الفصل الثالث

اختلاف تاريخ النمو العقلي في الدول الثلاث

فلنلقين نظرةً على تاريخ النمو العقلي في الأمم الثلاث التي اتخذها المؤلف هدفًا لأخطائه. لقد ظهر الشعر القصصي في الأمة اليونانية، فخلد حروب طروادة، ثم جاء شعراء عدلوا عن الشعر القصصي إلى الشعر الغنائي الذي يعبر عن العواطف الإنسانية من حزن وابتهاج، ثم عدلوا عن هذا الشعر الغنائي إلى الشعر التمثيلي الذي يُنْشَد في الملاعب، ولم يقف اليونان عند هذا الحد، بل ظهر فيهم مفكرون وحكماء وفلاسفة عدلوا عن الشعر إلى الحكمة والفلسفة، فانتقل اليونان من الخضوع للشعر إلى الخضوع للفلسفة. أما العرب فانتقلوا من الخضوع للشعر إلى الخضوع للعقيدة التي جاء بها الكتاب المنزل على أفصح العرب، وهذه العقيدة هي التي حببت إليهم البحث الفلسفي. ولا يخفى على أي الباحثين في أحوال الأمم أنه ليس من السهل أن يخضع شعب من الشعوب لسلطان الشعر اليوم، حتى إذا أصبح خضع لسلطان الفلسفة إذا لم تتحقق شروط كثيرة تحتاج في تحقيقها إلى عصور طوال؛ لأن الشعر يعتمد على الخيال، وتعتمد الفلسفة على النقد، والعقيدة على التصديق، وقد كان من عقيدة العرب ما يستحثهم على النظر في أنظمة الكون والطبيعة، فبحثوا ودرسوا ونقبوا، وتلقوا العلم القديم، وأسلموه في أمانة ورفق إلى أوروبا المتعطشة المندثرة في غياهب القرون المظلمة!

كان اليونان والرومان يرون في كل شيء إلهًا يخافونه ويتملقونه ويترضونه: يرون في الهواء إلهًا، وفي الماء إلهًا، وفي الأرض إلهًا، بل في الأحجار والحشرات والأشجار والأنهار وألوان النبات آلهة تُقَدَّم إليها الصلوات وضروب القربان، وتنظم حياتها على إكبار الأشياء وإجلالها، وتتخذ من هذا الإكبار والإجلال قواعدها الخلقية والسياسية والاجتماعية. أما العرب فكانوا مع عبادة الأصنام في جاهليتهم يميلون إلى التوحيد، وكان التسليم للأحكام العلوية من سننهم قبل الإسلام، فلم يوغلوا في التخيلات الشعرية إلى النظر في أحوال الآلهة، وما يترتب على ذلك من تفرع البحث الواحد إلى أبحاث متعددة على ما هو شأن الأمم الآرية، وكل ما يُرى من الشبه بين أحوالهم وأحوال قدماء اليونان إنما هو بعض من المظاهر التي ألفت بينها طرق المعيشة الجاهلية، كان العرب رعاة أغنام حتى قال خالد بن الوليد لماهان الأرمني: «وأما ما ذكرت من فقرنا ورعينا الإبل والشاة فما منا من لم يرع، وأكثرنا رعاة، ومن رعى منا كان له الفضل على من لم يرع» الواقدي ١ : ١٥٦. فكانت حياتهم حياة الرعاة. أما اليونان فكانوا زرَّاعًا ومحاربين وملاحين وتجَّارًا وأهل صناعات وفنون جميلة، وكان الرومان من لاتين وأومبريين وسابين وسمنيين ولوكانيين بحَّارة وتجَّارًا.

كان اليونان والرومان في أول عهدهم يبنون المدن والقصور و«يسكنون الجدار»، ويُوَلُّون الملوك ويعزلونهم، ويحشدون الجيوش، ويعقدون الجمعيات القومية والمجالس النيابية التي تحكم البلاد، وينقسمون إلى طبقات الأشراف والعامة، وكانت لهم شرائع وقوانين وسنن وضعها حكماؤهم، وشيء من ذلك لم يكن للعرب قبل الإسلام. لقد استبدل اليونان العقل بالخيال، أما العرب فقد استبدلوا العقيدة بالخيال، ثم أرشدتهم العقيدة إلى الجمع بينها وبين العقل والعلم، فكانوا شعراء، ثم متدينين، ثم أهل علم وفلسفة. أما من حيث فترة الزمان التي امتد إليها تاريخ كلٍّ من تلك الدول فإنه بينما كانت الأمة اليونانية خاضعة لسلطان الشعر القصصي الذي يمثلها ساذجة جاهلة، كانت بعض ممالك الشرق السامية الجنس (بابل وآشور ومصر)، وهم أجداد العرب وعمومتهم وأسلافهم في الجنس والمزاج والعقلية قد بلغت إلى درجات راقية من الحضارة لا تقاس بها حياة اليونان، وكان هؤلاء الساميون الذين يمُتُّ لهم العرب بحبل الإخاء والقرابة قد بسطوا سلطانًا ضخمًا، وأسسوا حكومات قوية منظمة، وانتهوا إلى أنواع من الفن والعلم بهرت المتقدمين والمتأخرين، وكان عند اليونان علوم وحكمة لا نجد ما يشبهها في الشرق القديم، مثل المذاهب الفلسفية التي حاولت قبل المسيح بسبعمائة سنة تفسير رموز الحياة، وحَلِّ عقدة الكون وتعليله، وفهمِ ما وراء الطبيعة (راجع كتاب مائدة أفلاطون تأليف كاتب هذه الأسطر، طبع مصر سنة ١٩٢٠)، ذلك وهم لا يدينون بدين سماوي، وقبل أن يولد سيدنا يسوع المسيح بستة قرون. أما العقل العربي فقد ذهب مذهبًا دينيًّا محضًا في فهم الطبيعة وتفسيرها، فامتاز العرب خاصة والجنس السامي عامة بالأنبياء والمرسلين والوحي، كما امتاز اليونان والرومان بالشعراء والفلاسفة والفاتحين القاهرين أصحاب حكم القوة. كانت حركة العرب والساميين حركة إصلاح قومي يتلوه إصلاح إنساني، وكانت حركة اليونان والرومان حركة ارتقاء عقلي تلته قوة مادية حربية، تمثلت في فتوحاتهم التي كونت أوروبا الحديثة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠