الفصل الرابع

من الفلسفة والفنون عند اليونان والرومان إلى الحرب والاضمحلال

لقد سخَّر اليونان والرومان فلسفتهم وفنونهم وقوانينهم للقهر والغلبة، ولكن العرب سخَّروا قوتهم لنشر مبادئ الإصلاح التي اعتقدوا أنَّ فيها خير الإنسانية. لقد قامت المدنية اليونانية والرومانية على حد السيف وأسنة الرماح، فاشتعلت نيران حرب بيلوبونيسوس بين أثينا وإسبرطة، وقد عبثت هذه الحرب بالنظم الموضوعة عبثًا شديدًا، وأظهرت فساد تلك النظم، وأظهرت ضعف ما كانت عليه الجماعات المختلفة من أسس وعقائد، وما أشبه هذه الحرب في التاريخ القديم بالحرب العظمى الأخيرة التي لا يزال العالم الحديث يعاني صروفها وصنوف آلامها؛ فإنَّ تلك الحرب الكبرى (١٩١٤–١٩١٨) قد عبثت هي أيضًا بالنظم السابقة والمعاصرة لها عبثًا شديدًا، وأظهرت فساد تلك المدنية الحديثة وضعف الجماعات الأوروبية.

ولم يكن تاريخ الرومان بأقل تلوثًا بالدماء التي سفكها القواد الطامعون الطامحون إلى المجد الذاتي، وكان من آثار حرب بيلوبونيسوس عدول اليونان عن الديموقراطية إلى الأرستوقراطية، ثم إلى الديموقراطية المعتدلة، ثم إلى نظام أرستوقراطي، ثم إلى عهد الاستبداد المطلق، ثم انتهت الحال بسقوط أثينا ونزولها عن سلطانها في البر والبحر، وهذا ما حدث لدولة الرومان وارثة المدنية اليونانية، فمن حكم الملوك المستبدين إلى حكومة الشعب، فالجمهورية الصحيحة ثم الجمهورية الصورية (عهد قيصر)، ثم إلى حكم القواد والطغاة أمثال: كاراكلا وجالبا ونيرون وطيبريوس، ثم إلى الزوال. ويكاد التاريخ يعيد نفسه في أوروبا الحديثة وارثة اليونان والرومان، فقد تقلبت أنظمة الحكم من الملكية المطلقة أو المقيدة إلى الجمهورية، ثم إلى حكم الفرد المطلق والديكتاتورية، وقد يعقب ذلك مثل ما حدث لليونان والرومان، وليس في تاريخ العرب ما يشبه ذلك التطور بأدواره المتسلسلة، فقد خضع الشرق كله تقريبًا لنظام سياسي واحد، لم يتغير ولم يتبدل، وهو نظام الملكية المطلقة التي تخفف وطأتها من حين إلى آخر نظم شورية أو نيابية.

وإذا نظرنا إلى المبادئ الاجتماعية نجد فرقًا شاسعًا بين اليونان والعرب.

فقد كان أفلاطون أكبر فلاسفة اليونان واضع المذهب الشيوعي الممقوت في كتابه الجمهورية حيث قال: «إنَّ كل ما يكون الفرد وشخصيته يجب أن يزول، يجب أن تمحى الملكية، فلا فقر ولا غنى ولا حقد بين الفقير والغني ولا خصومة بين الأغنياء، يجب أن تزول الأسرة فلا زوجية ولا أبوة؛ أي يجب أن تكون المرأة حظًّا شائعًا بين أفراد الطبقة جميعًا تشرف الحكومة على توزيعه بين هؤلاء الأفراد، ويجب أن تمحى الأبوة، فلا يثبت النسب بين الأفراد، وإنما الأطفال جميعًا أبناء الدولة، تغذوهم وتقوم على تربيتهم وتنشيئهم حتى يبلغوا سن الرشد.»

وهذه القواعد المذمومة هي نفسها التي قام عليها المذهب الشيوعي لدى بولشفيك روسيا، وهي التي نفَّرت العالم المتحضر منهم ومن حكومتهم. أما مدنية العرب فلم تُلوَّث بمثل هذه الأدران، بل لم يخطر ببالهم شيء من قبيلها؛ لأنهم بفطرتهم وعقيدتهم وَأَدُوها في مهدها بتأسيس الأسرة وتوزيع المواريث وتقسيم الثروة على أسس قوية متينة. وقد قام التفاضل في دينهم على أساسين: الأول التقوى وهو الوازع المعنوي والذكاء الفردي أو العبقرية، وهي أعظم الظواهر الطبيعية وأشرفها وأسماها وأبقاها أثرًا على كر القرون والأجيال، ولسنا بعد في حاجة إلى تكرير القول بفساد رأي المؤلف في نظر العلم والتاريخ، ولكننا نذكر على سبيل الفكاهة نبذتين من قلمه ينقض بهما رأي نفسه، وليس هذا عليه بمستغرب، قال ص٤٤: «ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان.»

وهذا التقهقر واضح. وقال في ص٧ من كتاب «قادة الفكر» تأليفه، طبع الهلال سنة ١٩٢٥: غير أنَّ هناك فرقًا عظيمًا بين بداوة العرب وبداوة اليونان، بداوة العرب أثرت في العرب وفي الحضارة الإسلامية، ولم تتجاوز الحضارة الإسلامية إلا قليلًا. أما بداوة اليونان فقد أثرت في اليونان، وأثرت في الرومان، وأثرت في العرب، وأثرت في الإنسانية القديمة والمتوسطة، وهي تؤثر الآن في الإنسانية الحديثة، وستؤثر فيها إلى ما شاء الله. ا.ﻫ. كلام مؤلف الشعر الجاهلي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠