الفصل الثامن

كان روبرت قد قرَّر أن يضرب عصافيرَ كثيرةً بحجرٍ واحد بقضائه الليلة في لندن.

في البداية، أراد أن يلجأ إلى شخص يأخذ بيدَيه ليُوجِّهه. وفي هذه الظروف لن يأخذ أحدٌ بيدَيه أفضل من صديق المدرسة القديم كيفين ماكديرموت. كان كيفين يعرف الكثير عن الجريمة على أي حال. وبصفته مُحاميَ دفاعٍ مشهورًا فإن معرفته بطبيعة البشر كانت واسعة ومتنوِّعة ومميزة.

في الوقت الحاليِّ كان الاحتمال مُتساويًا بين ما إذا كان ماكديرموت سيموتُ من ارتفاع ضغط الدمِ قبل بلوغه الستِّين من عمره، أو سيُنعَم عليه بمقعدٍ في مجلس اللوردات عند بلوغه السبعين من عمره. تمنَّى روبرت أن يكون الاحتمال الأخير. إذ إنه شديدُ الولَع بكيفين.

كانا في البداية قد انجذَب أحدُهما إلى الآخَر في المدرسة؛ لأنهما كانا «سيتخصَّصان في القانون»، لكنهما قد أصبَحا وظلَّا أصدقاءَ لأنهما كان يُكمِّلُ أحدُهما الآخَر. بالنسبة إلى الرجل الأيرلندي، فكان اتزان روبرت مُثيرًا للإعجاب، والاستفزاز، ويصبح — عندما كان متعبًا — باعثًا على الراحة. أما بالنسبة إلى روبرت، فكان بريق النسَب الكيلتي الذي ينتسِب إليه كيفين لافتًا وآسِرًا. كان من الواضح أن طموح روبرت هو العودة إلى قريته ومواصلة الحياة كما كانت؛ في حين أن طموح كيفين هو أن يُغير كلَّ شيءٍ في القانون كان قابلًا للتغيير وأن يُحدِث أكثرَ ضجةٍ مُمكنة أثناء تنفيذ ذلك.

وحتى الآن لم يكن كيفين قد غيَّر الكثير — رغم أنه قد بذَل قُصارى جهده بخصوص بعض أحكام القُضاة — لكنه قد أحدث ضجةً هائلة بأسلوبه السهل، الماكر بعضَ الشيء. وكان ظهور كيفين ماكديرموت في قضيةٍ يزيد خمسين في المائة من قيمتها الصحفية، ويزيد نسبةً أكبرَ من ذلك في أتعابها.

كان قد تزوَّج — على نحوٍ نفعي لكن مُبهج — وامتلك منزلًا جميلًا بالقُرب من قرية وايبريدج ولدَيه ثلاثة أبناء شجعان، نحفاء، وذَوي بشرةٍ سمراء مُفعَمين بالحيوية مثل أبيهم. لأغراضٍ له في المدينة؛ احتفظ بشقةٍ صغيرة في المنطقة المُحيطة بكاتدرائية سان بول، حيث، كما أشار، يُصبح «بوُسعِه توفيرُ إطلالةٍ على تمثال الملكة آن.» ووقتما يأتي روبرت إلى المدينة — وهو ما لم يتمكَّن روبرت من أن يفعله كثيرًا — كانا يتناولان العشاء معًا، سواءٌ في الشقة أو في أحدث مكانٍ كان كيفين قد وجد فيه نبيذ كلاريت جيدًا. بعيدًا عن القانون، كانت اهتماماتُ كيفين هي الخيول، ونبيذ الكلاريت، وأفلام الحركة من إنتاج وارنر براذرز.

كان من المُقرَّر أن يذهب كيفين الليلةَ لحضور إحدى حفلات العشاء الخاصة بتجمُّعٍ للمحامين، هكذا قالت سكرتيرته عندما كان روبرت قد حاول الاتصال به من ميلفورد؛ لكنه كان سيُسعده وجود عذرٍ وجيه للتهرُّب من الحديث في هذا التجمُّع؛ ولهذا فضَّل روبرت أن يتَّجه مباشرةً إلى منزل كيفين بعد العشاء، وينتظره.

كان ذلك أمرًا جيدًا؛ إذا عاد كيفين من العشاء، فسيكون هادئًا ومُستعدًا للاسترخاء في المساء؛ ليس مُضطربًا ولا في حالةٍ تدلُّ على أن ثلاثة أرباع عقله لا تزال في قاعة المحكمة كما كان في بعض الأحيان.

في هذه الأثناء، كان روبرت سيتَّصل بجرانت في سكوتلاند يارد ليرى إن كان بوُسعه أن يوفِّر له دقائقَ معدوداتٍ كي يُقابله في صباح الغد. لا بد أن يُحدِّد بوضوحٍ في عقله موقفَه من سكوتلاند يارد؛ رفقاء المُعاناة، لكن في الجهة المقابلة من السور.

في فندق فورتسكيو، ذلك المكان العتيق المُنتسِب إلى العهد الإدواردي في جيرمين ستريت، حيث كان يُقيم دائمًا منذ أن سُمِح له بالذَّهاب بمفرده لأول مرة إلى لندن، رحَّبوا به بشدة وقدَّموا له «الغرفة التي قد أقام بها في آخِر مرة»؛ غرفة مريحة ضعيفة الإضاءة بها فراشٌ عالٍ وأريكة مخملية بها أزرار، وأحضروا إليه صينيةً يستقرُّ عليها إبريقُ شاي بُنيٌّ ذو حجم كبير، وإبريق قشدةٍ فِضي على الطِّراز الجورجي، وما يُقارب رطلًا من قِطَع السكَّر في طبق زجاجي رخيص، وفنجان من خزف الدرسدن مُزخرف بنقشٍ من الزهور والقلاع الصغيرة، وطبق بلونٍ أحمرَ وذهبي من خزف الووستر صُنع من أجل «جلالتهما» ويليام الرابع وملكته، وسكين مطبخٍ محدَّب بقدرٍ كبير به مقبض بُني.

أنعش روبرت كلٌّ من الشاي والصينية. فخرج في المساء إلى الشارع وهو يشعر بالتفاؤل على نحوٍ غامض.

إن بحثه عن الحقيقة بشأن بيتي كين أتى به، فقط على نحوٍ شبهِ واعٍ، إلى المساحة الخاوية التي كان مُشيَّدًا عليها المبنى السكَني؛ المكان الذي فيه قد مات أبَواها على إثر انفجارٍ مدمِّر لمادة شديدة الانفجار. كانت مساحة نظيفة جرداء، تنتظر الدورَ المُخصص لها في خطةٍ ما. لم يُوجَد أيُّ أثر يدل على أن أحدَ المباني كان مُشيدًا في وقتٍ ما على تلك البقعة. وفي الأرجاء المحيطة، وقفَت المنازلُ التي لم يمسَسْها سوءٌ بأوجهٍ متعجرفة خالية من التعبير، مثل أطفالٍ يُعانون من قصور ذهني كانوا شديدي البلاهة لدرجةٍ أعجزَتهم عن استيعاب معنى الكارثة. فهي قد مرَّت بهم وكان ذلك كلَّ ما عرَفوه عنها أو اهتموا به.

على الجهة المقابلة من الشارع الواسع، لا يزال صفٌّ من المتاجر قائمًا كما قد كان بكلِّ وضوحٍ لخمسين سنةً أو أكثر. عبَر روبرت الطريق نحوها ثم دخَل إلى متجرِ تبغٍ لشراء سجائر؛ إن أصحاب متاجر التبغ الذين يبيعون أيضًا صحفًا يعرفون كلَّ شيء.

سأل روبرت، وهو يُميل رأسَه ناحيةَ الباب: «هل كنتَ هنا عندما وقع ذلك؟»

سأل الرجل المتوردُ الصغيرُ البِنية، الذي اعتاد كثيرًا على تلك المساحة الخاوية وأصبح غيرَ مدركٍ لوجودها منذ مدةٍ طويلة: «عندما حدث ماذا؟» ثم تابعَ قائلًا: «أوه، الحادثة؟ لا، كنت أقضي مرحلةَ التجنيد بالخارج. في ووردن.»

قال روبرت إنه يقصد هل كان يُزاول تجارته هنا في ذلك الوقت.

أوه، أجل؛ أجل بالطبع كان يزاول تجارتَه هنا حينها، ومُدةً طويلة قبلها. لقد تربَّى في منطقة مجاورة، ثم ورث التجارة عن والده.

«ستعرف أفرادًا مَحليِّين بدرجةٍ كبيرة، إذن. هل تتذكر الزوجَين اللذَين كانا يعملان في حراسة المبنى السكَني؟»

«أسرة كين؟ بالطبع أعرفهما. كيف لي ألا أتذكَّرَهما؟ كانا يتردَّدان جَيئةً وذهابًا على هذا المكان طوال اليوم. هو لجرائده في الصباح، أما هي فلسجائرها بعد مدةٍ قصيرة، ثم يعود هو لجرائده في المساء وهي تعود للمرة الثالثة على الأرجح من أجل سجائرها، ثم اعتدتُ أنا وهو أن نشرب البيرة في حانةٍ قريبة عندما يكون ابني قد انتهى من دروسه ويتولَّى العمل بدلًا مني هنا. أتعرفهما يا سيدي؟»

«لا. لكني قابلتُ شخصًا ما منذ أيامٍ قلائلَ قد تحدَّث عنهما. كيف دُمِّر المكان بأكمله؟»

شفط الرجل المتورِّد الهواءَ من بين أسنانه ليصدر صوتًا مُزدريًا.

«مبنًى ضعيف. ذلك كلُّ ما في الأمر. ليس إلا مبنًى ضعيفًا. سقطَت القنبلة في المنطقة هناك — هكذا قُتِل زوجا أسرة كين — كانا في غرفتهما في الطابق السفلي يشعران بالأمان بعض الشيء — وانهار المبنى بأكمله مثله كمثل بيتٍ من الورق. إنه أمر صادم.» أخذ يرتِّب حافة كومة الجرائد المسائية. ثم قال: «كان من سوء حظِّها تمامًا أن تلك الليلة كانت هي الليلةَ الوحيدة التي قضَتها بالمنزل مع زوجها خلال أسابيع، وكان مقدَّرًا للقنبلة أن تسقط.» بدا أنه وجد متعةً ساخرة في الفكرة.

سأل روبرت: «أين كانت تذهب عادة، إذن؟ هل كانت تعمل في مكانٍ ما في المساء؟»

قال الرجل الصغيرُ البِنية، باحتقار بالغ: «تعمل! هي!» ثم تذكَّر قائلًا: «أعتذِر إليك، صدقًا. نسيتُ لوهلةٍ أنهما ربما كانا أصدقاءَ ﻟ…»

أسرع روبرت في التأكيد له بأن اهتمامه بأسرة كين كان اهتمامًا عابرًا. كان شخصٌ ما قد تذكَّرهما بصفتهما حارسَين لمبنًى سكَني، ذلك كلُّ ما في الأمر. إن لم تكن السيدة كين تخرج للعمل في المساء، فماذا كانت تفعل بالخارج؟

«تقضي وقتًا مُمتعًا، بالتأكيد. أوه، أجل، تمكَّن الناس من قضاء وقتٍ مُمتع حتى آنذاك — إذا أرادوا ذلك بالدرجة الكافية وتطلَّعوا إليه بجِدٍّ بما يكفي. كين، أراد لها أن ترحل إلى الريف مع صغيرتهما، لكن هل كانت ستفعل ذلك؟ ليست هي مَن يفعل ذلك! قالت إن ثلاثة أيام في الريف كانت ستقتُلها. ولم تذهب كذلك لرؤية الصغيرة عندما قاموا بإجلائها. السُّلطات، هي مَن فعلَت ذلك. مع باقي الأطفال. في رأيي أنه كان يُسعدها أن تتخلَّصَ من الطفلة حتى تتمكنَ من الذَّهاب إلى حفلات الرقص في الليل.»

«مع مَن كانت ترقص؟»

قال الرجل الصغير البِنية باقتضاب: «الضباط.» ثم قال في عُجالة: «كان ذلك شيئًا مثيرًا حقًا. لا أقول إن هناك ضررًا في ذلك، تذكَّر هذا.» ثم تابع قائلًا: «إنها ميتة، ولا أودُّ أن أُلصق بها شيئًا وهي ليست هنا حتى تُبرئ نفسَها منه، إذا كنتَ تفهم قصدي. لكنها كانت أمًّا سيئةً وزوجةً سيئة، هذا ما في الأمر ولم يسبق لأحدٍ أن قال أيَّ شيءٍ خلافَ ذلك.»

سأل روبرت، مفكرًا في المشاعر النبيلة التي كان قد أهدرَها على والدة بيتي: «أكانت جميلة؟»

«وهي بوجهٍ متجهِّم، أجل. كانت دائمةَ الغضب نوعًا ما. مما يجعلك تتساءل كيف ربما ستبدو وهي مُبتسمة. أقصد وهي مبتهجة؛ وليست ثَمِلة. لم أرَها ثملةً قط. لم تحصل على بهجتها بتلك الطريقة.»

«وزوجها؟»

«حسنًا، كان في حالٍ لا بأس به، اسمه كان بيرت كين. كان يستحق حظًّا أفضلَ من تلك السيدة. كان بيرت واحدًا من أفضل الناس. كان شديد الولَع بالفتاة الصغيرة. دلَّلَها، بكل تأكيد. لم يكن عليها سوى أن تريد الشيءَ فيشتريه لها، لكنها كانت طفلةً لطيفة، رغم كلِّ ذلك. بريئة. مُتصنِّعة البراءة. أجل، استحقَّ بيرت الأفضل من الحياة، أكثرَ من زوجةٍ مُحبة للمتعة وطفلةٍ تُحب من أجل المصلحة. كان واحدًا من أفضل الناس، كان بيرت …» ألقى نظرة مُتأمِّلة على الطريق عند المساحة الخاوية. ثم قال: «استغرق الأمرُ منهم أغلبَ أيام الأسبوع حتى يعثروا عليه.»

دفع روبرت ثمن سجائره ثم خرج إلى الشارع حزينًا ومرتاحًا في الآنِ نفسِه. حزينًا من أجل بيرت كين، الذي كان قد استحق الأفضلَ؛ لكنه سعيدٌ أن والدة بيتي كين لم تكن هي السيدةَ التي كان قد تخيَّلها. طوال الطريق إلى لندن كان يشعر بالحزن على تلك السيدة الراحلة؛ السيدة التي قد كسَرَت قلبها لمصلحةِ طفلتها. وقد بدا له أنه شاقٌّ على النفس أن الطفلة التي أحبَّتها حُبًّا جمًّا من المفترض أنها بيتي كين. لكنه تخلص الآن من ذلك الحزن. فوالدة بيتي كين كانت تحديدًا هي الأمَّ التي سيختارها لها لو كان القدَر بيدَيه. ومن جانبها بدَت تُشبه أمَّها إلى حدٍّ كبير.

«طفلة مُحبة من أجل المصلحة.» حسنًا، حسنًا. وما الذي كانت السيدة وين قد قالته؟ «بكَت لأن الطعام لم يُعجبها، ولا أتذكَّر أنها بكت من أجل والدتها.»

ولا من أجل ذلك الأب الذي دلَّلها بإخلاص، على ما يبدو.

لدى عودته إلى الفندق أخذ نُسختَه من صحيفة «أك-إيما» من حقيبة أوراقه، وأثناء عَشائه المنفرد في فندق فورتسكيو تمعَّن بتروٍّ في القصة الواردة في الصفحة الثانية. بدءًا من الاستهلال الذي كان بأسلوبٍ قصصي بسيط …

«ذات ليلة من شهر أبريل، عادت فتاةٌ إلى منزلها لا ترتدي شيئًا سوى فستانٍ وحذاء. كانت قد غادرَت المنزل، تلميذة سعيدة ذكية من دون …»

وحتى النهاية التي امتلأت بالنشيج، كانت عملًا صغيرًا فريدًا من نوعه. لقد حقَّق هذا العمل تمامًا ما كان يَصْبو إليه. وهو استقطابُ أكبر عددٍ من جمهور القرَّاء على الإطلاق بنفس القصة. بالنسبة إلى أولئك الذين أرادوا خبرًا ذا طابع جنسيٍّ فقدَّمَ لهم تجرُّدَ الفتاة من ملابسها، وبالنسبة إلى ذوي الحسِّ المرهف فكان الحديث عن شبابها وسِحرها، وإلى المُدافعين عن القضايا الإنسانية فكان حالتها البائسة، وإلى الساديِّين فكانت تفاصيل ضربها، وإلى أولئك الذين يُعانون من الكراهية الطبَقية فكان وصف المنزل الأبيض الكبير خلف أسواره العالية، وإلى عامة البريطانيِّين ذَوي القلوب الطيبة بوجهٍ عامٍّ فكان الانطباعُ بأن الشرطة، إن لم تكن «خُدعت»، فقد تراخَت على أقلِّ تقدير، ولم يُتَّخذ الإجراء المناسب.

أجل. كان عملًا بارعًا.

بالطبع كانت القصة هدية لهم — وهذا يُبرر إرسالهم لرجلٍ في الحال مع الشاب ليزلي وين. لكن روبرت شعر بأن صحيفة «أك-إيما» بإمكانها، عندما تريد، أن تنسج قصةً جيدة من خيوط مقطَّعة.

لا بد أنه عملٌ كئيب يُكرس نفسه حصريًّا لنشر إخفاقات البشر. قلَّب الصفحات، ملاحظًا كيف استُخدمت كلُّ قصة على نحوٍ مُماثل في جذب الجانب الباعث على الأسى في القارئ. حتى خبر التبرُّع بمليون جنيه، كما لاحظَه، كان قصةً عن رجل عجوز شائن ينتقد ما يدفعه من ضرائبَ على الدخل وليس قصةَ صَبي كان قد خرج من حيٍّ فقير بفضل شجاعته وجُرأته.

بشيءٍ من الاشمئزاز أعاد ذلك الشيءَ في حقيبته، ثم أخذ الحقيبةَ معه إلى منزل ماكديرموت. وجد هناك الخادمة التي لا تعمل بدوامٍ كامل في انتظاره وهي ترتدي قُبعتها. كانت السكرتيرة الخاصة بالسيد ماكديرموت قد اتصلَت لإخبارها بأنَّ صديقًا له سيأتي ومِن المفترض أن يُسمَح له بالمكوث في المنزل والبقاء وحدَه فيه دون تردُّد، وقد ظلَّت فقط حتى تسمح له بالدخول، وكانت ستُغادر في تلك اللحظة وتتركه وحدَه، وكان يُوجَد ويسكي على منضدةٍ صغيرة بجانب المدفأة، وكانت هناك زجاجة أخرى في الخِزانة، لكن ربما، إذا سألتَها عن رأيها، سيكون من الحكمة ألا تُذكِّر السيد ماكديرموت بها وإلا سيظلُّ مُستيقظًا حتى ساعةٍ مُتأخِّرة كثيرًا، وستقع في مأزق كبير عند إيقاظه في الصباح.

قال بلير، مبتسمًا إليها: «الأمر لا علاقة له بالويسكي، بل الرجل الأيرلندي بداخله. جميع الأيرلنديون يكرهون الاستيقاظَ من النوم.»

هذا أوقفَها عند عتبة الباب، مذهولةً بوضوح من هذا الرأي الجديد.

قالت: «لا أتعجَّب من ذلك.» وأضافت: «هذا هو الحال نفسُه مع زوجي العجوز؛ فهو أيرلندي. الأمر معه لا علاقة له بالويسكي، بل مجرد عيب أصيل. على الأقل ذلك ما كنتُ أعتقده دائمًا. لكن ربما سوء حظه أنه أيرلندي.»

كان مكانًا صغيرًا مبهجًا؛ دافئًا ولطيفًا، وسيكون هادئًا في تلك اللحظة لو سكَن ضجيجُ حركة السيارات في المدينة. صبَّ لنفسه شرابًا، ثم ذهب ليُلقي نظرةً على تمثال الملكة آن، توقَّف وهلةً ليُلاحظ مرةً أخرى كيف تطفو الكتلةُ الضخمة للكنيسة بخفةٍ على قاعدتها، مُتناسِبةً للغاية، ومتوازنة للغاية، لدرجة أنها تبدو كما لو أن بإمكان أحدٍ أن يرفعها على راحةِ يده ويُهدهِدَها فيها، ثم جلس واسترخى لأول مرة منذ أن كان قد خرج ذلك الصباحَ ليلتقيَ بامرأةٍ مثيرة للغضب كانت تُغيِّر وصيتها مرةً أخرى.

كان شبهَ نائمٍ عندما سمع صوتَ مفتاح كيفين في القُفل، ودخل مُضيفه إلى المكان قبل أن يتمكن من التحرُّك.

شدَّ ماكديرموت رقبة روبرت بين إصبَعيه بقرصةٍ مؤذية عندما مرَّ خلفه متجهًا إلى آنيةِ النبيذ على المنضدة. فقال: «إنها البداية، يا رفيقي القديم. إنها البداية.»

سأل روبرت: «أي بداية؟»

«تجعد رقبتك الجميلة تلك.»

دلَّك روبرت رقبتَه في بطءٍ حيث كان يشعر بالقرصة. قال: «بدأتُ ألاحظ بالفعل وجود بعض التجاعيد في الجزء الخلفي منها، لمَّا ذكَرْتَ الأمر الآن.»

قال كيفين، وعيناه الفاتحتان واللامعتان تنظران في سخريةٍ من أسفل حاجبَيه الأسودَين: «يا إلهي يا روبرت! ألا يُوجَد شيء يُقلقك، حتى ولو كان ذلك الاحتمال الوشيك بأن تفقدَ مظهرك الجذاب؟»

«أنا قلقٌ نوعًا ما حاليًّا، لكن السبب ليس مظهري.»

«حسنًا، هل السبب هو مكتب بلير وهيوارد وبينيت؛ لا يمكن أن تكون مسألةَ إفلاس؛ لهذا أظن أنها امرأة.»

«أجل، لكن ليس بالمعنى الذي تقصده.»

«أتُفكِّر في الزواج؟ من المفترض عليك، يا روب.»

«قلت ذلك من قبل.»

«أنت تريد وريثًا شرعيًّا لمكتب بلير وهيوارد وبينيت، أليس كذلك؟» تذكر روبرت أن حقيقة الأجواء الهادئة في مكتب بلير وهيوارد وبينيت كانت دائمًا تدفع كيفين إلى السخرية قليلًا.

«ليس هناك ما يضمن بألَّا يكون الأمر له صلةٌ بفتاة. على أي حال، نيفيل يهتم بذلك الأمر.»

«الشيء الوحيد الذي قد تلدُه السيدة الشابة خطيبة نيفيل هو أسطوانة جراموفون. سمعت أنها كانت شرَّفت مرةً أخرى أحد المنابر منذ أيام قلائل. لو كانت تكسب المال لدفع أجرة القطار فربما لن تكون مُستعدةً بشدة لأن تتنقل عبر البلاد لكونها من الأقلية المتشبِّثة برأيها.» جلس بمشروبه. «لستُ بحاجةٍ إلى أن أسأل إن كنتَ أتيتَ في مهمةِ عمل. من المفترض أنك تأتي بالفعل في بعض الأحيان لتفقُّد هذه المدينة. أفترض أنك ستغادر مسرعًا مرةً أخرى في الغدِ بعد الساعة العاشرة صباحًا لمقابلة محامينَ لموكلٍ ما.»

قال روبرت: «لا، لمقابلة شرطة سكوتلاند يارد.»

توقف كيفين وكأسُه في منتصف الطريق إلى فمه. وقال: «روبرت، أنت تقع في الخطأ. ما شأن سكوتلاند يارد ببُرجك العاجي؟»

قال روبرت برَصانة، متجاهلًا هذه السخريةَ الأخرى عن راحة باله في ميلفورد: «تلك هي المشكلة.» ثم أضاف قائلًا: «إنها على عتبة بابي ولا أعلم تمامًا كيف أتعامل معها. أريد أن أستمع إلى شخصٍ ذكي بشأن الموقف. لا أعلم السبب في أني أُسِرُّ إليك بالأمر. لا بد أنك مُتعَبٌ من المشكلات. لكنك دائمًا كنت تحلُّ مسائل مادة الجبر نيابةً عني.»

أضاف قائلًا: «وأنت دائمًا كنتَ تتعامل مع تلك الخاصة بالأسهم، إن كنتُ أتذكَّر على نحوٍ صحيح. كنتُ دائمًا غبيًّا فيما يتعلق بالأسهم. ولا أزال مَدينًا لك بشيء لإنقاذي من استثمارٍ لا جدوى منه. استثمارَين لا جدوى منهما.»

«اثنان؟»

«تمارا وتوبيكا تين.»

«أتذكَّر أني أنقذتُك من توبيكا تين، لكن لم يكن لي أيُّ صلة بتركك لتمارا.»

«يا إلهي، ألم يكن لك صلة، حقًّا! روبرت صديقي الطيب، لو كنت قد رأيت وجهك عندما قدَّمتُكَ لها. أوه، غير معقول، ليس بتلك الطريقة. على العكس تمامًا. اللطف اللحظي لتعبير وجهك، ذلك القناع الإنجليزي اللعين للاحترام ودماثة الخلق — قال كل شيء. رأيتُ نفسي وأنا أعيش الحياة أُقدِّم تمارا إلى الناس وأراقب وجوههم وهي تبدو لطيفة. هذا خلَّصَني منها في وقتٍ قياسي. لم أتوقَّف أبدًا عن الامتنان لك. إذن أخرِج ما في حقيبة الأوراق.»

لا شيء يُفلت من كيفين، هكذا فكَّر روبرت، وهو يُخرج نُسخته الخاصةَ من أقوال بيتي كين إلى الشرطة.

«هذه إفادة مقتضَبة للغاية. أتمنَّى أن تقرَأها وتُخبرني إلى أيِّ مدًى ستصدمك.»

أراد أن يرى الصدمة على كيفين، من دون تمهيدات تُخفِّف من حدة الصدمة عليه.

أخذها ماكديرموت، وقرأ الفِقرة الأولى بحركةٍ سريعة من عينيه، ثم قال: «أعتقد أن هذه هي الفتاة التي عرضت قصتها «أك-إيما».»

قال روبرت مندهشًا: «لم تكن لديَّ فكرةٌ أنْ سبق لك أن رأيتَ صحيفة «أك-إيما».»

«يا إلهي، أنا أتعيَّش على صحيفة «أك-إيما». لا جريمة، لا قضية مشهورة. لا قضية مشهورة، لا كيفين ماكديرموت. أو ليس إلا جزءًا منه.» ثم دخل شيئًا فشيئًا في صمتٍ تام. لأربع دقائق كان مستغرقًا كليًّا لدرجة أن روبرت شعر بأنه في المكان وحدَه، وكأنَّ مُضيفه كان قد انصرف. ثم قال، خارجًا من صمته: «همم!»

«ماذا إذن؟»

«أعتقد أن موكِّليك في القضية هما السيدتان، وليست الفتاة؟»

«بالتأكيد.»

قال كيفين: «الآن أخبِرني عن الأمر من جانبك.» ثم استمع.

روى روبرت له القصةَ بأكملها. زيارته المُتردِّدة، مُساندته المتزايدة إذ أصبح واضحًا أن الاختيار صار بين بيتي كين والسيدتَين، قرار شرطة سكوتلاند يارد بألا تَمضي قُدمًا في إحالة القضية للقضاء بناءً على الأدلة المُتوفِّرة، وزيارة ليزلي المُندفعة إلى مقر صحيفة «أك-إيما».

قال ماكديرموت: «وبهذا فإن الآن ستُطْبِق سكوتلاند يارد السماءَ على الأرض لِتعثر على دليلٍ مؤيد يدعم قصة الفتاة.»

قال روبرت، في حزنٍ: «أفترض ذلك، لكن ما أريد أن أعرفَه هو: هل تُصدِّق قصة الفتاة أم لا تصدقها؟»

علَّق كيفين بشيءٍ من الخبث: «لا أُصدِّق أبدًا قصةَ أيِّ أحد. ما تريد أن تعرفه: هل أشعر أن قصة الفتاة يمكن تصديقها؟ وبالطبع أشعر بذلك.»

«تشعر حقًّا بذلك!»

«بالفعل. ولمَ لا؟»

قال روبرت، بغضبٍ أكثرَ مما كان يقصد: «لكنها قصة عبثية.»

«لا شيء عبَثي فيها. إن النساء اللواتي يَعِشن في عُزلة يرتكبن أشياءَ جنونية — لا سيما إن كنَّ سيداتٍ فقراء. منذ أيامٍ قلائل فقط وُجِدت سيدةٌ مُسنَّة حبسَت أختها مقيَّدةً بسلسلةٍ في سرير داخلَ غرفةٍ حجمها ليس أكبرَ من خِزانة كبيرة الحجم. حبسَتها على ذلك الحال لمدة ثلاث سنوات، وكانت قد جعلَتها تقتاتُ على بقايا الخبز والبطاطس والبقايا الأخرى من الطعام التي لم تكن ترغب فيها لنفسها. وقالت، عندما كُشِف الأمر، إن أموالهما آخِذةٌ في النَّفاد بسرعة شديدة وكان هذا السبيل لدَيها لتوفير ضرورات الحياة. في الواقع، كان لديها رصيدٌ بنكي جيد تمامًا، لكنه كان الخوف الذي استحثَّه انعدامُ الأمان هو ما دفَعها إلى الجنون. تلك قصةٌ لا يمكن تصديقُها أكثرَ بكثيرٍ من قصة الفتاة، وعبثية من وجهة نظرك.»

«أهي كذلك؟ تبدو لي أنها قصةٌ مألوفة عن الجنون.»

«ليس إلا لأنك تعرف أنها حدَثَت. أقصد أن شخصًا كان قد رأى هذه الواقعةَ بالفعل. افترض، على العكس، أن الشائعةَ قد انتشرت فحسب، وأن الأخت التي أصابها الجنون قد سمعَت بها وحرَّرَت ضحيتَها قبل أن تُجرَى ربما أيُّ تحقيقات، وأن المُحقِّقين لم يعثروا إلا على سيدتَين تعيشان على ما يبدو حياةً طبيعية باستثناء طبيعة الاعتلال لإحداهما. ماذا إذن؟ هل كنتَ ستُصدِّق قصة «التقييد بالسلسلة»؟ أم أنك كنت، على نحوٍ أكثر توقعًا، ستُسميها «قصة عبثية»؟»

غرق روبرت بدرجةٍ أعمق قليلًا في حزنه.

«ها هنا سيدتان وحيدتان ولم يترك لهما الأبُ أيَّ إرث، ومُقيدتان بمنزلٍ كبير في الريف؛ إحداهما عجوزٌ لدرجةٍ تَعوقُها عن أداء أعمال المنزل والأخرى تكره أداءها. ما الشكل الأكثر ترجيحًا أن يأخذه جنونهما الطفيف؟ احتجاز فتاة لتعمل كخادمة لهما، بكل تأكيد.»

تبًّا لكيفين ولعقليَّة المحامي لدَيه. ظن روبرت أنه قد أراد رأي كيفين، لكن ما قد أراده هو تأييد كيفين لرأيه الشخصي.

«الفتاة التي حبَساها هي طالبةٌ لا لوم عليها، وبعيدةٌ بوضوح عن منزلها. من سوء حظِّهما أن الفتاة بريئةٌ للغاية؛ إذ إنها لم يُكتشَف أنها كذَبَت حتى تلك اللحظة، وسيأخذ الجميعُ كلامَها ضد كلامهما. لو كنتُ أنا في موقع التصرُّف مثل رجال الشرطة، لكنتُ جازفتُ وواصلت النظر في القضية. يبدو لي أنهم فقَدوا قدرتهم على الحكم السليم.»

سدَّد نظرةً مُتلذِّذة إلى روبرت، الذي تراجع ببطءٍ في كرسيه، ناظرًا في يأسٍ إلى أسفلَ عند قدمَيه الطويلتَين أمام المدفأة. فجلس دقيقةً أو دقيقتَين مُستمتعًا بحيرة صديقه.

ثم قال، بعد مدةٍ طويلة: «بالطبع، ربما تذكَّروا قضيةً مشابهة، صدَّق الجميعُ فيها قصةَ الفتاة التي ينفطرُ لها القلب وضُلِّلوا تمامًا.»

قال روبرت، وهو يَثْني رجلَيه ويعتدلُ في جلسته: «مشابهة! متى؟»

«في القرن السابعَ عشر، أو ما شابه. لا أتذكَّر التاريخ الدقيق.»

قال روبرت، شاعرًا باليأس مرةً أخرى: «أوه!»

قال ماكديرموت بلطفٍ: «لا أدرى عن أي شيء هذا التعجُّب». وتابع: «لم تتغيَّر كثيرًا خلال القرنَين الماضيين طبيعة أدلة الغياب عن مكان وقوع الجريمة.»

«أعذار؟»

«في حال أن القضية المشابهة اتُّخذت كدليلٍ مُرشد بأي حالٍ من الأحوال، فإن قضية الفتاة تتعلق بغيابها عن مكان وقوع الجريمة.»

«إذن أنت تُصدق — أقصد أنك تجد أنه من الممكن التصديق — بأن قصة الفتاة هُراء تمامًا؟»

«اختلاقٌ مَحض من أولها لآخرها.»

«كيفين، أنت ستتسبب في إصابتي بالجنون. قلت إنك وجدتَ القصة يمكن تصديقها.»

«أجل أجدُها كذلك. وأجد أيضًا أن من الممكن تصديقَ أنها كذبٌ في كذب. أنا لستُ منحازًا لأيٍّ من الطرفَين. أستطيع أن أوردَ حُججًا قوية لتأييد كِلَيهما، في أقلِّ مُهلة ممكنة. إجمالًا، من المفترض أن أُفضل العمل محاميًا لصالح الفتاة الصغيرة من إيلزبري. ستُصبح مذهلةً في منصة الشهود، ومن منطلقِ ما تُخبرني به فإن السيدتَين شارب لن تُمثلا العونَ الكافي، من حيث الشكلُ، لتدعيم دفاع المحامي عنهما.»

ومن ثَم نهض كي يصبَّ لنفسه مزيدًا من الويسكي، باسطًا يدَه الأخرى للحصول على كأس روبرت. لكن روبرت لم يكن في حالةٍ مزاجيةٍ تسمح له بالمرح. فهزَّ رأسه رافضًا من دون أن يرفع بصره عن المدفأة. كان متعبًا وبدأ في الشعور بالغضب من كيفين. لم يكن مُصيبًا في مجيئه إليه. لو أن رجلًا كان قد عمل محاميًا في محاكمَ جنائيةٍ بالقدْر الذي عمل فيه كيفين، لم يكن لينضحَ عقلُه سوى بوجهات نظر، وليس بمزيدٍ من القناعات. كان سينتظر حتى ينتهيَ كيفين من نصف الكأس الذي يجلس وهو يحمله الآن، ثم يهمُّ بالانصراف. سيُصبح من الجيد أن يضع رأسه على وسادةٍ وينسى قليلًا أنه مسئول عن مشكلاتِ أناسٍ آخَرين. أو على وجه الدقة، عن حلِّها.

قال كيفين محاورًا، وهو يتجرَّع كميةً كبيرة من الويسكي الفاخر: «إني أتساءل عمَّا كانت تفعله طَوال ذلك الشهر.»

انفتح فمُ روبرت ليقول: «فأنت إذن تُصدق أن الفتاة مُراوِغة»، لكنه أوقفَ نفسه في الحال. فتمرَّد على الرقص أكثرَ من ذلك على مِزمار كيفين هذا المساء.

وقال: «إذا كنتَ ستشرب المزيد من الويسكي فوق ما شربتَه من نبيذ الكلاريت، فإن ما ستفعله لمدة شهر هو محاولة التعافي يا صديقي.» ومما أثار دهشتَه أن كيفين عاد على الوراء وضحك كتلميذِ مدرسة.

وقال مبتهجًا: «أوه، يا روب، إني أحبُّك. أنت جوهرُ إنجلترا. كل شيء فيك يُثير إعجابنا بك وغيْرتَنا منك. تجلس هناك في غاية الوداعة والأدب، وتسمح للناس باستدراجك، حتى يتوصَّلوا إلى أنك هِرٌّ عجوز وأن بإمكانهم فِعلَ ما يروق لهم معك، وعندما يبدَءون تحديدًا في التباهي بأنفسهم بأن بإمكانهم الهجوم عليك بسهولة، تُظهر لهم مخالبك التي لا ترحم!» أمسك كأس روبرت من بين يدَيه من دون استئذان ثم نهض ليملأه فسمح له روبرت. كان يشعر بأنه أفضل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢