الفصل العاشر

رأي رينان والأستاذ نيكلسون في ثبوت الشعر الجاهلي

قال العلامة أرنست رينان في صفحة ٣٥٤ من كتاب تاريخ اللغات السامية: «قد آن لنا أن نتناول صحة الشعر العربي السابق للقرآن، فينبغي لنا أن نقول إنَّ هذه المسألة قد قُطع القول فيها بصحة هذا الشعر وثبوت صدقه بلا قيد ولا حصر، فإنَّ المعلقات وديوان الحماسة وكتاب الأغاني وديوان الهذليين قد قبلها العلماء وسلموا بأنها سابقة في معناها ومبناها لمبعث محمد؛ أي إنَّ العلماء أقروا صحتها شكلًا وموضوعًا، وأقروا انحدارها إلينا من العهد المتقدم على الإسلام. أما فيما يتعلق بالمعاني فلا يجوز الشك فيها؛ لأن هذه الأشعار تمثل لنا الحياة الجاهلية — السابقة للإسلام — كما تمثلها مرآة كاملة، وهذه القصائد تتعلق بشخصيات وحوادث حقيقية، وكذلك فيما يتعلق بالشكل يجب علينا أن نعتقد أنها قد حفظت ووصلت إلينا بأمانة كافية، وأنه إذا وجدت بعض الخلافات فلا تؤثر إلا في أبسط التفاصيل التي لا شأن لها.»

وقال في ص٣٥٥ من الكتاب نفسه: «لا يوجد ما يبيح لنا أن نفترض كما افترض شولتنز أنَّ المسلمين قد أبادوا الأدب العربي الجاهلي بسبب عداوتهم للوثنية، فإن افتراضًا كهذا يتنافر مع النتيجة الثابتة التي تدل على أنَّ الكتابة لم يَشِع استعمالها عند العرب إلا قبل محمد بقرن واحد تقريبًا، ويجب علينا أن نمنح درجة أعلى من التصديق والصحة للمقطوعات الشعرية الصغيرة المثبتة في كتب التاريخ والشعر الجاهلي، فإن هذا هو في الحق أقدم أنواع الشعر العربي، وهو شعر شخصي محض يعبر في بضعة أبيات عن حالة قائلها وموقفه، وله علاقة بقصة أو خبر، وهو الشكل الفطري للشعر السامي. وقد صدق المؤلف العربي الذي استشهد به السيوطي في كتابه العجيب (المزهر) إذ يقول: «لم يكن لأوايل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته».»

وقال في ص٣٦٠ عن الخلافات اللفظية: «إنَّ الخلافات اللفظية الطفيفة في رواية الشعر الجاهلي نشأت عن ضعف الذاكرة، ولكنها لا تمس جوهر الفكرة، وهذه الخلافات قد تكون ضمانًا لصحة الرواية التي تلقاها الرواة.»

وقال في ص٣٦٠ عن قوة الحفظ: «إننا حقًّا مستعدون لنشهد بقوة حافظة العرب النادرة المثال … وإنَّ المعجزات التي أثبت العرب قدرتهم على إظهارها بفضل حافظتهم — لا سيما في حفظ أنسابهم — تحتِّم علينا ألَّا نطبق على العرب القواعد العامة لعلم أصول اللغات.»

وقال في ص٣٦٢ عن ضبط اللغة: «ومن المؤكد أنَّ اللغة العربية قد رُبطت وضُبطت وتحددت وقُيِّدت، وطُبِّقت عليها قوانين التدقيق قبل مبعث محمد بأزمان طويلة، ثم إنَّ الأوزان الدقيقة التي نُظمت بمقتضاها الأشعار الجاهلية تعد بمثابة دليل استنتاجي على صحة وصدق الأشعار الجاهلية، ومهما تكن الافتراضات التي تعلل اتخاذ العرب في شعرهم طريقة الأوزان بالمقاطع، فمن المحال أن تكون تلك الطريقة العروضية قد اتُّخذت بعد مبعث النبي محمد، بل اتخذها العرب واستعملوها قبل الإسلام، فلدينا إذن ضمان قوي يرد أية شبهة في صحة هذه الأشعار، وثبت أنَّ الشعر الجاهلي لم يطرأ عليه سوى تحريف لفظي طفيف. وفي الحق نعتقد أنَّ العرب لم يغيروا في الشعر الجاهلي شيئًا عن قصد، وأنَّ الاختلافات التي وجدت هي من النوع الذي لا يمكن اتقاؤه في حالة تداول النصوص بين أفواه الحافظين لها دون معونة التقييد بالكتابة.»

وقال في ص٣٥٧: «إنَّ امرأ القيس أقدم شعراء المعلقات ولد حوالي سنة ٥٠٠، وكل شعراء الجاهلية المشهورين مثل: الشنفرى، وتأبط شرًّا، وطرفة، وعنترة، والحارث بن حلزة، وزهير، وعمرو بن كلثوم، والأعشى، والنابغة الذبياني، ولبيد تمتد تراجمهم بين هذه الفترة وبين ظهور الإسلام.»

وقال في ص٣٥٩: «ومن المرجح أن الشعر الجاهلي كان يستودع الحافظة، فإما يحفظه الشاعر الذي نظمه، وإما حفاظ محترفون من القبيلة التي قيل الشعر بين ظهرانيها.» ا.ﻫ. كلام العلامة أ. رينان في كتاب اللغات السامية.

وقال نيكلسون في ص١٣١: «لقد رأينا أقدم الأشعار المعروفة ترجع إلى أوائل القرن الخامس للمسيح مع أنَّ صنعة الكتابة لم يشع استعمالها بين العرب إلا بعد ذلك بمائتي سنة.

فكان الشعر الجاهلي إذن محفوظًا بالتواتر الشفوي، ولنا أن نتساءل عن إمكان ذلك، وماذا يضمن في نظرنا كون القصائد التي عاشت على أفواه الحفاظ طوال هذه الأجيال قد احتفظت بصورتها الأصلية ولو على التقريب، والجواب على تلك المسائل أنه لا شك في أنَّ أشعارًا كثيرة كالتي كانت تمجِّد قبيلة الشاعر، أو تهجو أعداءها، كانت تُنشد باستمرار على لسان أفراد القبيلة، وبهذه الوسيلة حُفظت القصار والمقطوعات وقطع من القصائد الطويلة، ولم تكن المطولات مثل المعلقات لتصل إلينا لو كانت حياتها معلقة بشيوعها على ألسنة من يهمهم إنشادها، ولكن الذي أنقذ هذه القصائد المطولة أولًا تكوين هيأة مثل هيأة المنشدين في بلاد اليونان القديمة، فقد كان لكل شاعر مشهور راوية يلازمه، ويحفظ أشعاره، ويرويها عنه غير مجردة، بل محفوفة بالأخبار والظروف التي أحاطت بنظمها.

وقد يندر اتحاد صفة الراوية والشاعرية فيكون الراوية نفسه شاعرًا، كما كان زهير راوية زوج أمه أوس بن حجر، والحطيئة راوية زهير، وقد كان منشأ الرواية أولًا الحب والصداقة بين الشاعر والراوية، ثم انقلبت حرفة ذات عمل مادي يعود بالربح على صاحبه، فبعد أن كان الرواة متصلين بشعراء معينين، أصبحوا فرقة من المحترفين يحملون في ذاكرتهم مقادير مهولة من الشعر القديم والعلوم المختلفة، وفي أواخر القرن الأول للهجرة (٧٠٠م)، عندما شاعت عادة الكتابة العربية كان مقدار كبير من الشعر الجاهلي محفوظًا ومتداولًا There was much of préislamic origin still in circulation.» انتهى قول نيكلسون في الشعر الجاهلي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠