الفصل الحادي عشر

اعتراف المؤلف نفسه بالشعر الجاهلي

إنَّ المؤلف بعد أن أنكر الشعر الجاهلي، وقال إنه انتحال الرواة، أو اختلاق الأعراب، أو صنعة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين، وكرر هذه الألفاظ مرات عديدة، ثم صاغ معانيها في قوالب وألوان كثيرة وسجَّلها بأساليب شتى عليها مسحة التوكيد والتوثيق؛ عاد إلى هذا الحكم فنقضه بعد إبرامه في جملة مواضع من الكتاب نفسه متدرجًا من الاعتراف المحدود بالقلة المطلقة إلى التسليم مع التحفظ، ومن التردد في التصديق إلى الإقرار بالتصريح، وها نحن نعرض على القارئ من أقواله أمثلة محسوسة ونماذج عينية.

قال في ص٧: «أكاد لا أشك في أنَّ ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدًّا.» فإذا حذفنا عبارة «أكاد لا أشك» كانت النتيجة أنه كان هناك شعر جاهلي صحيح، وأنَّ هذا الشعر الجاهلي الصحيح قد اندثر معظمه وبقيت منه بقية، ونحن لا نسأل المؤلف الكارتيزي المنهج عن طريقة التدليل العلمية التي هدته إلى هذه النتيجة، ولا عن ميزان التمييز الذي وفق إليه، فاستطاع التفريق بين الصحيح والمنتحل؛ لأن هذا ليس مقام مناقشته في هذه المسألة، ولكنه مقام تسجيل أقواله.

وقال في صفحة ٦٥: «وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وإنما كانت ترويه حفظًا.»

وفي هذه النبذة الثانية تسليم بأنه كان شعر جاهلي، وأنَّ هذا الشعر قد ضاع لعدم القيد؛ أي إنه فُقد قضاءً وقدرًا، وقد شفع المؤلف في هذه النبذة اعترافه الضمني بالشعر الجاهلي بأن هذا الشعر الجاهلي قد ضاع، ولم يستثنِ منه القليل الذي استثناه في صفحة ٧، ولست أدري إنْ كان ذلك لبعد المسافة بين صفحتي ٧ و٦٥ أم لأنه عدل في وسط الكتاب عما دوَّنه في أوله.

على أنه عاد في صفحة ٦٦ فأيد نظرية بقاء القليل من الشعر الجاهلي الصحيح، ووصوله عن الأسلاف إلى الأخلاف عن طريق الرواة فقال: «رُوي عن ابن سلام عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: «ما بقي لكم من شعر الجاهلية إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير».»

ونحن نسأله في رفق ولين كيف أنه بادر إلى نقل هذه الرواية مؤمنًا بها، واصطنعها لنفسه، وأثبتها كأنها حقيقة مقررة، مع أنها تخالف المبدأ الكارتيزي في التجرد عن المعلومات السابقة، وتغطيس المعارف البشرية في آبار الشك العميقة؟ أليس ابن سلام وابن حبيب وابن العلاء من رواة الأدب العربي، وقد ذُكروا مئات المرات، وأُسندت إليهم آلاف الأخبار في كتب الأدب؟ أليست طريقتهم في رواية هذا الخبر هي العنعنة العربية بذاتها؟

أجل، إنهم رواة أدب ومن العرب أيضًا أهل الاختلاق والانتحال والحمل والاصطناع! ولكنهم في هذه المرة رووا خبرًا يثلج صدر المؤلف وتقر له عينه، وهو «أنه ما بقي من شعر الجاهلية إلا أقله»، فلهذا أخذ المؤلف تلك الرواية وحسَّنها وزيَّنها وزوَّقها ونمَّقها وزفَّها محفوفة عن الشمال واليمن بشواهد الصدق واليقين. ونحن نقبلها ونرحب بها؛ لأن فيها إقرارًا منه ببقاء القليل من الشعر الجاهلي الصحيح، بعد أن كان ينكره إنكارًا باتًّا مطلقًا، كما جاء في صفحتي ١٠٤ و١٠٥: «كل ما يُروى عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم والعماليق موضوع لا أصل له، وكل ما يروى عن تبع وحمير وشعراء اليمن في العصور القديمة، وأخبار الكهان وما يتصل بسيل العرم، وتفرق العرب بعده موضوع لا أصل له.

وكل ما يُروى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها، وما يتصل بذلك من الشعر خليق أن يكون موضوعًا، وكل ما يروى من هذه الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة خليق أن يكون موضوعًا.»

والناظر في هذا البيان الوجيز يرى أنه استغرق على قصره سائر الشعر الجاهلي المتصل بتاريخ العرب في جميع ناحيات حياتهم، فنحن نغتبط بتسليم المؤلف بصحة رواية ابن سلام؛ لأنها تدل على إقراره ببقاء القليل من الشعر الجاهلي الصحيح.

وفي صفحة ٦٨ لانت شكيمة المؤلف، فأراد أن يحصر دائرة الإنكار بقاعدة من وضعه قال: «إنَّ مؤرخ الأدب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهليًّا أن يشك في صحته كلما رأى شيئًا من شأنه تقوية العصبية، أو تأييد فريق من العرب على فريق، ويجب أن يشتد هذا الشك كلما كانت القبيلة أو العصبية التي يؤيدها هذا الشعر قبيلة أو عصبية قد لعبت دورًا في الحياة السياسية للمسلمين.»

لقد فرض المؤلف على مؤرخ الأدب أن يستثني من التصديق بصحة الشعر الجاهلي حالتين ونوعين من الشعر:
  • أولًا: الشعر الذي من شأنه تقوية العصبية.
  • ثانيًا: الشعر الذي فيه تأييد فريق من العرب على فريق.

لقد بالغت إذ قلت إنَّ المؤلف فرض على المؤرخ استثناء هذين النوعين، والحقيقة أنه اكتفى بتشكيكه في صحة الشعر، والتشكيك توصية بالتمحيص، ودعوة إلى التشدد في التثبت، ولا تنافي التصديق بعد التأكد، غير أنَّ هذا الشك ترتفع درجة حرارته إذا كانت العصبية أو القبيلة قد لعبت دورًا في الحياة السياسية للمسلمين. ومن المعقول أنَّ زيادة الشك لا تؤدي إلى الإنكار المطلق، ولكنها تقتضي من جانب المؤرخ الذي يوصيه المؤلف زيادة العناية بالانتقاد، وقد ينتهي المؤرخ في الحالتين بعد الشك القليل أو الكثير باليقين.

نتيجة مرضية وثمرة حلوة، إذن مؤلف الشعر الجاهلي يقول بصحة جميع الشعر الجاهلي بشرط واحد في حالتين معينتين، فإذا استثنينا هاتين الحالتين أو سددنا ثغرة هذا الشعر، أصبح الشعر الجاهلي المثبت في كتب الأدب عن طريق الرواية بالعنعنة العربية كله صحيحًا.

على أنَّ هذا تعميم، ويخلق بالمؤلف أن يجود على القارئ الذي صحبه مقدار مائة صفحة بشيء من التخصيص. وفي الحق إن المؤلف لم يضنَّ بالإفصاح بعد الإبهام والتعيين بعد التعميم، فقال عن شعر امرئ القيس في صفحة ١٤١: ولعل أحق هذا الشعر (شعر امرئ القيس) بالعناية قصيدتان:
  • الأولى: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
  • والثانية: ألا انعم صباحًا أيها الطلل البالي.

فأما ما عدا هاتين القصيدتين فالضعف فيه ظاهر، والاضطراب والتكلف والإسفاف فيه يكادان يُلمسان باليد.

والدليل في هذه النبذة المبارك فيها ظاهر، فمؤلف الشعر الجاهلي يسلِّم بصحة نسبة هاتين القصيدتين — وأولاهما إحدى المعلقات — إلى امرئ القيس؛ لأنه خصهما بالعناية بوصف كونهما من شعر امرئ القيس، ولم يقل المؤلف بانتحالهما أو اختلاقهما أو حملهما، ويؤيد ثقة المؤلف بنسبتهما إلى امرئ القيس قوله إن ما عداهما من شعره ظاهر الضعف والاضطراب والتكلف والإسفاف، ونحن لا ندري إن كانت بقية شعر امرئ القيس التي شك فيها المؤلف ينطبق عليها القيد الوارد في صفحة ٦٨ — تقوية العصبية وتأييد القبيلة — أم أنَّ هذا الاستثناء ناشئ عن مجرد حكم المؤلف على هذا الشعر اعتمادًا على كفايته الأدبية وذوقه الفني، وسواء أكان استثناء بقية شعر امرئ القيس راجعًا إلى قيد صفحة ٦٨ أو إلى حذق المؤلف في التمييز بين غث الشعر وسمينه، فإننا نسجل عليه اعترافه بقصيدتين من أمهات شعر امرئ القيس الذي أنكر وجوده في هذا الفصل نفسه.

وقال في صفحة ١٤٩: «فنحن نقبل أن امرأ القيس هو أول من قيَّد الأوابد وشبَّه الخيل بالعصي والعقبان، وما إلى ذلك.» وهذا تأييد للقول السابق بالدخول في دقائق فن الشاعر نفسه، وكان المؤلف في صفحة ١٣٧ قد قال قولًا عليه شبهة الشك في وجود امرئ القيس نفسه في عالم الحياة، وبعبارة أخرى قد يظن القارئ من قراءة النبذة التي سنذكرها أنَّ مؤلف الشعر الجاهلي لا ينكر شعر امرئ القيس فقط، بل ينكر وجوده بين الأحياء في زمنه، وهذه الطريق أقرب الطرق إلى إنكار شعره، فإنه إذا لم يكن الشاعر قد تنشق نسيم هذه الدنيا، فالأخلق به ألَّا يكون قد قال شعرًا ولا نثرًا مطلقًا؛ لأن من لم يوجد بين الورى لا يقدر أن يكون شاعرًا في العدم، وهذه هي النبذة: «أليس من اليسير أن نفترض — بل أن نرجح — أنَّ حياة امرئ القيس كما يتحدث بها الرواة ليست إلا لونًا من التمثيل لحياة عبد الرحمن بن الأشعث (أحد أشراف العرب) استحدثه القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية» ص١٣٧.

هذا قول صريح أوله افتراض يسير، وآخره ترجيح كثير، لقد تبخر امرؤ القيس، وسقط من عداد الخلق أولًا، والشعراء ثانيًا، وانقلب شبحًا خياليًّا، وحياته لونًا تمثيليًّا، وتاريخه قصة خرافية. ولكن المؤلف عاد فأشفق على ذلك الذي قال عن قصيدتين من شعره أنهما خليقتان بالعناية، فبعثه من عالم الفناء بجرة قلم، كما سبق أن محاه بقطرة يراع، فقال في صفحة ١٥٠: «امرؤ القيس الذي مهما يتأخر فقد مات قبل مولد النبي، والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضًا.» ومهما تكن الحرية التي يتمتع بها المؤلف في تغيير تاريخ مولد امرئ القيس وتاريخ وفاته، فإننا لا نحاسبه؛ لأن امرأ القيس سواء أكان مقيدًا في سجلات مواليد الجزيرة أم لم يكن مقيدًا، وسواء أأدرك النبي أم لم يدركه، فإن المؤلف قد اعترف بحياته ووجوده المادي وتنشقه نسيم هذه الدنيا في جزيرة العرب، وأيقن مع أهل اليقين أنَّ امرأ القيس تمتع من شميم عرار نجد في القرن السادس أو الذي قبله بفرق مائة عام، فلا بأس بهذا ما دام ما يشهده الشاعر ويشعر به ويتألم له أو ينعم به ويحبه أو يبغضه، لا يتغير في بادية العرب في مدى قرن أو قرنين من الزمان، فما فتئ العرب في بداوتهم وجاهليتهم، وهم هم أولئك الغزاة الشعراء منذ ألفي عام، وخلاصة القول في امرئ القيس أنه خلق وعاش وقال الشعر.

ثم تكلم المؤلف عن علقمة بن عبدة الفحل في صفحة ١٦١ فقال: «إنَّ الصحيح من شعره لا يكاد يُذكر، لا نستثني من ذلك إلا قصيدتين اثنتين (بالعدد):
  • الأولى: طحا بك قلب للحسان طروب.
  • والثانية: هل ما علمت وما استودعت مكتوم؟

فقد يمكن أن يكون لهاتين القصيدتين نصيب من الصحة مع شيء من التحفظ في بعض أبيات من القصيدة الثانية.»

وهذا اعتراف مبارك فيه أيضًا بقصيدتين لأحد فحول شعراء الجاهلية، وقد جمع المؤلف بينه وبين امرئ القيس في المعاصرة فقال في آخر سطر من صفحة ١٥٠: «والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضًا.»

وهكذا شاءت الأقدار أن يمنح مؤلف الشعر الجاهلي علقمة شهادة ميلاد أخرى بعد التي منحها لامرئ القيس.

أما الخنساء وليلى الأخيلية فقد أظهر المؤلف نحوهما نصيبًا من الشهامة والنخوة التي تليق بمؤرخ الأدب في حق اثنتين من فضليات الشواعر، فأقر بوجودهما وصحة إسناد الشعر إليهما فقال في ص١٦٢: «إننا نقرأ للخنساء وليلى الأخيلية شعرًا فيه قوة المتن وشدة الأسر ما يعطينا صورة صادقة للمرأة العربية البدوية.»

ثم عاد إلى شاعر ثالث من شعراء الجاهلية وهو عمرو بن كلثوم، ولا ريب في أنه جعل الشاعرتين حدًّا فاصلًا بين امرئ القيس وابن كلثوم؛ لأن امرأ القيس كان شديد الهيام بالنساء، ولأن ابن كلثوم كان أشهر الشاربين وأفصحهم، فقال في صفحة ١٦٥: «ومع ذلك فقد يظهر أنَّ عمرو بن كلثوم وجد حقًّا وقد أعقب؛ فصاحب الأغاني يحدثنا بأن له عقبًا كان باقيًا إلى أيامه»، وهذا اعتراف بالشاعر ونسله قد عول فيه المؤلف على رواية الأغاني.

ثم وصل المؤلف إلى طرفة بن العبد أحد أصحاب المعلقات، واستشهد بتسعة أبيات من معلقته أولها:

وما زال تشرابي الخمور ولذَّتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي

إلى قوله:

وتقصير يوم الدَّجن والدجن معجبٌ
ببهكنةٍ تحت الخباء المُعمَّد

قال مؤلف الشعر الجاهلي تعليقًا على هذه الأبيات في صفحتي ١٧٧ و١٧٨: «إنَّ في هذا الشعر (لطرفة بن العبد) شخصية بارزة قوية لا يستطيع من يلمحها أن يزعم أنها متكلفة أو منتحلة أو مستعارة. إنَّ هذا الشعر صحيح لا تكلف فيه ولا انتحال، وإذن فأنا أرجِّح أن في هذه القصيدة شعرًا صدر عن شاعر حقًّا هو هذه الأبيات وما يشبهها.»

هذا ما جاء في كتاب الشعر الجاهلي عن الاعتراف بالصحيح منه وبالشعراء الذين قالوه ونسب إليهم، وقد اعترف المؤلف بامرئ القيس، وعلقمة، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، والخنساء، وليلى الأخيلية، وأقرَّ بصحة كلِّ شعر جاهلي خالٍ من تقوية العصبية أو تأييد القبيلة.

ويرى القارئ الفَطِن من هذا أنَّ القدر الذي تبقى لنا من الشعر الجاهلي بعد هذه الغربلة — إذا نحن سلمنا للمؤلف جدلًا بصدق نظرياته — كثير جدًّا وكافٍ للغاية التي قصدنا إليها من المضي في هذا البحث الجليل، وهو بيان مرآة الحياة الجاهلية من شعر شعرائها.

عن واحة «عين شمس»
من ذي الحجة إلى ربيع أول سنة ١٣٤٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠