الفصل الثالث

نشأة اللغة توقيفٌ أم اصطلاح

ذهب العرب مذهبين في تفسير أصل اللغة:
  • الأول أنها «توقيف» (إلهام/وحي) من الله، أي أن الله هو صانع اللغة. ويستند هذا الرأي إلى قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة: ٣١).١
  • الثاني أنها «اصطلاح» (عُرف/اتفاق/تواضع/تواطؤ)، بمعنى أن يصطلح اثنان أو أكثر من الناس على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن يليهم.

وبدا للعربي في ذلك الزمن أن ليس هناك احتمالٌ ثالث لهذين الاحتمالين؛ فقد كان سقف التاريخ البشري في إطاره الذهني وطيئًا لا يتعدى بضعة آلاف من السنين لا تسمح بتخلقٍ تلقائي لمثل هذا النظام الهائل — اللغة — فلم يكن بدٌّ من صانعٍ مباشر: إما الله (التوقيف)، وإما غيره (الاصطلاح).٢ والحق أن هذا الإطار المعرفي كان يتلبس بالفكر اللغوي الغربي أيضًا: «وقد كان المدى الزمني لأي دراسة تاريخية للغات أقصر كثيرًا مما هو متاح لدينا؛ فالناس، وبالتالي لغتهم الإنسانية، ترجع — عبر قرون قليلة — إلى أسلافهم من الأبطال والآلهة والإلهات في الأساطير المسلَّم بها، وقد اتجهت الجهود أساسًا إلى الإجابة عن السؤال: كيف أمكن لمجموعة من الكلمات الأولية المتوافقة صوتيًّا والتي منحتها أو علمتها الآلهة في البداية أن تتضاعف، لتنتج الأعداد الهائلة من كلمات معجم اليونانية أولًا ومعجم اللاتينية بعد ذلك، لتواجه متطلبات المدنية ذات الثقافة الرفيعة؟»٣
يقول ابن فارس في كتاب «الصاحبي»: «اعلم أن لغة العرب توقيف، دليل ذلك قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (البقرة: ٣١). كان ابن عباس يقول: علَّمه الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض، وسهل وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.»٤
استند القائلون بالتوقيف إلى ظاهر النص: فالأسماء كلها معلَّمة من عند الله بالنص، وكذا الأفعال والحروف؛ لأن الأفعال والحروف أيضًا أسماء، لأن الاسم ما كان علامة، والتمييز (بين الأسماء والأفعال والحروف) من تصرف النحاة لا من اللغة، ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر.٥
واستندوا أيضًا إلى استحالة أن يجري اصطلاحٌ بدون لغة مسبقة يتواصل بها المصطلحون. يقول السيوطي في «المزهر»: «لو كانت اللغات اصطلاحيةً لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة، ويعود إليه الكلام، ويلزم إما الدور أو التسلسل في الأوضاع، وهو محال، فلا بد من الانتهاء إلى التوقيف.»٦ (المزهر ١: ١٨).

ويرد القائلون بالاصطلاح بأنَّ المقصود بقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا أَقدَرَه عليها ومَكَّنَه من الكلام والتسمية، ويردون على أهل التوقيف بطريقتهم: «لو كانت اللغات توقيفية فذلك إما بأن يخلق الله تعالى علمًا ضروريًّا في العاقل أنه وضع الألفاظ لكذا، أو في غير العاقل، أو بألَّا يخلق علمًا ضروريًّا أصلًا، والأول باطل، وإلا لكان العقل عالمًا بالله بالضرورة؛ لأنه إذا كان عالمًا بالضرورة بكون الله وضع كذا لكذا لكان علمه بالله ضروريًّا ولو كان كذلك لبطل التكليف. والثاني باطل؛ لأن غير العاقل لا يمكنه إنهاء تمام هذه الألفاظ. والثالث باطل؛ لأن العلم بها إذا لم يكن ضروريًّا احتيج إلى توقيفٍ آخر، ولزم التسلسل.» (المزهر ١: ١٨).

جاء في كتاب الحروف للفارابي: «فهكذا تحدث أولًا حروف تلك الأمة وألفاظها الكائنة عن تلك الحروف، ويكون ذلك أولًا ممن اتفق منهم، فيتفق أن يستعمل الواحد منهم تصويتًا أو لفظة في الدلالة على شيء ما عندما يخاطب غيره فيحفظ السامع ذلك، فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما يخاطب المنشئ الأول لتلك اللفظة، ويكون السامع الأول قد احتذى بذلك فيقع به، فيكونان قد اصطلحا وتواطآ على تلك اللفظة، فيخاطبان بها غيرهما إلى أن تشيع عند جماعة، ثم كلما حدث في ضمير إنسان منهم شيءٌ احتاج أن يفهمه غيره ممن يجاوره، اخترع تصويتًا فدل صاحبه عليه وسمعه منه فيحفظ كل واحد منهما ذلك وجعلاه تصويتًا دالًّا على ذلك الشيء، ولا يزال يحدث التصويتات واحدًا بعد آخر ممن اتفق من أهل ذلك البلد، إلى أن يحدث من يدبر أمرهم ويضع بالإحداث ما يحتاجون إليه من التصويتات للأمور الباقية التي لم يتفق لها عندهم تصويتات دالة عليها، فيكون هو واضع لسان تلك الأمة، فلا يزال منذ أول ذلك يدبر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما يحتاجون إليه في ضرورية أمرهم.»٧

وجدير بالملاحظة أن فكرتي «التوقيف» و«الاصطلاح» لم تكونا واضحتين في أذهان أصحابهما، كما يتصور القارئ المعاصر، ولا متمايزتين إحداهما عن الأخرى تمام التمايز!

فبعض القائلين بالاصطلاح لا يستبعدون أن تكون اللغة من وضع مخلوقات ذكية سابقة على الإنسان. يقول الغزالي في المنخول إن «قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ظاهر في كونه توقيفًا وليس بقاطع، ويحتمل كونها مصطلحًا عليها من خلق الله تعالى قبل آدم» (المزهر ١: ٢٣).

وبعض القائلين بالتوقيف يرون أن اللغات كلها تم صنعها في بدء الخليقة (المزهر ١: ١١)، وبعضهم يرى أن التوقيف لم يقع في الابتداء إلا على لغةٍ واحدة، وأن اللغات الأخرى ثم التوقيف عليها بعد الطوفان في أولاد نوح حين تفرقوا في أقطار الأرض (المزهر ١: ٢٧)، ويرى فريقٌ ثالث أنه يجوز أن تكون اللغات التي تلت اللغة التوقيفية الأولى جاءت اصطلاحًا أو توقيفًا (المزهر ١: ٢٧)، ويرى آخرون أن اللغة الأولى فقط هي التوقيفية (وهي العربية — اللغة التي نزل بها آدم من الجنة)، بينما نشأت اللغات الأخرى تحريفًا (المزهر ١: ٣٠).

ومن التوقيفيين مَن ذهب إلى أن اللغة العربية ظهرت أيضًا في مرحلة متأخرة عندما حشر الله الخلائق إلى بابل، جاء في «المزهر»: «… لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحًا، فاجتمعوا ينظرون لماذا حشروا له، فنادى منادٍ: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء، فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود، أنت هو؟ فكان أول من تكلم بالعربية المبينة» (المزهر ١: ٣٢). ومنهم من ذهب إلى أن العربية ظهرت أول مرة بعد قدوم سيدنا إسماعيل عليه السلام إلى مكة واستقراره بها، وأن أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه هو إسماعيل عليه السلام (المزهر ١: ٣٢-٣٣).

ويبدو أيضًا أن النسق المذهبي لعالم اللغة كان يملي عليه الرأي في أصل اللغة، وأن تفكيره في هذا الشأن لم يكن علميًّا خالصًا، أو فلسفيًّا محضًا، فثَمَّ مذهبٌ كلامي كلي عليه أن يخضع له ويضمن اتساقه. يقول د. إبراهيم أنيس: «إن الخلاف بين علماء العرب ظهر واضحًا في منتصف القرن الرابع الهجري وما بعده، فرأيناهم فريقين: أولًا: أهل التقاليد من المحافظين الذين اعتمدوا على النصوص من السنيين وأضرابهم، وهؤلاء كانوا ينادون بأن اللغة توقيفية وأن لا يد للإنسان في نشأة ألفاظها أو كلماتها، وزعيم هؤلاء ابن فارس في كتابه «الصاحبي»، والفريق الثاني من علماء اللغة الذين نادوا بأن اللغة اصطلاحية، وكان معظمهم من المعتزلة الذين استمدوا أدلتهم من المنطق العقلي، وفسروا ما ورد من نصوص بحيث تلائم اتجاههم وتنسجم مع منطقهم.»٨

(١) تردد ابن جني بين الاصطلاح والتوقيف

ولعل ابن جني هو خير من يعكس لنا حيرة فقيه اللغة في ذلك الزمن بين التوقيف والاصطلاح، وقد سجل تردده في غير موضع من «الخصائص»، يقول ابن جني في «باب القول على أصل اللغة إلهامٌ هي أم اصطلاح»: «هذا موضع محوج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف، إلا أن أبا علي رحمه الله، قال لي يومًا: هي من عند الله، واحتج بقوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وهذا لا يتناول موضع الخلاف، وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أَقْدَرَ آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة، فإذا كان ذلك محتملًا غير مستنكَر سقط الاستدلال به … ثم لنعدْ فلنقلْ في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيًا، وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، قالوا: كأن يجتمع حكمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمةً ولفظًا، إذا ذُكر عُرف به ما مسماه، ليمتاز من غيره، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مَرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف وأسهل من تكلف إحضاره، لبلوغ الغرض في إبانة حاله … فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم، فأومَئوا إليه، وقالوا: إنسان إنسان إنسان، فأيَّ وقت سُمع هذا اللفظ عُلم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك، فقالوا: يد، عين، رأس، قدم، أو نحو ذلك، فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معناها، وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيح الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجهٌ صالح، ومذهبٌ متقبَّل، واعلم فيما بعد، أنني على تقادم الوقت دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات التغول على فكري؛ وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة، ما يملك عليَّ جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السِّحر … وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله جل وعز، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفًا من الله سبحانه وأنها وحي، ثم أقول في ضد هذا: كما وقع لأصحابنا ولنا، وتنبهوا وتنبهنا، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا، وإن بَعُدَ مداه عنا، من كان ألطف منا أذهانًا، وأسرع خواطر وأجرأ جنانًا؛ فأقف بين تَيْن الخلتين حسيرًا، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورًا، وإن خطر خاطرٌ فيما بعد، يعلق الكف بإحدى الجهتين، ويكفُّها عن صاحبتها، قلنا به، وبالله التوفيق.»٩
وفي موضعٍ آخر من الخصائص يقول ابن جني: «هذا كله وما أكني عنه من مثله — تحاميًا للإطالة به — إن كانت هذه اللغة شيئًا خوطبوا به وأخذوا باستعماله،١٠ وإن كانت شيئًا اصطلحوا عليه، وترافدوا بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله وترتيبه فهو مفخرٌ لهم، ومعلمٌ من معالم السداد دل على فضيلتهم.»١١
وفي موضعٍ ثالث من الخصائص يقول بصريح العبارة: «قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام؟ وحكينا وجوَّزنا فيها الأمرين جميعًا، وكيف تصرفت الحال، وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها؛ فإنها لا بد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه؛ لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئًا فشيئًا، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه …»١٢
يرى د. لطفي عبد البديع «أن التوقيف يمكن حمله على الإلهام من الله تعالى للبشر بالأسماء في مطلق معناها دون أن يكون في ذلك تعارض ما مع القول بالاصطلاح على معنى أن يتواطأ اثنان فأكثر من أبناء لغة بعينها على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن يليهم، ويكون التوقيف والاصطلاح أمرين «متكاملين» في الإنسان لا يتم أحدهما إلا بالآخر فهما جانبان للغة التي تدرج على الأرض ولكنها تمد بسببٍ إلى السماء؛ فالتوقيف كالأصل الميتافيزيقي للغة، والاصطلاح كالأصل الاجتماعي لها، وكلاهما له مكانه السائغ في العمل اللغوي، أما ما أفاض فيه القائلون بهذا وذاك من حجج وأدلة فمبناه على قضايا كلامية في جملتها ينقض بعضها بعضًا …»١٣

(٢) استكمال اللغة

وسواء على اللغوي أكان أميل إلى التوقيف أم الاصطلاح، فقد كان يشعر بأن اللغة لم توضع مرةً واحدة، وأنها قد تَلاحَق تابعٌ منها بفارط، ليس بمعنى التطور الذي ندركه اليوم (فالحق أن مفهوم اللغة عندهم ما زال يتمتع بكمالٍ مرحليٍّ معين) ولكن بمعنًى آخر مقيد أيضًا بالتوقيف الإلهي أو بوضع الواضع الأول! يذهب ابن فارس مثلًا إلى أن الله وقف آدم على ما شاء أن يُعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، ثم علم آخرين من عرب الأنبياء ما شاء أن يعلمهم، حتى انتهى الأمر إلى خاتم الرسل فلا نعلم لغةً من بعده حدثت. ويميل ابن جني إلى أن استكمال اللغة مقيدٌ بوضع الواضع الأول، الذي لا يخالف عليه من بعده، وأن خلاف من بعده ليس إلا أثرًا لمتابعة المتأخر للمتقدم: ذلك أن الواضع الأول توقَّع حاجات الخلف بحكمةٍ استقبلت من أمر الحياة ما استدبر،١٤ وتعرفت المستقبل فوضعت القياس الذي يأخذ به الخالف حين يحتاج إلى الزيادة في اللغة أو يضطر إلى مخالفة الواضع الأول!١٥

(٢-١) كمال اللغة ورأي ابن حزم

«العربية خير اللغات» يقول العربي … «اليونانية أفضل اللغات» يقول جالينوس … «العبرية لغة الرب، والملائكة لا يفهمون غير العبرية» يقول اليهود … «السريانية لغة الحساب في الآخرة ولغة أهل الجنة» يقول السريان … «الفارسية لغة الجنة» يقول الفرس … «أنا الحق وكل ما سواي الباطل» يقول «العرق» Ethnos! لاحظ أن بعض اللغات المذكورة لم يدم في الحياة لكي يلحق بالآخرة!
لكي ننفي هذا التفضيل اللاهوتي للعربية (ولكل لغة) فمن الأقرب والأيسر أن نستشهد بواحد من قدامى العلماء الأجلاء أنفسهم هو ابن حزم، القائل في «الإحكام في أصول الأحكام»: «وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات، وهذا لا معنى له؛ وقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (إبراهيم: ٤)، وقال: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الدخان: ٥٨)، فأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه عليه السلام لا لغير ذلك، وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع. قال علي: وهذا جهلٌ شديد؛ لأن كل سامع لغةٍ ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر جالينوس، ولا فرق … وقد قال قومه: العربية أفضل اللغات لأن بها نزل كلام الله تعالى، قال علي: وهذا لا معنى له؛ لأن الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولًا إلا بلسان قومه، وقال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر: ٢٤)، وقال تعالى وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (الشعراء: ١٩٦)، فبكل لغة قد نزل كلام الله ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويًا واحدًا.»١٦

(٢-٢) ملاحظات واستدراكات

  • «الاصطلاح» عند قدماء النحاة يعني تواطؤ حكماء، من البشر أو غير البشر، وهو مصطلح يختص بنشأة اللغة، وهو ضد «التوقيف». أما «الاصطلاح» أو «المواضعة» Convention في فلسفة اللغة الحديثة، والفلسفة الغربية بعامة، فهو مصطلح يختص بطبيعة اللغة، ويعني العلاقة الاتفاقية التعسفية الاعتباطية بين «الدال» Signifier و«المدلول» Signified، وهي ضد العلاقة الضرورية أو الطبيعية بين الدال والمدلول (Naturalism)، وقد لزم التنويه بذلك حتى لا يقع القارئ في الخلط ويظن أن قدماء النحاة كانوا يعنون بالاصطلاح ما يعنيه هورموجينيس في محاورة أقراطيلوس (كراتيلوس)، أو ما يعنيه دي سوسير ﺑ «اعتباطية العلامة» Arbitrariness of sign.
  • إن الكثير من فقهاء اللغة العرب كانوا يضمرون الاعتقاد في التوقيف والاصطلاح معًا: أن الله صنع العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف عن حكمته فيما صنعه، وأن العرب صنعت العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف عن حكمة العرب فيما صنعته.

  • إن المذهبين كليهما يلتقيان في أن اللغة كيانٌ محكمٌ، متناهي الإتقان، ثابت الأركان، أتى بتدبير مدبرٍ وفعل فاعل، ومن ثم فإن علينا حفظه وتأمله، وليس لنا أن نعبث به ونتصرف فيه.

  • لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة من تطوره ينفر من التناقض نفورنا منه الآن، ولم يكن «قانون التناقض» Law of contradiction فاعلًا فيه! هذا ما يجب أن نعيه ونحن نشهد النقائض متراصةً في فكر القدماء جنبًا إلى جنب Juxtapose في وئام وسلام، مثلما تتراص في أحلامنا! ونشهد التصورات الميثوبية١٧ والغيبية تُتبلع ببساطةٍ تدعونا إلى العجب. كان الفكر القديم يدرك العلاقة بين السبب والنتيجة، ولكنه لن يدرك ما نراه من سببية تعمل كالقانون، آليًّا ودونما أي هوًى شخصي؛ وذلك لأننا قد ابتعدنا كثيرًا عن عالم التجربة المباشرة بحثًا عن الأسباب الحقيقية … إنه أعجز من أن ينسحب كل هذا الانسحاب عن الحقيقة المحسوسة، كما أنه لن يقنع بأفكارنا، فإذا بحث عن السبب، فإنه يبحث عن «مَن» لا عن «كيف»، إنه يبحث عن إرادةٍ ذات غرض تأتي فعلًا معينًا،١٨ هذا ما جعل مسألة «اللغة» كظاهرة «انبثاقية» Emergent تنجم تلقائيًّا من طبيعة الاجتماع، شيئًا عصيًّا على إدراكه، بعيدًا عن منال فهمه.

(٣) علم اللغة الحديث ونشأة اللغة

إن اختلافنا عن هذا السلف البعيد هو اختلاف «إطار معرفي» Paradigm (نموذج شارح) و«رؤية عالم» World-view، يقول الأستاذ أمين الخولي: «لكن ما يبدو لنا غريبًا لم يكن في منطق القوم على هذه الغرابة، فإنك لتعرف أنهم يرون أن الدنيا نصف، قد ذهب خير نصفيها: ويقررون أن الأول قد ذهب بالمعرفة كلها، كما ذهب بالخير كله، وأن أفضل القرون قد مضى منذ أكثر من عشرة قرون … فالنظام عندهم ليس ترقيًّا، بل هو تنزُّلٌ وتدهور، بعد كمال وفضل. ومن هنا تدرك أن أساس الخلاف فكري جوهري عام، يمتد إلى أشياء كثيرة، ولا يقتصر على اللغة، بل يمس النظرة الكبرى في سير الوجود كله لا سير اللغة فقط.»١٩
من الثابت الآن في ضوء اللغويات الحديثة وعلم الاجتماع الحديث «أن اللغة ليست إلا ظاهرة اجتماعية، وتلك الظواهر الاجتماعية لا تقوم إلا على غير ما تصوره الأقدمون من أمور عقلية منطقية، وأعمال صناعية تحكمية»٢٠ «تلك الظواهر الاجتماعية ليست صناعة فرد بعينه أو أفراد بعينهم، ولا عمل جيل بذاته، ولا توجيه فيها لعقل الفرد، أو الإرادة الفردية، ولا تأثير له عليها، فلا هو يستطيع دفعها إذا أراد، ولا هو يستطيع صدها إذا شاء، وما هو ولا قومه مجتمعين بمستطيعين أن يقدموا من أمرها شيئًا أو يؤخروه، فلا هم يتدخلون تدخلًا إراديًّا في وجودها، ولا هم يسهمون في تنظيمها، ولا هم يختطون طريقها، وكل ما تتعرض له وما يواجهها من دوافع أو موانع، وما ينالها من تغير وتحول، أو توسع وتبسط، أو توقف وتعطل، لا يكون شيء منه إلا من نتائج العقل الجمعي، ومقتضيات الوجود التجمعي، وهو ما لا ينفي فيه منطق الأفراد ولا يثبت، ولا تعطي فيه إرادتهم ولا تمنع، ولن يغيروا أبدًا من واقعٍ تحتمه القوانين الاجتماعية الثابتة المطردة.»٢١
هذ أمرٌ ينبغي تفهمه ابتداءً حين يتبين لنا خطأ القدماء الأوَّليِ فيما ذهبوا إليه، «فاللغة في كل مجتمع نظامٌ عام يشترك الأفراد في اتباعه، ويتخذونه أساسًا للتعبير عما يجول بخواطرهم، وفي تفاهمهم بعضهم مع بعض. واللغة ليست من الأمور التي يصنعها فردٌ معين أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه هذه الحياة من تعبير عن الخواطر، وتبادل للأفكار، وكل فرد منا ينشأ فيجد بين يديه نظامًا لغويًّا يسير عليه مجتمعه فيتلقاه عنه تلقيًا بطريق التعليم والمحاكاة، كما يتلقى سائر النظم الاجتماعية الأخرى، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذيه في تفاهمه وتعبيره».٢٢
«واللغة من الأمور التي يرى كل فرد نفسه مضطرًّا إلى الخضوع لما ترسمه، وكل خروج على نظامها، ولو كان عن خطأ، أو جهل، يلقى من المجتمع مقاومة تكفل رد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتأخذ المخالف ببعض أنواع الجزاء … وإذا حاول فرد أن يخرج كل الخروج على النظام اللغوي بأن يخترع لنفسه لغة يتفاهم بها فإن عمله هذا يصبح ضربًا من ضروب العبث العقيم؛ إذ لن يجد من يفهم حديثه، ولن يستطيع إلى نشر مخترعه هذا سبيلًا».٢٣
والحق أن «علم اللغة» Linguistics الحديث من العلوم الإنسانية الدقيقة التي بلغت في أدائها ونتائجها مستوًى من الدقة العلمية يقترب من مستوى العلوم الطبيعية، وصارت مثالًا يحتذى لبقية العلوم الإنسانية. وقد أثبت هذا العلم الحديث على نحوٍ حاسم صلب «أن اللغة ظاهرة اجتماعية يتميز بها كل مجتمعٍ إنساني، وهي ظاهرةٌ إنسانية لا علاقة لها بالآلهة، ولم تهبط من علٍ، بل نشأت من أسفل، وتطورت بتطور الإنسان ذاته، ونمت بنمو حضارته»،٢٤ فإذا نحن سلطنا هذا الضوء العلمي الكاشف على آراء القدماء «فسنتبين سريعًا وفي وضوح أن ما زعمه الزاعمون من عمل الأفراد، أو الكثرة، في تكوينها ووضعها لا يؤيده شيء من طبيعة اللغة! وسيتبين لنا كذلك بأسرع وأوضح مما سبق أن إدراك هذا الفرد الممتاز، أو الكثرة الحكيمة، لمستقبل اللغة واحتياطهم لآخر أمرها … كل ذلك لا تحتمل تصديقَه طبيعةُ اللغة على ما عرفها البحث الاجتماعي، فليس لوضع الواضع الأول، بحكمته وحسن تأَتِّيه — أو بغير ذلك — وجودٌ ولا سند … لأن اللغة ليست إلا نشاطًا اجتماعيًّا، لا اجتهادًا عقليًّا وتدبيرًا منطقيًّا … وإذا ما استقرت هذه الحقيقة من خصائص اللغة بما هي نظام اجتماعي، اتضح لنا أن اللغات الصناعية المبنية على خطة منطقية قد وضعت مقدمًا غير ممكنة الوقوع إلا إذا كانت لغات خاصة: لغات فنية (تكنيكية) ولوائح إعلانات، ففي هذه الحال يكفي الاتفاق بين الأشخاص المعدودين الذين يستعملونها للاحتفاظ بها كما خلقت دون تغيير.»٢٥
ولا يفوتنا، أخيرًا، أن نتبين البون البعيد بين الإطار المعرفي الذي كان يوجه عقل القدامى ويرشد بحثهم وبين النموذج المعرفي الحديث: كان «التنَزُّل»، إن صح التعبير هو الإطار القديم، كمقابل ﻟ «التطور» في العقل الحديث، فالتطور «أصل أصيل في حياة اللغة بما هي كائن اجتماعي، وأساس التطور هو الوجود البسيط أولًا، ثم النماء المترقي ثانيًا، وخلال هذا الانتقال يتكون الكائن مترقيًا، ويتغير تغيرات متدرجة … وعلى ذلك لن نهتدي إلى صواب من الرأي في مشكلات حياتنا اللغوية إلا إذا ما أخذنا أنفسنا في تبين هذه المشكلات بالمنهج الذي يقرر عكس ما قرره الأقدمون في تكون اللغة العربية وحياتها؛ فإذا ما قالوا: إنها كانت كاملةً دقيقة أولًا ثم فسدت واضطربت، قال هذا المنهج إنها كانت ناميةً متغيرةً مكتملة، ولها في ذلك تاريخ حيوي ومرضي لا بد من معرفته قبل أن تقولوا بفسادها واضطرابها، أو بمَ فسدت؟ أو لمَ اضطراب؟! وتلك هي المهمة الكبرى، بل الهائلة، لمن يتحدث عن مشكلات حياتنا اللغوية حتى يكون حديثه سليم الأساس.»٢٦
١  جاء في سفر التكوين: «والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كلٌّ منها الاسم الذي يضعه له الإنسان. فوضع آدم أسماءً لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول» (التكوين، الإصحاح الثاني: ١٩-٢٠). وظاهر النص، كما ترى، أن الإنسان (آدم) هو صانع الأسماء.
٢  يقول د. عبد الصبور شاهين في كتابه «في علم اللغة العام»: «فاللغة العربية هنا (عند الجاحظ) هي وحي من عند الله لتكون معجزة ودليلًا على نبوة إسماعيل، وهذا التصوير الميتافيزيقي العجيب من رجل كالجاحظ هو الذي يعكس لنا تفكير القدماء في نشأة اللغة أصلًا، حيث كانوا يعتقدون أن ذلك التكوين الغريب المذهل (أي اللغة) لا يمكن أن يكون نتيجة صنع الإنسان؛ فمن المؤكد أن الإنسان آنذاك لم يكن جديرًا في نظرهم بأن يُخلَع عليه هذا الشرف؛ وذلك لنقص فكرتهم عن كفاح الإنسان عبر القرون، مئاتها، بل آلافها؛ إذ كان التاريخ من بدايته عندهم لا يتعدى بضعة آلاف من السنين على حين تؤكد بحوث علم الإنسان، وبحوث الجيولوجيا أن الحياة الإنسانية على ظهر الأرض لا يقل عمرها عن مليونين ونصف المليون من السنين» (في علم اللغة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٨٨، ص٦٩-٧٠).
٣  ر. ﻫ. روبنز: موجز تاريخ علم اللغة، ترجمة: د. أحمد عوض، عالم المعرفة، الكويت، العدد ٢٢٧، نوفمبر ١٩٩٧، ص٥٣.
٤  الصاحبي في فقه اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق السيد أحمد صقر، مطبعة الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ، ص٥.
٥  د. لطفي عبد البديع: عبقرية العربية، النادي الأدبي الثقافي، جدة، ط٢، ١٩٨٦، ص١٠.
٦  جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة، المكتبة العصرية، صيدا، ١٩٨٧.
٧  الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، ١٩٧٠، ص١٣٧-١٣٨.
٨  د. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٩١، ص١٧-١٨.
٩  الخصائص، ج١، ص٤١–٤٨.
١٠  أي كانت توقيفًا.
١١  الخصائص، ج١، ص٢٤٥-٢٤٦.
١٢  الخصائص، ج٢، ص٣٠.
١٣  د. لطفي عبد البديع: عبقرية العربية في رؤية الإنسان والحيوان والسماء والكواكب، كتاب النادي الأدبي الثقافي، جدة، ١٩٨٦، ص١١-١٢.
١٤  مصداقًا لقول الشاعر:
رأى الأمر يُفضي إلى آخرٍ
فصيَّر آخره أوَّلا
١٥  أمين الخولي: مشكلات حياتنا اللغوية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٧، ص٣٨.
١٦  الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، في: دفاتر فلسفية — ٥: اللغة، إعداد وترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، المغرب، ط٢، ١٩٩٨، ص٥٠.
١٧  الأسطورية أو الصانعة للأساطير Mythopeic.
١٨  ﻫ فرانكفورت وآخرون: ما قبل الفلسفة، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط٣، ١٩٨٢، ص٢٧-٢٨.
١٩  مشكلات حياتنا اللغوية، ص٤٠-٤١.
٢٠  «تتميز الظواهر الاجتماعية، كما أوضح إميل دوركايم، بخصائص رئيسية ثلاث: (١) أنها تتمثل في نظمٍ عامة يشترك في اتباعها أفراد مجتمعٍ ما، ويتخذونها أساسًا لتنظيم حياتهم الجمعية، وتنسيق العلاقات التي تربطهم بعضهم ببعض والتي تربطهم بغيرهم. (٢) أنها ليست من صنع الأفراد، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث من تلقاء نفسها عن حياة الجماعات، ومقتضيات العمران، وهذا هو ما يعنيه علماء الاجتماع إذ يقررون أنها من نتاج «العقل الجمعي». (٣) أن خروج الفرد على أي نظام منها يلقى من المجتمع مقاومة تأخذه بعقاب مادي أو أدبي، أو تلغي عمله وتعتبره كأنه لم يكن، أو تحول بينه وبين ما يبتغيه من وراء مخالفته وتجعل أعماله ضربًا من ضروب العبث العقيم … وهذه الخواص الثلاث تتوافر في اللغة على أكمل ما يكون» (د. علي عبد الواحد وافي، اللغة والمجتمع، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ١٩٧١، ص٣-٤).
٢١  أمين الخولي، مشكلات حياتنا اللغوية، ص٤٠–٤٤.
٢٢  د. علي عبد الواحد وافي، اللغة والمجتمع، ص٤.
٢٣  اللغة والمجتمع، ص٤-٥.
٢٤  أنيس فريحة: نحو عربيةٍ ميسرة، بيروت، ١٩٥٥، ص٧٢.
٢٥  أمين الخولي، مشكلات حياتنا اللغوية، ص٤٤-٤٥.
٢٦  أمين الخولي، مشكلات حياتنا اللغوية، ص٤٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠