياتًا منها في قصيدة مجنون ليلى التي مطلعها:

تذكرت ليلى والسنين الخواليا
وأيام لا أعدى على الدهر عاديا

وقد نبه العلماء والأدباء على ذلك (ص١٣ ج٨ الأغاني)، ومن ذلك أنَّ الأصمعي لم يقبل أن يروي لامرئ القيس البيت:

دعي البكر لا ترثي له من ردافنا
وهاتي أذيقينا جَناةَ القَرنفُل

وحجته في عدم الرواية أنَّ هذا البيت ليس لامرئ القيس؛ لأنه زايل المعنى — الجمهرة — فلم يكن بعض الرواة يعتمدون على الحفظ وحده، بل كانوا يُحكِّمون العقل والذوق. ولم يقل أحد مطلقًا بأنَّ النقاد والأدباء قبلوا شعرًا موضوعًا أو مزادًا، قال ابن سلام في هذه المسألة ص٢٣: «وليس يشكل على أهل العلم زيادة الشعر»، وذكر ابن سلام حادثة فردية عن ابن دؤاد (كذا) بن متمم بن نويرة أنه زاد في شعر أبيه أمام أبي عبيدة وابن نوح، فعلما أنه يفتعله (ص٢٤ ابن سلام)، ونقل مؤلف الشعر الجاهلي في ص٦٧ عن ابن سلام القاعدة الآتية وأخذ بها، قال: «أهل العلم قادرون على أن يميزوا الشعر الذي ينتحله الرواة في سهولة»، فهؤلاء العلماء كانوا رقباء على الرواة، كما كان الرواة رقباء على الأعراب الذين ينقلون عنهم، فأبو عبيدة وابن نوح استكشفا حيلة دؤاد بن متمم بن نويرة عندما زاد في شعر أبيه، وهؤلاء العلماء النقادة والمحققون الثقات لم يقصروا، فإنَّ أبا الفرج الأصبهاني وابن قتيبة وابن عبد ربه وابن سلام انتقدوا الشعر، وجعلوا للرواية شروطًا (المزهر ص٧١ ج١)، وألف أبو القاسم عمر بن حمزة البصري — توفى ٣٧٥ﻫ — كتاب «التنبيهات على أغاليط الرواة»، وهو كتاب انتقادي، وقد بلغ تدقيق النقاد مع الرواة أنَّ كل من عُرِف من الرواة بأنه صاحب سمر كان ذلك غميزة في علمه، ومذهبًا للكلام فيه كشرقي بن القطامي مؤدب المهدي، فإنهم جعلوا السمر علته، فما بالك بإدمان الخمر الذي افتراه الأستاذ على الشيباني؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠