الفصل الأول

السليقة الشعرية

ليس في لغات الأرض لغة يربو شعرها على الشعر العربي، ويزيد شعراؤها عددًا على شعراء العرب، وهم جميعًا مخلصو الاعتقاد في شعرهم ورعين في تعبده.

وقد أجمع الباحثون في تاريخ الشعر الجاهلي أنه يرجع إلى بضعة قرون قبل المبعث، وهم يقولون بصحة مآخذ الشعر الجاهلي الحديث من المهلهل بن ربيعة إلى زهير بن أبي سلمى، فإنه قيل في زمن كان فيه الشعر في إبَّانه، وسوق عكاظ في ريعانها، والحفاظ والرواة منبثون كأسلاك البرق يدوِّنون وينقلون، ويحرصون على ادِّخار مسموعهم ومحفوظهم، والقراءة مألوفة، والكتابة معروفة، والشعر بمنزلة يُحسد عليها فيُختزن اختزان الدر المنضود.

ولم يثبت أحد النقاد من الإفرنج والعرب أنَّ العرب لم يقولوا الشعر قبل القرن الخامس للميلاد، فإن طبيعتهم وطبيعة بواديهم وحواضرهم كانتا لعهد المبعث وقبله بقرن على ما كانتا عليه قبل عشرات من القرون، فقد يصح الفرض أنَّ النهضة الشعرية كانت تتفاوت ارتقاء وارتخاء بين زمن وزمن، ولكنه لا يصح القول إن جذوتها لم تلتهب إلا لهذا العهد القريب، فارتقاء بلاغة الشعر متقدم على ارتقاء بلاغة النثر؛ لملازمة الأفكار الشعرية للفطرة البشرية، وإذا كان الشعر مدونًا قبل هوميروس ناظم الإلياذة بعصور طويلة في لغات الهنود والمصريين القدماء — وقد كان لهم شاعر اسمه بنتاءور — فما بالك بالعرب؟! وهم في بداوتهم وجاهليتهم يطوفون في عالم الخيال فلا قيد ولا عقال، يطرقون البوادي والقفار، فينقرون فيها على ما شاءوا من الأوتار، ويسامرون النجوم فلا يستر الجو عنهم شيئًا من بهائها، وهم جميعًا بين هائم وهاجع، وهاجم ومدافع، ومنافر ومفاخر، وكل تلك الأحوال تهيج السليقة الشعرية حتى في الأفئدة الخاملة، وهم هم اليوم في باديتهم أولئك الرعاة الغزاة منذ ألفي عام، والشعر على تغير لغته وزوال إعرابه ما زال أنيسهم وسميرهم في الحل والترحال، وسيظل كذلك إلى ما شاء الله.

ولم يفُتْنا فيما مضى من هذا الكتاب أن نشير إلى استحالة البحث في صحة إسناد الشعر المروي عن شعراء القبائل البائدة وكهانها، أما الشعر المنسوب إلى قدماء الأعاجم، ثم إلى آدم أبي البشر وحواء، ثم إلى الملائكة وإبليس وأشباه هذا، فغير خليق بالذكر، ولا يجدر بالكاتب أن يتكلف عناء الإشارة باطِّراحه على أنه يجب التنبيه أنَّ جهابذة كتاب العرب عمومًا قد أنكروا على العامة القول بصحة إسناد هذه الروايات، ومن كلام ابن عباس: «من قال إنَّ آدم قال الشعر فقد كذب على الله ورسوله.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠