الحب العذري
من وحي النماذج البشرية
بهو قديم الرياش، في منزل الثري
المعروف عبد الغني بك خليل … وقد جلس في صدر المكان
كهلان جليلا المظهر ينتظران … هما رئيس حزب التقدم
الوطني، وسكرتير الحزب العام، وها يرسلان النظر إلى
سُلم كبير، يؤدي إلى الطابق الثاني.
رئيس الحزب
(همسًا لزميله)
:
هل تظن أننا سننجح مع مثله؟
السكرتير العام
:
المسألة تتوقف على مقدار لباقتنا.
رئيس الحزب
:
نعم … إنه ذكي … فطن … وفي منتهى
الخبث!
السكرتير العام
:
خسارة! مثل هذا الرجل، مع ثروته الضخمة، ولا
زوجة عنده، ولا ولد ولا بنت؛ كان يستطيع أن
يلعب أكبر دورٍ سياسي في البلاد.
رئيس الحزب
:
حذار من أن تشير إلى ثروته ونحن نتفاوض
معه؟!
السكرتير العام
:
أعرف … أعرف.
رئيس الحزب
:
وإياكَ أن تغلط، وتذكر كلمة «النقود» على وجه
العموم.
السكرتير العام
:
أتوصيني أنا يا باشا؟ ثِق أني أعرفه … أعرفه
جدًّا.
(يلمحان الخادم يهبط
السُّلم.)
رئيس الحزب
(للخادم)
:
هل أخبرتَ البك بوجودنا؟
الخادم
:
سعادة البك لبس … ونازل حالًا.
السكرتير العام
(للخادم)
:
كوب ماء من فضلك!
الخادم
:
أُحضر قهوة؟
(يظهر عبد الغني بك نازلًا
السُّلم.)
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
يا بسطويسي!
الخادم
(يلتفت)
:
أفندم سعادة البك!
عبد الغني بك
:
أين … أين؟
الخادم
:
القهوة؟
عبد الغني بك
:
وما مناسبة القهوة؟! الباشوات؟ أين الباشوات؟
(يراهما فيصيح) أهلًا وسهلًا … أهلًا وسهلًا …
أقطاب حزب التقدم الوطني في بيتي، يا له من شرف
عظيم!
(الجميع وقوف يتصافحون.)
الخادم
:
أحضر القهوة؟
عبد الغني بك
(يلتفت إليه)
:
هل أحد طلب منك؟
رئيس الحزب
(بسرعة)
:
لا … نحن لم نطلب شيئًا … هذا اقتراحه هو من
تلقاء نفسه!
سكرتير الحزب
:
أنا طلبت كوب ماء فقط.
عبد الغني بك
(للخادم)
:
أسمعتَ؟!
الخادم
(وهو ينصرف)
:
حاضر.
عبد الغني بك
:
رح الله لا يرجعك! هؤلاء الخدم هم سبب
أمراضنا … يزعمون أن القهوة تكريم للضيف … وما
هي إلا سمٌّ يُفسد أعصابه … وينبِّه معدته …
ويتلف كبده … ويربك أمعاءه.
رئيس الحزب
:
صدقت والله يا عبد الغني بك … أنا من رأيك …
إنها مضرة بالصحة … إذا شربت والمعدة خالية،
فإنها تقطع الشهية، وتصد النفس عن
الأكل!
عبد الغني بك
:
بالعكس يا باشا … بالعكس … إن هذه الملعونة
إذا أُخذَت قبل الأكل، فإنها تفتح الشهية …
وإذا شُربت بعده، فإنها تهضم الطعام.
رئيس الحزب
:
إذن هذه مَزية.
السكرتير العام
(يتنحنح)
:
لا يا باشا … سرعة الهضم تؤدي إلى الرغبة في
الأكل، والأكل هو بيت الداء، كما لا يخفى
عليك!
رئيس الحزب
(مستدركًا)
:
صحيح … صحيح.
عبد الغني بك
(مرحِّبًا)
:
أهلًا وسهلًا.
السكرتير العام
(يُخرج عُلبة سجايره، ويقدم
إلى عبد الغني بك)
:
سيجارة؟
عبد الغني بك
:
أنا لا أدخن لأن التدخين …
السكرتير العام
:
مفهوم.
رئيس الحزب
:
مثلي تمامًا … أنا أيضًا قليل التدخين … لأني
أراه متعبًا للصدر.
السكرتير العام
(وهو يضع سيجارة في
فمه)
:
عبد الغني بك رجل العقل والاعتدال.
رئيس الحزب
:
من أجل هذا فكَّر حزبنا فيه … وندبنا اليوم
لكي نطالبه بأن ينفع الحزب، وينفع البلد،
بمزايا شخصيته النادرة!
عبد الغني بك
:
العفو … العفو … أنا في الخدمة … ما هو
المطلوب مني؟
رئيس الحزب
:
أن تتفضَّل وتقبل ترشيحك أمينًا لصندوق
الحزب.
عبد الغني بك
(متوجسًا)
:
صندوق الحزب!
السكرتير العام
:
هذا مركز ممتاز، لا يستطيع أن يملأه
غيرك!
عبد الغني بك
(بخوفٍ)
:
يملؤه … يملأ ماذا؟
رئيس الحزب
(مبادرًا)
:
المركز … المركز طبعًا.
عبد الغني بك
:
والصندوق … هذا الصندوق … هل يوجد فيه الآن …
شيء؟
السكرتير العام
(وهو يبادل الرئيس
النظرات)
:
طبعًا … أموال الحزب.
عبد الغني بك
:
ولماذا وقع اختياركم عليَّ بالذات!
رئيس الحزب
:
لأنك شخصية مرموقة … لا يصح أن تبقى بمعزلٍ
عن سياسة البلد. حقيقة أنت عضو في مجلس الشيوخ
… ولكن مثلك يجب أن يساهم في الحكم
الفعلي.
السكرتير العام
:
إننا نرشح وزراء، رجالًا أقل منك حنكة وخبرة
… فكيف لا يتجه التفكير إليك؟
رئيس الحزب
:
واجبي كرئيس حزب أن أتقدم وأمد لك يدي … فإن
واجب الأحزاب الحية العاملة أن تختطف الكفاءات
… وتدفع بها إلى حكم البلاد.
السكرتير العام
:
حزبنا سيشترك في الحكم قريبًا.
رئيس الحزب
:
لقد أعددنا قائمة وزرائنا … ولكن نسأل الله
يا عبد الغني بك أن تكون وزيرًا معنا … لوزارة
الخارجية مثلًا!
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
الخارجية؟! لا … لا … لا … هذه وزارة الولائم
والحفلات.
رئيس الحزب
:
أمرك … أمرك، أمرك … فلتكن إذن وزارة
الأوقاف.
عبد الغني بك
:
الأوقاف؟! … لا … لا … لا … هذه وزارة
الشحاذين والصدقات.
السكرتير العام
(بسرعة)
:
أنا أعرف طلب عبد الغني بك … ما قولك يا عبد
الغني بك في وزارة المواصلات؟ إنك فيها تستطيع
أن تركب بالمجان في جميع القطارات؟! مدى الحياة
… بدون أجر … مدى الحياة.
عبد الغني بك
:
حقًّا … هذه وزارة لا تُرفَض!
رئيس الحزب
:
اتفقنا إذن؟!
عبد الغني بك
:
أطلب بعض الإيضاح … أنا، كما تعلمون، رجل
أميل إلى البساطة … وأمقت الترف، وأخشى أن
يتطلَّب الحكم نوعًا من الأبهة منه طبيعتي
…
رئيس الحزب
:
لا تخشَ شيئًا … في استطاعتك أن تحتفظ
ببساطتك … كما أن في استطاعتك، إذا أردت
المستقبل السياسي العظيم، أن تنفق …
عبد الغني بك
(مرتعدًا)
:
أنفق …
رئيس الحزب
(بإغراء)
:
بعض المال … أو الكثير من المال … وكلُّ كثير
بالنسبة إلى ثروتك قليلٌ، وأنت وحيد، لا بنت
لك، ولا ولد، فما نفع المال لك بالقياس إلى
المجد الذي ينتظرك.
عبد الغني بك
:
ومن قال لكم إني صاحب مال؟
رئيس الحزب
:
هذا شيء معروف.
عبد الغني بك
:
فهمت … هذا إذن هو بيت القصيد!
السكرتير العام
:
لا … نحن لم نقصد ذلك … قصد الباشا الرئيس هو
الكلام على وجه العموم في الوسيلة العملية
للوصول اليوم إلى السلطة.
عبد الغني بك
:
المال؟ ألَا توجد وسيلة أخرى؟
رئيس الحزب
:
هذه أرخص وسيلة لشراء قلوب الناس، وألسنتهم
وحناجرهم وعقولهم، وهذه القلوب والألسنة
والحناجر والعقول هي رصيد كل من يطمع في
السلطان والنفوذ.
عبد الغني بك
:
اللهم احفظنا! اللهم احفظنا!
رئيس الحزب
:
يحفظك من النفوذ والسلطان!
عبد الغني بك
:
بل من … من …
رئيس الحزب
:
من دفع الثمن!
عبد الغني بك
:
لعنة الله على الناس … وعلى هذا الجشع … وعلى
هذا الجوع. يحبون بالنقود … ويؤيدون بالنقود …
ويقتنعون بالنقود … وكل شيء عندهم نقود … نقود
… نقود.
رئيس الحزب
:
هذا من حسن حظك … لولا ذلك لمَا كان لمثلك أن
يأمل في أن يحبه إنسان … أو يعجب بعقله
مخلوق!
عبد الغني بك
:
ماذا تقول يا باشا؟ ألم تؤكد لي الآن أن
حزبكم يرشحني لكفاءتي وحنكتي وخبرتي؟!
السكرتير العام
:
طبعًا … طبعًا … الباشا لا يعنيك أنت بالذات
… بل هو يتكلم كلامًا عامًّا.
عبد الغني بك
:
أنتم إذن ترشحونني لشخصي.
السكرتير العام
:
لشخصك طبعًا … ولا شيء غير شخصك.
رئيس الحزب
:
اختيارنا لك هو اختيار عذري.
السكرتير العام
:
بالضبط … مثل الحب العذري!
عبد الغني بك
:
وهذا هو نوع الحب الذي يخفق له قلبي، وتتفتح
له نفسي، وأُوفَّق فيه دائمًا بحمد
الله!
رئيس الحزب
:
اتفقنا إذن.
عبد الغني بك
:
اتفقنا على بركة الله!
السكرتير العام
:
سيجتمع اليوم أعضاء الحزب … وسنزفُّ إليهم
البشرى بانضمامك إلينا … وبتبرعك …
عبد الغني بك
(بهلع)
:
تبرعي؟!
السكرتير العام
:
بقبول الترشيح لأمانة الصندوق.
رئيس الحزب
:
وسنحدد موعد الوليمة غداء أو عشاء، يتم فيها
التعارف، وتُعقَد أواصر المودة بينك وبين جميع
الأعضاء!
عبد الغني بك
:
طباخي خرج أمس مع الأسف الشديد!
رئيس الحزب
:
أنا الذي سأعد الوليمة لك في بيتي، وأرجو
منكَ التشريف.
عبد الغني بك
:
واجبي أن أرد، بعد ذلك، الوليمة بوليمة في
بيتي.
رئيس الحزب
:
ما من أحدٍ يحمِّلك واجبات!
عبد الغني بك
:
مسألة الوليمة هذه يا باشا لا لزوم لها …
فأنا صحتي مرهَقة، ومعدتي ضعيفة، ولا أقوى على
الطعام الدسم … وكل أسبوع أُخرج طباخًا، وأُحضر
طباخًا … لأن الطباخين لا يريدون أن يسمعوا
الكلام، ويصنعوا الطعام الذي يخف على معدتي …
ويناسب صحتي … وإليكم الدليل، والشاهد على ما
أقول … (ينادي) يا بسطويسي! يا بسطويسي!
(صوت في الخارج يصيح: حاضر …
حاضر! ثم لا يلبث أن يظهر الخادم يحمل كوبًا من
الماء.)
بسطويسي
(يتقدم بالماء إلى السكرتير
العام)
:
تفضَّل!
السكرتير العام
(وهو يتناول الكوب)
:
كدتُ أنسى هذا الماء!
بسطويسي
:
هنيئًا.
عبد الغني بك
(للخادم)
:
اسمع يا بسطويسي … أين الطباخ؟
بسطويسي
:
حضرتك طردته … والطباخ الجديد يحضر اليوم من
عند المخدِّم.
عبد الغني بك
:
ولأي سبب طردته؟
بسطويسي
:
السبب المعتاد … سرقة السمن.
عبد الغني بك
:
والسبب الآخر؟
بسطويسي
:
لا يوجد سبب آخر … كل تهمتهم سرقة السمن في
العصا.
رئيس الحزب
(بدهشة)
:
في العصا؟
بسطويسي
:
نعم … أكثرهم يحمل عصًا غليظة مجوَّفة، يقول
سعادة البك إنه يصب في جوفها السمن السائل، آخر
النهار، ويخرج وهو يحملها بما فيها، على الرغم
من شدة مراقبة سعادة البك اليومية.
عبد الغني بك
:
نعم … اكتشفتُ ذلك أخيرًا.
رئيس الحزب
(في تهكُّم مستور)
:
أنت إذن يا عبد الغني بك تعطي الطباخين السمن
بإسرافٍ؟
عبد الغني بك
:
أليس كذلك؟ هذا هو الواقع … إسراف وتبذير،
وكلما قلت لطباخٍ هذا الكلام، وتوسَّلت إليه أن
يرحم معدتي من كثرة السمن؛ بكى ولطم، وأقسم إن
لا طعام يُصنَع بغير السمن الذي يريد … فأُعطيه
نصف طلبه … فيطبخ ببعضه، ويسرق الباقي … ماذا
أفعل يا ناس … كيف أمنع هذه السرقات؟ كيف أضبط
هؤلاء المجرمين؟ ولكن الذنب ذنبك
يا بسطويسي.
بسطويسي
:
أنا يا سعادة البك؟ … وهل في يدي شيء؟
عبد الغني بك
:
في يدك أن تراقب … وتلاحظ … وتفتح عينيك …
ولكنك لا تخاف على مالي … ولا يهمك أمري … على
الرغم من طول مقامك عندي.
رئيس الحزب
:
بسطويسي في خدمتك منذ زمنٍ طويل؟
بسطويسي
:
منذ عشرين سنة.
رئيس الحزب
(للخادم)
:
إذن أنت هنا مرتاح … راضٍ … غير محتاج … في
عيشة جيدة .
بسطويسي
:
الحمد الله! العشرة الطويلة لها حكمها … وعلى
رأي المثل: «نذل نعرفه، أحسن من كريم ما
نعرفه»!
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
اخرس … قليل الأدب … حيوان … امش اخرج من هنا
… اخرج … (يخرج الخادم بسطويسي مهرولًا) هذه هي
أصناف الخدم التي نئويها، ونطعمها ونكسوها لوجه
الله!
رئيس الحزب
:
إنه لا يقصد إهانة … خذه على قدر عقله
وإدراكه (ينهض مع زميله) والآن … اسمح لنا
بالانصراف … شاكرين قبولك العمل معنا … وقريبًا
إن شاء الله يُخبرك زميلي السكرتير العام
باللازم.
السكرتير العام
:
اليوم يا عبد الغني بك يكون عندك خبر … وربما
مررتُ بنفسي.
عبد الغني بك
(وهو يشيِّعهما إلى
الباب)
:
زيارة كريمة حصل لي الشرف!
(الضيفان يخرجان … ويعود عبد
الغني بك، فيجد الخادم بسطويسي في انتظاره.)
بسطويسي
(متسائلًا بسذاجة)
:
أنا غلطت؟
عبد الغني بك
:
غلطة في حجم دماغك الوسخ! ألَا تستطيع أن
تنتقي ألفاظك؟! لكن لا فائدة … ما من تعليمٍ
ينفع معك … كُتب عليَّ أن أتحمَّلك بعيوبك،
وأمري إلى الله!
بسطويسي
(كالمخاطِب نفسه
همسًا)
:
كلٌّ منَّا متحمل صاحبه بعيوبه!
عبد الغني بك
:
ماذا تقول؟
بسطويسي
:
ما قلت شيئًا.
عبد الغني بك
:
اذهب إذن … ودعني أفكر في المستقبل …
السياسي!
بسطويسي
(بتردد)
:
أمعك … قرش؟
عبد الغني بك
:
ماذا؟ نقود؟ تتكلم عن نقود؟
بسطويسي
:
مَن الذي تفوَّه بسيرة النقود؟ أنا تكلمت عن
نقود؟ إني أقول: قرش … قرش واحد.
عبد الغني بك
:
وما هو القرش؟ أليس هو نقودًا؟
بسطويسي
:
إنه ليس لي أنا، على كل حال … بل
للفأر.
عبد الغني بك
:
الفأر؟ أي فأر؟
بسطويسي
:
فأر كبير رأيته يجري في المطبخ.
عبد الغني بك
:
وما دخل القرش في الفأر.
بسطويسي
:
لا بد من صيده.
عبد الغني بك
:
القرش؟
بسطويسي
:
الفأر … لا بد من صيد الفأر … ولكي نصيده لا
بد من أن نعمر المصيدة … ولكي نعمر المصيدة، لا
بد من قطعة جبن رومي … ولكي نأتي بالجبن
الرومي، لا بد من شرائه من عند البقال … ولكي
نشتريه من عند البقال لا بد من قرش!
عبد الغني بك
:
شيء لطيف!
بسطويسي
:
هل غلطت في هذا الكلام؟
عبد الغني بك
:
كلام محبوك الأطراف … ولكن أخبرني يا فصيح …
من أين جاءنا هذا الفأر الأرستقراطي، الذي لا
يأكل غير الجبن الرومي؟
بسطويسي
:
لا أدري من أين جاءنا؟ ربما انغشَّ في
البيت.
عبد الغني بك
:
ولماذا لا تطعمه مما عندنا؟
بسطويسي
:
لا يوجد عندنا شيء.
عبد الغني بك
:
ولا لقمة خبز؟!
بسطويسي
:
بقي من غداء سعادتك لقمة تغديت بها
أنا.
عبد الغني بك
:
ما دام لا يوجد في المطبخ ما يؤكل — على حد
زعمك وادِّعائك — فلماذا تخاف من وجود
الفأر؟!
بسطويسي
:
يقرض أرجل المائدة، ويُفسِد خوص الكراسي …
وهذا ضرر أفدح من إنفاق قرش في قطعة
الجبن!
عبد الغني بك
:
قرش! آه يا بسطويسي! ما أهون عليك التفكير في
الإنفاق … لماذا لا يستطيع ذهنك أن يتجه إلى
صيد هذا الفأر بغير نفقة؟!
بسطويسي
:
كيف؟
عبد الغني بك
:
القط … ألم تسمع في حياتك أن القط يصطاد
الفأر … لماذا لا تدعو قطًّا إلى
المطبخ؟
بسطويسي
:
أدعو قطًّا إلى مطبخنا؟! يصنع ماذا؟ يمضي
يومًا في الصيد والقنص؟! هذا جائز … ولكن كيف
أتفاهم معه؟ كيف أجذبه إلى البيت أولًا؟ إن من
يدعو أحدًا أليس عليه أن يقدِّم إليه
شيئًا؟
عبد الغني بك
:
للقط أيضًا؟
بسطويسي
:
ضروري … لا أقل من جناح فرخة، أو رأس سمكة …
حتى يألف المنزل.
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
يا حفيظ … يا حفيظ من اقتراحاتك … عُد بنا
إلى الجبن الرومي!
بسطويسي
:
حقيقة، الجبن الرومي أسهل حل، وأرخص طريقة …
لأن الفأر يشم رائحته عند بُعد، وينجذب إلى
المصيدة في الحال … وبذلك لا نعطيه فرصة طويلة
يُفسِد فيها أمتعة البيت.
عبد الغني بك
:
إياكَ أن يُفسِد شعرة من أمتعة البيت.
بسطويسي
:
هات إذن القرش!
عبد الغني بك
:
ولماذا قرش؟ ما حاجتك إلى كل هذا الجبن؟
لماذا لا تشتري بنصف قرش؟
بسطويسي
:
نصف قرش؟ جبن رومي؟
عبد الغني بك
:
طبعًا … لفأر صغير … لا لإنسان كبير … ماذا
كنت تفعل إذن لو أن معدتي تسمح بهضم الجبن …
بكم كنت تشتري لي.
بسطويسي
:
بقرش.
عبد الغني بك
:
مثل الفأر … ألَا يوجد فرق بيني وبين
الفأر؟
بسطويسي
:
في نظر البقال، لا يوجد فرق؟
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
أتستغفلني؟
بسطويسي
:
إذا وجدت بقالًا يبيع قطعة جبن رومي بنصف قرش
فابصق في وجهي.
عبد الغني بك
:
إني أبصق في وجهك من الآن … لأنك، برغم طول
عشرتك لي، تحاول أحيانًا استغفالي، مثل بقية
الناس … ناولني معطفي ومسبحتي؛ سأذهب بنفسي إلى
البقال، وأشتري قطعة جبن في حجم رأسك بنصف
قرش.
بسطويسي
(يأتي إليه بمعطفه ومسبحته
من ركن البهو)
:
ها هو معطفك، وها هي مسبحتك.
(عبد الغني بك يلبس المعطف
بمساعدة الخادم … ويمسك مسبحته … ويخرج من باب
البهو، تاركًا الخادم بسطويسي وحده يشيِّعه
بنظراته.)
بسطويسي
:
رح الله لا يرجعك! ضيعت عمري في هذا البيت،
الذي لا يعيش فيه فأر، ولا قط … أيوجد فأر
مجنون يدخل مطبخك … ولو عن طريق الغلط؟! لكن
ثمن الدخان … كيف أحصل على ثمن سيجارتين اليوم
يا ناس؟!
(جرس التليفون يرن؛ فيسرع
بسطويسي، ويتناول السماعة.)
آلوه … آلو … من حضرتك؟ المخدم؟ الطباخ
الجديد؟ لم يحضر إلى الآن … وسعادة البك
انتظره، وسأل عنه … ليعطيه الدرس المعتاد،
ويأخذ عليه الشرط … ماذا تقول؟ الطباخين يرفضون
منزلنا؟ وحياة عينيك … من فضلك، من أجلي أنا …
ابحث عن رجلٍ طيب لم يسمع بمنزلنا وأرسِله
حالًا … نعم … من أجلي أنا … لأن معدتي أوجعتني
من أكل الفول والطعمية … سعادة البك؟ … لا
يا سيدي … بالعكس … سعادة البك يهضم جيدًا جميع
المأكولات الشعبية … معدته ضعيفة فقط في
الأصناف الغالية … نعم … فهمت الآن؟ هذه هي
الحقيقة … يطرد الطباخ من وقت لآخر ليلغي
الطبيخ، لكن … أنا …
ما ذنبي؟ ارحمني وحياة رأسك … أرسل لنا
الطباخ بالعجل … الله يسترك … ويعمِّر
بيتك.
(يضع السماعة، وعندئذٍ يدق جرس
الباب؛ فيهرع بسطويسي ليفتح، فإذا القادم سيدة في
مقتبل العمر، وخلفها رجل كهل وقور بمعطفه وعصاه،
يقلب بصره في البهو، بينما السيدة يبدو عليها معرفة
البيت.)
بسطويسي
(للسيدة)
:
أهلًا ست نهاد هانم؟ ما كل هذه
الغيبة؟
نهاد
(بصوتٍ خافتٍ)
:
كيف حالك يا بسطويسي؟ سيدك فوق؟
بسطويسي
:
سيدي خرج.
نهاد
:
خرج؟
بسطويسي
:
استريحي يا ست نهاد … سيعود بعد قليل.
نهاد
(للكهل الذي معها)
:
ننتظره يا خالي … (تلتفت إلى بسطويسي) لم ترَ
طبعًا من قبل خالي أحمد بك أبو شنب المحامي في
فاقوس، ومن أعيان البندر.
بسطويسي
:
البيت نوَّر … أحضر قهوة؟
المحامي
:
متشكر … لا لزوم.
نهاد
(لخالها المحامي)
:
بسطويسي هو الخير والبركة في هذا البيت … فهو
الأمين الملازم لعبد الغني بك، من عشرين
سنة.
بسطويسي
(لنهاد)
:
أنت الخير والبركة … ولا أنسى فضلك وجودك
عليَّ في كل زيارة … لا بد من إحضار القهوة
(ينصرف متحمسًا)، لقد … أغلق على البن والسكر …
ولكني سأكسر الباب والدولاب … (يخرج
مسرعًا).
المحامي
(لنهاد)
:
أمينه وملازمه! وما الذي صبَّره على
خدمته؟
نهاد
(هامسة)
:
الوقفية … أوهم بسطويسي أنه مذكور في الوقفية
بعد حياة عينه!
المحامي
(لنهاد)
:
وأنت؟ ألم يعدك بشيء؟
نهاد
:
إني لم أطلب إليه شيئًا حتى الآن … كل ما
أردت أن يفهمه هو أن علاقتنا لا غاية لها، ولا
غرض.
المحامي
:
حب عذري!
نهاد
:
نعم … إنه كان يحب أن يفهم ذلك دائمًا … وكان
هذا هو الذي يُطربه، ويشجيه.
المحامي
:
والحمل الذي في بطنك الآن؟
نهاد
:
يجب أن يعلم بأمره، ويعترف به.
المحامي
:
بل يجب، قبل كل شيء، أن يتزوجك.
نهاد
:
إذا كان شهمًا، فإنه لن يتردد.
المحامي
:
لا ينبغي أن نعول على شهامة مثل هذا الرجل …
هل عندك منه خطابات غير التي أطلعتني عليها
أمس؟
نهاد
:
لا … تلك هي كل ما كتب إليَّ … ردًّا على
رسائلي، التي كتبتها إليه من رأس البر في الصيف
الماضي.
المحامي
:
البحر والموج والماء والهواء … والقبلات التي
تحملها أجنحة النسيم من القاهرة إلى رأس البر …
وبالعكس … إلى آخره.
على كل حال هذه قرائن يمكن الاعتماد عليها
قانونًا.
نهاد
:
ماذا كنتَ تريد أن أصنع معه؟
المحامي
:
لو أنكِ أخبرتِني بالأمر في حينه.
نهاد
:
ما كنتَ تستطيع أن تشير بغير ما فعلت … هذا
رجل يُوجس خيفةً من كل كلمة يشم منها رائحة طلب
… وعندئذٍ يسرع بالهرب، ولو من أعز الناس إليه
… أو من أعز المطامع عنده!
المحامي
:
وهذه الثروة الضخمة التي ينام عليها؟! ولا
بنت عنده، ولا ولد؟
نهاد
:
إياكَ أن تذكر ذلك أمامه … لقد أردتُ مرة أن
أمَس هذا الموضوع مسًّا خفيفًا … فقلت له: ما
بال فلان باشا وفلان بك، ممن هم أقل منك ثروةً
وأكثر عيالًا، يتبرعون لهذا المشروع بكذا ألفًا
من الجنيهات، ولهذه الجمعية الخيرية بكذا ألفًا
… وأنت لم يسمع أحد عنك أنك تبرعت بجنيه لتعضيد
مشروع حيوي، أو بقرشٍ للمساهمة في عمل خيري، أو
حتى بكأسٍ لتشجيع مجهود رياضي أو فني … أتدري
ماذا كان رده؟ صاح بي: حتى أنتِ تتمنين
استغفالي … حتى أنتِ تريدين للناس
استغفالي؟
المحامي
:
وكيف أفتح لهذا المخلوق موضوعك إذن؟
نهاد
:
لستُ أدري … على أي حال، أفضِّل الآن أن
تفاتحه وحدك في مبدأ الأمر.
المحامي
:
وأنت؟
نهاد
:
يحسن أن أحضر بعد ذلك … أو على الأقل بعد أن
تكونا قد قطعتما شوطًا في الحديث
منفردَين.
المحامي
:
تعرضينني أنا للصدمة الأولى.
نهاد
:
بل ادَّخر نفسي أنا للجولة الثانية.
المحامي
:
وأين تذهبين؟ وإذا احتجت إليكِ، أو إلى
بيانات منك أثناء الكلام؟
نهاد
:
لن أذهب بعيدًا … سأختفي داخل حجرة في هذا
البيت. انتظر … (تنادي) بسطويسي! عم
بسطويسي!
بسطويسي
(من الخارج)
:
أفندم … حالًا … القهوة؟
نهاد
:
لا داعي للقهوة … لا نريد … تعالَ أنت حالًا
… تعالَ.
(بسطويسي يظهر.)
بسطويسي
:
استوليتُ على البن والسكر.
نهاد
:
لي عندك رجاء يا بسطويسي … أريد أن تخبِّئني
في حجرة … لأفاجئ عبد الغني بك في الوقت
المناسب … وأن تقول له عند حضوره إن خالي وحده
هو الموجود هنا.
بسطويسي
:
البيت كله تحت أمرك، تفضلي.
نهاد
(لخالها)
:
لحظة واحدة لأرى أين سأختبئ … تعالَ معي
يا بسطويسي.
(تنظر حولها لحظة كمن تبحث، ثم
تصعد السُّلم، وخلفها الخادم إلى الطابق الثاني،
ويختفيان من أحد أبوابه … وعندئذٍ يُفتَح باب البهو
بمفتاحٍ خاص، ويظهر عبد الغني بك؛ فيرى أمامه في
البهو المحامي، وقد وقف لاستقباله متوكئًا على
عصاه.)
عبد الغني بك
(للمحامي، وهو يتأمَّله
بعصاه)
:
حضرت … أخيرًا … ومعك عصًا أنت أيضًا؟ أرني
هذه العصا؟
المحامي
:
وهو يقدمها بأدبٍ، تعجبك يا بك؟
عبد الغني بك
(وهو يفحصها)
:
مجوفة طبعًا.
المحامي
(بدهشة)
:
مجوفة؟
عبد الغني بك
:
وإلا ما كنت حملتها، وجئت بها … عدة الشغل …
مثل السكين والمفرمة والساطور … بريئة المظهر …
تدخل بها، وتخرج، في أمان … تحت الأبصار
والعيون … ولكن بداخلها يمكن إخفاء …
المحامي
:
ليس بداخلها شيء على الإطلاق … اطمئن … إني
لستُ سفاكًا.
عبد الغني بك
:
إني لستُ مغفلًا … إني فاهم أساليب حرفتك،
وعارف أمورك وأغراضك.
المحامي
:
أغراضي؟ نحن لم ندخل بعدُ في الموضوع … وإذا
كان قد بلغك شيء، فثق أني شخصيًّا ليس لي غرض
خاص في المسألة … اللهم إلا خدمتك ومصلحتك، قبل
أي مصلحة أخرى.
عبد الغني بك
:
وأنا لا أحب إلا من يتفانى في خدمتي ومصلحتي
… ولكي تُحسن الخدمة، لا بد من أن أعطيك الدرس،
وآخذ عليك الشرط … أولًا معدتي رقيقة، وصحتي
ضعيفة.
المحامي
:
نحن لا نتمنى لك إلا طول العمر.
عبد الغني بك
:
وكما ترى، لا يوجد في البيت غيري أنا … أما
خادمي بسطويسي، فليس في الحساب … وما يتبقَّى
من طعامي يكفيه … فأنت إذن أمام رجل وحيد …
مقطوع من شجرة!
المحامي
:
لن تكون وحيدًا مقطوعًا … سيرزقك الله قريبًا
مَن يملأ عليك البيت … ويتربَّى في عزك
وجاهك!
عبد الغني بك
:
دعك من الدعوات الصالحات! نحن الآن في الأمر
الواقع … أنا رجل وحيد مريض … لا أحب الأكل
الكثير، ولا السمن الغزير.
المحامي
:
مسكين! شهيتك مفقودة … ولكني أقسم لك إنه يوم
تحيط بك الزوجة والولد … فإنك تأكل الحجر،
وتهضم الزلط!
عبد الغني بك
:
لا تخرج عن الموضوع!
المحامي
:
إني أتكلم في صميم الموضوع … ثِق أن حياتك
ستبدأ من جديد … وآفاقك ستتسع … وسيخلق لك
الخلف آمالًا تعيش بها، ولها، وسيكون لمالك
معنًى … ولوجودك معنًى … ولغدك معنًى … لأنك
سترى نفسك في طفلك، تدب معه، وتشب معه، وتسعى
معه … مخترقة ما بقي من زمنك … ماضية عبر
أزمانٍ مقبِلة، وأجيال متلاحقة … نفسك هذه
السجينة في صندوق من ذهب … ستنطلق من أنانيتها
إلى أرجاء لا يحدها زمان، ولا مكان … ويعم
خيرها في حيوات لا يعدها حصر، ولا تدركها
ظنون.
عبد الغني بك
(ناظرًا إليه بذهول)
:
ما شاء الله! ما شاء الله! من الذي أرسلك؟ من
الذي قال لهم أن يأتوا إليَّ بفيلسوف!
المحامي
:
إني لستُ بفيلسوف … إنما أنا رجل جاء يقدم
إليك خدمة!
عبد الغني بك
:
الخدمة الوحيدة التي تقدمها إليَّ هي طبخ
الطعام لشخصي الوحيد، بأقل نفقة، وأقل مقدار من
السمن … وأن تحطم عصاك هذه … أو تبيعها، أو
ترهنها … فإني لا أطيق رؤيتها في بيتي … تدخل
بها وتخرج … بلا حسيبٍ ولا رقيب!
المحامي
(بدهشة)
:
ما هذا الكلام يا … عبد الغني بك!
عبد الغني بك
:
هذا هو الكلام المفيد … الطعام الصحي
الاقتصادي، والأمانة التامة الخالصة.
المحامي
:
وما شأني أنا بطعامك ومصروفك؟!
عبد الغني بك
:
ما شأنك أنت؟ ألم يحضروك إليَّ لتقوم بطبخ
الطعام؟
المحامي
:
طبخ الطعام؟
عبد الغني بك
:
الطبخ والغرف وغسل الأطباق وتنظيف بلاط
المطبخ … كل هذا من اختصاصك!
المحامي
:
اختصاص مَن؟
عبد الغني بك
:
اختصاصك أنت … اختصاص الطباخ.
المحامي
(بغضبٍ)
:
أنا طباخ؟
عبد الغني بك
:
لا تغضب … باشطباخ … طباخ باشا، خُذ كل
الألقاب التي تعجبك … المهم عندي عدم سرقة
السمن والاعتدال في المصروف.
المحامي
(هائجًا)
:
أنا طباخ … يا قليل الأدب … يا عديم الإحساس
… يا وضيع الأصل … يا سافل! يا منحط … يا ناقص
… يا صفيق الوجه … (يخطف العصا)، هات
العصا.
(يظهر بسطويسي في أعلى السُّلم،
وخلفه نهاد تبرز رأسها من خلف الباب، وقد سمعا صوت
المشاجرة، ويهبط بسطويسي السُّلم على عجل، بينما
تبقى نهاد مختفية خلف الباب، تسمع.)
عبد الغني بك
(لبسطويسي)
:
انجدني يا بسطويسي، انجدني … سيضربني بالعصا
… المخدوم أرسل لنا هذا الطباخ البطاح
«الفتوة»!
بسطويسي
(بسرعة)
:
هذا خال ست نهاد … أحمد بك أبو شنب المحامي،
خال ست نهاد.
عبد الغني بك
(مأخوذًا)
:
خال ست نهاد! (يلتفت إلى المحامي)، لا مؤاخذة
يا بك! لا مؤاخذة، حضرتك خال نهاد؟! نهاد
هانم؟!
المحامي
:
أنا خال نهاد … نهاد ناشد.
عبد الغني بك
:
حصل لنا الشرف!
المحامي
:
أنا شكلي شكل طباخين!
عبد الغني بك
:
العفو … لا تؤاخذني … المسألة لها
أصل.
المحامي
:
ما علينا … ندخل في الموضوع.
عبد الغني بك
:
قهوة يا بسطويسي!
بسطويسي
:
جد؟!
عبد الغني بك
:
طبعًا جد … ومتى كنا نمزح في هذا؟
بسطويسي
(هامسًا)
:
هذا اقتراحك أنت … لا تنبس ذلك.
(الخادم يخرج مسرعًا.)
عبد الغني بك
(ملتفتًا للمحامي)
:
زيارة عزيزة!
المحامي
:
جئتُ أحادثك في موضوع خطير … ولكنك لم تترك
لي فرصة للكلام … فأرجو الآن أن تصغي إليَّ
مليًّا.
عبد الغني بك
:
تفضَّل … تفضَّل.
المحامي
:
الموضوع خاص ببنت أختي نهاد … يظهر أنه كانت
بينكما، ولا تزال، علاقة.
عبد الغني بك
:
علاقة صداقة.
المحامي
:
سمِّها كما تشاء … هذه العلاقة، أو الصداقة،
قد آتت أخيرًا ثمرتها.
عبد الغني بك
:
ثمرتها؟!
المحامي
:
طبعًا … كل غرس يأتي بثمرته … النخلة تطرح
بلحًا … وشجرة التفاح تحمل تفاحًا … وشجرة
الرمان تحمل رمانًا … والعلاقة بين رجل وامرأة
تحمل ولدًا.
عبد الغني بك
:
بدأت أفهم.
المحامي
:
لذلك يحسن وضع هذه العلاقة في إطارها الشرعي
… حتى تُنسَب هذه الثمرة لصاحبها.
عبد الغني بك
:
ومن هو صاحبها؟
المحامي
:
أنت أدرى به!
عبد الغني بك
:
إياكَ أن تقصدني أنا!
المحامي
:
ومن غيرك؟ ألم تعترف الساعة بوجود علاقة
بينكما؟!
عبد الغني بك
:
علاقة صداقة بريئة عفيفة شريفة.
المحامي
:
والثمرة؟
عبد الغني بك
:
الثمرة؟ اسأل عنها الشجرة … أتستطيع أن
تعيِّن الأب المسئول عما فوق الشجر من تفاحٍ
وبلح ورمان؟!
المحامي
:
لا تنوي إذن الاعتراف بالحمل؟
عبد الغني بك
:
أي حمل؟
المحامي
:
حمل نهاد.
عبد الغني بك
:
نهاد ناشد لا شأن لي بحملها ولا
بطرحها!
المحامي
:
تحت يدي خطابات منك إليها … وإني كمحامٍ
أنصحك بأن لا تُلجئها إلى المحامي، إن قضيتها
مكسوبة مائة في المائة!
عبد الغني بك
:
تهددني بالمحاكم؟
المحامي
:
بالعكس … كل أملنا هو تسوية المسألة بالطرق
الودية.
عبد الغني بك
(ثائرًا)
:
ماذا تقول يا حضرة المحامي؟ أتظن أن الحكاية
نهب؟ بأي حقٍّ تسمح لنفسك أن تطالبني بهذا
الطلب الغريب؟ وكيف يصوِّر لك عقلك أني من
البلاهة والغفلة بحيث أمكِّن الناس من نصب
شَراكهم حولي، ليقتنصوا ثروتي؟ ويلقوا حملهم
عليَّ، ليرثني في مالي … ماذا جرى في الدنيا
اليوم؟ ماذا جرى للناس في هذا الزمان؟ كلُّ
عاجز، أو عاطل، أو متلاف، يحسب أن في رأسه من
الذكاء ما يستطيع أن يحتال به على غيره ممن جمع
واقتصد ووفَّر وادَّخر.
المحامي
:
لا داعي لهذا الكلام الجارح يا عبد الغني بك
… المسألة ليس فيها نصب، ولا احتيال … إنما هو
شرف بنت أختي … وحقها في أن يُنسَب حملها إلى
أبيه … ولولا هذه الاعتبارات ما سمحت لنفسي
بدخول بيتك، ولا بالحديث معك … وعلى كل حال …
ليس بيننا وبينك غير كلمة: هل أنت معترف
بالجنين، أو غير معترف؟
عبد الغني بك
(بدون تردد)
:
غير معترف.
المحامي
:
انتهى الإشكال … على المحاكم الآن أن تفصل في
الخلاف … سلام عليكم!
(يتحرك للانصراف … وعندئذٍ تظهر
نهاد، وتهبط السلم بسرعة …)
نهاد
(صائحة)
:
انتظر يا خالي … انتظر.
عبد الغني بك
(ملتفتًا إليها)
:
أنت هنا؟
نهاد
:
نعم … كنت هنا … فوق … وسمعت أكثر ما دار
بينكما الآن بخصوصي … وأسفت للهجة حديثكما التي
خلت من الرقة واللطف، اجلسا لحظة … ولتهدأ
نفسُّ كلٍّ منكما … وليكن الجو صافيًا بيننا
جميعًا … الحكاية في غاية البساطة … أنا وحدي
المخطئة … كما تبيَّن لي الساعة … فقد كان من
واجبي أن أبادر يا عبد الغني، وأخبرك بنفسي
بمجرد شعوري بالحمل في أول هذا الشهر … ولكني
خجلت، وانقطعتُ عنك هذه الأسابيع … إلى أن فكرت
أخيرًا في توسيط خالي ليخبرك … لعلِّي لم أكن
موفَّقة في هذه الفكرة … أرجو أن تسامحني
يا عبد الغني!
عبد الغني بك
:
أسامحك؟! أسامحك، وأنت تلبسيني تهمة … وتلقين
على رأسي مصيبة.
نهاد
:
تسمي طفلك مصيبة؟!
عبد الغني بك
:
طفلي؟! أنا الرجل الذي عشت حياتي وحيدًا
فريدًا خفيفًا، يكون لي طفل!
نهاد
:
أنت أحوج الناس جميعًا إلى طفل، يتمتع بخيرك،
ويكبر في نعمتك، ويؤنسك في شيخوختك، ويرث من
بعدك ثروتك.
عبد الغني بك
:
ثروتي؟! يرث ثروتي؟ … يأخذ ثروتي!
نهاد
:
بعد حياة مديدة، وعمر طويل!
عبد الغني بك
:
يأخذ ثروتي!
نهاد
:
ولمن تتركها؟ نحن لا نأخذ مالنا معنا إلى
القبور!
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
يا لها من مؤامرة … يا لها من مؤامرة! مؤامرة
دنيئة! مؤامرة أثيمة!
نهاد
:
عيب يا عبد الغني … لا تفُه بهذه الألفاظ!
اهدأ وفكر جيدًا … وتكلم بعقل.
عبد الغني بك
:
لم يبق لي عقل … لم يبق لي عقل!
نهاد
:
يا للأسف … ما كان يخطر لي قَط على بالٍ أن
أبًا يستقبل خبر طفل سيُولَد له بهذه الصورة
المخجلة.
عبد الغني بك
:
لا أريد أن أكون أبًا … لست أبًا … ليس لي …
ليس مني.
نهاد
:
ليس منك؟ … ممن إذن؟
عبد الغني بك
:
أنت أدرى بأبيه … أما أنا، فلا أعرف … ولا
يهمني أن أعرف … إنه ليس مني … لا أريده … لا
يلزمني.
نهاد
:
لا يلزمك؟ وماذا أصنع أنا به؟!
عبد الغني بك
:
لا شأن لي … افعلي به ما شئت!
المحامي
(فاقد الصبر)
:
قومي يا نهاد … لا فائدة معه … لا بد من
المحكمة!
نهاد
(لعبد الغني)
:
أهذه كلمتك الأخيرة؟
عبد الغني بك
:
نعم.
نهاد
:
نذهب إلى المحكمة؟
عبد الغني بك
(منفجرًا)
:
اذهبي إلى جهنم وبئس القرار! أنسيتِ أنكِ
كنتِ تقولين إنه حب عذري … لن يكلفني شيئًا …
ولن يثقل عليَّ … ولن يحمِّلني تبعة … ولن
يقتضيني نفقة … كنتِ إذن تسهِّلين لي الأمور …
وتبددين عني المخاوف … وتدفعين بي في طريق
مذللة ممهَّدة ميسرة … لتستدرجيني إلى هذه
النتيجة … وتقوديني إلى هذا الغرض … أيتها
الكذابة الغشَّاشة المزورة المدلسة!
نهاد
:
أغلق فمك القذر! إن السباب لن ينفعك … ولن
يطرح عنك حملك! الجنين لك، وسوف تحكم المحاكم
بصحة نسبه إليك، وكل مال مكنوز لا بد أن يرسل
الله إليه مُن يخرجه، وينتفع به، وينفع.
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
أيها المحتالون … لن تنالوا مني مليمًا؟
يا بسطويسي … أرسل في طلب الدكتور ابن عمي!
سأجعل الأطباء يحررون لي شهادة بأني لا آتي
بنسل!
المحامي
:
إلى هذا؟ تطعن في رجولتك حتى لا يكون لك
وريث!
عبد الغني بك
:
لن يكون لي ولد … لن يكون لي وريث … لن يأخذ
مالي أحد.
نهاد
:
يا لكَ من وغد!
المحامي
(يأخذ ذراع نهاد)
:
هلمِّي بنا … دعيه يعيش وحده حيًّا في هذا
القبر! سيندم يومًا.
(يتحركان منصرفين
ويخرجان.)
عبد الغني بك
(صائحًا)
:
اخرجوا من هذا البيت! اخرجوا خاب فألكم …
أيتها العصابة الخطرة من النصابين الفجرة … لن
يستغفلني أحد … لن يستغفلني أحد.
(يدخل بسطويسي يحمل
القهوة.)
بسطويسي
:
لماذا تصيح هكذا؟ أين الضيوف؟
عبد الغني بك
(ينظر إلى الصينية)
:
ما هذا؟
بسطويسي
:
القهوة؟
عبد الغني بك
:
ما مناسبة القهوة؟
بسطويسي
:
أمرك أنت … اقتراحك أنت! أنسيت؟
عبد الغني بك
:
أأنا أقترح ذلك؟ أيها الحيوان، وهبني أخطأت
مرة وأمرت، ألَا تتمهَّل أنت؟ لماذا التعجل؟
ألم تسمع أن العجلة من الشيطان؟ انظر الآن ماذا
فعل الشيطان … انظر نتيجة تسرُّعك وتهورك …
ماذا نصنع الآن بكل هذه القهوة؟
(جرس الباب يدق.)
بسطويسي
:
الباب … (يضع الصينية، ويسرع ليفتح).
عبد الغني بك
:
خير يا رب … خير.
(يظهر السكرتير العام
للحزب.)
السكرتير العام
:
آسف لإزعاجك يا عبد الغني بك … ولكني رأيتُ
من واجبي أن أمُر عليك في طريقي، لأخبرك بصدى
الاغتباط العام في الحزب عندما شاع نبأ ترشيحك
أمينًا للصندوق … وكل شيء سائر على ما
يرام.
عبد الغني بك
:
الحمد الله! قهوة يا بسطويسي!
بسطويسي
(يحمل الصينية في الحال،
ويتقدم بها)
:
موجودة!
السكرتير العام
(وهو يتناول
فنجانًا)
:
بهذه السرعة؟! لكأنها كانت في
الانتظار؟
عبد الغني بك
:
أصحاب الحظوظ ينتظرهم الخير على غير
ميعاد.
السكرتير العام
:
إني حقًّا حسن الحظ بمعرفتك يا عبد الغني بك
… وقد استبشر بك كل الأعضاء … وأيقنوا أنه على
يدك سيُتاح لنا أن نتم مشروع بناء الدار
الجديدة للحزب.
عبد الغني بك
(في قلق)
:
الدار الجديدة؟!
السكرتير العام
:
نعم … هذا مشروع قديم عندنا … لأن دارنا
الحالية متهدمة، ولا تليق بحزبنا، ومن محاسن
المصادفات أن قطعة الأرض، التي كان قد وقع
عليها اختيارنا، تقع ضمن أملاكك … هذه القطعة
الآن كما تعلم «خرابة»، يعبث فيها الصبية …
وتُلقى فيها القاذورات … ولا يخالجنا أدنى شكٍّ
في أنك موافق على إعطائها للحزب.
عبد الغني بك
(كمن طُعن)
:
ماذا تقول؟
السكرتير العام
(متراجعًا)
:
أقصد بيعها للحزب … بالتقسيط طبعًا، وبسعر
خاص … وأنتَ بالطبع بصفتك أمين الصندوق تستطيع
أن تطالب البائع …
عبد الغني بك
:
أطالب البائع؟ أطالب نفسي! ما هذا الكلام؟
ماذا أسمع؟ ألم تؤكدوا لي أنه لا غاية، ولا غرض
… ألم تقولوا إنه تقدير لشخصي.
السكرتير العام
:
وما زلنا نؤكد لك أن تقديرنا لشخصكَ خالٍ من
الغرض … وكما قلنا … تقدير عذري، كالحب
العذري!
عبد الغني بك
:
نعم … نعم … عرفت الآن ما هو الحب العذري!
أيقنت الآن … وأقسم لكم بأغلظ الأيمان أن مجنون
ليلى كان يسرق الكحل من عين ليلى بالليل ليبيعه
بالنهار في سوق عكاظ!
السكرتير العام
:
لا تتهمنا بسوءٍ يا عبد الغني بك … دار الحزب
هي دارك … ولهذا فقط سمحنا لأنفسنا بمفاتحتك في
هذا الشأن.
عبد الغني بك
:
داري؟ …؟ … لا يا سيدي … ليست داري … ولا
يهمني الحزب، ولا دار الحزب.
السكرتير العام
:
ومستقبلك السياسي؟
عبد الغني بك
:
ولا المستقبل السياسي … لا أريد سياسة، ولا
رياسة … ولا وزارة ولا صدارة.
السكرتير العام
(يضع الفنجان،
وينهض)
:
أنت حر.
عبد الغني بك
:
أريد أن أعيش في حالي … دعوني يا ناس …
اتركوني يا ناس … لا حاجة بي إلى هذه المغريات
… لا تقدير شخصي … ولا حب عذري.
السكرتير العام
(وهو يتحرك
للانصراف)
:
إذا كان هناك شخص يعرف الحب العذري، فهو أنت
… أنت الذي تحب ثروتك هذا الحب العذري، تُجن
خوفًا عليها من أن تمسها يدك … أو يمسها غيرك …
ثروتك هي زوجتك … زوجة عذراء لم يقربها بشر …
إذا نظر إليها أحد حسبته يستغلك … فتثور لذلك
نخوتك! أيها الغيُّور الأناني، ستعيش بغير صديق
… وتموت بغير ذمة … وتذهب بغير ذكرى … سلام
عليكم.
(يخرج مسرعًا.)
عبد الغني بك
:
اذهب أنت وأمثالك بغير رجعة! (ينادي)
يا بسطويسي! أغلق بابي بالمفتاح … وحذار أن
يدخل بيتي سياسي أو محام أو حرامي!
بسطويسي
(يدخل، ويتجه إلى فنجان
القهوة)
:
لم يشرب قهوته!
عبد الغني بك
:
اشربها، أنت أولى وأحق … اشربها كلها، فهي
مقوية للقلب، ومغذية للجسم … وخذ هذا أيضًا …
(يُخرج من جيب معطفه لفة صغيرة).
بسطويسي
(ناظرًا إلى ما في يد
سيده)
:
ما هذا؟
عبد الغني بك
:
الجبن الرومي! بقرش صحيح وأمرنا إلى الله …
لأن مركزي أمام البقال غير مركزك … مركزي
الاجتماعي حتَّم عليَّ أن أستحي وأشتري بهذا
المبلغ كله … خُذ يا بسطويسي، قسِّم هذه القطعة
تقسيمًا مضبوطًا: الثُّلثَين لي أنا … والثلث
لك أنت والفيران.
بسطويسي
(صائحًا)
:
الثلث، بأجمعه … لنا وحدنا … أنا والفيران؟!
هذا تبذير!