الفصل السادس

التَّغيُّر اللُّغوي

التغير يحفظ نظام الأشياء، ويبقي العالم صبيًّا على الدوام.

ماركوس أوريليوس

الإنسان يحيا بالتغير، الحياة لم تعط له لكي يحفظها، بل لكي يغيرها.

أدونيس
يقول فرديناند دي سوسير: «إن الزمن يغير كل شيء، إذن ليس من سبب يجعل اللغة لا تخضع لهذا القانون العام … فاللغة لا حول لها في الدفاع عن نفسها في مواجهة القوى التي تُغَيِّر من لحظة إلى أخرى العلاقة بين المدلول والدال، وهذه إحدى نتائج الطبيعة الاعتباطية للعلامة.»١ وحيثما كان هناك جماعة بشرية تسير في الزمان فثم تغير سيعروها شاءت أم أبت، وليست اللغة من ذلك ببعيد، فالحق أن «الزمن إذ يفكك المدلول والدال فإنه لا يعمل في فراغ بل في مجتمع المتكلمين، فلا وجود للغة خارج الإطار الاجتماعي، وإذا نظرنا إلى اللغة ضمن الزمن وأهملنا مجتمع المتكلمين (تصور فردًا لوحده يعيش عدة قرون) ربما لا نلاحظ أي تغيير، فالزمن إذاك لن يؤثر في اللغة، وعلى العكس من ذلك، فإذا أخذنا بعين الاعتبار مجتمع المتكلمين وأهملنا الزمن لما رأينا أثر القوى الاجتماعية التي تؤثر في اللغة.»٢
«التطور أمرٌ لا مناص منه، ولا توجد لغة واحدة في العالم تقاومه، فما إن تمضِ فترة من الزمن حتى تدون بعض التغييرات الواضحة. إن التغيير أمرٌ لا بد منه حتى إنه ليظهر في اللغات الاصطناعية (غير الطبيعية). بوسع من يخترع لغةً ما أن يسيطر عليها قبل أن توضع موضع الاستخدام، ولكن ما إن تدخل في مجال الاستخدام لتحقيق الغاية التي وُضعت من أجلها حتى تصبح ملكًا لجميع الأفراد؛ فيفقد صاحبها السيطرة عليها.»٣
يقول فونت في كتابه «عناصر السيكولوجية الشعبية»: «اللغة يستحيل أن يخلقها فرد من الأفراد، صحيح أن أفرادًا قاموا باختراع الإسبرانتو وغيرها من اللغات الاصطناعية، إلا أن هذه الاختراعات كان من المستحيل تحقيقها ما لم تكن هناك لغة أصلًا، بل لم تستطع أي من هذه اللغات أن تعيل نفسها، ومعظمها لم يعش إلا بفضل عناصر مستعارة من لغات طبيعية.»٤ وعن هذه اللغة الاصطناعية يقول سوسير:٥ «ولنأخذ الإسبرانتو٦ على سبيل المثال: إذا نجحت هذه اللغة ستتحرر من القيد الذي فُرض عليها، فأغلب الظن أن الإسبرانتو بعد أن توضع قيد الاستخدام تدخل مرحلةً من الحياة الكاملة للعلامة اللغوية، وتنتقل طبقًا لقوانين تختلف تمامًا عن تلك التي وُضعت لتلائم طبيعتها المنطقية الأولى: ولن تعود إلى هذه الطبيعة أبدًا. إن الذي يقترح لغةً ثابتةً تستخدمها الأجيال المقبلة وتقبلها بطبيعتها الأولى فإن مثله كمثل الذي يضع تحت الدجاجة بيضة البط، فاللغة التي يخلقها هذا الرجل يجرفها، رغم صاحبها، التيار الذي يجرف بقية اللغات.»٧

يسير الزمن فتتغير حاجات الناطقين باللغة، وتتبدل الأجيال والأحوال، وأشكال الحياة وأنماط التفكير وأدوات العمل ووسائط المعلومات، تتغير اللغة بتغير الحياة، تتغير الأشياء وغطاؤها الرمزي.

(١) أسباب التغير اللغوي

(١-١) مبدأ الاقتصاد

من أسباب تغير اللغة مبدأ الاقتصاد في الجهد، أي ميل الناطقين إلى التعبير المفيد بأقل مبذول من الطاقة، مثال ذلك التخلص من الهمزة في لهجة قبائل الحجاز وفي معظم اللهجات العربية الحديثة، وانكماش «الأصوات المركبة» Diphthong، فتحول نطق «يَوم» إلى «يُوم»، و«نَوْم» إلى «نُوم»، و«بَيْت» إلى «بِيت»، و«عَيْن» إلى «عِين»، واندثار الأصوات الأسنانية (الثاء والذال والظاء) في بعض اللهجات العربية الحديثة، والقضاء على التفريعات الكثيرة والأنواع المختلفة للظاهرة الواحدة في داخل اللغة، مثال ذلك الاكتفاء بالتاء كعلامة تأنيث والاستغناء بها عن الألف المقصورة (فنقول: سَلمه، عَدوه، فَتوه، بلدًا من: سلمَى، عدوَى، فتوَى) وعن الألف الممدودة (فنقول: حَمره، صَحره، شَقره، بدلًا من: حمراء، صحراء، شقراء).
يشير فراي إلى أن ما دُرج على تسميته بالأغلاط في الاستعمال اللغوي العادي ما هو إلا محاولة لتبسيط التنظيم اللغوي، باتجاه الانتفاع إلى أقصى حد من المجهود الذي يقوم به متكلم اللغة، من حيث الإنتاج اللغوي، فينمُّ الاستعمال اللغوي عن حاجة ثابتة إلى الاختصار اللغوي والدقة في التعابير والتناسب المنطقي في التركيب٨

(١-٢) مبدأ القياس

القياس هو أهم الآليات الضالعة في إحداث التغيرات اللغوية، ويعني «القياس» Analogy في اللغة ارتجال ما لم نسمعه قياسًا على ما سمعناه، أو ابتكار كلمة أو تصريف من عندنا بالقياس على ما لدينا من كلمات أو تصريفات تشبهه، ويدخل القياس ضمن مبدأ «الاقتصاد» في المجهود وتخفيف العبء على الذاكرة، من خلال الحمل على الشائع المطرد وإقصاء الصيغ النادرة الشاذة وإعادة صياغتها على القاعدة المطردة؛ فتزول الاختلافات وتتوحد الظاهرة ويجري المختلف مجرى المؤتلف Leveling.
مثال ذلك أن الأفعال الشاذة الأنجلو سكسونية قد خضعت لتأثير القياس على المطرد في الألف سنة الماضية، من ذلك أن الفعل (Help) Helpen كان يُصَرَّف إلى الماضي healp والتصريف الثالث Holpen، ولكن بحلول القرن الرابع عشر كان هذا الفعل منتظمًا على القاعدة المطردة للأفعال الإنجليزية (Help، Helped، Helped)، وفي الحقبة الإنجليزية الوسيطة المبكرة تم انتظام أكثر من أربعين فعلًا بنفس الطريقة (شاملةً) Walk، Climb، Burn & Step، على أن عوامل اجتماعية من قبيل نشأة اللغة القياسية وتطور الطباعة قد أبطأت من عملية التغير؛ ولذا فما زالت الإنجليزية الحديثة اليوم تضم الكثير من الأفعال الشاذة، وإن كنا نصادف القياس وهو يعمل عمله عندما نسمع الناس تستخدم «القياس الخاطئ» False analogy في مثل كلمة Knowed، وعندما نسمع الأطفال وهم يتعلمون اللغة يجربون صيغة مثل Goned … إلخ.٩
حين يحدث القياس الخاطئ ثم يشيع ويدخل في متن اللغة يحدث التغير ثم يستتب، مثال ذلك في العربية أن كلمة «سراويل»، وهي للمفرد في الفارسية، تشبه صيغة من صيغ الجمع في العربية (فعاليل) فأخذ العرب يقيسونها على تلك الصيغة ويشتقون لها مفردًا قياسًا على ذلك الجمع، فيقولون «سروال»،١٠ ومثل ذلك بالضبط ما حدث في الكلمة اليونانية Paradeisos فإنها مفرد، غير أن مشابهتها للجمع (فعاليل) جعل العرب يشتقون منها مفردًا، هو «فردوس»، وكذلك كلمة «كرونوس»  Kronos في اليونانية، والكلمة الألمانية Groschen التي دخلت العربية بطريق التركية، هاتان الكلمتان مفردتان في لغتيهما، غير أنهما تشابهتا في العربية مع صيغة الجمع «فُعُول» فاشتُقَّ منها مفردان جديدان هما: «قرن» (من الزمان)، و«قرش» (من القروش)،١١ وهكذا أيضًا دخلت كلمة Pea في الإنجليزية، فمنذ أربعمائة سنة كانت كلمة Pease تُستخدم بمعنى بازلاء سواء واحدة أو حزمة، ولكن بمرور الزمن افترض الناس أن Pease صيغة جمع واشتقوا منها مفردها فوُلِّدتْ كلمة Pea.

ويؤثر القياس أيضًا في تراكيب الجمل، فالنمط «فاعل – فعل – مفعول» في اللغة الأنجلوسكسونية كان ينطبق على العبارات الرئيسية فحسب بينما كان المفعول يسبق الفاعل في العبارات الفرعية أو التابعة، أما في الإنجليزية الحديثة فكلا الصنفين من العبارة يتخذ نفس النظام (فاعل – فعل – مفعول).

ليس من شأن القياس أن يخلق أنماطًا نحوية جديدة، إنما هو، ببساطة، يوسع نطاق نمط قائم بالفعل في اللغة، ثمة عمليات أخرى غير القياس تضطلع بدور أكثر جذرية فتخلق أنماطًا جديدة وتطمس أنماطًا قديمة، من ذلك أن العلاقة بين الفاعل والفعل في اللاتينية كانت تتمثل في نهايات إعرابية، ولم يكن لترتيب عناصر الجملة أهمية تذكر، أما في اللغات الرومانية الاشتقاق Romance Language فمثل هذه العلاقات تتمثل في ترتيب الكلمات، وفي اللغات الهندوأوروبية المبكرة كانت هناك ثلاث صيغ للجنوسة النحوية: المذكر Masculine والمؤنث Feminine والمحايد  Neuter، وقد بقيت القسمة الثلاثية في الألمانية واليونانية، واختزلت إلى اثنتين في السويدية (عام، ومحايد)، والفرنسية (مذكر، ومؤنث)، وتلاشت تمامًا في الإنجليزية.١٢

(١-٣) الاتصال بلغةٍ أخرى

من أسباب التغير في اللغة اتصالها بلغة أخرى من خلال الغزو أو الهجرة أو التجارة، ومن أهم صور التغير في حالة احتكاك اللغات «الاقتراض». فقد اقترض العرب، على سبيل المثال، ألفاظًا أعجمية من لغات كثيرة، عن طريق الاشتقاق والنحت والمجاز، أو عن طريق تعريب اللفظة الأجنبية إذا كانت تدل على معنًى اصطلاحي دقيق يخشى ضياعه في ثنايا اللفظ العربي.

من الألفاظ الفارسية التي انتقلت إلى العربية: الكوز، الإبريق، الطست، الخوان، الطبق، السكرجة، السمور؛ الخز، الديباج، السندس؛ الياقوت، الفيروز، البلور؛ السميذ، الكعك، الفالوذج؛ الفلفل، الكرويا، القرفة، الزنجبيل، الخولنجان، الدارصيني؛ النرجس، البنفسج، السوسن، الياسمين، الجلنار؛ المسك، العنبر، الكافور، الصندل، القرنفل.١٣
ومما انتقل من اليونانية إلى العربية: البطريق، القنطرة، الفردوس، القرميد، القسطاس (الميزان)، القنطار، البطاقة، السجنجل (المرآة). ومما انتقل من اليونانية من خلال السريانية: إنجيل، أسطوانة، أسقف، ناموس، إسفنج. ومن الآرامية: شيطان، سكين، سارية.١٤ ومن الألفاظ الأخرى الشهيرة التي أخذها العرب من الفارسية والسريانية واليونانية: الديوان، العسكر، البند (العلم الكبير)، الصهريج، القيروان (القافلة)، الطنبور؛ البابونج، الزرنيخ، الملنخوليا، الأصطرلاب، الطلسم، المغناطيس، القانون، الأسطول، الفلسفة، الهيولي … إلخ.١٥
أما ما أخذته اللغات الأخرى من العربية فلا يكاد يُحصى، فمعظم مفردات الفارسية الحديثة عربي الأصل، ومعظم مفردات التركية عربي أو فارسي، وثلاثة أرباع مفردات الأردية عربي أو فارسي، وفي الإنجليزية الحديثة كلمات كثيرة من أصل عربي مثل: Lemon, Muslin, Saffron, Sherbet, Syrup, Sugar, Camphor, Candy, Coffee, Cotton, Crimson, Cumin, Damask وهي على الترتيب: الليمون، الموصلي (نسيج خاص ينسب إلى الموصل)، الزعفران، الشراب، السكر، الكافور، القنوة (عسل القصب المجمد)، القهوة، القطن، القرمزي، الكمون، الدمشقي (نسيج).١٦

(١-٤) تغير أشكال الحياة

من أسباب التغير اللغوي تغير أشكال الحياة ومعالم الثقافة ووسائط الاتصال، وبزوغ مفاهيم جديدة تتطلب مصطلحات جديدة. من ذلك أن كثيرًا من الألفاظ العربية قد تجردت من معانيها العامة القديمة وأصبحت تدل على معانٍ خاصة تتصل بالعبادات والشعائر، أو شئون السياسة والإدارة والحرب، أو مصطلحات الفلسفة والكلام والفقه، أو مصطلحات النحو والصرف والعروض … إلخ، من ذلك: الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج؛ الخليفة، الإمام، أمير المؤمنين، الوالي، القاضي، الكاتب، المشير، الشرطة؛ الوظيفة، القطائع؛ الجريدة، الصائفة، الشاتية، المرتزقة، المتطوعة، الشحنة، الثغور، العمارة، دار الصنعة، ديوان الجند؛ ديوان الرسائل، ديوان الخاتم، السرير، السكة، الطراز، المقصورة؛ التعجب، التوكيد؛ الحد، التعزير، الشبهة، القياس؛ التعريف، القضية، السالبة، الموجبة، المقدمة، النتيجة؛ الصرع، الاستسقاء، الذبحة، الربو، الأمزجة؛المثلث، المربع، الدائرة؛ الكون، الحدوث، القِدَم، الوجود، العرض، الجوهر … ومن آثار الإسلام كذلك قضاؤه على كثير من الألفاظ العربية الجاهلية التي تدل على نظم حرمها الإسلام كأسماء الأنصبة التي كانت لرئيس الحرب في الجاهلية (المرباع والصفايا والنشيط والفضول)، وكألفاظ الإتاوة والمكس والحلوان والصرورة والنوافج. وقضى الإسلام كذلك على أسماء الأيام والأشهر في الجاهلية لاتصال بعضها في أذهان العرب بشئونٍ وثنية أو نظمٍ جاهلية واستبدل بها أسماءها الحالية.١٧

(١-٥) تأثير الكتاب والمترجمين والمجامع العلمية

للكتاب والأدباء والمترجمين أثرٌ كبير في نهضة اللغة وتهذيبها واتساع نطاقها وزيادة ثروتها. والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم، فأكبر الفضل في نهضة العربية في العصر العباسي يعود إلى العلماء والأدباء والمترجمين عن اليونانية والفارسية؛ لقد اقتبسوا مفردات أجنبية وطوَّعوها لمقتضيات العربية؛ فاتسع متن اللغة وازدادت مرونةً وقدرة على التعبير عن العلوم والآداب، كذلك الأمر في عصر النهضة الحديثة في مصر والشام؛ إذ أفاد الكتاب والأدباء والعلماء من أساليب اللغات الأوروبية وتأثروا بها، وترجموا وعرَّبوا الكثير من مصطلحات الأدب والعلم، ونقلوا الكثير من مذاهب الفن والأدب والفكر، وكان للأدباء والشعراء والعلماء فضلٌ كبير في إحياء الكثير من المفردات القديمة والمهجورة، فكثيرًا ما يلجأ المبدعون إلى بعث الألفاظ المنسية للتعبير عن معانٍ لا يجدون لها مفردات راهنة تعبر عنها تعبيرًا دقيقًا، أو يلجئون لذلك ترفعًا عن المفردات المبتذلة التي لاكتها الألسنة. وبكثرة الاستعمال تُبعث هذه المفردات خلقًا جديدًا ويزول ما فيها من غرابة وتندمج في المتداول المألوف. من ذلك أن البارودي وشوقي بعثا مئات الألفاظ من مرقدها فصارت مألوفةً واتسع بها متن اللغة وزادت قدرتها على التعبير، وكذلك فعل غيرهما من الشعراء والناثرين فردُّوا إلى العربية شطرًا كبيرًا من ثروتها المفقودة، وكشفوا عن عدة نواحٍ من كنوزها المدفونة في أجداث المعجمات.١٨ إن حاجة المبدع، كاتبًا أو شاعرًا، إلى توضيح الدلالة أو تقوية أثرها في الذهن تحمله على ابتكار تعبيراتٍ جديدة سرعان ما تجد طريقها إلى متن اللغة، كذلك تقوم المجامع اللغوية والهيئات العلمية بالابتداع اللغوي حين تحتاج إلى استخدام لفظ ما للتعبير عن فكرةٍ أو مفهوم معين، وبهذا تعطي الكلمة معنًى جديدًا يبدأ أول الأمر اصطلاحيًّا، ثم قد يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك، ومثال ذلك كلمة Root (جذر) التي يختلف معناها بحسب مهنة المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي.١٩

(١-٦) عوامل داخلية في ذات اللغة

إن بنية اللغة ذاتها، متنها وأصواتها وعناصر كلماتها ودلالاتها وقواعدها، تنطوي على خصائص تعمل هي نفسها في صورةٍ آلية على التطور اللغوي وعلى توجيهه وجهةً خاصة، إنه الطابع «الكموني» أو «المُحايث» Immanent ﻟﻟ «بنية» Structure الذي ألحَّ عليه البنيويون واضطلع جيل دولوز بتبيانه: إن كل ما يطرأ على «البنية» من أحداث أو عوارض لا يقع لها «من الخارج»، وإنما ينبع مما تنطوي عليه البنية ذاتها من ميولٍ كامنة واتجاهات باطنة تكون هي المسئولة عن كل ما يعرض لها من تغيرات.٢٠
من عوامل تطور أصوات اللغة تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض، وموقع الصوت من الكلمة، وتناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض، فالأصوات الساكنة تتفاعل فيما بينها، فيتجاذب المختلف ويتنافر الشبيه (مثلما تسلك الشحنات الكهربية!) فإذا تجاور في الكلمة صوتان مختلفان أو تقاربا في المكان فقد يتحول أحدهما إلى صوت الثاني، مثل كلمة «شمس» التي تحولت في بعض اللهجات العامية إلى «سمس» (بل تحولت في بعض لهجات الصعيد إلى «شمش»)، وفقًا لقانون «المماثلة» أو «التشاكل» Assimilation. وإذا تجاور صوتان متماثلان أو تقاربا في المكان فقد يميل اللسان إلى ضروب من التغيير الذي يرمي إلى الفرار من الثقل، ذلك أن اللسان يتعثر إذا اضطر إلى نطق حروف متشابهة تتكرر وتتتابع، فالصوتان المتماثلان يحتاجان إلى جهد عضلي في النطق بهما في كلمة واحدة، ولتيسير هذا المجهود العضلي يقلب أحد الصوتين صوتًا آخر أو يحذفه، وفقًا لقانون «المخالفة» Dissimilation، وقد فطن قدماء اللغويين لهذه الظاهرة وكانوا يعبرون عنها أحيانًا ﺑ «كراهية التضعيف»، أو «كراهية اجتماع حرفين من جنس واحد» أو «استثقلوا اجتماع المثلين» … إلخ.٢١
وقد وُجد أن موقع الصوت في الكلمة يعرضه لصنوفٍ من التطور والانحراف: فوقوع أصوات اللين في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحيانًا إلى تحولها إلى أصواتٍ أخرى، من ذلك ما لحق بالحركات (الفتحة والكسرة والضمة) في أواخر الكلمات، وهي أصوات لين قصيرة، فقد سقطت في جميع اللهجات العامية، وبذلك سقطت أيضًا وظيفتها في الجملة وانقلب النظام اللغوي من نظام المرونة الإعرابية إلى نظام الترتيب المقيد، كما أشرنا إلى ذلك في موضعه، كذلك تضاءلت أصوات اللين الطويلة الواقعة في آخر الكلمات (فتحولت «رمى» مثلًا إلى «رمَ»، و«ضربوا» إلى «ضربُ»، و«مصطفى» إلى «مصطفَ» … إلخ)، كذلك فإن معظم أصوات اللين المتطرفة في اللاتينية قد انقرضت في اللغات المنشعبة عنها. ووقوع الصوت الساكن في آخر الكلمة يجعله كذلك عرضة للتحول أو السقوط، من ذلك ما حدث في العربية بصدد التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء المتطرفتين (محمدٌ ولدٌ مطيعٌ، الأولاد يعلبون، الهواء شديدٌ، انتظرته ساعةً كاملةً — تحولت إلى: محمدْ ولدْ مطيعْ، الأولادْ بيلعبُ، الهَوَ شْدِيدْ، انتظرت ساعَ كَمْلَ)،٢٢ وفي اللاتينية انقرضت معظم الأصوات الساكنة من أواخر الكلمات في اللغات الرومانية المنبثقة عنها. والحق أن سقوط الأصوات اللينة والساكنة من أواخر الكلمات في جميع الألسنة قد أحدث انقلابًا كبيرًا في عالم اللغات: فقد كان من آثاره انقراض «طريقة الإعراب» في كثير من اللغات التي كانت تسير عليها كالعربية واللاتينية وما إليهما،٢٣ ويرفض جاسبرين اعتبار سقوط الإعراب في اللغات المتفرعة عن اللاتينية كمظهر انحطاطٍ لغوي، ويرى في هذه الظاهرة تطورًا باتجاه التبسيط بصورةٍ عامة، وباتجاه ملاءمة اللغة لظروف التعبير.٢٤
ووقوع الصوت في وسط الكلمة يعرضه كذلك لصنوف من التغير والانحراف. فمن ذلك ما حدث بصدد الهمزة الساكنة الواقعة وسط الثلاثي، فقد تحولت إلى ألف لينة في العامية (فيقال: فاس، راس، فال … بدلًا من فأس، رأس، فأل … إلخ)، كذلك الياء والواو الساكنتان في وسط الكلمة تحولتا إلى صوتَيْ لين (عَيْن تحولت إلى عِيْن، يَوْم إلى يُوم … وهكذا).٢٥
ووقوع الصوت في أول الكلمة يجعله كذلك عرضة للانحراف، فمن ذلك ما حدث في بعض المفردات العربية المفتتحة بالهمزة، إذ تحولت همزتها في بعض اللهجات العامة إلى فاء أو واو («أُذن» تحولت في العامة إلى «ودن»، و«أين» إلى «فين» …)، وقد تتبادل الأصوات مواقعها في الكلمة ويحل بعضها محل بعض (النقل المكاني)، مثلما تتحول «أرانب» في العامية المصرية إلى «أنارب» وتتحول «مسرح» إلى «مرسح» … إلخ، وقد تتناوب أصوات اللين (القصيرة كما تتمثل في تناوب الحركات وانحراف أوزان الكلمات في العامية فتتحول «يَعوم» إلى «يِعوم» و«يَضرِب» إلى «يِضرب» و«مُحمد» إلى «مَحمد» … إلخ، والطويلة كما تتمثل في الإمالة في بعض اللهجات … إلخ)، كما تتناسخ الأصوات الساكنة فتتحول الصاد إلى سين («مصير» إلى «مسير»، و«يصدق» إلى «يسدق» … إلخ) واللام إلى ميم («البارحة» إلى «إمبارح») والميم إلى نون («فاطمة» إلى «فاطنة»، وهلم جرًّا).٢٦

ضروب التغير الدلالي

من الأمثلة النموذجية على التطور الدلالي ما حدث لكلمة «السيد»: فقد كانت هذه اللفظة في البداية هي متضايف Correlative كلمة «عبد»: فالسيد هو من له عبد، أو هو مقابل العبد، ثم تطور استعمال كلمة «السيد» لتدل على صاحب النفوذ والسلطان، ثم استخدمت في الغزل: على سبيل المثال يقول البحتري:
سيدي أنت ما تعرضتُ ظلمًا
لأُجازَى به ولا خنتُ عهدا

ثم أصبحت كلمة «سيد» تعني «الهاشمي»، وهي عند الإخوة الشيعة لقب للمرجع الشيعي العلمي، وفي العصر الحديث، وبعد تقليص الفوارق بين الطبقات وإلغاء الألقاب أصبح الناس جميعًا يلقبون ﺑ «السيد»، وصارت الكلمة لقبًا يسبق الأسماء جميعًا على سبيل الاحترام والتأدب، وقد استجدَّت في الفترة الأخيرة كراهة معينة لاستعمال هذه الكلمة في بعض الأوساط العربية المتحفظة.

(أ) توسيع المعنى (التعميم) Widening/Extension

وذلك نتيجة إسقاط بعض الملامح التمييزية للفظ، فيتسع «مفهومه» Intension وتزداد «ماصدقاته» Extension، أي أن معنى الكلمة يتسع ويمتد لتشمل ما لم تكن تشمله في الماضي. أمثلة ذلك:
  • كلمة Salary التي تعني الراتب، وهي كلمة من أصل لاتيني كانت تعني في بدايتها القديمة حصة الجندي من الملح، ثم صارت بمرور الزمن تعني مرتب الجنود، وانتهت في زمننا الحديث إلى أن تعني أي مرتب لأي عمل.
  • كلمة Picture كانت تطلق على اللوحة المرسومة، واتسع معناها الآن ليشمل أي صورة بما فيها الصورة الفوتوغرافية.
  • كلمة Virtue (الفضيلة) كانت في اللاتينية صفة ذكورية، فاتسع معناها لتشمل كلا الجنسين.
  • كلمة Barn كانت تعني «مخزن الشعير»، ثم صارت تعني مخزن أي نوع من الحبوب، وربما على أي مخزن لأي شيء.
  • كلمة Manuscript (حرفيًّا أي مخطوط باليد) تتسع الآن لأي مخطوط مكتوب باليد أو مطبوع بالآلة الكاتبة.
  • كلمة Dog كانت قديمًا تعني سلالة معينة من الكلاب، وصارت الآن تشمل جميع السلالات.
  • كلمة Girl كانت تعني طفلة صغيرة، وقد اتسع معناها ليشمل أيضًا أي امرأة من أي عمر.
  • كلمة Arriver الفرنسية كانت تدل في الأصل، كما تشير بنيتها، على الوصول إلى الشاطئ، ثم صارت تستعمل في كل وصول.
  • القافلة: في الأصل هي الرفقة الراجعة من السفر، يقال «قفلت» أي رجعت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم، ولا يقال لمن خرج من مكة إلى العراق قافلة حتى يصدروا (أدب الكاتب). ويقول ابن الأنباري: «القافلة عند العرب الرفقة الراجعة من السفر، والعامة تظن أن القافلة في السفر ذاهبة كانت أو راجعة»، ويقول ابن الجوزي: «وتقول للرفقة الراجعة من السفر قافلة والعامة تقول لمن ابتدأ أو عاد»، ويقول البغدادي: «القافلة هي الراجعة، فأما الذاهبة فالسفر، ولا يقال قافلة إلا بطريق التفاؤل»، ويقول الجواليقي: «سميت قافلة تفاؤلًا بقفولها عن سفرها الذي ابتدأته، وما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلًا بأن ييسر الله لهم القفول وهو شائع في كلام فصحائهم» (اللسان، مادة قفل). وبذلك يكون الجواليقي مخالفًا لما أقره العلماء، غير أن رأيه صحيح على سبيل المجاز، وعلى سنة العرب في كلامها. وقد سارت اللغة في السبيل التي ارتآها، وكلنا يستعمل لفظة «القافلة» الآن لرفقة السفر ذاهبة كانت أو راجعة.٢٧
  • الوِرد: في الأصل إتيان الماء، ثم اتسع معناها ليشمل كل شيء.

  • الوَرد: تطلق على ذلك الصنف المعروف من الأزهار، وقد اتسع معناها وصارت تطلق أيضًا على كل زهر.

  • حمة: هي في الأصل سم العقرب وضرها، وقد صارت تستعمل لشوكتها وسمها وضرها معًا.

  • العربة: كانت مقصورة على العربة التي تدفع باليد أو تجرها الدواب، وصارت تشمل كل السيارات الآلية.

  • اللبن: كان يخص لبن الناقة والشاة وغيرهما من الدواب، (أما الذي ترضعه الأم ابنها فهو لِبان)، وقد تطور معنى اللبن ليشمل الناقة والشاة والمرأة المرضع التي كان يختص بها اللبان.

  • النجعة: أصلها طلب الغيث، ثم صار كل طلب انتجاعًا.

  • الرائد: في الأصل طالب الكلأ، ثم صار طالب كل حاجة رائدًا.

  • البأس: في الأصل الحرب، ثم كثر استخدامه في كل شدة.

(ب) التضييق (التخصيص) Narrowing

وهو تقلص نطاق المعنى واقتصاره على شيء بعينه من بين الأشياء التي كان يشملها في الماضي، وذلك نتيجة إضافة بعض الملامح التمييزية أو المكونات الدلالية للفظ، فكلما زادت المكونات الدلالية لشيء قل عدد أفراده (كلما ضاق المفهوم قل الماصدق). والتضييق هو التغير الدلالي الأغلب في اللغة، يقول السيوطي في «الإتقان»: «ما من عامٍّ إلا ويتخيل فيه التخصيص.» ويقول د. إبراهيم أنيس: «يرجع ذلك إلى أن الناس في حياتهم العادية يكتفون بأقل قدرٍ ممكن من دقة الدلالات وتحديدها، ويقنعون في فهم الدلالات بالقدر التقريبي الذي يحقق هدفهم من الكلام والتخاطب.»٢٨ ويقول د. علي عبد الواحد وافي: «وكثرة استخدام الكلمة في مدلول ما؛ لحدوث ما يدعو إلى ذلك في شئون الحياة الاجتماعية وما يتصل بها، يجردها — مع تقادم العهد — من مدلولها الأصلي، ويقصرها على الناحية التي كثر فيها استخدامها، فكثرة استخدام العام مثلًا في بعض ما يدل عليه، لسبب اجتماعي ما، يزيل مع تقادم العهد عموم معناه، ويقصر مدلوله على الحالات التي شاع فيها استعماله، ولدينا في اللغة العربية وحدها آلاف من أمثلة هذا النوع، فمن ذلك جميع المفردات التي كانت عامة المدلول ثم شاع استعمالها في الإسلام في معانٍ خاصة تتعلق بالعقائد أو الشعائر أو النظم الدينية: كالصلاة والحج والصوم والمؤمن والكافر والمنافق والركوع والسجود … وهلم جرًّا. فالصلاة مثلًا معناها في الأصل الدعاء (وقد جاء على الأصل قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)، ثم شاع استعمالها في الإسلام في العبادة المعروفة لاشتمالها على مظهر من مظاهر الدعاء، حتى أصبحت لا تنصرف عن إطلاقها إلى غير هذا المعنى، والحج معناه في الأصل قصد الشيء والاتجاه إليه، ثم شاع استعماله في قصد البيت الحرام، حتى أصبح مدلوله الحقيقي مقصورًا على هذه الشعيرة.»٢٩

من أمثلة التضييق في الدلالة

  • كلمة Mete في الإنجليزية القديمة كانت تشير إلى الطعام أو الغذاء بصفةٍ عامة، وما زال أثر المعنى العام في كلمة Sweetmeat (مربى أو حلوى)، وقد ضاق معناها الآن ليخص صنفًا واحدًا من الطعام.
  • كلمة Hound الإنجليزية كانت في الأصل تشير إلى جميع الكلاب، وقد ضاق معناها الآن ليخص نوعًا بعينه منها.
  • كلمة Pill الإنجليزية تعني «قرص» من أي نوع، وقد صارت في الولايات المتحدة تعني أقراص منع الحمل بخاصة، واحتفظ للمعنى العام لفظ Tablet.
  • كلمة Poison (سُم) الإنجليزية كانت تعني «الجرعة من أي سائل».
  • كلمة Corpse الإنجليزية كانت تعني ما يعنيه أصلها اللاتينية Corpus أي «الجسم» البشري أو غير البشري، حيًّا أو ميتًا، وقد ضاق معناها ليخص جثة الإنسان الميت.
  • كلمة Shtraf الروسية، المأخوذة من الألمانية، كانت تعني «العقوبة» بصفةٍ عامة، ثم ضاق معناها لتدل على «الغرامة المالية» فحسب.
  • حريم: كانت في الأصل تدل على كل محرم لا يُمس، ثم أصبحت تدل على النساء.

  • العيش: ضاق معناها لتدل على «الخبز» (في مصر)، وعلى «الأرز» (في بعض البلاد العربية).

  • فاكهة: كان معناها في الأصل «الثمار كلها»، ثم تخصص معناها ليقتصر على ثمار معينة مثل العنب والموز والبرتقال والتفاح … إلخ.

  • مأتم: في الأصل تعني اجتماع الناس، نساءً ورجالًا، في الخير والشر، في الفرح والحزن، وقد ضاق معناها لتعني اجتماع النساء للموت، وهي الآن تعني اجتماع الناس في الأحزان.

  • طَرَب: كانت تعني خفة تعتري المرء في الفرح أو الحزن، يقول النابغة الجعدي:

    وأراني طرِبًا في إثرهمْ
    طربَ الوالهِ أو كالمختبلْ

    ويقول المتنبي:

    لا يملك الطرِبُ المحزون منطقه
    ودمعَه وهُما في قبضةِ الطرَبِ

    والطرب في البيتين يعني الحزن، وقد تطور معنى الطرب وسقط منه ملمح الحزن واستبقي ملمح الفرح، وصارت الكلمة تعني الفرح فحسب، أو اهتزاز النفس للجمال من نغم أو تعبير.

  • وعد: وكانت تستعمل في الخير والشر أيضًا (النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا (الحج: ٧٢))، وقد صارت الآن تستعمل في الخير فقط، واختصت كلمة «وعيد» بالشر.
  • حمام: كانت تطلق على ذوات الأطواق وما أشبهها كالفواخت والقَماريِّ واليمام والقَطا، ثم ضاق معناها ليدل على ذلك النوع بعينه من الطيور.

  • الرَّثُّ: هو الخسيس من كل شيء، ثم قصر مدلولها على الخسيس مما يفرش أو يُلبس.

  • المُدام: في الأصل كل ما سكن ودام، ثم شاع استعمالها في الخمر لدوامها في الدن، أو لأنه يُغلى عليها حتى تسكن.

(ﺟ) التحول (النقل) Shift

أي انتقال الكلمة من مجموعة من الأحوال إلى أخرى.
  • كانت كلمتا «ملاحة» Navigation و«ميناء» Port مقصورتين على مجال السفن أو المجال البحري والنهري، وقد انتقل معناهما الآن ليشمل المجال الجوي والبري، ويمكن أن يعد هذا أيضًا ضمن «التوسيع» الدلالي Widening.
  • كلمة Bead (خرزة) كانت في الإنجليزية القديمة Gebet وتعني التضرع والدعاء، إذ كان الكهنة الكاثوليك يعدون تسبيحاتهم وأدعيتهم على حبات منظومة في خيط، ثم صارت Bead أو Bede في الإنجليزية الوسيطة تدل على المعنيين: دعاء، وحبات عدِّ الأدعية.
  • شنب: كانت تعني جمال الثغر وصفاء الأسنان، يقول ذو الرمة:

    لمياءُ في شفتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ
    وفي اللِّثاثِ وفي أنيابها شَنَبُ

    وصارت الكلمة الآن تعني الشارب عند العامة.

  • السُّفرة: كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر، وصارت تعني المائدة وما عليها من الطعام.

  • طول اليد: كان يكنى به عن السخاء، وصار يكنى به عن الميل إلى السرقة.

  • التنزُّه: كانت في الأصل تعني «التباعد» عن الأقذار، وأحيانًا عن المياه والريف! وقد تطورت الآن لتعني البعد عن الصخب والفلوات إلى البساتين والخضر.

  • القطار: هو في الأصل عدد من الإبل على نسقٍ واحد تستخدم في السفر وفي النقل، وقد تغيَّر الآن معناها لتطور وسائل النقل.

(د) الاستعمال المجازي Figurative use

وهو تحول في المعنى قائم على مماثلة أو مشابهة بين الأشياء.

  • كلمة Crane (كركي) وهو طائر طويل العنق، وتستعمل الآن لتعني الرافعة أيضًا.
  • كلمة Bureau (مكتب) كانت في الأصل تدل على نوع من نسج الصوف الغليظ، ثم أطلقت على قطعة الأثاث التي تغطى بهذا النسج، ثم على قطعة الأثاث التي تستعمل للكتابة أيًّا كانت، ثم على الغرفة التي تحتوي على هذه القطعة من الأثاث، ثم على الأعمال تعمل في هذه الغرفة، ثم على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال، ثم على أية مجموعة من الأشخاص تقوم بإدارة إحدى الإدارات أو الجمعيات.٣٠
يقول الأستاذ محمد المبارك: «ينتقل اللفظ من الدلالة الحسية (الحقيقية) إلى الدلالة المعنوية (المجازية) نتيجة كثرة الاستعمال وتأثير مرور الزمن، فاستعماله بالمعنى الجديد في بادئ الأمر عن طريق المجاز، ولكنه بعد كثرة الاستعمال وشيوعه بين الناس تذهب عنه هذه الصفة وتصبح دلالته على مدلوله الجديد حقيقية لا مجازية.»٣١ ويقول د. أحمد مختار عمر: «وعادة ما يتم الانتقال المجازي بدون قصد، وبهدف سد فجوةٍ معجمية، ويميز الاستعمال المجازي من الحقيقي للكلمة عنصر النفي الموجود في كل مجازٍ حيٍّ، وذلك كقولنا: رِجْل الكرسي ليست رِجلًا، وعين الإبرة ليست عينًا … وقد يحدث بمرور الوقت أن يشيع الاستعمال المجازي فيصبح للفظ معنيان، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى الحقيقي ويقضي عليه، وميز بعضهم بين الأنواع الثلاثة الآتية للمجاز:
  • (١)

    المجاز الحي: الذي يظل في عتبة الوعي، ويثير الغرابة والدهشة عند السامع.

  • (٢)
    المجاز الميت، أو الحفري Fossil: وهو النوع الذي يفقد مجازيته ويكتسب الحقيقية من الأُلفة وكثرة التردد.
  • (٣)
    المجاز النائم، أو الذاوي Faded: ويحتل مكانًا وسطًا بين النوعين السابقين، والفرق بين المجاز الميت والمجاز النائم هو — جزئيًّا — سؤال عن درجة الوعي اللغوي.»٣٢

أمثلة أخرى

  • المجد: معناه الأصلي امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم كثر استخدامه مجازًا في الامتلاء بالكرم وطيب السمعة وبُعد الصيت، وانقرض معناه الأصلي، وأصبح حقيقة في هذا المعنى المجازي.

  • الأفَن: هو قلة لبن الناقة، وانتقل إلى نقص العقل.

  • الوغَى: هو اختلاط الأصوات في الحرب، وانتقل إلى الحرب نفسها.

  • بنى الرجل على امرأته: عبارة كانت كناية عن دخوله بها؛ لأن الشاب البدوي كان إذا تزوج يبني له ولأهله خباءً جديدًا، وقد فقدت الآن معناها الأصلي لانقراض هذا النظام، وإن كانت لا تزال تستخدم كنايةً عن الزفاف.

  • الراوية: تعني في الأصل الجمل الذي يحمل قربة الماء، وقد صارت تعني القربة نفسها (مجاز مرسل) لعلاقة المجاورة بين البعير الذي يحمل الماء في آنيته وبين الإناء المحمول.

  • البريد: في الأصل الدابة التي تحمل عليها الرسائل، ثم تطور مدلولها لتُطلَق على الرسائل المنقولة، وعلى النظم والوسائل المتخذة لهذه الغاية في العصر الحاضر.

  • الغفر، والغفران: من الستر، وانتقل إلى الصفح عن الذنوب.

  • ساق الرجل إلى المرأة مهرها: كان هذا التعبير يستخدم قديمًا حينما كان المهر عددًا من الأنعام، ولكن بعد أن تغير العُرف وصار المهر نقودًا أُعطي الفعلُ معنًى أوسع واحتفظ بحيويته.٣٣
  • لسان القوم (أو المتحدث باسم …): صار يستعمل بمعنى المتكلم عن قومه أو مؤسسته، على سبيل المجاز المرسل (إطلاق اسم الجزء على الكل).

(١-٧) الانحطاط الدلالي Deterioration/pejoration

هو تغيُّر يلحق بمعنى اللفظة فيكسبها دلالةً سلبية، ومن أمثلته:
  • كلمة Sir وLady: هي في الأصل ألقاب شرف رفيعة لا تحظى بها إلا الطبقة العليا أو من تمنحه الأمة هذا اللقب تقديرًا لمكانته الاستثنائية (مثل سير كارل بوبر)، غير أنه شاع إطلاقها اليوم على الأشخاص العاديين نتيجة التغيرات الكبيرة الاجتماعية والسياسية التي شهدتها أوروبا في العصر الحديث.
  • كلمة Constable كانت تعني «كونت الاصطبلات»، وهي شخصية سامية كانت توجد في البلاط الملكي في أوروبا في العصور الوسطى، هذه الكلمة ما تزال تحتفظ بمكانتها الراقية في مثل: Chief Constable (رئيس الشرطة)، ولكنها فقدت هذه المكانة في Police Constable (كونستابل شرطة).٣٤
  • كلمة Notorious كانت في الأصل تعني «مشهور»، ثم انحدرت دلالتها وصارت تعني «مُشَهَّر» أي مشهور بشيء قبيح.
  • كلمة Dogmatic في الأصل تعني «ذو اعتقاد راسخ»، وكانت كلمة Dogma تعني عقيدة أو مبدأ هاديًا ومرشدًا، وقد انحدرت دلالتهما واقتصرت على اليقين المتصلب الجازم اللاعقلاني.
  • كلمة Skeptic تأتي من الكلمة اليونانية القديمة Skeptikos التي تعني «متسائل» أو «مستعلم»  Inquiring، أي الشخص الذي يسأل ويلتمس الإجابات ولم يصل بعد إلى اعتقاداتٍ راسخة، ثم تغير معناها وصارت تعني «الشاكَّ» أو «المرتاب».
  • حاجب: كانت تعني في الدولة الأندلسية «رئيس الوزراء»!

  • أفندي: تركية كانت تعني في الأصل مركزًا رفيعًا ومنصبًا مرموقًا.

(١-٨) «الارتقاء» أو «التحسُّن» الدلالي Melioration/Amelioration

يقابل الانحطاط الدلالي الارتقاء الدلالي، حيث تكتسب اللفظة دلالةً إيجابيةً أو يزايلها ما كان لها في الأصل من دلالةٍ سلبيةٍ، ومن أمثلتها:
  • كلمة Marshal الإنجليزية (مشير): كلمة من أصل جرماني معناه السايس أو خادم الإصطبل أو الغلام الذي يتعهد الأفراس (Mares).
  • كلمة Angel كانت تدل على «الرسول» الذي يشبه «موزع البريد» في أيامنا، ثم رفع الفقهاء هذا اللفظ باستعماله للدلالة على الكائن الوسيط بين العقل الإلهي والعقل الإنساني.٣٥
  • كلمة Knight التي تعني الآن لقب «فارس» أو «سير»، وكانت تعبر في فروسية القرون الوسطى عن مركزٍ مرموق، وقد انحدرت إلى اللغات الأوروبية من معنًى أصلي هو «ولد خادم».٣٦
  • كلمة Minister (وزير) كانت قديمًا تعني «خادم» (ولا تزال تستعمل كفعل بمعنى يسعف أو يعين أو يقدم خدمة).
  • كلمة Wicked بمعنى شرير أو خبيث، صارت في السياقات العامية تعني «ذكي» أو «متألق» أو كقولنا في عاميتنا «شاطر».
  • كلمة Mischievous (مؤذٍ) فقدت كثيرًا من حدتها وصارت تعني «مزعج بظُرف ومرح» أو كقولنا في عاميتنا «شقي».
  • كلمة Nice (لطيف) تنحدر من كلمة فرنسية قديمة بمعنى «غبي» أو «أحمق».
  • بيت: في الأصل هو المسكن المصنوع من الشَّعر، ثم صار يعني كل بيت حتى «البيت الأبيض»!

(٢) مغالطة التأثيل (الإتيمولوجيا)

ثمة اعتقاد خاطئٌ يقر في أذهان الكثيرين مفاده أن المعنى الحقيقي لأي كلمة يجب أن يُلتمس في الأصل التاريخي الذي أتت منه الكلمة، أو ما يسمى في اللسانيات ﺑ «الإتيمولوجيا» (التأثيل/الأصل الاشتقاقي/دراسة أصل الكلمة وتاريخها) Etymology،٣٧ «والتعريف اليوناني لكلمة إتيمولوجيا يوضح هذا المفهوم: فهو تفتح الكلمات الذي من خلاله تبدو معانيها الأصلية جلية.»٣٨ ولعل القارئ الآن، بعد عرضنا للتغير اللغوي، قد أصبح محصَّنًا ضد هذا الاعتقاد وما ينطوي عليه من تبسيطٍ مفرط لطبيعة اللغة ومنشئها وقوانينها المسيِّرة.
وتعود تسمية هذه المغالطة (Etymological Fallacy) إلى جون ليونز John Lyons ويعني بها خطأ التأثيليين حين يحاجُّون بأن كلمة ما تعود إلى أصلٍ يوناني أو لاتيني أو عربي … إلخ؛ ولذا فإن معناها ينبغي أن يكون مطابقًا لما كانت عليه في الأصل. ويبدو زيف هذه الحجة في أن الافتراض الضمني بوجود «صلة حقيقية» أو «مناسَبة» في الأصل بين المبنَى والمعنَى — وهو ما تستند إليه هذه الحجة — هو شيء لا يمكن التحقق منه.٣٩

وقد سبق أن عرضنا لمنطق التأثيليين في حديثنا عن محاورة كراتيلوس في فصل طبيعة اللغة، وتبينَّا أنهم يعتقدون بوجود علاقة طبيعية (غير اصطلاحية) وضرورية بين الدالِّ والمدلول، وأنهم بالتنقيب في الماضي عن أصل الكلمة والكشف عن معناها الحقيقي إنما يصلون إلى حقيقة من حقائق الطبيعة، أو يميطون اللثام عن «ماهية» الشيء الذي تدل عليه الكلمة!

وشبيه بهذا ما يفعله بعض الباحثين عندما يفسرون المعنى الاصطلاحي لمفهومٍ ما بمعناه اللغوي، مع احتمال ألا يكون المعنى الاصطلاحي مرتبطًا بالمعنى اللغوي ارتباطًا وثيقًا. وقد سبق لابن تيمية وابن قيم الجوزية أن اعترضا على استخدام أنصار المجاز للمنهج التاريخي في التمييز بين الحقيقة والمجاز رغم صعوبة التثبُّت من أصل اللفظ، وعدم وجود ما يفيد تاريخيًّا بسبق أحدهما على الآخر.٤٠

والحق أن التأثيل منهج مستخدم اعتمد عليه الكثير من اللغويين اعتمادًا كبيرًا، وبخاصة في القرن التاسع عشر، حيث أقيم على أُسسٍ أمتن مما كان عليه قبل ذلك، وما زال مستخدَمًا حتى الآن، ويعد فرعًا معتبرًا من اللسانيات التاريخية (الدياكرونية)، وله دعائم منهجية خاصة تتوقف على كمية الشواهد المؤيدة ونوعها، إلا أنه بات واضحًا للتأثيليين في القرن التاسع عشر، وسلم به اللسانيون عامة في الوقت الحاضر، أن معظم كلمات المعجم في أي لغة لا يمكن أن تُعزَى إلى أصولها، وقد انتكس المنهج التاريخي بعد دعوة دي سوسير إلى الفصل بين الدراسات التزامنية (السينكرونية) والدراسات التاريخية (التعاقبية/الدياكرونية)، وكرَّس مبدأ «اعتباطية العلامة اللغوية» على نحوٍ نهائي حاسم، ومنح الصدارة للسينكروني على الدياكروني، ولفت الانتباه إلى أهمية الدراسة الوصفية التي تقتصر على النظر إلى «حالات» اللغة، وضرورة استبعاد العامل التاريخي عند دراسة «حالة» من حالات اللغة، فاللغة عند سوسير هي مجرد نسق أو نظام وتؤدي وظيفتها باعتبارها «بنية» لا تنطوي في ذاتها على أي بُعد تاريخي، من ذلك أن تاريخ كلمةٍ ما كثيرًا ما يكون بعيدًا كل البعد عن أن يفيدنا في فهم المعنى الراهن لهذه الكلمة.

وفي كتابه «اللغة» يعرض ليونارد بلومفيلد لمنهج التأثيل، ويكشف لنا بؤس الإتيمولوجيا، ويبين أن منهج الحفر التاريخي في اللغة لا يفضي إلى شيء. يقول بلومفيلد: خذ مثلًا كلمة Blackbird (الشحرور) وتتكون من Black وBird، وتطلق على نوع من الطير، وهذا النوع من الطير إنما سمي بهذا الاسم بسبب لونه الأسود، وهذه حقًّا تسمية صادقة تصدق على هذه الطيور: فهي طيور، وهي سوداء … وجريًا على هذا المنطق، أكان من الممكن أن يستنتج علماء اليونان أن ثمة صلة باطنة عميقة بين اﻟ Gooseberry (عنب الثعلب) واﻟ Goose (الإوز)؟! … إن التحليل في جميع اللغات لا يسمح بذلك ولا يجود به، ولنا في اليونانية والإنجليزية أمثلة كثيرة من الكلمات التي تستعصي على هذا النوع من التحليل الذي يتصوره التأثيليون: كلمة Early أي مبكرًا، تنتهي بمثل ما تنتهي به كلمة Manly بمعنى رجولي، فاللاحقة ly مضافة إلى Man (رجل)، ولكن إذا جردنا الكلمة الأولى من اللاحقة ly فماذا يتبقى؟ يتبقى Ear (أذن)، فهل تعطي فائدة؟ إنها بقية غامضة لا تفيد … وكذلك كلمةٌ مثل Woman (امرأة): إنها تلتقي مع كلمةٍ مثل Man (رجل)، ولكن ما دور المقطع wo في هذا؟ إن هذا المقطع هو الذي يفصل بين دلالة هذه الكلمة ودلالة الكلمة الأخرى من الناحية الشكلية الصوتية، ولكن ما قيمة هذا المقطع الأول Wo في التحليل الاشتقاقي؟ إنه لا دور له، ولا دلالة له كذلك … وعلى هذا النحو تواجهنا صعوبات في تحليل الكلمات القصيرة أو البسيطة، التي هي أقل من السابقة، فكلمات مثل Man, Boy, Good, Bad, Eat, Run …، وغيرها كثير، لا يعين فيها التحليل الإتيمولوجي (التأثيلي/الاشتقاقي) على كشف صلة بين الكلمة وما تشير إليه … ولكن علماء اليونان، ومثلهم تلامذتهم من علماء الرومان كانوا في مثل هذه الحالات يلجئون إلى الحدس والتخمين … إن صيغ الكلام تتغير وإنها قابلة للتغير لأنها غير ثابتة على حين أن المسميات لا تتغير، وكذلك المعاني ثابتة لا تتغير … أي أنه لا توجد علاقة طبيعية ضرورية، أو منطقية عقلية، بين الاسم والمسمى أو بين الدالِّ والمدلول … وصفوة القول عند بلومفيلد أن التحليل التأثيلي لا يؤدي إلى شيء، وأنه لا طائل من ورائه … وإنما هو دليل على أنه لا توجد علاقة ولا رابطة عقلية ضرورية بين الاسم والمسمى.٤١
وتبلغ المغالطة التأثيلية مداها، وتصبح مسخًا كاريكاتوريًّا، حين تعمل أدواتها التاريخية في المصطلح العلمي أو التكنيكي حيث الطابع الاصطلاحي المطلق للعلامة، وتحاول أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج! وهو ما يمكن أن نطلق عليه «ابتذال المصطلح» Vernacularization.٤٢ إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلحٍ علمي فإنه يفارق داره وينسى ماضيه، ويكتسي معنًى جديدًا قد لا يكون له بمعناه اللغوي الدارج أي علاقة؛ وبالتالي فليس يجدي نفعًا تنقيبنا عن أصله وفصله، ولا يقربنا إلى فهم المصطلح في وضعه الجديد. يقول جاستون باشلار في كتابه «المادية والعقلانية»: «إن اللفظ عندما يوضع بين مزدوجتين فهو يبرز وتحتدُّ نغمته، إنه يأخذ فوق اللغة العادية نغمةً علمية. ما إن يوضع لفظٌ من ألفاظ اللغة العادية بين مزدوجتين حتى يكشف عن تغير في منهج معرفة تتعلق بميدان جديد للتجربة، وبإمكاننا أن نذهب حتى القول من وجهة نظر الباحث الإبستمولوجي إن هذا اللفظ علامة على قطيعةٍ وانفصالٍ في المعنى، وإصلاحٍ للمعرفة.»٤٣

وبعدُ، فحين يحاجُّ المرء بأن دعواه صائبة لا لشيءٍ إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة يفيد ذلك — فإنه يقع في ضربٍ من الاستدلال الدائري. وفضلًا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات يجب أن تبقى لصيقةً بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفالٍ عبثي للطبيعة الاصطلاحية للغة، وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها.

إن اللغة لفي سيرورةٍ دائمةٍ وتحولٍ دائب، وهناك ألف سببٍ يُلحُّ على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم. وما دامت اللغة في تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم اللغوية توترًا محسوبًا بين «المعيارية» و«الوصفية»: معيارية تصون اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقًا للتطور والارتقاء.٤٤

(٢-١) قُلْ وقُلْ وقُلْ

يوشك هواة قل ولا تقل أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول.

ماذا يعني أن تقول في اللغة: «هذا خطأ»؟

يعني أنه لا يراعي «مستوًى صوابيًّا» Standard of correctness معينًا كان ينبغي أن يراعيه. يقول جاردنر في كتابه «الكلام واللغة» (١٩٣٣م): «ومن أجل هذا يجب أن نسأل أنفسنا أولًا: ما هي اللغة؟ ومَن صاحب السلطة في وضع القواعد والأسس والاستعمالات والكلمات التي يجب التزامها وتفرض على الجميع؟ وهذه أسئلة سهلة، ولكن الإجابة عليها عسيرة، فهناك تقدير تقريبي للموضوع من رأيه أنه كما يقف الفرد وراء كلامه ليدافع عنه، فإن «المجتمع اللغوي» يقف أيضًا من وراء اللغة عمومًا»٤٥ … وكان السائد في الجيل الماضي اتجاه اللغويين إلى النظرة للغة نظرةً معيارية صرفًا: فمهمة النحو تدريس قواعد صحة الكلام، ووظيفة المعجم ليست إعطاء معاني الكلمات فقط بل الإشارة أيضًا إلى ما يجب أن تعنيه الكلمات، ولكن الاتجاه الآن يسير ضد هذا الاتجاه المعياري، إذ أصبحت جل المؤلفات اللغوية «تصف» الاستعمال اللغوي في صورتيه الماضية والحاضرة … مع وضع «التغير اللغوي» في الاعتبار؛ «لأن اللغة في أي لحظة من لحظاتها ليست فقط ما هو كائن بالفعل وإنما ما سيكون في المستقبل، فاللغة في حركة دائمة وفي تحول دائم.»٤٦
لم يكن قدامى اللغويين العرب يبحثون أسباب التغير، ربما لأنهم عدُّوا التغير خطأً وحثُّوا العامة على اجتنابه، وقصروا جهدهم على تعقب الخطأ ورصده، بغية التحرز منه واجتنابه، في «أدب الكاتب»، على سبيل المثال، أفرد ابن قتيبة بابًا بعنوان «باب معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه»،٤٧ صفوة القول أن قدامى اللغويين لم يدرسوا التغير لأنهم عدُّوه لحنًا، فدرسوا اللحن!

اللحن

منطقٌ صائبٌ وتلحن أحيا
نًا وأحلى الحديث ما كان لحنا
للَّحْن معانٍ عديدة تدور حول معنًى عامٍّ هو «الميل» وتحول الشيء من هيئته المألوفة إلى أخرى غير مألوفة. من معاني اللحن: الغناء والتطريب، اللهجة الخاصة، الفهم والفطنة، التعريض والإيماء والتورية، الخطأ في اللغة.٤٨

بعد أن اختلط العرب بالأعاجم بدأ اللحن يظهر على ألسنتهم؛ فكانت ردة الفعل الطبيعية من جانب العلماء استهجان هذه الحال والتنادي لوضع حد لها، من هنا نشأت حركة تصحيح لغوية كبيرة تنبه على الأخطار وتشير إلى وجه الصواب، وأثمرت عددًا كبيرًا من الكتب التي عرفت باسم «كتب اللحن»، وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق.

من أسباب ظهور اللحن:
  • اختلاط الفصحى بغيرها من اللغات.

  • إقدام الكثير من الرواة على وضع الشعر واختلاقه؛ لإثبات قاعدة نحوية أو صرفية، أو لنصرة مذهبٍ سياسي أو كلامي أو لغوي.

  • وقوعه من ذوي الشأن كالخلفاء والوزراء والعلماء، والتماسهم من ينقذهم من وهدته.

  • تنازع النحاة في المسألة الواحدة. ومن شأن ذلك أن يشجع اللاحنين على ما هم فيه ما داموا يجدون من يلتمس الشاهد أيًّا كان ويصوِّب الفاسد ويقوِّي الضعيف.

  • اغتفار اللحن في مواقف خاصة.

  • الاضطراب الاجتماعي والسياسي.٤٩
يستند المخطئون إلى معايير معينة يمكن تلخيصها فيما يلي:
  • عدم السماع: أي عدم ورود اللفظة عند العرب الفصحاء في عصر الاحتجاج. ولهذا المعيار عيبان أساسيان: (١) فهو يقصر في كثير من الأحيان أمام حاجة العصر للألفاظ الجديدة، وقد أحسن مجمع اللغة العربية المصري صنعًا عندما حرر السماع من قيود الزمان والمكان، ليشمل ما يُسمع اليوم من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين وغيرهم من أصحاب الحرف والصناعات، وأجاز الاعتداد بالألفاظ المولدة وتسويتها بالألفاظ المأثورة عن القدماء.٥٠ (٢) وهو يقتضي من يتخذه أن يكون مطَّلعًا على كل ما ورد عن العرب، وهذا شبه مستحيل، وفيه كثير من المجازفة.
  • عدم القياس: القياس هو رد الشيء إلى نظيره، وقد روي عن الخليل وسيبويه قولهما «ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم»، وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأخذ بمبدأ القياس، ثم أطلقه ليشمل ما قيس من قبلُ وما لم يُقَس، وقد قسم ابن جني كلام العرب من حيث الاطراد والشذوذ إلى: (١) مطرد في القياس والاستعمال جميعًا، مثل: قام زيد، ضربت زيد، مررت بسعيد. (٢) مطرد في القياس شاذ في الاستعمال: مثل الماضي من «يذر» و«يدع». (٣) مطرد في الاستعمال شاذ في القياس: مثل: استصوبت الأمر، ولا يقال استصبت، ومثل: استحوذ، واستنوق الجمل، واستفيل الجمل واستتيست الشاة. وهذا الضرب من الكلام لا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلًا يقاس عليه غيره. (٤) شاذ في القياس والاستعمال جميعًا: كتتميم مفعول فيما عينه واو، مثل: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وحكى البغداديون: فرس مقوود ورجل معوود من مرضه،٥١ وقد أحسن ابن جني إذ لم يخطِّئ إلا ما شذ في القياس والسماع معًا.
  • عدم ورود اللفظة في المعاجم: وهو معيار فيه مجازفة أيضًا لأن المعاجم لم تحط بكل ما قالته العرب. يقول أمين ظاهر خير الله في كتابه «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» (المطبعة العلمية، بيروت، ١٩٣٢): «هذا جانب صغير مما أغفلت المعاجم ذكره، ولو اتسع لي المقام لجئت بمئات من الأفعال والأسماء وردتْ في كلام أمراء الشعر والنثر ولم يرد الجلاء عنها في المعاجم.»٥٢
  • الاستناد إلى اللغة الأفصح: ويعنون بالأفصح دائمًا المأثور السائر الرائج بين الفصحاء، ولكن «الغريب» و«الشاذ» و«القليل» و«النادر» جزء من ثروة اللغة، ولا خلاف في كونه من أسلم كلام العرب، فقد ورد في القرآن والحديث وشعر العرب ونثرهم، وقد تكون ندرته منسوبة إلى زمانٍ معين أو مكان معين، كما أن الحكم بالشذوذ والندرة والقلة فيه مجازفة لأنه يستدعي قراءة التراث كله، وما نحكم عليه بالشذوذ قد لا يكون كذلك لو وصل إلينا كل ما قالته العرب. وقد كان البصريون يبنون قواعدهم على الغالب الأعم من اللغة ويئوِّلون ما يرونه شاذًّا أو نادرًا أو قليلًا، بينما كان الكوفيون يقيسون هذا الشاذ أو النادر، وقد ثبت في كثير من المسائل صحة ما ذهب إليه الكوفيون: مثل إجازة النسبة إلى الجمع، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، وتقديم التمييز على عامله إذا كان فعلًا متصرفًا، وجواز تعريف العدد المضاف إضافة معنوية ﺑ «أل» … إلخ.٥٣
  • الاستناد إلى قواعد النحو والصرف: ولكن هذه القواعد نفسها لا تخلو من الفساد في بعض الأحيان! وخاصة عندما منع النحاة اشتقاق وزن «فاعل» من «فَعُل»، أو جمع «فَعْل» على «أفعال»، ومجيء «كافة» إلا حالًا، ودخول «أل» على «بعض»، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، واشتقاق أفعل التفضيل من اللون … إلخ، وغير ذلك مما أثبت الاستقراء اللغوي السليم صحته.٥٤
  • رفض المولَّد: أي الذي استعمله الناس بعد عصر الرواية، وهو معيارٌ يفضي إلى تحنيط اللغة في ألفاظها ومعانيها، فكل لفظ قديم كان ذات يوم «مولَّدًا» إن جاز التعبير، وقبول المولَّد سنَّة طبيعية في اللغات جميعًا، ومظهر حيوي للغة يساعد على بقائها ونمائها وتطورها.

(٢-٢) المستوى الصوابي

حين نقول: إنَّ السُّلطة اللُّغوية هي المجتمع اللغوي، فإنما نعني تلك «الجماعة التي تستعمل نظام الكلام بطريقة موحدة»، على حد قول بلومفيلد، ففي كل وسطٍ اجتماعي متجانس السكان نجد عادةً أن للغة شيئًا من الوحدة، بل إنه لشرطٌ أساسي لوجود اللغة أن يحرص من يتكلمونها على استخدام نفس الوسائل للتعبير،٥٥ فالجماعة المتزاملة لغويًّا تستعمل، كما يقول فيرث، ما يتقاسمونه من تجارب مشتركة، وهم يستمسكون بهذا التماثل ويحرصون عليه؛ لأنه شرط الفهم والإفهام في بيئتهم الخاصة.٥٦

والأفراد يكتسبون اللغة من بيئتهم وفي عصرهم الذي عاشوا فيه، ومن ثم فإنهم يراعون اللغة كما تُنطَق في عصرهم لا كما تُنطق في عصورٍ سبقت، ولا كما ينبغي أن تنطق وفق نموذجٍ مثالي لعصرٍ ذهبي غيَّبته الأيام، اللغة في تغير مستمر، وقد يكون هذا التغير بطيئًا لا يتضح إلا بمرور جيل أو أجيال، ولكنه يحدث، ولا ينفيه بطء حدوثه، ونحن إذ نفترض الثبات اللغوي فإنما نفعل ذلك لدواعي التشريح والدراسة، وبغية اقتناص «حالة لغوية» سينكرونية لضرورة الرصد والتقعيد، بينما اللغة في حركةٍ مستمرة والعرف اللغوي في تغيرٍ دائب، الثبات اللغوي إذن ليس أكثر من حيلةٍ إجرائية ووهمٍ عملي.

نخلص من ذلك إلى تعريف المستوى الصوابي على أنه: «مراعاة العرف اللغوي المقتصر على بيئةٍ خاصة في زمنٍ خاص، مع اعتبار التطور في اللغة، يتوافق معه نشاط المتكلم ويلاحظه الباحث بهذه الصفات.»٥٧ يتبع ذلك بالضرورة تغير ما يراعيه المتكلم على حسب العرف اللغوي الجديد الذي يفرض نفسه عليه كي يتوافق معه، ويترتب عليه أن مستعمِل اللغة لا يطالب بغير مراعاة المستوى الصوابي في اللغة الذي اكتسبه من الجيل الذي هو أحد أفراده، ومن عرف العصر الذي عاش فيه.٥٨

ليس هذا الحديث دعوةً إلى إلغاء القواعد والانصراف عن جهات الاختصاص اللغوي، بل دعوة إلى أن تراعي جهات الاختصاص طبيعة القواعد ومنشأها وحركتها، بحيث تأتي القواعد متفقة مع استعمال اللغة وتطورها وتبرأ من التعسف والجمود، وتأتي المقترحات الجديدة متوافقة مع طبيعة اللغة، بوصفها ظاهرةً اجتماعية تخضع للعرف الاجتماعي العام والعرف اللغوي الخاص، ولا تكون محاولات دونكيشوتية تحارب في غير ميدان، ومماحكات تكد الذهن في غير طائل.

لقد توقَّف النحاة في تقعيداتهم عند زمنٍ معين لا يتجاوزونه، بينما اللغة الحقيقية تمضي في سبيلها غير عابئةٍ بهم، توقفت القواعد بينما العرف اللغوي يتغير مع الزمن، فاتسعت الفجوة بينهما وصارت هوة، هذا ما أربك الفصحى وصعَّب قواعدها وجعلها أشبه بلغةٍ أجنبية في دراستها وفي استخدامها.

«إن التطور اللغوي (الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي) ليستتبع تغييرًا في المستوى الصوابي من الناحية التاريخية كذلك، فما كان صوابًا في الماضي يصبح خطأً في الوقت الحاضر، ويصبح خطأُ اليوم صوابَ الغد إذا رأى المجتمع اللغوي أن يتبناه في الاستعمال.»٥٩
«وليس من حق الباحث في اللغة أن يفترض فيها التوقف عند فترة معينة أو جيل خاص أو عدة أجيال، فيجمد الدراسة ويترك عمله الحقيقي في ملاحظة اللغة الدائبة التغير، وينصرف إلى تفريعاتٍ ومماحكات وعَنتٍ ذهني عقيم لا حاجة باللغة إليه، ثم يفرض ما لاحظه عن اللغة في فترة من فتراتها على فترة أخرى أدَّى إليها تطورها، وهذا عكسٌ لمهمة الدارس من الوصف إلى التحكم، ومن الملاحظة إلى المصادرة.»٦٠
«ولو أن الاستشهاد لم يقف عند حد على يد النحاة العرب لأمكن أن تجري دراسة اللغة على مراحل وعصور باستقراء ما يجدُّ من النصوص إلى أيامنا هذه، ولاعتبر كل ميل غير فردي إلى مخالفة القواعد السابقة تطورًا في الاستعمال اللغوي يتطلب تطورًا في النظرة إلى هذه القواعد في ظل منهجٍ وصفي لدراسة اللغة، ولكن إيقاف الاستشهاد عند حد معين جعل النحاة وقد جفَّت روافد الاستقراء عندهم يلجئون إلى ما لديهم من القواعد، فيجعلونها مادة الدراسة بدل النصوص التي أعوزهم الجديد منها، وما دامت القواعد نفسها هي الهدف وهي مادة الدراسة فلا مهرب إذن من النظرة إلى هذه القواعد باعتبارها مقاييس ومعايير من صلب المنهج؛ لبيان الصحيح والخطأ من التراكيب، أي أن المستوى الصوابي بدل أن يكون فكرةً اجتماعية يراعيها المتكلم، أصبح فكرةً دراسية يراعيها الباحث، وبهذا توقف العمل بالمنهج الوصفي في دراسة اللغة، وأصبح لزامًا علينا الآن أن ننظر إلى الدراسات اللغوية العربية باعتبارها دراسة تصف مرحلة معينة من تطور الفصحى، ولكن هذه المرحلة تشتمل في الحقيقة على مراحل، وقد كان مؤرخو الأدب أسرع إلى الاعتراف بعصور اللغة من النحاة، وكان أولى بالنحاة أن يعترفوا بهذه المراحل ويدرسوا كل واحدة منها دراسة وصفية على حدة كما فعل أصحاب تاريخ الأدب.٦١ وقد أصبح لزامًا علينا أيضًا إذا أردنا دراسة ما جدَّ من تطور في هذه الفصحى أن نبدأ بدراسة مرحلتنا هذه التي نعيش فيها دراسةً وصفية، وأن نتطرق منها إلى ما سبقها من المراحل التاريخية التي حدثت منذ توقف الاستشهاد وأن نقطع النظر عن نفوذ هذه الدراسات القديمة على تفكيرنا، ونبدأ بالدراسة على أساس منهجٍ وصفي يتوخى الاستقراء والتقعيد من جديد.»٦٢

خطأ مشهور

تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها!

يسبرسن
التغير «عملية» و«حالة»: «عملية» Process ابتداع وتجديد (فردي في الأغلب) مخالف «بطبيعة حاله» Ipso facto للعرف السائد، تتبعها «حالة» state يستتب فيها الطارف المستجدُّ ويدخل متن اللغة فلا يعود جديدًا، وهكذا دواليك. يقول أولمان إن التغير في اللغة يقع على مرحلتين: الأولى هي مرحلة التغير نفسه وما يطلق عليه «الابتداع والتجديد» Innovation ويحدث هذا في الكلام الفعلي، وقد يقوم به فرد من الأفراد بإدخال عناصر جديدة في استعمال اللغة، والثانية هي مرحلة «انتشار التغير» Dissemination بأن تتداوله الجماعة فيما بينها، وإذا حدث ذلك أصبح التغير عنصرًا من عناصر نظام اللغة، ما دام قد سمح له بالاستعمال العام بين الناطقين بها. فالتغير يبدأ أولًا فرديًّا بما يُدخله فردٌ أو أفراد على نظام اللغة من استعمالات جديدة، مما ينظر إليه أولًا على أنه «مخالفة» (خطأ!) لما عليه الجماعة، فإذا قدر لهذه «المخالفات» (الأخطاء!) أن تلقى قبولًا من غيرهم، فإنها تأخذ الطابع الاجتماعي العام، وتصبح القاعدة التي يتبعها كل الناطقين باللغة.٦٣ هذا تأويل قول يسبرسن عن بعض اللغويين: «إن تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها.»٦٤

شرعية اللغة الشيوع.

ومن ثم فإن عبارة «خطأ مشهور» شأنها شأن «مربع مستدير» … تناقض ذاتي! فإذا ما وجدتَ الخطأ المشهور أكثر جمالًا ووضوحًا وإبانة، فاعلم أن شهرته مشروعة مستحقة: الجمال، والوضوح، والإبانة. وماذا يكون «الصواب» أكثر من ذلك؟! «خطأ مشهور» هي ذاتها خطأ مشهور!

حين تشيع مجاوزةٌ لغوية وتنشر رايتها على الألسنة، يتحول عنصرها وتتبدل صفتها وتأخذ رتبة «قاعدة»؛ قاعدة لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق، وما كان لهذه «المخالفة» أن تبسط سلطانها لو لم تكن تقدم فكرًا، وتحقق وصلًا، وتسد فراغًا، وتثبت نجاعة. لقد تمت لها «المواضعة»  Convention فصارت من ثم «لغة»، ومن السفه أن نتنازل عنها بدعوى قل ولا تقل! وهل اللغة إلا «مواضعة» جدت، على رِسلِها، لتحقيق التواصل بعد أن كانت وسيلة التواصل فأفأة و«قاعدته» صراخًا و«نحوه» لهاثًا ونخيرًا. هل اللغة إلا ذاك «الخروج» على الصراخ والمروق من الحبسة؟ وإذا كان الخطأ هو خروج عن المتبع وتململ عن المستقر؛ فاللغة بقضها وقضيضها هي بهذا المعنى خطأٌ مشهور، وإن امتاز عن غيره من الأخطاء بأنه خطا كبير … بحجم العالم.

(٣) تصويب الفكر قبل الكلمات

(٣-١) أمثلة من تصحيح الصحيح

وكأنا لم يرضَ فينا بريْبِ الـ
ـدهر حتى أعانَه مَنْ أعانا
المتنبي

أما وجد هذا لبيتي مخرجًا في العربية؟!

الفرزدق

أكثر اللغة مجازٌ لا حقيقة.

ابن جني
لسنا هنا بصدد تصويب٦٥ كلمةٍ أو كلمات، وليس هذا من غرض الكتاب في شيء، إنما نحن بصدد تصويب منطقٍ وتقويم منهجٍ وتصحيح فكرٍ. إن فينا قومًا تملكهم «إرهابٌ معجمي» و«سادية لغوية»، يقومون من زمنٍ بوظيفة شرطةٍ لغوية مولعة بتحرير المخالفات، وبلعبة قل ولا تقل، ينصبونها للتسلط والتسلي، «كفِعلِ الهِرَ يِحترِشُ العَظايا!»، ويغالون في ذلك إلى حد «تصحيح الصحيح»! يظن هؤلاء أنهم يحسنون إلى اللغة وهم يؤذونها غاية الإيذاء وينشرون فيها الفوضى والاضطراب، ويبثون في الناس اليأس من الفصحى والانصراف عنها، وها هي العربية تحتضر على أيديهم الخشنة، وليس موت اللغة سوى أن تهجر اللسان، يظن هؤلاء أنهم يصلحون اللغة وهم يهزون القارب وينخرون فيه نخرًا منكرًا، لقد أضلتهم القواعد (البَعْدية) فسلبتهم السليقة (القَبْلية)، وكأنا بالذيل يهز الكلب والعربة تتقدم الحصان.

لماذا كان العربي القديم يتكلم بسجيةٍ تعنو لها القواعد وتأتي بعدها ووراءها وعلى قدِّها، حتى لقد شُرع السماع وأصبح الذوق قواعد، بينما قلبنا نحن الآية وبدأنا بالقواعد نَتحنَّثُ في محرابها ونطوِّع لها الذوق، حتى ضجر الناس من العربية، وانفضوا عن الخطأ والصواب، وفقدوا الذوق والقواعد؟!

متحف

يقولون: قل مُتحف بضم الميم ولا تقل متحف بفتحها؛ لأنه اسم مكان لموضع التحف الفنية، والأصل «أتحف» الرباعي وليس «تحف» الثلاثي الذي لم يرد، وعليه يكون اسم المكان هو «مُفعَل» بضم الميم وفتح العين.

والآن علينا أن نسجِّل أولًا أن كلمة «مُتحف» بضم الميم ثقيلة الظل تشارك بسهمٍ في كراهة اللغة العربية والازدراء بها والضحك عليها، وكلنا يحس بعد نطقها بوعكةٍ لا يدري كنهها، فاستفتِ قلبك فيها وإن أفتاك الناس. ثم علينا أن نتساءل: لماذا كان ذلك؟ والجواب، ببساطة؛ لأنها خطأ، ولأنها غير ما نعنيه جميعًا إذ ننطق بهذه الكلمة البسيطة ونعني بها المكان الذي تجمع فيه التحف لا المكان الذي تعطى فيه وتمنح (وهو ما لا يحدث في دور الآثار!)، إنها موضع «التحف» لا «الإتحاف». وللأستاذ الدكتور محمد كامل حسين، عضو المجمع اللغوي، وقفة عزٍّ مع هذه الكلمة وغيرها، يخلص منها إلى دروسٍ لغوية ثمينة. يقول سيادته في مجلة المجمع، ج٢٢، ١٩٦٧: «والمتحف» بضم الميم كلمةٌ سقيمة سيئة المبنى، وهي خطأ، وليس لها من العربية إلا انطباقها على قاعدةٍ صرفية، وقد سبق أن وصفت الكلمات المهجورة بأنها من ورق أهل الكهف، صحيحة ولكنها غير قابلة للتداول، أما كلمة «مُتحف» فهي من العملة المزيفة التي ليس لها من العربية إلا مظهرها، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن مجمع اللغة العربية اعتمد على كثرة اشتقاق العرب من الأسماء الجامدة مثل «أثَّث» بمعنى وطَّأ، و«تبغدد» بمعنى انتسب إلى بغداد أو تشبه بأهلها، و«تفرعن» بمعنى تخلق بخلق الفراعنة، فأقرَّ الاشتقاق من أسماء الأعيان من غير تقييد بالضرورة لما في ذلك من إثراء للغة، وكان قد أقرَّ أيضًا جواز تكملة فروع مادة لغوية لم تُذكر بقيتها في المعاجم. وقد أقر المجمع استعمال كلمة متحف بضم الميم وفتحها: بالضم على أنها اسم مكان من «أتحف» وبالفتح على أنها اسم مكان مشتق من الفعل الثلاثي «تَحَف» المأخوذ من كلمة «تحفة».

يقول د. محمد كامل حسين: «على أن معنى متحف ليس صحيحًا إلا من حيث مطابقته لقواعد الصرف، أما الذوق اللغوي فيأباه، والذوق يدق عن القواعد؛ ذلك أن اشتقاق اسم المكان من أفعل المتعدي نادر جدًّا، وأكثره من الأفعال اللازمة، فإذا كان الفعل يأتي لازمًا مثل أقام فإن اسم المكان يشتق من معناه اللازم فالمقام من أقام بالمكان، ولا أعرف أن أحدًا يسمي مكان الصلاة مُقام الصلاة وإن صح ذلك من جهة قواعد الصرف. ولا أريد أن أعرض لنظرية السماع والقياس، ولكني أقول إن العربي الذي فرض اللغويون وجوده وسط الجزيرة العربية لا يختلط بالأعاجم هو الذي قال ﺑ «المَأْسَدة»،٦٦ وهو في هذا بين أمرين: إما أن سليقته التي تحس بأدق القواعد خانته فاشتق اسم المكان من الجامد، وهذا يقضي على نظرية السماع كلها، وإما أن يكون وجد نفسه في حاجة إلى هذا الشذوذ؛ فوضع كلمةً جديدة تدل على ما يريد ولم يعبأ باشتقاقها. والحاجة التي دفعت العربي إلى صياغة فاسدة أو شاذة ليست أشد من حاجتنا إلى صوغ كلمة تدل على مكان تكثر فيه التحف، وعلى ذلك تكون كلمة متحف بفتح الميم هي الكلمة العربية الصحيحة.»

تقييم

إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب.

ابن جني

يقولون: لا تقل «تقييم» (الثمن، السلعة، العمل …)، وقل «تقويم»، ولا تقل «يقَيِّم» وقل «يُقَوِّم»؛ لأن الفعل واوي، أما كلمة «قيمة» فياؤها منقلبة عن واو، وفي الإعلال أن كل واو تقلب ياءً إذا كانت ساكنة وكُسر ما قبلها.

لا يخفى أن لكلمة «تقويم» معاني كثيرة (تحديد القيمة، التصويب، العقاب، حساب الزمن، مواقع البلدان)، في هذه الحالة من الاشتراك اللفظي يتكفل السياق بتحديد المعنى المقصود بسهولة ووضوح، فيما عدا التفرقة بين التصويب وتحديد القيمة، مثال ذلك: «على المدرس أن يقوِّم أداء الطلاب»، ولا تدري أيحدد مستوى أدائهم أم يصوِّبه ويعدل اعوجاجه، وفي كل سياق تأتي فيه كلمة «تقويم» بمعنى التصويب أو بمعنى تحديد القيمة يلتبس المعنى على المتلقي التباسًا شديدًا بحيث لا يستطيع التيقن من المقصود إلا إذا سأل المتحدثَ نفسه، وجهًا لوجه، عما يعنيه هنا ويقصده. هذا مثال لحالةٍ يكون فيها الصواب الصرفي (أو بالأحرى الاطراد) هو الملتبس والغامض، وهذا شيء مضاد لطبيعة اللغة وطبيعة الإفصاح. ومن المعروف أن العربي كان يلجأ إلى الشاذ إذا كان فيه الإبانة والخفة، «واللغويون يقبلون الشاذ إذا سُمع عن العرب كما في مادة «الدِّيمة»، ويقولون إن هذا شيء سماعي لا يقاس عليه، ولا يقول أحد بأن كل شاذ يصلح أن يقاس عليه، ولكن الحاجة التي حملت العربي على الشذوذ قد تنشأ في كلمات أخرى، ويكون مباحًا أن نقيس على صيغة شاذة عند الحاجة، والحاجة عندنا إلى كلمة «تقييم» أشد من حاجة العربي إلى أن يقول «ديمت السماء» حيث المعنى لا يختلف عن قوله «دومت السماء».»٦٧
على الرغم من أن أصل الكلمة هو الواو، إلا أن «العرب ربما قطعوا النظر عن أصل حرف العلة، ونظروا إلى حالته الراهنة، ومن هنا أجاز مجمع اللغة العربية استعمال «قَيَّمَ» بالياء بمعنى حدد القيمة، للتفرقة بينه وبين «قَوَّمَ» الشيء بمعنى عدله، وقد جاءت المعاقبة بين الواو والياء المشددتَيْن في أمثلة من كلام العرب يُستأنس بها في تصحيح ذلك، وقد أوردت المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد هذه الكلمة، ونص الوسيط على أنها مجمعية.»٦٨
في «باب في تدريج اللغة» يقول ابن جني في الخصائص: «وذلك أن يُشْبه شيءٌ شيئًا من موضع، فيمضي حكمه على الحكم الأول ثم يرقى منه إلى غيره … ومن ذلك قولهم: صِبية وصِبيان، قلبت الواو من صبوان وصبوة في التقدير — لأنه من صبوت — لانكسار الصاد قبلها، وضعف الباء أن تعتد حاجزًا؛ لسكونها، وقد ذكرنا ذلك، فلما أُلِف هذا واستمر تدرجوا منه إلى أن أقرُّوا قلب الواو ياءً بحاله وإن زالت الكسرة، وذلك قولهم أيضًا: صُبيان وصُبية، وقد كان يجب — لما زالت الكسرة — أن تعود الياء واوً إلى أصلها، لكنهم أقرُّوا الياء بحالها لاعتيادهم إياها حتى صارت كأنها كانت أصلًا، وحسن ذلك لهم شيءٌ آخر، وهو أن القلب في صبية وصبيان إنما كان استحسانًا وإيثارًا، لا عن وجوب علة، ولا قوة قياس، فلما لم تتمكن على القلب ورأوا اللفظ بياء قوي عندهم إقرار الياء بحالها؛ لأن السبب الأول إلى قلبها لم يكن قويًّا، ولا مما يعتاد في مثله أن يكون مؤثرًا … ومن ذلك قولهم: أبيض لياح، وهو من الواو؛ لأن ببياضه ما يلوح للناظر، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وليس ذلك عن قوة علة، إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب، وهو التطرق إليها بالكسرة طلبًا للاستخفاف … ومن التدريج في اللغة قولهم: ديمة وديم، واستمرار الكسر في العين للكسرة قبلها، ثم تجاوزوا ذلك لما كثر وشاع إلى أن قالوا: ديمت السماء ودومت، فأما دومت فعلى القياس، وأما ديمت فلاستمرر القلب في ديمة وديم … فهو بالياء لهذا آنس، وجماع هذا الباب غلبة الياء على الواو لخفَّتها، فهم لا يزالون تسبُّبًا إليها، ونجشًا عنها، واستثارة لها، وتقربًا ما استطاعوا منها …»٦٩

ومن هذا الباب كلمة «تَرَيَّضَ» بمعنى «خرج للتنزه»، فقد رفضها من رفض لأن الكلمة واوية، غير أن معجم «الأساسي» ذكرها بمعنى خرج للمشي على سبيل الرياضة، وقد تبين لنا الآن أنها صحيحة بالاشتقاق المباشر من كلمة «الرياضة»، مثلما أن «التقييم» صحيحة بالاشتقاق من كلمة «القيمة».

نفس، وعين

يقولون: لا تقل «جاء نفس الرجل»، والصواب «جاء الرجل نفسه»؛ لأن كلمتَي «نفس، وعين» إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكد، وأن تكونا مثله في الضبط الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور حتمًا، يطابق هذا المؤكد في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع.

ونقول: نعم، لنلتزم بذلك وسعنا فهو أقوم وأسعد، ولكن أسبقية التوكيد تكون أوضح وأسمح في سياقات معينة، فلمَ التضييق ومجال القول ذو سعة؟ ولماذا لا نطاوع ضغط اللغة المحكية والأجنبية وكلتاهما تقدم التوكيد على المؤكد؟ العقل نفسه، والخاطر والشعور، كثيرًا ما يقدم التوكيد على المؤكد! وفي سياقات معينة تُوقِعنا القاعدة القديمة في اللبس والاضطراب، وبخاصة حين يكون المؤكد مضافًا، يعرف ذلك كلُّ من له باع في الترجمة: هبني أريد أن أؤكد: بنود الوصية، أو درجات الطالبة … إلخ، هل أقول «في بنود الوصية نفسها»، و«على درجات الطالبة نفسها»، أرأيت إلى الالتباس؟ تراني أؤكد هنا البنود أو الوصية؟ الدرجات أم الطالبة؟ ويزداد الأمر اضطرابًا إذا تَعَقَّدَ السياق: «بنود وصية السيدة نفسها»، «درجات طالبة الدفعة نفسها»، هذه عقدة جوردية، حلها بسيط جدًّا: أن نقطع القاعدة بحد السيف، ونقول: يجوز تقديم التوكيد على المؤكد إذا حكم التعبير واقتضى الحال وساغ النغم.

جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «جاء في نفس الوقت» فصيحة: تستعمل كلمة «نفس» للتوكيد المعنوي، وحينئذٍ لا بد أن يسبقها المؤكد وأن تضاف إلى ضميره، ويكون استعمال النفس في غير التوكيد بمعنى الذات فصيحًا، كما يكون أيضًا استعمالها للتوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي «النحوي» فصيحًا، وقد أجاز مجمع اللغة المصري هذا الاستعمال مستشهدًا بما حكاه سيبويه عن العرب: «نزلت بنفس الجبل»، ويقول الجاحظ: «لا بد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة.»٧٠
وجاء في «موسوعة اللحن في اللغة»: «جئت في نفس الوقت (تقديم النفس — من ألفاظ التوكيد — على المؤكد): ورد في كلام من يُعتَدُّ بهم من العلماء، كابن جني في قوله في الخصائص (١ / ٢٩٥) «هي متعلقة بنفس تبًّا» يريد: بتبًّا نفسها، وجاء في اللسان (نفس): ونفس الشيء: ذاته، ومنه ما حكاه سيبويه من قولهم: نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي.»٧١
وقد صادفت «نفس» المقدَّمة على المؤكَّد في كتابات أئمةٍ ثقات من القديم والحديث: منهم:
  • ابن جني في الخصائص: «إنما هو منصوب بنفس عليك …» (ج١، ص٢٨٤)، «لا لشيء رجع إلى نفس، أو» (ج١، ص٣٤٩)، «وهذا نفس الحق» (ج٣، ص٢٦).

  • د. طه حسين: «وإخضاعي إياه لنفس المُثلة» (في ترجمة كتاب ثيسيوس وأوديب لأندريه جيد، ص١٤٨).

  • د. شوقي ضيف: «يتخذون نفس لغات العلوم …» (توحيد المصطلح العلمي في النقل والتعريب، مجلة مجمع اللغة العربية ج٤٥، ١٩٨٠).

  • د. أحمد درويش: «هي نفس الفصحى …» (لإنقاذ الفصحى من أيدي النحاة، قضايا فكرية، العدد ١٧-١٨، ١٩٩٧، ص٨٣).

هام/مهم

في كتابه «قل ولا تقل» يسهب الدكتور مصطفى جواد في تبيان الخطأ في استعمال «هام» بمعنى «مهم»، ويتكلف في ذلك عنتًا كبيرًا، ويحس القارئ وهو يتابع حججه وشواهده أنه عاقد العزم على صرف الناس عن العربية وتيئيسهم منها، بل إنه لينقض ما جاء في «لسان العرب» ويخطئه؛ تفضيلًا للمنع على الإباحة، وانتصارًا للعسر على اليسر: «وجاء في لسان العرب ما يلبس المعنى على القارئ غير الفطن، قال: «الهم: الحزن وجمعه هموم، وهمه الأمر همًّا ومهمةً وأهمه فاهتم واهتم به»، أراد بقوله: همه الأمر: أحزنه؛ لأنه بدأ المادة بتفسير الهم، مع أن قولنا: أهمني الأمر يهمني يعني جعلني أهم به، بدلالة ما نقل صاحب اللسان بعد ذلك قال: وفي حديث سطيح «شمِّرْ فإنك ماضي الهمِّ شِمِّيرُ» أي إذا عزمت على شيء أمضيته، والهمَّ ما همَّ الإنسان في نفسه تقول: أهمني هذا الأمر. هذا ولو صحت دعوى أن «همه الأمر» بمعنى أهمَّه الأمر الذي اشتق منه المهم وجمعه المهامُّ والمهمات لسمَّت العرب «المهمَّ» باسم «الهام» ولجمعته على «هوام وهامات»، ولكن هذا لم يكن ولم يُصَر إليه قط، فالهام لم يرد في لغة العرب بمعنى المهم … نضيف إلى ذلك أن «هَمَّ» لو صح بمعنى «أهمَّ» في المعناة المشار إليها، لفضَّله الفصحاء على الرباعي؛ لأن قاعدة الفصاحة العامة في ذلك تفضيل الثلاثي على الرباعي إذا كانا بمعنًى واحد إلا إذا نُبِّه على العكس بالنص والتصريح، ﻓ: نعَشه أفصح من أنْعشه، ورجَعه أفصح من أرجعه، ووقَفه أفصح من أوقفه، ونقَصه أفصح من أنقصه، وعاقَه أفصح من أعاقه، ونتَجه أفصح من أنتجه، وغاض الماءَ يَغيضه أفصح من أغاض الماء …»٧٢
ولقد فضَّل الناس الثلاثي على الرباعي وقالوا «هام»٧٣ بمعنى «مهم» فما للدكتور جواد ينفس على المحدثين أن يكون لهم ذوق كما كان للأسلاف ذوق! وما لنا نضيع جوهر «الظاهرة اللغوية» (العرف/الشيوع) في رهج الشجار وفي غيابة الجدل؟ يقول الأستاذ محمد العدناني: «ويخطِّئون من يقول: أمرٌ هامٌّ، ولا خطأ في ذلك؛ لأن هناك فعلين: هَمَّه الأمر يَهُمُّه همًّا ومَهَمَّةً: أقلقه وحَزَنه، فهو هامٌّ، وهنالك أيضًا: أهَمَّ الأمرُ فلانًا: أقلقه وحزنه، فهو مهمٌّ، وكلتا الكلمتين صحيحة، جاء في المصباح: أهمني الأمر: أقلقني، وهمَّني هَمًّا (من باب قتل) مثله.»٧٤
وفي «معجم الصواب اللغوي»: «أمرٌ هامٌّ: مرفوضة عند بعضهم لأن «الهام» مذكر الهامة بمعنى الدابة وكل ذي سم قاتل. المعنى: يسترعي الاهتمام ويدعو إلى اليقظة والتدبر، الرأي والرتبة: (١) أمر مهم (فصيحة). (٢) أمر هامٌّ (فصيحة)، يرد في المعاجم استعمال «همَّ» بمعنى «أَهَمَّ»، ففي المصباح: «وأهمني الأمر، بالألف، أقلقني، وهَمَّني مثله»، كما نقل اللسان عن أبي عبيد في باب قلة اهتمام الرجل بشأن صاحبه: «هَمُّكَ ما هَمَّكَ، ويقال: همُّكَ ما أهَمَّكَ»، فالتبادل بين الصيغتين وارد، ومن ثم يجوز استخدام اسم الفاعل من أيهما»،٧٥ وفي القاموس والتاج «هَمَمَ» وهمَّه الأمر هَمًّا ومَهَمَّة: حَزَنَه وأقلقه، كأهمَّه.٧٦

تخرج من المعهد

يقولون: لا تقل «تَخَرَّجَ من كلية كذا» بل تخرج «فيها»، أي تعلم وتدرب، يقول د. جواد: «وذلك لأن تخرج في هذه الجملة وأمثالها بمعنى «تأدَّب» و«تعلَّم» و«تدرَّب»، فيقال: تعلم فلان في الكلية، وتأدب في الكلية وتدرب، ولا محل لحرف الجر «من» فليس المقصود هو الخروج من الكلية، ولو كان المقصود الخروج لكان لكل طالب في اليوم خرجة أو خرجتان، ولذهب المعنى المقصود.»٧٧
ويقول الأستاذ محمد العدناني: «الصواب تخرج في معهد كذا؛ لأن تخرج معناه تعلم وتدرب، وهو خِرِّيج وخَرِيج ومُتَخَرِّج، أما الذي يتعلم في معهد ويفوز بشهادته فنقول: إنه تخرج من معهد كذا، وفاز بشهادته.»٧٨

والآن لنخلع عصابة الزَّمْت: نعم لقد تخرج «في» المعهد أو الكلية بالتأكيد، ولكن ماذا عن «يوم التخرج» أو «تاريخ التخرج» الذي نعني به «اليوم» المحدَّد الذي نال فيه الشهادة التي تشهد بأنه قد تعلم في الكلية «سنوات»، فإذا قلنا: إنه قد تخرج «في» كلية الطب في السابع من يوليو عام ١٩٧٧ والتزمنا بتزمُّت المتزمتين فمعنى ذلك أنه تعلم فيها الطب في هذا اليوم الواحد، وهو باطل مُحال! ولماذا لا نضيف للغة غنًى وإمكانات دلالية جديدة فنقول: إنه «تخرج في» كلية الطب في التسعينات و«تخرج منها» في يوليو ١٩٩٧؟

وقد تدارك معجم الصواب اللغوي، الذي يحرص على حياة اللغة لا على موتها، هذا الأمر وحسمه حسمًا علميًّا حصيفًا: «… تخرج» من «جامعة القاهرة صحيحة: الوارد في المعاجم استخدام حرف الجر «في» مع الفعل «تخرج»؛ لأن المعنى: تدرب وتعلم، ولكن أجاز اللغويون نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعلٍ معنَى فعلٍ آخر، فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن يعمل عمله»، وقد أقر مجمع اللغة المصري هذا وذاك، ومجيء «من» بدلًا من «في» كثير في الكلام الفصيح كقوله تعالى أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ (فاطر: ٤٠)، وقوله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (الجمعة: ٩)، ويمكن تصحيح٧٩ التعبير المرفوض استنادًا إلى ما جاء في كتب اللغة من أنه يقال: خرَّجه من المكان إذا جعله يخرج،٨٠ ويكون الخروج هنا معنويًّا لا حسيًّا، بمعنى إنهاء الدروس، وقد عدَّاه الأساسي ﺑ «من».٨١

زوج/زوجان

يقولون: لا تقل «اشتريت زوجًا من الأحذية» وقل «زوجين»؛ لأن الزوج في العربية هو الفرد المزاوج لصاحبه. جاء في كتاب «درة الغواص» للحريري: «يقولون للاثنين: «زوج»، وهو خطأ؛ لأن الزوج في كلام العرب الفرد المزاوج لصاحبه، وأما الاثنان المصطحبان فيقال لهما: زوجان، كما قالوا: عندي زوجان من النعال … وكذلك يقال للذكر والأنثى من الطير: «زوجان»، كما قال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى … وقال: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ (هود: ٤٠)، أي ذكرًا وأنثى.»

كل هذا حسن وجميل، ولكن في سياقات معينة يكون ثقيلًا ومسترذلًا ومتعثرًا في الدلالة: هبني اشتريت سبع علبٍ من الأحذية لي ولأبنائي في كل علبة زوجان، أو هبني اشتريت ثلاث عشرة علبةً، فماذا أقول بالله عليك: اشتريت أربعة عشر زوجًا من الأحذية، أو ستة وعشرين زوجًا في الحالة الثانية؟ أهذا بربك يمكن أن يقال في الحياة الحقيقية؟ أليس هذا بثقيلٍ ملتبس الدلالة؟ أليس الأقرب للسليقة أن أقول اشتريتُ سبعة أزواج من الأحذية، ومفهوم أن كل زوج هو حذاءان اثنان وليس فرد حذاء بالطبع والبديهة؟! وماذا لو علمنا أن الصحاح واللسان والتاج ومد القاموس ومتن اللغة قد أجازت جميعًا أن يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج؟ لماذا نضيق على العربية مجال الدلالة وفيها متسع، لماذا نقلص الدلالة وننقصها من أطرافها؟ ولمصلحة من نُفقر هذه اللغة الرَّخِيَّة الرحيبة؟ وأي طائلٍ دلالي أو جمالي نناله من وراء التضييق؟

لغتنا رَخِيَّةٌ سخية رحيبة: تجيز أن نستعمل المفرد بمعنى المثنى (اشتريت حذاءً جديدًا، خلع نعله، تحلَّت أذناها بقرط، ضعف الشيء أي مثلاه، رأيته بعيني …)، ونستعمل المثنى للمفرد (قفا نبك، قص شاربيه، يحمل همومه على كاهليه …)، والجمع للمفرد (قص شواربه، وأردف أعجازًا …)، والجمع للمثنى (فتوردت وجناته، ضحك ملء أشداقه، كحلت عيونها، عريض الأكتاف، مشى على أقدامه، قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا …).

منسوب الماء

ويقولون: لا تقل «منسوب الماء» والصواب: «مستوى الماء»؛ لأن المنسوب في العربية هو ذو الحسب والنسب، أو الشِّعر المنسوب أي الذي فيه نسيب أي غزل، أو الخط المنسوب أي ذو القاعدة. وأقول: لماذا لا نضيف هذا المعنى الجديد إلى المعاني القديمة؛ لدقته الدلالية وبخاصة في مجال العلم (منسوب الماء في البئر أو في النهر أثناء الفيضان أو منسوب السائل في المخبار …)، وكلها مختلفة في معناها عن مجرد «المستوى»: إنها «الارتفاع» الحاصل في المستوى محددًا ومقيسًا، لماذا نحبس الدلالة في حذاء صيني ونخنق العربية بأيدينا؟ لماذا نقف بالألفاظ حيث وقف الأسلاف ونوجس من توسيع الدلالة في زمنٍ تتسع فيه المعاني وتتفجر بلا توقف؟

وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أنها صحيحة: «يشيع في الاستعمال المعاصر قولهم: منسوب الماء، ويعنون به المستوى الذي يصل إليه في ارتفاعه، وهو معنًى لم يرد عن العرب، فهو من باب التوسيع الدلالي للكلمة، وقد أوردتها المعاجم الحديثة بهذا المعنى الجديد، ونص الوسيط على أنها محدثة.»٨٢

يسري (الحكم)

يقولون: لا تقل «هذا الحكم يسري من أول الشهر» والصواب: يجري، أو ينفُذ، أو يمضي؛ لأن «سرى» في العربية معناه: سار ليلًا،٨٣ وأقول: وماذا عن «يسري» بمعنى ينطبق ويشمل (لا يسري هذا القانون إلا على الفئات التالية …)؟ لماذا لا نضيف هذا المعنى المولَّد إلى المعاني القديمة وهو معنًى شائع ومستعمل ومحكي ومسعف؟ وكيف نتنازل عن خدماته الدلالية في سياقاتٍ كثيرة قانونية وعلمية؟
يقول الأستاذ العقاد: «… لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها …»،٨٤ ويقول الأستاذ أمين الخولي: «وهذه العادة سادت بين أهل القاهرة الخاصة ثم سرت منها إلى بعض المدن الكبيرة كدمشق …»،٨٥ وفي «معجم الصواب اللغوي»: «هذه الأوامر تسري على الجميع — صحيحة، قال في المصباح: سرى فيه السم والخمر … وسرى عرق السوء في الإنسان … وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم. وبناء على هذا يصح قولهم: تسري الأوامر على الجميع.»٨٦

استضاف

يقولون: لا تقل «يستضيف البرنامج الأستاذ …»، أو «استضافت القاهرة أعضاء المؤتمر»؛ لأن «استضاف» في العربية تعني: طلب من غيره أن ينزله عنده ضيفًا، أي طلب الضيافة، أو طلب أن يُضيَّف. يقول ابن المقفع: «إن استضافك ضيفٌ وأنت لا تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك.»

وتفيد صيغة «استفعل» في العربية معاني كثيرة أهمها الطلب: مثل استغفر اللهَ أي طلب غفرانه، ومثل استطعم واستكتب واستفتى واستعطف … إلخ، وإذا كان الطلب من جانب الضيف هو السائد في الثقافة العربية بحكم الظروف البيئية فلقد تبدلت أشكال الحياة وأصبح المضيف هو الذي يطلب الضيف، الطلب إذن ذو اتجاهين: فقد يكون من الضيف إلى المُضيف، وقد يكون من المُضيف إلى الضيف، أي من المضيف إذ يطلب ضيافة الغير عنده، أي «يستضيفه»؛ وعليه يجوز أن «يستضيف البرنامج الأستاذ …»، وأن «تستضيف القاهرة أعضاء المؤتمر».

استبدل ﺑ

يقولون: لا تقل «أبدل ثوبه القديم بثوبٍ جديد» لأن الباء تدخل على المتروك، والحق أن هذه القاعدة مطردة إلى حد كبير، كما في قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (البقرة: ٦١)، وينبغي الالتزام بها منعًا للبس، غير أنه في بعض الأحيان قد يحكم السياق بترك القاعدة دون تضحية بالوضوح والإبانة. فحين قال شوقي: «أنا من بدل بالكتب الصحابا» لم يحدث أي لبس من جراء هذه الرخصة التي هلل لها بعض مناوئيه، وإن المتلقي ليدرك قصده مبرأ من أي التباس. وفي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية» يقول الأستاذ أمين الخولي: «… أن بعض أهل القاهرة كان استخشن نطق القاف فأبدله بالهمزة»، ولا نحسب أن في تعبير الخولي أي لبس، وهذا هو المحك اللغوي الأول والأخير. وبمراجعة الأمر علميًّا وجدنا أنه «ورد في بعض المعاجم جواز دخول الباء على غير المتروك، وهو ما أخذ به مجمع اللغة المصري، وإن كان الأفضل إدخالها على المتروك منعًا للبس.»٨٧

اعتدَّ (بنفسه)

يقولون: لا تقل اعتد بنفسه وقل اعتز بنفسه؛ لأن اعتدَّ تعني أشياء أخرى مثل: صار معدودًا، اعتد الأمر لعبًا: حسبه وظنه، اعتد الشيء: أحضره، اعتد للشيء: تهيأ له، اعتدت المطلقة: دخلت في أيام عدتها، لا يعتد به: لا يهتم به.

وأقول: «الاعتداد» المقصود في هذا المقام غير «الاعتزاز» وأكثر رهافة وعمقًا، هو يعتد بنفسه أي يَقْدُرُها ويحترمها ويعتبرها ويَعُدُّها شيئًا، ألا تقول العرب: «هذا شيء لا يعتد به»؟ فلنضف إلى معجمنا هذا المعنى الجديد الشائع الراسخ، والجائز من ثمَّ والمشروع، أضف إلى ذلك أن «اعتد» جاء في الوسيط بمعنى اهتمَّ، وفي الأساسي بمعنى وثق بنفسه، وفي المنجد بالمعنييْنِ.

انطلى

يقولون: لا تقل «انطلت عليه الحيلة» والصواب «جازت عليه الحيلة»؛ لأن الفعل المطاوع «انطلى» لا وجود له في كلام العرب.

وأقول: ولكنَّ له وجودًا مهمًّا في الاستعمال الجاري، لقد درجت اللفظة وشاعت واستتبت وقدمت دلالةً جديدةً أخص وأدق وأقوى من «جازت»، ولن نعدم أكثر من تخريجةٍ لغوية تجعل منها استعمالًا صحيحًا، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن مجمع اللغة المصري أقرَّ قياسية مجيء «انفعل» مطاوعًا ﻟ «فعل» المتعدي الدال على معالجة حسية، ومن ثم أجاز استعمال «انطلى»، وقد أوردته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي.٨٨

رغم

يقولون: لا تقل «فعل كذا رغم كذا»، ولا تقل «رغم فلان» أو «رغم أنف فلان». يقول د. جواد: واللغة العالية هي في استعمال «على»، أي «على الرغم من أنفه» و«على رغم أنفه»، ودونها لغة استعمال الباء أي «برغم»، وغير الفصيح هو قولهم «رغم»، وللشعر ضرورات لا تسوغ للناثر الحر المختار، فقل «على الرغم» و«بالرغم» ولا تقل «رغم» إلا في الشعر.

وأقول: إن استعمال «رغم» فيه اقتصاد وخفة وليونة، سواء جاءت في بداية العبارة أو في نهايتها، وكثيرًا ما يحتم هذا الاقتصاد استعمالها، وبخاصة إذا كان الوزن العروضي يحبذها. ألست ترى أن «على الرغم من» ليست أكثر من «رغم» وقد تعكَّنت وثقلت بلا أي مقابل دلالي يذكر؟! وقد اعترف د. جواد بسواغها في الشعر، غير أن للنثر موسيقاه وإيقاعه، كما بينت ذلك في موضعه (في فصل «مزايا العربية»)، ومن ثم فإن علينا إجازة كل ما يُثري جماليات الكتابة ويضع أمام الكاتب بدائل عديدة يختار من بينها الأنسب، ما دامت هذه البدائل صحيحةً فصيحة.

هذا هو المبدأ العام. ونأتي الآن إلى التخريجة العلمية: تستخدم «رغم» مسبوقة بحرف جر: «على الرغم من …»، «بالرغم من …»، «برغم …»، غير أن المجمع اعتبر «رغم» صحيحة، مثل «رغم خطورة الموقف …»، إما على تقدير حرف جر، أو على اعتبار المصدر حالًا على سبيل المبالغة.٨٩

الرئيس/الرئيسي

يقولون: لا تقل «القضية الرئيسية» و«الفكرة الرئيسية»، و«الأمر الرئيسي»، و«العضو الرئيسي» وقل «القضية الرئيسة» و«الفكرة الرئيسة» و«الأمر الرئيس» و«العضو الرئيس»؛ وذلك لأن «الرئيس» و«الرئيسة» صفة على وزن «فعيل»، مثل «شريف» و«نجيب» و«كبير» و«كريم» … إلخ، ومن غير المألوف أن نضيف ياء النسب التي تفيد الصفة إلى ما هو صفة أصلًا: فنحن لا نقول: للشريف شريفي، وللعجيب عجيبي، وللكبير كبيري، فذلك كما يقول د. جواد «عبث باللغة فظيع، قال الشريف الرضي في كتابه المجازات النبوية: «لأن القلب سيد الأعضاء الرئيسة والأحناء الشريفة»، وقال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة: «ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواح في ثلاثة أعضاء رئيسة»، وذكر ابن النديم في الفهرست كتابًا اسمه «سير العضو الرئيس من بدن الإنسان»، وذكر الخوارزمي في مفاتيح العلوم «الأعضاء الرئيسة في الإنسان» … وقال الصاغاني في كتابه مجمع البحرين «الأعضاء الرئيسة عند الأطباء أربعة …» … وقد رأيت هذا الخطأ، أعني استعمال النسبة بغير باعث عليها ولا ملجئ إليها، في كلام القلقشندي (وأما استيفاء الدولة فهي وظيفة رئيسية) … والصواب «وظيفة رئيسة» كما قدمناه، واستعمل الأتراك العثمانيون هذا الغلط في عباراتهم فقد كانوا يقولون «رئيسي جمهور» بمعنى «رئيس جمهورية» وسرى الخطأ من الجهتين إلى الكتاب حتى أعثرنا الله تعالى على الصواب.»٩٠
هذا تحليل تاريخي (دياكروني) يعنيه تخريج الخطأ، و«من طلب شيئًا وجده»، ولكن هل صحيح أن صفة «رئيسي» منسوبة إلى صفة؟ أي منسوبة إلى صفة الرياسة التي على وزن فعيل (رئيس)؟ الحق أن صفة «رئيسي» هي صفة منسوبة ﻟ «اسم ذات» (الرئيس: أي كبير القوم وسيدهم)، و«الرئيس» بهذا المعنى هو اسم ذات وليس صفة، والمعروف أن كثيرًا من أسماء الذات يبدأ استعمالها تاريخيًّا كصفات ثم تتحول دلالتها إلى اسم ذات: مثل «شاعر»، «كاتب»، «أديب»، «عامل» … إلخ، وثمة ما يشير بقوة إلى أن «الرئيس» (سيد القوم) مشتق من «الرأي» وأنه كان في الأصل صفة تحولت إلى اسم ذات وشاع استخدامها بهذه الدلالة، ومن ثم اشتقوا منه اسم النسب «رئيسي»، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن الرئيسي هو «المنتمي إلى مفهوم رئيس (سيد القوم) وكأنه فرد من أفراده؛ وعلى ذلك فرئيسي فصيح والوصف به غير الوصف برئيس (صفة الرياسة)، وقد أقره مجمع اللغة المصري بشرط أن يكون المنسوب إليه أمرًا من شأنه أن يندرج تحته أفراد متعددة … وقد ورد عن العرب كلمات مثل: أكثري، أولي، أساسي، عرضي، ظاهري، باطني.»٩١

جيب

أهمية هذا اللفظ أنه يمثل كلمة لم ترد بمعناها في كلام العرب؛ لسبب بسيط هو أنهم لم تكن لديهم جيوب في ملابسهم! فالجيب عند العرب هو طوق الثوب عند النحر، أي فتحة الثوب عند الرقبة، والجيب أيضًا الصدر أو القلب، وقد كانت العرب تضع الأشياء الثمينة في صدور ثيابها، وفي الذكر الحكيم: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (النمل: ١٢)، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (النور: ٣١)، أي صدورهن أو موضع القطع في القميص حيث يدخل الرأس.

لم تكن للعرب جيوب في ملابسهم. حسن، ولكن ماذا عن جيوبنا نحن التي في ملابسنا؟ ماذا نسميها؟ أين غطاؤها الرمزي؟ ما أظن أن هذا السؤال يعني المتزمت الذي وقف الزمن عنده في القرن الثاني أو الثالث الهجري.

لعب دورًا

مثل: «لعب دورًا مهمًّا في السياسة الخارجية.»

أدرجنا هذا المثال لأنه يثير قضيتين أو يطرح مبدأين:٩٢ (١) التطور الدلالي الحثيث لبعض الألفاظ. (٢) ضرورة الإذعان في بعض الأحيان لضغط اللغة الأجنبية.
يخطِّئ البعض هذا الاستعمال لأن معناه اللهو وهو معنًى غير مناسب في هذا المقام، يقول الأستاذ العقاد في كتاب «أشتاتٌ مجتمعاتٌ في اللغة والأدب»، بصدد ترجمة المفردات أو العبارات: «ومن ذلك قولهم: إن هذا أو ذاك، يلعب دورًا خطيرًا في السياسة أو التاريخ أو شئون الحياة العامة»، وقد يقبح الذوق في اختيار المواضع لهذه العبارة حتى يقول القائل: «إن الدين يلعب دورًا جديًّا في المسائل الاقتصادية»، أو يقول قائلهم: «إن ذاك البطل العظيم لعب دورًا هامًّا في تشريع زمانه» إلى أمثال هذا السخف الذي يتحرج منه أصحاب اللغة الأجنبية أنفسهم عند استخدام هذه العبارات، ولو أنهم أخذوا مادة «اللعب» بحرفها كما وضعت أصلًا لم يكن لهذا الموقع المعيب عند سامعيها من العارفين بمعانيه؛ لأن أصل المادة عندهم يشمل «الاشتغال» ويشمل «الحركة» التي تحمل الإنسان وراء مشيئته، ومنها جاءت حركة الرقص وحركات اللعب والطرب، وأشباه هذه الحركات التي تدخل فيها حركة اللعب الهازل وغير الهازل، ولكن الأصل في مادة «اللعب عندما يرجع إلى المهازل الصبيانية ويأتي، على ما نرجح، من قولهم «لعب الصبي أي سال لعابه» ولعب فلان أي صنع صنيع الصبيان، وليست الكلمة على معنًى من معانيها الأصلية أو الطارئة بالتي تصلح للاقتران بمعاني التقديس ومعاني الخطر والتعظيم.»٩٣

كتب الأستاذ العقاد رحمه الله هذا الكلام منذ أكثر من نصف قرن، وقد كان على حق في وقته، غير أن نصف قرن من السنين حدثت فيه تحولات وجرت مياهٌ كثيرة، وتطورت دلالة «اللعب» تطورًا عظيمًا، وأصبحت في جميع الثقافات معادلًا للأداء والممارسة، واتشحت بوشاح «الجد»، ودخل أنالوجي (مماثلة) «اللعب» في نظريات فلسفية كثيرة، وحتى الألعاب الرياضية أصبحت مؤسسات محلية ودولية هائلة، لديها تمويلات طائلة وفعاليات خطيرة.

قناعة

لديه قناعة بهذا الموضوع.
هذا شيء لا يمس قناعاته.
هذه أيضًا لفظة راجت كثيرًا في أحاديث المثقفين ومناقشاتهم بمعنى الرأي الذي يقبله المرء ويضمره ويتبناه، ويخطِّئها البعض لأن هذا المعنى يختلف عن معنى القناعة في العربية، وكلُّنا يعرف «القناعة» ويعرف أنها كنزٌ لا يفنى؛ ولهذا السبب نفسه فإن بوسعنا أن نتبنى الاستعمال الجديد ونحن بمأمن من اللبس؛ فالكلمة حقًّا مرنة لينة أسيلة، وجمعها خفيف سائغ (قناعات Convictions)، وهي حقًّا مسعفة وسعيدة في سياقات كثيرة، وما هكذا ضرتها الثقيلة «اقتناع».
هذا من جهة الوظيفة الدلالية والجمالية، فماذا عن الصواب المعجمي؟ «عندي قناعة بالموضوع» صحيحة: يمكن تخريج العبارة على أن «قناعة» اسم مصدر للفعل «اقتنع» لأنها ينطبق عليها تعريف اسم المصدر، أو أنها مصدر للفعل قنع بمعنى رضي، فقد ذكرت المعاجم اقتنع بالشيء وقنع وتقنع، ومعنى هذا إمكانية استعمال الفعلين قنع واقتنع بالتبادل، وحيث صح هذا في الفعل صح كذلك في المصدر، وقد ذكرتها بعض المعاجم الحديث كالأساسي، والمنجد.»٩٤

هل «كذا» أم «كذا»؟

يقولون: لا تقل هل كذا أم كذا؛ لأن «هل» لا تأتي بعدها «أم» المتصلة (وإنما تأتي بعدها «أو»).

هذه أيضًا قاعدة تعلمناها، وما أسهل تعلُّمها، فأورثتنا ثقلة في الأسلوب والتباسًا مجانيًا كان منه بد. أكتب:٩٥ «هل معنى هذا أن نهادن أو ننتظر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا؟ وأكتب: «هل عندك طالبٌ أو طالبان؟»، «هل معك درهم أو دراهم؟»، «هل أستدعي محمدًا أو عليًّا ليساعدنا؟» … إلخ، فلا تدري أقصدت تعيين أحد الشيئين أم ألحقت أحدهما بالآخر وأردفته وماثلته!»
والحقيقة أن اللغة العربية ذاتها بريئة من اللبس هنا لأن الأصل أن تختص «هل» بطلب التصديق الإيجابي، فلا تستخدم لطلب تعيين أحد الشيئين؛ ولذا لا تقع بعدها «أم» المتصلة التي يطلب بها وبأداة الاستفهام التعيين؛ «وذلك لأن الهمزة هي الأصل في الاستفهام، قال الزمخشري في المفصل: «والهمزة أعم تصرفًا في بابها من أختها «هل»، تقول: أزيدٌ عندك أم عمرو؟» فإذا استعملنا حرف العطف «أم» للتعيين بعد الاستفهام وجب أن نستعمل معها همزة الاستفهام ولا نستعمل «هل»، كقوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ …»٩٦

غير أن استعمال «هل» لطلب التعيين قد شاع وانتشر بحيث لا يمكن رده، ويستخدمون بعدها «أو» لتجنب الخطأ، ولكن «أو» توقع في الالتباس وهو الخطأ بعينه! ولا حل لهذه العقدة إلا باتباع «ما ذهب إليه بعض النحاة من أن «هل» قد تكون بمعنى «الهمزة» فيعطف ﺑ «أم» بعدها: جاء في الحديث الشريف: «هل تزوجت بكرًا أم ثيبًا؟» وقال الشاعر:

هل اللهُ عافٍ عن ذنوبٍ كثيرةٍ
أم اللهُ إن لم يعفُ عنها يعيدها؟٩٧

بمثابة

يقولون: لا تقل «كان لي فلان بمثابة الأخ»، والصواب «كان لي كالأخ» أو «مثل الأخ»؛ «لأن المثابة تعني: المنزل، والملجأ، والمرجع، ومجتمع الناس بعد تفرقهم، ومبلغ تجمع ماء البئر، وما أشرف من الحجارة حول البئر، والجزاء.»٩٨ وأقول: لماذا نخسر هذا اللفظ المهم في معناه الجديد المولَّد الذي يفوق الكاف و«مثل» في قوة الدلالة ورشاقة التعبير في سياقات معينة؟ يقول الأستاذ العقاد: «… إن هذه القضية بمثابة خطر دائم على السلام.»٩٩ وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «ذكرت المعاجم أن المثابة هي البيت والملجأ والمنزل، ولما كانت هذه المعاني يجمعها معنى المكان صح أن يقال: أنت لي بمكان الأخ، أو بمثابة الأخ، وليس هذا الاستعمال حديثًا، فقد ذكر دوزي أنه ورد في الأحكام السلطانية للماوردي، ومقدمة ابن خلدون.»١٠٠

كرَّس تكريسًا

يقولون: لا تقل «كرَّس نفسه للعلم»، والصواب «وقف نفسه للعلم، أو على العلم»؛ لأن «كرَّس» هنا لفظة دخيلة على العربية (يونانية)، أما في العربية فإن للفعل «كرَّس» معاني أخرى: كرس الأشياء: ضم بعضها إلى بعض، كرس البناء: أسسه، كرس اللآلئ والخرز: نظمها في خيوط، فهي مكرسة.

وأقول: إذا كانت كلمة «التكريس» Devotion يونانية تكون كلمة مولَّدة مهمة في سياقات كثيرة، ولا يصح التنازل عنها، ولا بأس في هذه الحالة بأن نقترض من اللغات الأجنبية ونذعن لضغطها إذا كان من شأنه أن يزيد العربية ثراءً ودلالة. وإذا كانت «كرس» عربية، بمعنى جمع وضم أجزاء الشيء بعضها إلى بعض، يكون تعبير «كرس حياته للعلم» صحيحًا، وكأن من يكرس حياته للعلم يجمع أوقات حياته كلها لأجل العلم. وقد أوردت بعض المعاجم الحديثة كمحيط المحيط والأساسي الفعل «كرس» بهذا المعنى، كما تردد كثيرًا في كتابات المعاصرين مثل ميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم.١٠١

حار/احتار

يقولون لا تقل: «احتار في أمره»، والصواب «حار في أمره»؛ لأن الفعل «احتار» لم تتفوه به العرب،١٠٢ وأقول: لماذا لا نشتقها اشتقاقًا صحيحًا من «حار» (افتعل من فعل)، ولماذا لا نجيزها بالشيوع ونماشي المحكية ما دام اللفظ خفيفًا سائغًا تستريح له الآذان وتقبله السليقة؟ ولم يخذلنا «معجم الصواب اللغوي» واعتبر «احتار» صحيحة «استنادًا إلى اشتهاره وجريانه على القياس الصحيح، ويراد بهذه الزيادة حينئذٍ المبالغة في الحيرة، وقد أثبتته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي وتكملة المعاجم العربية … وسمى أحد الفقهاء كتابه ﺑ «دليل المحتار»١٠٣ (محتار اسم فاعل من احتار).

بواسل

يقولون: لا تقل هؤلاء الضباط البواسل، وقل: البسلاء والباسلون؛ لأن «بواسل» جمع لغير العاقل وللمؤنث، تقول أسد باسل وأسود بواسل، وفتاة باسلة وفتيات بواسل، أي باسلات … والجمع الآخر «بُسل» … كتب د. مصطفى جواد: «قال العقاد: إن بعض الفرسان البواسل، وإنما البواسل جمع باسلة للمرأة وباسل للحيوان كالأسد، وللرجال يقال البسلاء والباسلون.»١٠٤ والحقيقة أن «فاعل» يجمع قياسًا على «فواعل» إذا كان اسمًا أو وصفًا لمؤنث عاقل أو وصفًا لمذكرٍ غير عاقل، أما إذا كان وصفًا لمذكرٍ عاقل فلا يجمع عادةً على «فواعل»، «ويدعون أن العرب لم تجمع من صفات المذكر العاقل على «فواعل» سوى ثلاث كلمات، هي: هالك وفارس وناكس، فتصبح: هوالك وفوارس ونواكس، ولكن بعض الباحثين المعاصرين اهتدى في الكلام الفصيح إلى جموع كثيرة جاوزت الثلاثين، وكل واحد منها وصف لمذكر عاقل، منها: سابق سوابق، سابح سوابح، حاسر حواسر، قارئ قوارئ، كاهن كواهن …»١٠٥ وقبل ذلك وقف العلامة عبد القادر البغدادي … عند قول الفرزدق «نواكس الأبصار» فعرض أمثلة من هذا الجمع جاوزت العشرة، ثم وصلت بعده إلى ما يربي على الثلاثين، وذكر الفيومي في المصباح المنير والزبيدي في تاج العروس أمثلة أخرى، وقال الزبيدي «إذا كان قوارئ جمع قارئ فلا مخالفة للسماع ولا للقياس فإن فاعلًا يجمع على فواعل.»١٠٦

من الأفضل بالطبع ألا نجمع فاعلًا المذكر العاقل على فواعل إلا للكلمات الشهيرة الرائجة، حتى نحتفظ بفواعل للمؤنث العاقل (حوامل، عوانس، طوالق …) ونحفظ للغة فصاحتها ودقتها، وإنما ركزنا على هذه التخطئة لأنها تكشف لنا أن الادعاء بأن العرب لم تقل كذا فيه مجازفة، وتهيب بنا ألا نسارع بتخطئة الناس. وقد حسم المجمع هذا الأمر ﻓ «أجاز جمع فاعل، وصفًا لمذكر عاقل، على فواعل؛ وذلك لما ورد من أمثلته الكثيرة في فصيح الكلام، وقد ورد الجمع «فواعل» في شعر أورده ديوان الحماسة كقول الفرزدق:

وإذا الرجالُ رأوا يزيدَ رأيتَهم
خُضعَ الرقابِ نواكسَ الأبصارِ
كما ورد في المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد.»١٠٧

كَلَل

كلنا يقول على السجية: «دون كلل» أو «لا يعرف الكلل»، ولا يخطر له أن هناك من يخطئون هذه الكلمة لأنها لم ترد في المعاجم القديمة، والمستعمل في العربية: الكلال والكلالة، أما الكلل والكِلَّة فمعناها الحالة، فيقال: بات فلان بكلل سوء، أي بحالة سوء، غير أن «السليقة» العربية تبقى غير مقتنعة: لماذا يجوز لي أن أقول «ملل» ولا يجوز أن أقول «كَلَل»، والمبدأ يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؟! لماذا يحظر علينا أن نقول: «دون كللٍ أو ملل»، ذلك التعبير السلس الرفيق المسعف؟

وقد حسم مجمع اللغة المصري هذه المسألة، واعتبر هذا الاستعمال صحيحًا «اعتمادًا على سَنَدين: (١) أن مصادر الثلاثي أغلبها سماعي. (٢) عملًا بقرار مجمعي سابق بإجازة تكملة فروع مادة لغوية لم تذكر بقيتها في المعاجم.»١٠٨
ولعلها فرصة للحديث عن قضيةٍ عامة هي أن ألفاظًا عربيةً كثيرةً لا تذكرها المعاجم اللغوية ولكن عدم ذكرها لها لا ينفي عربيتها وأصالتها، وبالتالي تنتفي حجة من يخطئ اللفظ لمجرد أنه لم يرد عن العرب أو لم يرد في المعاجم، يقول المعري في «عبث الوليد»: «لا يمكن أن يحاط بجميع ما لفظت به القبائل؛ إذ كان ذلك غاية ليست بالمدركة»، ويقول أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير.»١٠٩ ذلك أن العرب انشغلوا عن الشعر زمنًا بالجهاد وغزو فارس والروم، «فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر فلم يئولوا إلى ديوان مدوَّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره.»١١٠ وهذا ابن فارس أحد أصحاب المعاجم الكبيرة يعقد في كتابه «الصاحبي» فصلًا عنوانه «باب القول على لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها» ويصدِّره بقوله: قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي، «وإذا كانت اللغة بهذه السعة، وقد ضاع مع ذلك كثير من شعر أصحابها على ما يقرره ابن سلام كذلك؛ فالقول بعدم إحاطة المعاجم باللغة صحيح، والقول بأن من اللغة ما ليس في المعاجم صحيح، والقول بأن في الإمكان تقرير عربية كلمة وأصالتها ولو لم ترد في المعاجم صحيح.»١١١ ولا يفوتنا أن نحيل القارئ إلى بحث الأستاذ أمين ظاهر خير الله «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» الذي سبقت الإشارة إليه في حديثنا عن المعايير التي يستند إليها المخطئون، تحت العنوان الفرعي «اللحن».

نوايا

يقولون: لا تقل «نوايا»، والصواب «نيات»، وأقول: نعم، جمع «نية» على «نوايا» فيه شذوذ ولم تقل به العرب، ولكن «نوايا» شائعة وسلسة (نفترض حسن النوايا) وميزانها الصرفي والعروضي مختلف عن «نيات»، فلماذا نتنازل عنها وهي تزيد من ثراء العربية التعبيري والموسيقي، لماذا نقطع هذه النبتة اللفظية الجميلة؟

وهنا أيضًا لا يتخلى عنا المجمع، فقد أجاز جمع «نية» على «نوايا» حملًا لها على «طوايا» في جمع «طَوِيَّة» التي ترتبط بكلمة «نية» في الدلالة، وحملًا أيضًا على نظائر أخرى كثيرة جمعت فيها «فِعْلَة» على «فعائل»، وقد أجاز عددٌ من المعاجم الحديثة هذا الجمع كالأساسي والمنجد.»١١٢

صدفة

يقولون: لا تقل «قابلته صدفةً»، والصواب «مصادفة»؛ لأن «صدفة» لم ترد عن العرب، و«صادفه» وجده أو لقيه أو قابله، وهي لا تحمل معنى المفاجأة، تقول «صادف نجاحًا عظيمًا» أي لقي نجاحًا وإن كان متوقعًا، واستخدامها بمعنى اللقاء على غير موعد هو استخدام جديد مولَّد، أما الفعل «صَدَفَه» فمعناه «صَرَفَه»، و«صَدَفَ» عنه: أعرض، وصَدَفَه عن كذا أي أمال وعدل به «وفي الذكر الحكيم: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (الأنعام: ١٥٧)، أي: يُعرِضون.»

هذه النبتة أيضًا لماذا نقطعها؟ اللفظة خفيفة على اللسان (وأخف ظلًّا من ضرتها وأسلس نغمًا)،١١٣ شائعة مستتبة، محكية رائجة، ودلالتها مهمة كثيرة التوارد، وبمأمنٍ تام من اللبس، وفي تفصيحها تقريب حميد بين العامية والفصحى نريد أن نستنَّه.
ولم يخذلنا المجمع في نبتتنا: «قابلته صُدفة — صحيحة: يصح استخدام «صدفة» على اعتبارها مصدرًا مستحدثًا من الفعل «صدف» للدلالة على المعنى الجديد أو على اعتبارها اسم مصدر من «صادف» وقد أقر مجمع اللغة المصري استعمالها بهذا المعنى، وقد وردت الكلمة في عدد من المعاجم الحديثة كالمنجد والأساسي.»١١٤

مستديم/مستدام

كلمة «مُستدام» من الألفاظ التي تسهم في توسيع الفجوة بين الفصحى والمحكية دون مقابل. فكنتا درجنا على استخدام كلمة «مستديم»، كما في «مرض مستديم»، «عاهة مستديمة»، «عجز مستديم»، ولم نصادف في ذلك مشكلة، ولم نسبب لأحد مشكلة، حتى خرج علينا من يقول «مستدام» ويلح في قولها، فوقر في ظن الجميع أنها الصواب، بحكم قاعدة (تقر في أعماق الجميع) بأن الغريب أصوب من المألوف.

وتُحقق في الأمر علميًّا فتجد أن الفعل «استدام» (الذي استعملته العرب في الغالب متعديًا بمعنى طلب الدوام وعليه يكون اسم المفعول «مستدام» فصيحًا بمعنى «مطلوب دوامه» — هذا الفعل قد ورد أيضًا لازمًا بمعنى «دام»، فتكون مستديم بمعنى «دائم»، وهي صحيحة وأفضل من «مستدام»: أولًا لأنها آلف منها وأساس، وثانيًا لأنها اسم فاعل ولذا يليق استعمالها في جميع الأغراض دون حرج: ﻓ «التنمية المستديمة» هي التنمية الدائمة، و«العجز المستديم» هو العجز الدائم، ولا يصح أن يقول أحد «عجز مستدام» لأن العجز لا يُطلب دوامه!

وصفوة القول أننا إذا شئنا تيسير الاستخدام اللغوي ووضع الإصر عن مستخدمي اللغة فمن الأسلم والآمن أن نعمم «مستديم»؛ لأنها صائبة في كل مقام، و«مستدام» صائبة في مقام الخير وحده.

المباشَر/المباشِر

من تقاليع النطق أيضًا هذه الأيام قول المذيعين «البث المباشَر»، و«الاتصال المباشَر»، فما الخطب؟!

الفعل «باشر» في اللغة يعني «لامَسَ البَشرَة»، ويفيد الاتصال بلا واسطة، باشر زوجه: غشيها، يقول تعالى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وباشر الأمر: تولاه بنفسه، وباشر الفعل: فعله من غير وساطة، وباشره النعيم: بدا عليه أثره، وباشر الشيء مباشرة: جعله ملاصقًا له، وفي الحديث: «اللهم إني أسألك إيمانًا تباشر به قلبي.»١١٥ وفي المعجم الأساسي أن «مباشر» صفة للدلالة على ما ينجز حالًا أو بدون واسطة، وحين يقول المذيع «البث المباشر» (اسم مفعول) فقوله صحيح بمعنى البث المباشر من قبل المذيع الذي يكون هو (أي المذيع) مباشِرًا له.

ولكن هل هذا، بعَيْشِ أبيك، هو المعنى الذي يقصده المذيع؟ الأغلب أن البث هو الذي «يباشِر» هنا، أي يباشر المشاهدين أو المستمعين، ويتصل بهم حالًا بدون واسطة، وأن المذيع لا يقصد غير هذا: البث مباشِر للجمهور فكأنه يلامس بشرتهم لأنه يتم بدون واسطة، ويتم حالًا؛ وعليه فإن «مباشِر» بكسر الشين أصح وأسلم في عامة الأحوال من «مباشَر».

مُفاد/مَفاد

يقولون: لا تقل «مَفاد الأمر» وقل «مُفاده»، ولا تقل «بَرقية مَفادُها كذا»، وقل «مُفادها»؛ وذلك لأنك تقول أفادت البرقية كذا، أي جاءت بفائدة خبرية هي كذا، والمصدر الميمي من الرباعي «أفاد» هو «مُفاد» بضم الميم، وعلى وزن اسم المفعول، والمفاد هو المحتوى والمضمون والفحوى والفائدة الخبرية، مثل: المصاب، المُخرَج، المُدخَل، المُراد، المُراغَم … إلخ. «أما «المَفاد» فهو مصدر ميمي لفعل من الأضداد، من معانيه حصول الفائدة والحياد، والموت والتبختر، وفي استعماله التباس كثير، فضلًا عن بعده عن المراد.»١١٦

وليس يخفى أن «مَفاد» بفتح الميم أخف نطقًا وأعم استخدامًا، ولكن هل هي حقًّا خطأ صرفي ومعجمي وفي استعمالها التباس كثير؟

ولنبدأ بالالتباس: لا يقاس الالتباس بكم المشترك، بل بإمكان التشابه في السياقات المختلفة، ولا نظن أن حصول الفائدة يشتبه مع الحياد أو الموت أو التبختر! وما دمتَ آمنًا من الاشتباه فقل وثِقْ بفهم المخاطب.

وأما من جهة الصرف والمعجم فإن «مَفاد» بالفتح صحيحة فصيحة، فهي «مصدر ميمي من «فاد» الثلاثي المجرد، الذي يدل على حدوث الفائدة، وفي اللسان: «الفائدة» ما استفدت من علم أو مال، تقول منه: فادت له فائدة.»١١٧

تساءل/سأل

يقولون: لا تقل «تساءل الرجل عن الأمر» أو «تساءلت عن هذا الأمر»، وقل «سأل» و«سألت»؛ لأن «تساءل» تقتضي المشاركة، مثل «تساءل الرجلان أو الرجال عن الأمر» أي سأل بعضهم بعضًا، فصيغة «تفاعل» تدل على المشاركة وهي غير متحققة هنا.

ويبقى الذوق غير مستريح: ففي سياقات معينة أريد أن أقول «كنت أتساءل» ولا أقول «كنت أسأل» (وما أسهلها وأبردها)، وخاصة حين أريد أن أبرز معنى التحير والتقليب والتداول مع كيان آخر (ربما كياني نفسه!). وما زادت «تساءل» عن «سأل» إلا لزيادة هذا المعنى بالذات، وفي هذه الحالة تكون «سأل» ناقصة قاصرة، وفاترة كسولًا غير مسعِفة.

نخلص من ذلك إلى أن «تساءلت عن الأمر» صحيحة، وأن «استخدام صيغة «تفاعل» بمعنى «فعل» أو «أفعل» كثير في لغة العرب، كما في تراءى بمعنى رأى، وتداعى بمعنى دعا، وتساقط بمعنى سقط، ويمكن كذلك اعتبارها صحيحة على افتراض وجود طرف ثانٍ هو النفس، فيكون المعنى: تساءل فلان: سأل نفسه، وفي الأساسي: تساءل: سأل نفسه.»١١٨

ساهم/أسهم

وقريب من «تساءل وسأل» لفظا «ساهم وأسهم»، يقولون: لا تقل «ساهم في مناقشة القضية» أو «ساهم في تأسيس الجمعية»؛ لأنها لم ترد في المعاجم القديمة بهذا المعنى، وقل «أسهم»، ووجه الأمر أن كلا اللفظين صحيح فصيح، فقد شاع استخدام الفعلين بمعنى «شارك» في اللغة المعاصرة، وأجاز المجمع المصري كلمة «ساهم» لورودها في مقدمة معجم لسان العرب، بالإضافة إلى وروده في شعرٍ لزهير، وقد ورد في المعاجم الحديثة كالوسيط والمنجد والأساسي.»١١٩

داهَمَ/دَهَمَ

يقولون: لا تقل «داهمنا العدو» أو «داهم رجال الشرطة وكر اللصوص» أو «الوقت يداهمنا»؛ لاستخدام صيغة «فاعل» بمعنى «فعل»، وقل «دهَمَنا يدهمنا دهمًا».

ونقول: بل قل دهم وداهم وفقًا لذوقك، ووفقًا لنغم الجملة، ووفقًا لما تحس له وقعًا في نفسك؛ «لأن مزيدات الأفعال قياسيةٌ لا تحتاج إلى ورود بالمعاجم، وأصول اللغة لا تمنع من استخدام «فاعل» بمعنى «فعل»، فهو كثير شائع في لغة العرب، مثل: «حافظ»، و«بادر»، و«حاذر»، و«شاهد»، و«راقب»، و«دافع»، وقد ورد الفعل «داهم» في بعض المعاجم الحديثة كالأساسي.»١٢٠

اعتذر عن الحضور

لا تقل «اعتذر عن الحضور» وقل «اعتذر عن عدم الحضور»؛ لأن عدم الحضور، أو الغياب، هو المعتذَر عنه، وليس الحضور، نعلم ذلك، ولا أظن أن أحدًا لم يسمع بهذا الخطأ الشائع وتصويبه.

غير أن طبيعة الظاهرة اللغوية ليست دائمًا منطقية أرسطية على هذه الشاكلة، وكلنا يقول «أعتذر عن الحضور» إذا ترك نفسه لسليقته، أو يتعمَّل ويقول «عن عدم الحضور» وفي النفس شيء من هذا التصويب، وكأن لجنة الألفاظ والأساليب بالمجمع قد آنست شيئًا من ذلك فأجازت التعبير المرفوض، «على اعتبار «عن» للمجاوزة، فالمعتذِر يعتذر لأنه تجاوز الحضور الذي ينبغي له ألا يتجاوزه، بينما رفض مجلس المجمع ومؤتمره قرار اللجنة.»١٢١
يقول العقاد في كتابه «أنا»: «كما لاحظ بحق أحد أصدقائي، حين علم مرةً باعتذاري من تلبية الدعوة إلى كثير من السياحات، وبعضها بغير نفقةٍ على الإطلاق.»١٢٢ حين كتب العقاد: «اعتذاري من تلبية الدعوة» وليس «اعتذاري من عدم تلبية الدعوة»، كان يطير بجناحٍ مضري يعبر كل لفظٍ نافلٍ، ويكره الثقل النغمي وكثرة المضافات، ويثق في فطنة سامِعِه، ويحذف كل ما دلَّت عليه القرينة، بينما ظل هواة قل ولا تقل يعثرون عِثارًا أرضيًّا ويَعكزون على عُكَّازاتٍ أرسطيةٍ ويدبُّون دبيبًا!

نلعب في الوقت الضائع

إذا كانت اللغات جميعًا لغاتٍ تمشي فإن العربية لغةٌ تطير!

قريب من ذلك أيضًا تعبير «يلعب في الوقت الضائع»، ونعلم جميعًا أن الصواب «يلعب في الوقت بدل الضائع»، بعد تدخل المعالجة «المنطقية» للمسألة، وإفسادها لجمال التعبير الأصلي «في الوقت الضائع» الذي نحسُّ له وقعًا شعريًّا مؤثرًا،١٢٣ تقف الذائقة غير قريرة: ثمة قيمةٌ أهدرت … شيءٌ من قلب اللغة قد احتُرِش … شيء من سر العربية أُهين، لكأن الكيان المجازي قد لم متاعه ورحل!

قال تعالى: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ، لا بدله أو نتاجه بل هو، ولقد أهدرنا وقتًا (ضائعًا) وها نحن نلعبه (واحتذاءً بالآية: هذا ما أضعتم من وقتٍ فالعبوا ما أضعتموه)، بل انظر إلى قوله تعالى: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ولم يقل «عنبًا» (باعتبار ما سيكون).

لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولًا أن نتعوَّذ من وسواس المنطق: اللغة التي تجيز أن نقول: «عامر»، ونعني «معمور»، و«فاقد» ونعني «مفقود»، ونقول: «لا عاصم»، ونعني «معصوم»، ونقول: «كاسية» ونعني «مكسوة»، ونقول: «لا غني ولا فقير»، و«لا حلو ولا حامض»، و«لا شرقية ولا غربية»، ونقول لصبينا: اذهب إلى السوق وهات عنبًا حامضًا، ونقول: أكل المال، شرب الكأس، قتل الوقت (لهوًا)، قتل الأمر (بحثًا)، تركت لمن «كان» بعدي، والموعد الله — مثل هذه اللغة لا تؤتى بالمنطق الأرسطي ولا الإقليدي، بل بمنطقها، هي لغةٌ تتكئ على فهم المخاطب وتلتئم بمعقوله وتثق في ذكائه. يقول الجاحظ: «للعرب إقدامٌ على الكلام، ثقةً بفهم المخاطب من أصحابهم عنهم.»

كم ذا أضرَّ باللغة وآذاها هواة قُل ولا تقل، وها هو حصاد زرعهم: ناسٌ طيبون أصابهم القنوط، فانفضوا عن العربية (وفي القلب ثأرٌ كظيم)، ولم يعودوا يقدرون على صواب ولا على خطأ.

يقول د. محمد كامل حسين «إن اللغويين يخطئون حين يظنون أن الإضافة إلى اللغة إضعاف لها، وأن المحافظة عليها بتقييدها، والمحافظة على لغة ما لا تكون إلا بجعلها مطابقة لتفكير أهلها، وترك الحرية لكتابها أن يزيدوا ما دلهم عليه الذوق والحاجة، وخطِئ اللغويون في إسرافهم في تخطئة الناس، وجدلهم حول ما هو خطأ، والجدل حول صحة كلمة «افتكر» و«احتار» و«اعتاد» لا داعي له، فكلها صحيحة، والكاتب المتأنق يختار «تفكَّر» و«حار» و«تعود» حين يقتضي مستوى أسلوبه أن يختار أرشق الألفاظ وأفصحها، ويجب أن نقدر أن عهد تحكم الأجرومية في اللغة العربية قد انقضى أو كاد، وأن علينا أن نسارع إلى تنظيمٍ يوائم عصرنا، والتفكير اللغوي الحديث قوامه الوضوح والدقة، فإن لم نفعل فسيقوم عهد اللغة الجديد على الفوضى والاضطراب وتحكم من لا ذوق لهم ومن لا علم لهم بأصول اللغات والأساليب.»١٢٤
ورحم الله شيخنا أمين الخولي، القائل في خاتمة بحثه «لسان العرب اليوم» أمام المجمع: «وقد بدا من واقع التاريخ أن تتبع الصواب وإعلانه أجدى من تتبع الخطأ وإعلانه، وإلى هذا التصويب صار الأمر أخيرًا، كما رأينا فهو سبيل التقريب أو التوحيد، ورحم الله أبا حنيفة، في قياسه مع حجامه، حين قال له الحجَّام: إن تتبع الأبيض من الشعر يكثره، فقال أبو حنيفة: تتبع مواضع السواد لعله يكثر، وقد تتبعوا مواضع الغلط فاستفحل الأمر فيه، فهلا نتتبع مواضع الصواب فيشيع ويغلب، وذلك ما تشهد به تجارب المصلحين والمربين … تلك مواقف عملية، إن وافقتم عليها فبها، وإلا فواقع الحياة أغلب.»١٢٥
١  دي سوسير: علم اللغة العام، ص٩٤.
٢  المرجع السابق، ص٩٦.
٣  المرجع السابق، ص٩٤.
٤  Wundt. W. 1921. Elements of Folk Psychology. London: Allen and unwin., p. 3.
٥  توفي دي سوسير عام ١٩١٣، ونشر تلميذاه شارل بالي وألبرت سيكاهي محاضراته في علم اللغة العام سنة ١٩١٦.
٦  الإسبرانتو هي أشهر اللغات العالمية الاصطناعية، دفع بها عام ١٨٨٧ العالم الروسي الدكتور لازاروس زامنهوف وطوَّرها من بعده الكثيرون، وقد راجت كثيرًا كلغةٍ عالمية وخُصِّصتْ لها المجلات وبرامج الإذاعة، ودُرِّست في عدد من المدارس والجامعات واستُعملتْ في المؤتمرات والندوات العلمية. والإسبرانتو ليست لغة طبيعية ولكنها ليست أيضًا لغةً صناعية بالمعنى الدقيق؛ لأنها قائمة على قواعد منتقاة من اللغات الأوروبية، وهي لغة شديدة التبسيط وسهلة التعليم للغاية إذ تحتوي على أقل ما يمكن من القواعد النحوية (ست عشرة قاعدة) ومن المفردات الأساسية وقواعد الاشتقاق المنتظم التي تساعد على صياغة أعداد كبيرة من المفردات الأخرى. ومع كل هذه التسهيلات فقد أفل نجمها بعد سطوعه في بدايات القرن العشرين وحتى الخمسينيات والستينيات منه؛ وذلك لأسباب ليس أقلها أنها لا تعبر عن حضارة أمة بعينها ونبض عيشها الخاص وأفق رؤيتها، وأن لغات الدول العظمى المسيطرة تكتسب ضغطها ورواجها من قوة أهلها وسيطرتهم على الغير في جميع المجالات، وأن اللغة المصطنعة لا بد أن يطرأ عليها من التغيرات ما يطرأ على اللغات الطبيعية من جيل إلى جيل، وأن اللغة المشتركة لا تضمن الوفاق وتحصن ضد الشقاق، ولم تكن يومًا مانعًا من الحروب والصراعات.
٧  دي سوسير، علم اللغة العام، ص٩٤-٩٥، وواضح أن الزمن قد حقق تنبؤ دي سوسير وأكثر.
٨  فتحي إمبابي: تحرير اللغة تحرير للعقل وإعادة منهجيته، في «قضايا معاصرة»، الكتاب ١٧-١٨، ١٩٩٧، ص٢٨٣.
٩  The Cambridge Encyclopedia of Language. David Crystal., Cambridge University Press, 2nd Edition, 1977, p. 332.
١٠  د. رمضان عبد التواب، بحوث في فقه اللغة العربية، ص٢٤٣.
١١  المرجع السابق، ص٤٣٢-٤٣٣.
١٢  Cambridge Encyclopedia of Language., p. 332.
١٣  د. علي عبد الواحد وافي: اللغة والمجتمع، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ١٩٧١، ص٣١.
١٤  د. علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ١٩٨٨، ص١٢٨-١٢٩.
١٥  علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ص١٢٠.
١٦  اللغة والمجتمع، ص٣٤.
١٧  علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ١١٩–١٢١.
١٨  اللغة والمجتمع، ص٥٥–٥٨.
١٩  د. أحمد مختار عمر: علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة، ط٧، ٢٠٠٩، ص٢٤٢.
٢٠  د. زكريا إبراهيم: مشكلة البنية، مكتبة مصر، القاهرة، ١٩٧٦، ص٣٩.
٢١  انظر تفاصيل قانون «المماثلة» وتفريعاته الدقيقة في كتاب د. رمضان عبد التواب «بحوث في فقه اللغة» ص١٦٣–١٨١، وكذلك قانون «المخالفة» ص١٩٠–٢٠٨.
٢٢  اللغة والمجتمع، ص٩١–٩٣.
٢٣  المرجع نفسه، ص٩٤-٩٥.
٢٤  فتحي إمبابي: تحرير اللغة، قضايا معاصرة، الكتاب ١٧-١٨، ١٩٩٧، ص٢٨٥.
٢٥  المرجع نفسه، ص٩٦.
٢٦  المرجع نفسه، ص٩٩–١٠٣.
٢٧  د. مجدي إبراهيم محمد إبراهيم: بحوث ودراسات في علم اللغة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ٢٠٠٤، ص٢١٣–٢١٥.
٢٨  دلالة الألفاظ، ص١٥٥.
٢٩  اللغة والمجتمع، ص٢٤-٢٥.
٣٠  د. رمضان عبد التواب: التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط٣، ١٩٩٥م/١٤١٥ﻫ، ص١٩٢ وما بعدها.
٣١  محمد المبارك: فقه اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، بيروت، ١٩٦٨، ص٢٢١.
٣٢  د. أحمد مختار عمر: علم الدلالة، ص٢٤١-٢٤٢.
٣٣  علم الدلالة، ص١٦٢.
٣٤  علم الدلالة، ص٢٤٨-٢٤٩.
٣٥  المرجع السابق، ص٢٤٩.
٣٦  المرجع السابق، الصفحة نفسها.
٣٧  لعل كلمة «تحقيق» أدق في ترجمة هذا المصطلح، لولا أنه يلتبس بتحقيق المخطوطات، فهو مشتق من الكلمة اليونانية Etumos التي تعني «حق» أو «حقيقي» (د. محمد محمد يونس علي: مدخل إلى اللسانيات، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ٢٠٠٤، ص٦٣).
٣٨  روبنز: موجز تاريخ علم اللغة، ص٥٣.
٣٩  John Lyons: Language and Linguistics, An Introduction, Cambridge University Press, 1981, p. 55.
٤٠  د. محمد محمد يونس علي: مدخل إلى اللسانيات، ص٦٣.
٤١  د. البدراوي زهران: مبحث في قضية الرمزية الصوتية، ٤٣–٤٦.
٤٢  من أمثلة ابتذال المصطلح:
  • استخدام كلمة «فصام» (ويقولونها شيزوفرينيا من باب التعالم) بمعنى وجود شخصيتين مختلفتين للفرد (وهو اضطراب شديد الندرة، إلا في الروايات، يسمى «ازدواج الشخصية» (Double personality))، أما الشيزوفرينيا فهي بعيدة عن هذا المعنى بعد المشرقين!
  • استخدام كلمة «ظاهراتية» (فينومينولوجيا) بمعنى بحث ما هو ظاهر للملاحظ، حتى لقد استخدم أحيانًا في الطب النفسي بمعنى رصد الأعراض Symptomatology!
  • استخدام مصطلح «مثالية» Idealism الفلسفي بمعنى الكمال والسمو، مثلما نتحدث عن الأخلاق المثالية، والطالب المثالي، والفتاة المثالية!
  • استخدام مصطلح «ميتافيزيقا» Metaphysics بمعنى ذلك العلم (لا أدري أين هو) الذي يضطلع بدراسة العالم غير المادي، أو العالم الروحي، ورصد ظواهره وتجلياته!
٤٣  محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: اللغة — في سلسلة «دفاتر فلسفية» (نصوص مختارة)، دار توبقال للنشر، المغرب، ط٢، ١٩٩٨، ص٤٦.
٤٤  د. عادل مصطفى: «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ٢٠٠٧، ص٢٣١–٢٣٧.
٤٥  د. محمد عيد: المستوى اللغوي، ص١٢-١٣.
٤٦  المستوى اللغوي، ص١٤.
٤٧  المؤلفات القديمة في اللحن تفوق الحصر، نذكر منها على سبيل المثال: البهاء فيما تلحن فيه العامة للفراء، ما يلحن فيه العامة للأصمعي، ما يلحن فيه العامة لأبي نصر الباهلي، إصلاح المنطق لابن السكيت، لحن العامة لأبي علي الدينوري، تقويم اللسان لابن دريد، تقويم الألسنة للديمرتي، ليس في كلام العرب لابن خالويه، لحن العوام للزبيدي، ما تلحن فيه الخاصة لأبي هلال العسكري، درة الغواص في أوهام الخواص لأبي محمد القاسم بن علي، تهذيب الخواص من درة الغواص لابن منظور، غلطات العوام المنسوب للسيوطي.
٤٨  و«اللحن» أيضًا «اللغة»! فهو من الأضداد: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون القرآن.»
٤٩  لمزيد من التفصيل انظر: موسوعة اللحن في اللغة – مظاهره ومقاييسه، للدكتور عبد الفتاح سليم، مكتبة الآداب، القاهرة، ط٢، ٢٠٠٦، ص١٤–٢٦.
٥٠  د. إميل بديع يعقوب: من قضايا النحو واللغة، الدار العربية للموسوعات، ٢٠٠٩، ١٦٥-١٦٦.
٥١  الخصائص، ج١، ص٩٨–١٠٠.
٥٢  المصدر السابق، ص١٧٠.
٥٣  المصدر نفسه، ص١٧٢–١٧٤.
٥٤  المصدر نفسه، ص١٧٤.
٥٥  المستوى اللغوي، ص٢١.
٥٦  المرجع نفسه، ص٢٧.
٥٧  المرجع نفسه، ص١٢.
٥٨  المرجع نفسه، ص٣١.
٥٩  اللغة بين المعيارية والوصفية، ص٦٨.
٦٠  المستوى اللغوي، ص٣١.
٦١  فطن دارسو الأدب القدامى إلى ظاهرة التطور التاريخي وأخذوها بعين الاعتبار. يقول ابن رشيق في «العمدة»: «قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيُستحسن في وقتٍ ما لا يحسُن في آخر، ويستحسن في بلدٍ ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذَّاق تقابل كل زمانٍ بما استجد فيه وكثر استعماله عند أهله.»
٦٢  اللغة بين المعيارية والوصفية، ١٦٧-١٦٨.
٦٣  ستيفن أولمان: دور الكلمة في اللغة، ترجمة د. كمال بشر، القاهرة، ١٩٦٢، ص١٦٥.
٦٤  اوتو يسبرسن: اللغة بين الفرد والمجتمع، ترجمة: عبد الرحمن أيوب، القاهرة، ١٩٥٤، ص١٥٦.
٦٥  كلمة «تصويب» (وكذلك «تصحيح») من الأضداد! فقد تأتي بمعنى رد الخطأ وبيان الصواب (وهو المعنى الغالب في هذا الفصل)، وقد تأتي، على العكس، بمعنى اعتبار الشيء صحيحًا، وهو ضد «تخطيء» و«تخطئة»، وسنشير إلى هذا المعنى في الحاشية كلما ورد.
٦٦  جاء في شرح المفصل: «إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شيء بمكانٍ وضعوا لها «مفعلة»، وهذا قياسٌ مطَّرِد في كل اسم ثلاثي، كقولك: أرضٌ مسبعة، كذلك معنبة ومأسدة ومذأبة ومبلحة ومرملة، للأماكن التي يكثر فيه العنب والأُسود والذئاب والبلح والرمل.»
٦٧  د. محمد كامل حسين: مجلة مجمع اللغة العربية، ج٢٢، القاهرة، ١٩٦٧. يقال دوَّمت السماء، وديَّمت، أي أمطرت الدِّيمة وهي المطر يطول زمانه في سكون، والأصل فيها للواو ثم أُبدلت الواو ياءً في الفعل تأثرًا بما حدث من إبدال في الاسم «ديمة»، وقد أخذ مجمع اللغة المصري بهذا الرأي في كلماتٍ أخرى.
٦٨  معجم الصواب اللغوي، بإشراف د. أحمد مختار عمر، عالم الكتب، ٢٠٠٨، ج١، ص٦١١.
٦٩  ابن جني: الخصائص، ج١، ص٣٤٨–٣٥٧.
٧٠  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٧٦٤-٧٦٥.
٧١  د. عبد الفتاح سليم: موسوعة اللحن في اللغة — مظاهره ومقاييسه، مكتبة الآداب، القاهرة، ط٢، ٢٠٠٦، ص٥٦٩.
٧٢  د. مصطفى جواد: قل ولا تقل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ٢٠١٠، ص١٦٦-١٦٧.
٧٣  يقول الأستاذ أمين الخولي في بحثه لمؤتمر المجمع، الدورة ٢٨ / ١٩٦٢: «وليس من الهام هنا كذلك الوقوف عند إعراب لفظ عدد في الآية». (أمين الخولي: دراسات لغوية، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٩٦، ص٣٥)
٧٤  محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، مكتبة لبنان ناشرون، ط٢، ١٩٨٠، ص٢٥٩.
٧٥  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٧٧٤.
٧٦  موسوعة اللحن في اللغة، ص٤٠٣.
٧٧  د. مصطفى جواد: قل ولا تقل، ص٣٨.
٧٨  محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص٧٧.
٧٩  كلمة «تصحيح» هنا تعني: اعتباره صحيحًا.
٨٠  و«تخرَّج» مطاوع خرج (أي خرَّجه فتخرَّج).
٨١  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٢١٧.
٨٢  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٧٣٢.
٨٣  من معانيه الأخرى: سرى عرق الشجر: دب تحت الأرض، سرى عنه الثوب سريًا: كشفه، السَّرَى: الشرف.
٨٤  اللغة الشاعرة، ص١٢.
٨٥  مشكلات حياتنا اللغوية، ص٩٤.
٨٦  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٢٢٨.
٨٧  معجم الصواب اللغوي، ج٢، ص٩٣٧.
٨٨  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص١٦٥.
٨٩  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٤٠٦.
٩٠  د. مصطفى جواد: قل ولا تقل، ص١٦٠-١٦١.
٩١  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٣٨٩.
٩٢  يخطئ البعض هذا الاستعمال لأن «لعب» تعدى لمفعول بينما هو فعل لازم، وقد أجاز المجمع التعبير إما على أن «دورًا» مفعول مطلق، وإما على أنها مفعول به للفعل «لعب» المضمن معنى «أدى»، غير أن هذا الجانب من التصويب لا يعنينا في هذا المقام.
٩٣  عباس محمود العقاد: أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، دار المعارف، القاهرة، ط٦، ١٩٨٨، ص١٢١-١٢٢.
٩٤  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٦١٠.
٩٥  يظهر اللبس في الكتابة بخاصة؛ لأن النطق يميز بين المعاني المختلفة بتغيير مواضع النبر.
٩٦  د. مصطفى جواد: قل ولا تقل، ص١٣١.
٩٧  معجم الصواب اللغوي، ج٢، ص١٠٠٧-١٠٠٨.
٩٨  محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص٥٣.
٩٩  أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، ص١٢٣.
١٠٠  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٦٦١.
١٠١  معجم الصواب اللغوي، ج١، ٦١٨.
١٠٢  محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص٧٥.
١٠٣  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٩٩، ص٦٦٨.
١٠٤  قل ولا تقل، ص٩.
١٠٥  محمد العدناني، معجم الأخطاء الشائعة، ص٣٧-٣٨.
١٠٦  المصدر السابق، ص٣٨.
١٠٧  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص١٩٧.
١٠٨  معجم الصواب اللغوي، ج١، ٦٢٢.
١٠٩  ابن سلام: طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، القاهرة، ١٩٧٣، ص٣٥.
١١٠  الخصائص، ج١، ص٣٨٧، وينسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
١١١  أمين الخولي: دراسات لغوية، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٦٦، ص١٢٦.
١١٢  المصدر نفسه، ج١، ص٧٧٠.
١١٣  قارن: «ليس من قبيل الصدفة/ليس من قبيل المصادفة.»
١١٤  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٤٨٦.
١١٥  المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، ١٩٨٠، ص٥٨.
١١٦  د. مصطفى جواد: قل ولا تقل، ص١١٦.
١١٧  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٧١٦.
١١٨  معجم الصواب اللغوي، ج١، ص٢٢٦.
١١٩  المصدر نفسه، ج١، ص٤٣٢.
١٢٠  المصدر نفسه، ج١، ص٣٦٨.
١٢١  المصدر نفسه، ج١، ص١٢٣.
١٢٢  عباس محمود العقاد: أنا، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٩٦، ص١٤٢.
١٢٣  للروائي مثلًا أن يقول: «… كهلٌ في الخمسين، يريد أن يتصابى في الوقت الضائع.»
١٢٤  د. محمد كامل حسين: أخطاء اللغويين، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، ج٢٢، ١٩٦٧.
١٢٥  أمين الخولي: دراسات لغوية، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٩٦، ص٢٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠