الخاتمة

سياسة إنكلترا وسياسة مصر

لقد بسطنا شيئًا من سياسة الإنكليز في السودان وفي تحكُّمهم بالري أو بالأحرى بالنيل الذي قال فيه هيرودت: «إن الله خلق العالم كله وأما النيل فإنه خلق مصر» فما هي سياستنا التي نقابل بها سياستهم، بل كيف يجب أن تكون سياستنا التي تنجح مقاصدنا وتجعلنا وتجعل أولادنا وأولاد إخواننا السودانيين أحرارًا لا يخشَوْن ضرًّا ولا يخافون مستقبلًا مكفهرًّا؟!

إنا إذا ما تساءلنا هذا السؤال خلص إلينا الجواب عليه ممَّا يطوف بأنفسنا من الميول دون أن نعلِّلَهَا، ودون أن نرجع الأسباب إلى مراجعها وأصولها؛ لأن النفس هي التي تملي وما تمليه النفس لا يخطئ ولا يزِلُّ.

ففي سنة ١٨٨١ فتح البرلمان المصري وعلى كرسيه ٢٠ نائبًا عن بلاد السودان، فعلى تلك الكراسي والمقاعد امتزجت مصر بالسودان امتزاجًا كليًّا تامًّا، ولم يكن في قاعة المجلس نائب سوداني وآخر مصري؛ بل كان الجميع واحدًا، وكان النائب المصري نائبًا عن السودان ومصر وكان النائب السوداني نائبًا عن مصر والسودان، فكان البلدان واحدًا، وإذا لم يكن البلدان واحدًا ومنافعهما مشتركة متلاحمة مترابطة كأنها منفعة واحدة نجم عن ذلك حتمًا تضارُب المنافع، ومتى تضاربت المنافع واختلفت وَقَعَ الشقاق، ومتى وقع الشقاق تلاه الخصام، وهذا ما يرمي إليه الإنكليز بفصل السودان عن مصر حتى يظلوا الحكم بينهما وأصحاب السلطة على القطرين معًا، وهذا ما يجب أن نتفادى عنه كل التفادي حتى نمنع النفور بين الأخوين بتفريق منافعهما، وحتى نمنع تسلط الأجنبي عليهما معًا بحجة الدفاع عن مصلحة هذا آنًا ومصلحة ذاك أونة أخرى.

ومن العيب في السياسة وسياسة بُعد النظر والنظر إلى الغد. ما يقولونه ويرددونه عن «ضمانة ماء النيل لمصر» فمن هو الضامن ذلك؟ وما قيمة هذه الضمانة؟ وإلى كم تدوم؟ ألا يعد وجودها ذاته سببًا للخلاف والخصام، وإذا هي نفذت في عشرة أعوام أو عشرين أو أربعين أو خمسين أو في ما هو فوق ذلك فهل تنفذ إلى الأبد، ونحن الآن نحو ١٤ مليونًا وبعد ربع قرن — وربع قرن بل قرن كامل في حياة الأمم لا يستحق أن يذكر — يربو عدد المصريين على ٢٠ مليونًا ويربو عدد السودانيين على ١٢ مليونًا، فأين يجد المصريون مرتزقًا وهم الآن يزدحمون في أرضهم ازدحامًا شديدًا حتى إن الكيلو متر المربع في المنوفية يسكنه ٣٦٥ شخصًا، وهؤلاء السكان المزدحمون في وادي النيل ازدحامًا شديدًا جدًّا كانوا يكتفون بالأمس القريب بالضروريات القليلة الزهيدة، وهم لا تكفيهم الآن الكماليات، وغدًا يزدادون مدنية وحضارة وعلمًا، وقد نص دستورهم على التعليم الإجباري فتزداد حاجتهم وتقل ثروتهم وتضيق أرضهم فإلى أين يكون المصير أإلى الصحراء غربًا أم شرقًا أم إلى الصناعات ومصر لا يحتمل أن تكون لها صناعة كبيرة إذا هي جَدَّتْ في هذا السبيل؛ بل إن كل ما يمكن أن يتوافر لها الصناعات الصغيرة. فمجرى النيل هو هو طريق الرزق بقوة التقاذُف الذي لا تشعر به الأمم كأن ينتقل ابن أسوان إلى دنقلة وهكذا صعودًا، وابن قنا إلى أسوان، ويلحق به في قنا ابن جرجا … وهكذا من مصب النيل إلى منبعه.

فمن جعل حلفا حدًّا فاصلًا بين مصر والسودان فقد جعل مصر والمصريين مسجونين في وادٍ ضيق، وجعلهم عبيدًا خاضعين لمن بيده منبع النيل.

بل جعل ما هو أكبر شأنًا وأشد خطرًا بجعله القطرين منفصلين، فيباعد بين الأخوين مباعدة تدعو إلى النفور والشحناء والبغضاء كما نحن نرى الآن من الدعوة التي تنشر ومن والوسائل التي تتخذ، وإذا كان الإنكليز — كما قلنا قبلُ — قد نظروا منذ عهد إسماعيل إلى ما يجنون ثماره الآن فأطلق مستخدمو مصر منهم اسم ملكتهم والأمير زوجها وولي عهدها على منابع النيل؛ ليرسخ في التاريخ، وليرسخ في أذهان أبنائهم أن تلك المنابع لهم؛ لأنها تسمى بأسماء ملوكهم وأمرائهم. فكم يكون واجبًا علينا بل لازمًا محتمًا أن نعمل على الأقل عملهم في إبقاء صلة الاتحاد والإخاء بيننا وبين إخوتنا الذين أبوا على عهد الخديوي سعيد باشا أن تجلى الجنود المصرية عن أرضهم وأن يستعيد الخديوي عماله من بلادهم، فكانوا بعيدي النظر، وكانوا على سياسة الإخاء بل على أحدث سياسة يجب الأخذ بها، وهذه السياسة يجب أن تكون سياستنا، أي سياسة الوحدة والاتحاد مع إخواننا بالسودان لا سياسة «ضمانة المياه» التي يتغنون بها الآن، وهي شديدة الخطر خطيرة النتائج على مصر والسودان معًا؛ لأنها تتضمن في طياتها شرًّا كبيرًا قوامه «فرق تسد».

•••

إن بين مصر وإنكلترا عهدًا وميثاقًا أبرم سنة ١٨٩٩ فهذا العهد والميثاق علله أحسن تعليل رئيس لجنة الدستور حسين رشدي باشا مستشهدًا بأقوال اللورد كرومر الذي وضع ذلك الاتفاق، فلم يَقُلِ اللورد واضع الاتفاق أنه ينازع مصر في ملكية السودان أو بالأحرى في أن السودان ومصر واحد؛ بل قال: إن الغرض الوحيد من ذلك الاتفاق هو الحيلولة دون تسحب الامتيازات على السودان. فإذا كانت لإنكلترا منافع في السودان فإن المصريين لا ينكرونها وهم يحترمون تلك المنافع والمرافق كل الاحترام، وأما الملكية وأما فصل السودان عن مصر فصلًا يؤدي في المستقبل حتمًا إلى النزاع والخصام فإنه لا يسلم به مصري مهما كان الأمر، والاتحاد في رأس برنامج كل حزب من الأحزاب المصرية وهو مطبوع على قلب كل مصري كبيرًا كان أو صغيرًا إلا الذين كُفَّتْ بصيرتهم فلا يرون غدهم وهم عائشون ليومهم، وهؤلاء لا يؤخَذ بقولهم ولا برأيهم في مصير أمتهم أو مستقبلها.

•••

إذا كان الإنكليز والمصريون فريقين مختلفي الغاية والغرض في السودان فإن الفريق الطامع بذلك المُلك الشاسع — وهو الفريق الإنكليزي — يعمل والقوة تُؤَيِّدُهُ لتنفيذ طمعه. أما الفريق الثاني صاحب الحق — وهو الفريق المصري — فإنه يستند إلى حقِّه فقط، وقد قال السياسيون: إن الحق قد تخلقه القوة وقد تستميله إليها. وقال الاجتماعيون: ما مات حق مِن ورائه مطالب. ومعنى قولهم أن كل حق لا يُطَالَبُ به قد يموت.

هم يعملون ولا يكلون، وهم يعتمدون في عملهم على خلق فكرة الانفصال وتقويتها وإنمائها في نفوس السودانيين أنفسهم، وبتصوير المصريين لعيون السودانيين تصويرًا ينفرهم منَّا ويبعدهم عنا.

فهلا رشد نفر مِنَّا فهَبَّ لزيادة أحكام الروابط والإخاء والمحبة والولاء بين مصر والسودان حتى لا تجد البذرة الفاسدة مكانًا من أنفسهم وقلوبهم، وهلَّا قام نفر مِنَّا يختص بالدعاية السودانية فوق برامج الأحزاب وأكثر من مباحث الصحف والأقلام حينًا بعد حين؟

لقد عابوا على الأمير الكبير عمر طوسون قوله في بعض رسائله: «إن لم نحكم السودان فليحكمنا السودانيون.»

وما كان في هذا القول عيب ولا عار إذا كان الغرض منه أن تكون الأُمَّتَانِ أمة واحدة، ومتى كانتا كذلك لا يسأل فيهما من هو الحاكم ومن هو المحكوم. ألا إن من السودانيين أبطالًا في خدمة القضية المصرية وأبطالًا بواسل في سبيل الاستقلال والفتح المصري، لا يمحى أثرهم من تاريخ مصر الخالدة، فكيف تنساهم مصر وكيف تنسى دماءهم التي سُفِكَتْ كرمًا وجودًا في سبيل مصر واستقلالها وتوسيع سلطانها وتوطيد أركانها.

إن بين السودان ومصر من أواصر النسب ووشائج القربى ما لا يقبل انفصالًا ولا فكًّا.

إن بينه وبين مصر أفخاذ القبائل وبطون العشائر وروابط اللغة والدين والتاريخ.

إن بينهما روابط المنفعة الأدبية والمادية، فإذا عملت مصر وعمل المصريون لإحكام هذه الروابط، روابط الإخاء والمحبة والقربى ثم المنفعة، فقد عملت كل شيء يُدفع عنها وعن السودان الغير، ويثمر الخير ويحقق الآمال، في كل مصير ومآل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١