الفصل الثامن

تنقل الشعر الجاهلي في القبائل، والقرابة بين فحول الشعراء

ليس من العرب قبيلة إلا وقد نيل منها وعُيِّرت وهُجيت فحطَّ الشعر منهم بعضًا بموافقة الحقيقة، ومضى صفحًا على الآخرين لما لم يوافق الحقيقة ولا صادف موضع الريبة، فمن القبائل التي لم يُحك فيها هجاء إلا قليلًا على كثرة ما قيل فيهم تميم وبكر وأسد ونظراؤهم من قبائل اليمن.

فأما من شقوا بالهجاء ومُزِّقوا كل ممزق على تقدمهم في الشجاعة والفضل أحياء من قيس، وقع عليهم السب في الجاهلية، فاستهانت العرب بهم وانطبع الهجاء فيهم.

ولم تمدح قبيلة في الجاهلية من قريش كما مدحت مخزوم، وكانت قيس تفتخر على تميم؛ لأن شعراء تميم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها، فأقامت تميم دهرًا لا ترفع رءوسها حتى قال لبيد بن ربيعة:

قوم لهم عرفت معد فضلهم
والفضل يعرفه ذوو الألباب

ولم يمدح أحد قط بني كليب غير الحطيئة بقوله:

لعمرك ما المجاور في كليب
بمُقصى في الجوار ولا مُضاع

وهذا المؤلف الذي ينكر معرفة القبائل، ينكر قيسًا وتميمًا وربيعة، ويقول في ص٣١: «لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة» ويقول إنه يعتقد أنَّ أسماء هذه القبائل أساطير لينفي قول علماء الشعر والمؤرخين إنَّ الشعر تنقل في القبائل، فإن من أقدم أقوالهم: «كان شعراء الجاهلية في ربيعة، ثم تحول الشعر في قيس، ثم آل إلى تميم، فلم يزل فيهم إلى اليوم.» من كتاب المزهر للسيوطي. يكره المؤلف ذلك؛ لأنه يحارب الشعر العربي، فيمحو ذكر القبائل التي تنقل فيها الشعر، وبعد ذلك بثلاث وثلاثين صفحة تعرض له فكرة الحط من قدر العرب بعد الإسلام باستمرار العصبية، فلا يجد لها موضعًا إلا بين القبائل؛ لأنه لا يمكن تصور العصبية بغير القبائل التي تتعصب وتتباغض وتتضاغن وتحارب، وقد نسي أنه محا تلك القبائل؛ لأنه لا يعرفها معرفة علمية، أو على الأقل فهو يحسب أن القارئ قد نسي ما قرأه فيقول في ص٦٤: «فتعصبت العدنانية على اليمانية، وتعصبت مضر على بقية عدنان، وتعصبت ربيعة على مضر، وانقسمت مضر على نفسها، فكانت فيها العصبية القيسية والتميمية والقرشية، وانقسمت ربيعة فكانت فيها عصبية تغلب وعصبية بكر.»

الآن وقد أراد ذكر العصبية فقد بعث القبائل من مرقدها، بل أوجدها من العدم الذي تخيله في صفحة ٣١، كل ذلك وهو لا يخشى رقيبًا ولا ناقدًا، ومثله أجدر الناس بمحاسبة الضمير دون خشية الرقيب والناقد.

وعندنا دليل على صحة الشعر الجاهلي، وصدق نسبته إلى قائليه من علاقة القرابة التي كانت بين معظم هؤلاء الشعراء.

فإن المهلهل خال امرئ القيس، وعوف بن سعد عم عمرو بن حرملة، وعمرو بن حرملة عم طرفة بن العبد وهو ابن أخت المتلمس، وهؤلاء الشعراء الأقارب وغيرهم أمثال عمر بن قمئة والأعشى والمسيب والحارث بن حلزة كلهم من قبيلة ربيعة، وكل قبيلة لها شعراؤها، فإن قبيلة قيس أنجبت النابغتين وزهير بن أبي سلمى وابنه كعبًا ولبيدًا والحطيئة والسماخ وأخوه مزرد وخداش بن زهير، ونحن نرى علاقة القرابة في شعراء هذه القبيلة أيضًا، ثم قبيلة تميم ومن شعرائها أوس بن حجر، وكان زهير راوية أوس، وكان أوس زوج أم زهير.

وقد ورث زهير مواهب الشعر عن عمه بشامة، وأورثها ولده كعب بن زهير الذي أتينا على خبر إسلامه، وهو صاحب قصيدة «بانت سعاد»، ولم يزل في ولد زهير شعر، ولم يتصل في ولد أحد من فحول الجاهلية ما اتصل في ولد زهير.

وقد أجمع علماء الاجتماع وعلماء النفس على أنَّ الوراثة لا تكذب، وأنَّ المواهب الفنية والأدبية والرياضية تورث بطريق مباشر وعن طريق الرجعي Atavisme، وأواصر القرابة والنسب بين معظم فحول شعراء الجاهلية تؤيد هذه النظرية، وإنَّ صحتها لا تطعن في انتشار المواهب بين جميع الخلائق، فإنَّ الله لم يقصر الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠