مذكراتي في سجن النساء

مقدمة

لأنني ولدت في زمنٍ عجيبٍ يُساق فيه الإنسان إلى السجن؛ لأنه وُلِد بعقلٍ يفكر، لأنه وُلِد بقلبٍ يخفق للصدق والعدالة، لأنه يكتب الشعر أو القصة أو الرواية، لأنه نشر بحثًا علميًّا أو أدبيًّا أو مقالًا يُنادي فيه بالحرية، أو له ميول فلسفية.

لأنني وُلدت في هذا الزمن لم يكن عجيبًا أن أدخل السِّجن، فأنا اقترفت الجرائم جميعًا؛ كتبت القصة والرواية والشعر، ونشرت بحوثًا علمية وأدبية، ومقالات تنادي بالحرية، ولي ميول فلسفية.

لكن الجريمة الكبرى أنني امرأة حرة في زمنٍ لا يريدون فيه إلا الجواري والعبيد، ووُلِدتُ بعقلٍ يفكر في زمنٍ يحاولون فيه إلغاء العقل.

أبي كان حرًّا، وأمي كانت حرة، منذ الطفولة جرت الحرية في عروقي مع الدم، رأيت أمي متمردة ترفض سلطة أبيها العسكرية، وتثور على زوجها إذا ارتفع صوته في البيت، ورأيت أبي غاضبًا ثائرًا في وجه الحكومة والملك والإنجليز، وجَدَّتي الفلاحة الفقيرة سمعتها تُغنِّي ضد الظلم وضد الفقر وحزن السنين.

وأخي كان أكبر مني، وحين رفع يده عاليًا ليصفعَني رفعتُ يدي أعلى من يده وصفعتُه، ولم يكررها. وحين أراد زوجي الأول أن يُلغي وجودي ألغيتُ وجوده من حياتي، وحين صاح زوجي الثاني: أنا أو كتاباتي، قلت: كتاباتي، وانفصلنا. وحين انتفض وزير الصحة غاضبًا: الطاعة أو الفصل، قلت: الفصل، وفقدتُ منصبي.

وحين قال السادات: الحرية تُرفرف والعدالة والرخاء والسلام، قلت: أين الحرية والناس في القيود، والرقابة كالسيف على الأفكار والعقول؟ وأين العدالة أو الرخاء والفقراء يزدادون فقرًا، والأغنياء يزدادون ثراء، ويجمعون الملايين؟ وأين السلام وصفقات السلاح تتضاعف والحرب في لبنان تزداد ضراوة؟

لم أدخل في حياتي لعبة السياسة ولا الأحزاب ولا الصحافة، ولا الانتخابات ولا الجمعيات النسائية برئاسة زوجات الحكام، حتى مهنة الطب هجَرْتها، رأيت الأطباء يشترون العزب، ويشيدون العمارات بدم المرضى الفقراء، والناس تمرض بسبب الفقر والجوع والقهر، وليس في الطب أقراص لعلاج هذه الأمراض.

لم يبقَ لي مِن سلاح في حياتي إلا القلم، أدافع به عن نفسي، عن حريتي وحرية الإنسان في كل مكان، لم يبقَ لي إلا القلم لأعبر عن مأساة الفقراء والنساء والعبيد، ولأقول للناس إنني أكره الظلم، وأحب العدل، وأحترم الإنسان، ولا أنحني للسلطان مهما كان، ولا أقول: نعم. ولا أشترك في الاستفتاءات ولا أسمع الإذاعات ولا الخرافات، وأغلق بابي دون موظَّفي البلاط، ولا أقدم قرابين الولاء، ولا أطيع إلا عقلي، ولا أكتب إلا رأيي، ولا أمشي في الزفة، وليست لي شلة، ولا أحضر الحفلات، ولا أتزين كالحريم، ولا أستحم بالشامبو الأمريكي، ولا أشرب البيرة الإسرائيلي، ويصيبني الغثيان إذا قرأت الصحف.

ربما لهذا السبب كسروا بابي بالقوة المسلحة، وساقوني إلى السجن، ولم أندهش؛ فالصدق في زمن الكذب لا يمكن أن يكون حرًّا طليقًا، ولم أفزع لكني غضبت، ورفضت أن أفتح لهم بابي بهدوء، رفضت أن أختفي في الليل دون صوت، أن أمضي في الصمت دون ضجة، أن أُسَاق إلى السجن أو الموت دون غضب وثورة!

ولم أخجل، ولكني زهوت، ولم لا أزهو؟! دولة بوليسية بأكملها تخاف مني، من امرأةٍ واحدةٍ غير مسلحة، لم تعرف أصابعي إلا ملمس القلم، ألهذا الحد ترعبهم حروفي على الورق؟!

سأظل إذن أكتب، سأكتب وإن دفنوني في قبر، سأكتب وإن أخذوا القلم والورق، سأكتب على الجدار، على الأرض، على قرص الشمس ووجه القمر.

لا شيء اسمه مستحيل في حياتي.

وحين صاح المسئول البوليسي في السجن قائلًا: لو وجدت عندك طبنجة أهون عندي من الورقة والقلم. قررت أن يكون عندي قلم وورقة قبل أن ينتهي النهار.

كيف؟ لا أدري!

لكني أردت القلم والورقة بكل جزء من كياني، في حياتي كلها لم أرد شيئًا بكل جزء من كياني إلا وأخذته.

وقبل أن تغلق الشاويشة علينا باب العنبر الساعة الرابعة تمامًا بعد ظهر ذلك اليوم، كان معي القلم والورق، ليس إلا ورق تواليت، لكن حروفي واضحة، وأستطيع أن أقرأ ما أكتب.

حين اختفت الشاويشة وضابط المباحث وزحف الليل، نهضت وجلست تحت اللمبة الكهربية الصفراء، فوق قعر الصفيحة المقلوبة، أسندت ظهري إلى الجدار، وكتبت أول حروفي في السجن:

لأن الديمقراطية أكذوبة؛ فإن الإنسان الذي يكتب الشعر أو قصة حب يمكن أن يدخل السجن.

إن قصة الحب الصادقة قد تكون في صدقِها أخطرَ من صندوق متفجرات أو قنابل زمنية.

فهي تكشف عن بؤر الفساد في المجتمع.

إن الذين يكذبون في حجرات النوم هم أنفسهم الذين يكذبون في ردهات البرلمانات ومقاعد القيادات وصفحات الجرائد.

فالرجل لا يستطيع أن يكذب بالليل، ثم يصدُق بالنهار، والرجل لا يمكن أن يكون جسدًا كاذبًا وعقلًا صادقًا.

أما هؤلاء الذين يجمعون الكذب والصدق معًا، فهم ذوو الوجوه الممسوخة والعقول الممسوخة.

المأساة التاريخية الكبرى أن هؤلاء الممسوخين هم الذين يصِلُون إلى مقاعد الحكم، وفي أيديهم تتجمع الثروة. وكلما زادت ثروتهم وأملاكهم زاد تعطشهم للمزيد، كالمعدة المريضة لا يزيدها الماء إلا ظمأ!

ولهذا لا تكف الحروب في العالم، ويتكاثر عدد الممسوخين، تراهم لا يهتمون إلا بحوادث الحرب وأمور السياسة.

وكرهت السياسة وأنا طفلة، وكرِهْتها وأنا شابة، وكرهت الحرب، ولم تكن تشغلني أمور السياسة، ولا تثيرني مانشتات الصفحة الأولى في أي جريدة.

كنت مشغولة بالفن والأدب، لكني اكتشفت أن الفن والأدب لا يوجد بغير الصدق، وأن الصدق لا يمكن أن يوجد بغير الحرية، والحرية لا توجد بغير الثورة.

ومن أجل الحرية يجد الفنان نفسه في حلبة السياسة، من أجل الحرية لا يمكن فصل الفن عن السياسة، والحرية هي الثورة، حرية جميع أفراد المجتمع، رجالًا ونساءً.

وإذا النساء حُرِمْن الحرية؛ فلا يمكن أن تكون هناك ثورة، وهل تتحقق الثورة في مجتمعٍ يُكبَّل نصفه بالقيود؟

ما زال الطريق إلى الحرية أمامنا طويلًا، فالسياسة نفاق، كذب، ورجال السياسة ألوانهم مخططة، كرجال الصحافة. أخطر رجال السياسة والصحافة هم الذين يعيشون في كل عهد، يتربعون على عروش الصحافة والسياسة والفن والأدب والطب، ثابتون ثبات الشمس في مركزها، أرى ثباتهم يدور ويدور بكذب لا مثيلَ له، جلودهم فقط تتغير، لكنهم هم لا يتغيرون.

امرأة أنا. نعم وحياتي كلها كانت صعبة منذ وُلِدت، حتى دخلت السجن، رغم صعوبتها لم يتغير قلبي، لا أستطيع أن أشكَّ في إنسان، والإنسان عندي بريء، والآلهة مذنبون. الإنسان لم يُخلَق شريرًا، ولا تنطوي طبيعته على الشر. الشاويشة التي تحرسني، وتحمل مفتاح زنزانتي وثقت فيها من أول لحظة، لي حدس مخيف أعيش به منذ الطفولة، كَبِر معي، وما زال يكبر، وأخشى أن يكبر أكثر، فأرى أكثر مما يطيق المجتمع، وبعد السجن ماذا يبقى ليفعلوه معي؟

لكني ما زلت غير راضية عن كتاباتي؛ فأنا لا أكتب بشكلٍ حر، أو بالحرية التي أريدها. عشت في عالمٍ يفضِّل الكذب في كل شيء، في السياسة والاجتماع والأخلاق والفن والعلم، خلق فئة من الناس يملكون الكتب ولا يقرءُون، والذين يقرءُون منهم لا يفكرون بعقولهم، وإنما بعقول غيرهم. يبتهج الواحد منهم حين يقول إنه صديق الحاكم، أو إن الحاكم قال له كذا. لم أعثر على واحدٍ منهم ينتمي لذاته، يفعلون في الخفاء ما لا يستطيعون أن يفعلوه في العلَن، ويكتبون ما لا يعيشون.

وأشعر بالغربة حين أراهم أو أسمعهم.

أنا أكتب ما أعيش، أنا إنسانة قررت ما تريد، وعاشت ما تريد، وأصبح لي نفسي، والناس أيضًا. أصبحت أملك جزءًا من السماء؛ لأني أستطيع أن أحلم.

وفي السجن لم أفقد قدرتي على الحلم، والأمل، والعاصفة أيضًا حين أريد، في يوم من الأيام هددت بأن أحرق العنبر والسجن كله بعود كبريت.

الأمل عندي يجمع نحو القاع أحيانًا، يدخل في بطن الأرض، ثم يشد نفسه من جوف الحوت، ويجمع باتجاه الأغصان، ويطير في السماء كعصفورة.

كيف يستطيع الأمل أن يكون عندي قويًّا؟ كيف يجد الإنسان الأمل ويشعر به؟ لا أستطيع أن أنام وأنا أدرك أن قنبلة ستضرب حتمًا في مكانٍ قريب، لا أستطيع أن أنام وأحلم أنني سعيدة لمدة أربع وعشرين ساعة، دون أن يقطع ذلك الحلم صوت رصاصة.

صراعات في الخارج والداخل، وداخلي أنا أيضًا، تتلاطم، تجعلني أقول أشياء أعيشها بشكل جنوني، وأقولها الآن كلمات تبدو لي صغيرة لا تعني شيئًا، ومع كل ذلك أنام وأصحو وأحلم بالثورة! الطبنجة تطلق رصاصة، والكلمات على الورق ماذا تطلق؟

السجن مكان راكد، لكن الإنسان داخل السجن لا يكون راكدًا.

داخل السجن يعرف الإنسان اللون الحقيقي لكل الأشياء، ويكتشف الإنسان أجمل الألوان وأجمل البشر، وأقبح البشر أيضًا، إلا أن شيئًا واحدًا يكتسح كل الألوان:

الأمل بانكسار الأبواب والقضبان والأقفال، والانطلاق في الجو كعصفورٍ يغرد.

الأمل هو الثورة، وهو تغريد العصفور الحر.

لكني ما زلت غير راضية عن نفسي، ما زلت لا أملك حريتي، لم أكتب بعدُ الكتابَ الذي أحلم به، ولا الرواية التي تعيش معي، لم أعش حياتي التي وُلِدت لها، ولم أولد في الزمان المناسب، لا زال كثير من الرجال والنساء في بلادنا يؤمنون أن وجه المرأة عورة. أما الثورة فهناك من يؤمن أيضًا أنها كوجه المرأة تحتاج إلى حجابٍ يغطيها، وهناك من يتحدث بالثورة في كل يوم، وما أكثر الثورات التي سمعنا أنها حدثت في بلادنا! ثورة وراء ثورة، وثورة تصحح ثورة، من كثرة الثورات أصبحنا نحلم بحياةٍ ليس فيها ثورة، وفقدت الكلمة معناها. كل الكلمات فقدت معناها، التحفظ في مكانٍ أمينٍ هو الوضع في السجون. الثورة هي اللاثورة أو إجهاض الثورة، والأمن الغذائي هو التسمم الغذائي، وقلت لنفسي: سأتوقف عن الكتابة، حتى أعثر على كلماتٍ جديدة، كلماتٍ لم تمتهن.

هل يمكن أن الثورة تعني مزيدًا من الفقر والخضوع والتبعية؟ هل يمكن أن تعني الثورة أن الإنسان صاحب البلد يصبح في بلده أقلَّ قيمة وأقل كرامة من الأجنبي؟

هل يمكن أن الثورة هي وضع العصافير المغردة في الأقفاص والسجون، وإطلاق سراح الغربان والصقور والنسور، وكل ذوي المخالب القادرة على القنص والخطف؟!

نوال السعداوي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١