الفصل الخامس والعشرون

الانتحال في الجاهلية والإسلام

لم يكن من سبب في جاهلية العرب يبعثهم على وضع الشعر ونحلته غير قائله وإرساله في الرواية على هذا الوجه؛ لأن شعراءهم متوافرون، ولأنهم لا يطلبون بالشعر إلا المحامد والمفاخر والمعاير والمثالب. ثم إنَّ الشاعر كان موضع الثقة، وهو مصدر رواية في العرب، ولكن كان عندهم نوع من التزيد أطلق عليه الرواة اسم «أكاذيب الشعراء»، ومن هذا النوع ما ادعاه الأعشى في منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل. أما أن يكون في عرب الجاهلية من يصنع الشعر وينحله غيره فلا، وربما كان فيهم انتحال الرجل شعر غيره، أو الاجتلاب منه، وهو من نوع سرقة الشعر Plagiat، قال الراجز:
يا أيها الزاعم أني أجتلب
وأنني غير عضاهي أنتجب
كذبت إن شر ما قيل الكذب

أما في الإسلام فقد اتخذ بعض علماء المشرقيات الاختلافات الصرفية واللغوية واللفظية، التي نراها في بعض روايات المعلقات دليلًا على صدق الرواة وصحة روايتهم، وقالوا إنَّ العرب كانوا ينشد بعضهم شعر بعض، ويجري كلٌّ منهم في النطق على طبعه وفطرته اللغوية، فتقع تلك الاختلافات التي ذكرناها، وقد يغير العربي فيما يتمثله من الشعر كلمة بأخرى يراها أليق بموضعها، وأثبت في معناها، أو تكون الكلمة قد أصابت هوى في نفسه، قال رينان في ص٣٦٠ من تاريخ اللغات السامية: «قد تنشأ هذه الاختلافات اللغوية من ضعف الذاكرة، ولا تمس معاني القصيدة إلا في النَّدرَى، وفي هذه الاختلافات ضمان لصحة الرواية.» ا.ﻫ. كلام رينان، وعلى ذلك تيودور نولدكه ونيكلسون وغيرهما.

ومما يؤيدهم أنَّ الرواة كانوا ينقلون الشعر على ما يكون فيه من مثل هذه الاختلافات اللغوية ولا يبالون أمره؛ لأنهم يريدون لغة الشعر، ومتى كان الشعر مرويًّا عن عربي صار حجة؛ لأن لسان العربي لا يتحرك بغير الصواب اللغوي، وبهذا تختلف الروايات في بعض الأبيات، وهي في الأصل غير مختلفة، مثاله قول امرئ القيس:

كأن مكاكيَّ الجواء غدية
صبحن سلافًا من رحيق مفلفل

فإنه يُروى أيضًا:

كأن مكاكيَّ الجواء غدية
نشاوى تساقوا بالرحيق المفلفل

(ص٤٦ الجمهرة)، ومثله قول أبي ذؤيب الهُذلي:

دعاني إليها القلب إني لأمره
مطيع فما أدري أَرشدٌ طِلابها

هكذا رواه أبو عمرو بن العلاء، ورواه الأصمعي «عصاني إليها القلب».

ولو صح ما ورد عن حماد من وضع الشعر واصطناعه، فإنه لم يخدع به أحدًا، فقد روى المؤلف رواية مزيفة دون نقد ولا تمحيص كعادته فيما يحسبه مؤيدًا لفكرته، قال: «قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري، فقال بلال لحماد: ما أطرفتني شيئًا! فغدا عليه حماد فأنشده قصيدة للحطيئة في مدح أبي موسى الأشعري جد بلال، فقال: ويحك، يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به وأنا أروي شعر الحطيئة؟! ولكن دعها تذهب في الناس» ص١٢٠، وفي هذه الرواية أنَّ بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري عرف أنَّ القصيدة ليست من شعر الحطيئة، ولكنه قَبِل أن يذيعها حماد مدحًا في جده، وقد سبق المدائني فصحح هذه الرواية وقال: «إنَّ القصيدة للحطيئة في أبي موسى»، ونفى أن يكون حماد نحلها الحطيئة تقربًا إلى بلال، وقال: «إنَّ نفس الشاعر أصدق في نسبة كلامه من ألسنة الرواة»، أما القصيدة فهي مقطوعة في أربعة عشر بيتًا ومطلعها:

هل تعرف الدار من عامين أو عام
دار لهند بجزع الحزج فالدام
وإن كان بعض المتعاصرين والأنداد من الرواة طعن بعضهم في بعض، فليس في الطعن حجة أو دليل على صحة التهمة؛ لأن اتحاد الحرفة والمنافسة في الشهرة والمزاحمة على نيل الحظوة قد تدفع ببعض الرواة إلى الحسد والغيرة، لهذا قال الأقدمون: «إنَّ المعاصر حجاب»، حتى إنَّ رواة ثقات كالأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد كانوا يتطاعنون، ويضعف كلٌّ منهم رواية صاحبه، ولكن المحققين ينزهونهم عن الكذب. ومن نكات التاريخ الأدبي أنَّ خلف الأحمر — أحد الرواة — تنسَّك في آخر أيامه، ويظهر أنَّ تنسكه كان مصحوبًا بخرف الشيخوخة Senilité، فخرج وهو في مرض الموت إلى أهل الكوفة، ورَوَى لهم أشعارًا قال إنه أدخلها في أشعار الناس، فلما رأى القوم مرضه وضعف عقله قالوا له: «أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة» ص٢٠٣ ج٢ المزهر. فهؤلاء الأدباء الكوفيون أنصفوا حقًّا؛ لأن تصرفات المريض في مرض الموت لا تنفذ، وكان خلف هذا مريضًا فلم يُعوِّلوا على قوله، ولم يعملوا بوصيته.

فلا يجوز إذن أن نأخذ بما يقوله الرواة بعضهم في بعض، وقد عقد ابن جني فصلًا في كتابه «الخصائص» على ما يكون من قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض، وتكذيب بعضهم بعضًا كرواية المفضل الضبي في حق حماد، وهي لم تُمحَّص ولم تُنتَقد، وإن صح إسنادها فوليدة أحقاد المعاصرة، فإن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يقدح في العدالة، وهذا رأي علماء الحديث وجاراهم فيه أهل الأدب حتى قالوا إنَّ المعاصرة حجاب كما قدَّمنا.

ولم يكن حماد وحده هدفًا لمنافسيه ومعاصريه، فقد اتُّهم قبله قطرب، وابن دريد (صاحب الجمهرة)، وأبو عمرو الزاهد، ولكن المحققين أمثال أبي بكر بن الخطيب جعلوا مرد التهمة إلى سعة الحفظ، ثم أثبتوا الحفظ فنفوا التهمة.

وغاية الغايات عند المؤلف ليست تعليل الانتحال، ولا الطعن في دين الرواة، ولا أكل لحوم هؤلاء الموتى من السلف الصالح، إنَّ تلك الأمور كلها هينة في جنب الغاية الكبرى التي جعل عقله وقلبه وحفظه ووقته وقفًا عليها، ونحن لا نذكرها، ولكن ننقل للقارئ نبذة من ص١٢٤ تتجلى فيها تلك الغاية وهي: «كل شيء في حياة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى كان يدعو إلى انتحال الشعر، وتلفيقه سواء في ذلك الحياة الصالحة حياة الأتقياء والبررة، والحياة السيئة حياة الفساق وأصحاب المجون.»

هي حياة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى التي أقلقت المؤلف في مضجعه، ونفت الكرى عن أجفانه، ووخزته بالإبر فأحدثت في أحشائه جراحًا دامية، وأشعلت في فؤاده نارًا لا تزال مضطرمة متأججة، وتلك جراح لا ينفع في علاجها بلسم، ونار لا تطفئها أمواه النيل والفرات إذا اجتمعت!

فالشيخ ينهشه الحقد على «القرون الثلاثة الأولى» فغيظه وغله وكراهيته مركزة مُصوَّبة إلى حياة المسلمين، وما بدعة انتحال الشعر الجاهلي إلا إحدى أدوات الانتقام من تلك «القرون الثلاثة الأولى» التي يناطحها الأستاذ، وكم ناطح غيره صخرًا فتحطمت قرونه والصخر باقٍ، وبهذا ضُربت الأمثال، وفيه قيل شعر الحكمة.

لقد ناهضناك — أيها المؤلف — حيث تهتز، وعالجناك حيث تنهزم، ووقف القارئ والسامع على سرِّك وصميمك، فلعلك تعود إلى مستقيم النهج بعد أن انحرفت إلى مُعوَجِّه!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠