التسابق إلى السودان

حملة مارشان وحملة كتشنر — حملة مكدونالد — حملة كافانديش فاشودة
لما فشلت المفاوضات بين إنكلترا والباب العالي سنة ٨٩ لجلاء الإنكليز عن مصر أرسل الموسيو برونت العضو الفرنساوي في السكة الحديدية المصرية تقريرًا إلى الموسيو كارنو رئيس جمهورية فرنسا وزميله في الدراسة يقترح عليه فيه احتلال نقطة من الأراضي المصرية تُكْرِهُ إنكلترا على الاحتجاج ودول أوربا على فتح المسألة المصرية، وارتأى أن تكون هذه النقطة فاشودة في السودان المصري:
  • (١)

    لأن وصول الفرنساويين إليها سهل من أملاكهم بأفريقيا.

  • (٢)

    ولأنها مركز مديرية.

  • (٣)

    ولأنها مفتاح مصر لوقوعها عند مصب نهر الصوبات بالنيل.

فرأى الموسيو كارنو صواب الرأي فسيرت حكومة الجمهورية الحملة سنة ٩٤ ولكن إنكلترا كانت تنوي امتلاك السودان — بعد إكراه مصر على إخلائه — من جهة الأوغندا بعد أن أخرجت أمين باشا من خط الاستواء، وقال الكولونيل مونتايل: «إن إنكلترا لا تجلو عن مصر إلا بعد أن تمتلك السودان وطريق بربر إلى سواكن» وفي سنة ٩٥ خلف مارشان مونتايل برئاسة حملة فاشودة، وأرسلت فرنسا الموسيو ليغران إلى بلاد الحبشة ليؤلِّف حملة تقابل مارشان فلم يفلح، ولما أحس الإنكليز بحملة الفرنساويين وبفشل حملتهم من الأوغندا سيَّرُوا الحملة المصرية، ولما احتل السردار أم درمان عرف أن مرشان يحتل فاشودة منذ ١٠ يوليو، أي قبل شهرين من وصول السردار إلى أم درمان، وكانت قوة مارشان ١٢٠ جنديًّا من العبيد و٩ ضباط فرنساويين، فواصل اللورد كتشنر السَّيْرَ إلى فاشودة حيث قابل مارشان ورفع الراية المصرية على ٥٠٠ ياردة من الراية الفرنساوية، وظل مارشان في فاشودة حتى ١١ ديسمبر فغادرها بأمر حكومته بطريق الحبشة.

•••

من مذاهب السياسة الإنكليزية تَوَخِّي الربح الكبير بالنفقة القليلة، فهم كانوا يطمعون بالسودان لأنفسهم بعد أن أكرهوا المصريين على إخلائه، ولكنهم كانوا يضنون بأموالهم في هذا السبيل فبعد أن سَيَّرُوا الحملة المصرية بقيادة كتشنر باشا أخذوا من احتياطي صندوق الدَّيْنِ للإنفاق على الحملة نصف مليون جنيه، وقال المستر كرزون في جلسة مجلس النواب في ١٩ مارس ١٨٩٦ «إن تقدير الأموال اللازمة لهذه الحملة ليس بالإمكان، ولكني أؤكد للمجلس بأن الخزانة المصرية وحدها تتحمل هذه النفقات كلها.»

وأعلن المستر بلفور في مجلس العموم أن سفراء إنكلترا تَلَقَّوُا التعليمات من حكومتهم بأن يبلغوا الدول أن هذه الحملة إنما هي جردت لمصلحة مصر، وأن نفقات هذه الحملة قد تتجاوز مقدرة الخزانة المصرية فعليهم أن يقنعوا الدول لتسمح بأخذ نصف مليون جنيه من احتياطي صندوق الدَّيْنِ لهذا الغرض؛ فوافقت ألمانيا والنمسا وإيطاليا، ورفضت فرنسا وروسيا. ثم قال المستر بلفور: «إنَّا لا نرجع عن عزمنا، وحيثما وضع الجندي الإنكليزي قدمه فهو يبقى ولا يتزحزح.»

رفع الفرنساويون حاملو الأسهم المصرية قضية أمام المحكمة المختلطة فحكمت محكمة الاستئناف بعد محكمة البداية في ٦ ديسمبر ١٨٩٦ بإعادة المبلغ إلى صندوق الدَّيْنِ، فقدمت إنجلترا لمصر في ٦ فبراير مبلغ ٧٩٨٨٠٢ج بفائدة بالمائة لا قرضًا بل حسابًا جاريًا؛ لأنه لا يجوز لحكومة مصر الاقتراض دون موافقة الدول، وهذا المبلغ تنازلت عنه إنكلترا، وعُلِّلَ هذا التنازل بأن المال خص أكثره بمشترى الأدوات اللازمة لسكة حديد حلفا وهي تعتبر جزءًا من سكة حديد القاهرة إلى الكاپ، وكان سسل رود صاحب المشروع يومئذٍ في القاهرة يفاوض رئيس الوزارة مصطفى باشا فهمي في مشترى السكك الحديدية التي تفضي إلى السودان، فأذاعت جريدة «الأهرام» الخبر الذي كان له دَوِيٌّ عظيم في أوربا، فكتب الباب العالي إلى الخديوي يحرم عليه مثل هذا البيع.

في ٢ سبتمبر ١٨٩٨ دخل اللورد كتشنر أم درمان، وفي ١٩ سبتمبر وصل إلى فاشودة حيث قابل مارشان، وعرف أن الحملة الإنكليزية التي قامت من الأوغندا قاصدة الخرطوم بقيادة الماجور مكدونالد وقوامها بقية جيش أمين باشا في خط الاستواء ثارت على قائدها، وامتنعت في قلعتها عند مدخل ڨكتوريا نيانزا فلم يستطع مكدونالد التقدُّم، كذلك الحملة الأخرى التي ألفوها على ساحل بحر الهند بقيادة كافانديش فإنها لم تستطع الوصول إلى السودان المصري.

غضب الإنكليز لوجود مارشان في فاشودة، وأخذوا يهددون الفرنساويين حتى قال اللورد سالسبوري لسفير فرنسا كورسل: «إن عند السردار قوة كافية تمكنه من طرد مارشان ومن معه إلى حيث يريد» ففهم السفير بأن معنى ذلك استعداد إنكلترا لإعلان الحرب، وسألت فرنسا حليفتها روسيا عن خطتها، فأجابت حكومة القيصر بأن الأفضل تسوية هذه الأزمة سلميًّا مع حفظ كرامة فرنسا، ولزمت ألمانيا الحياد؛ لأن بينها وبين إنكلترا اتفاقا سريًّا على أفريقيا فاضطرت فرنسا إلى إعلان سحب جنودها من فاشودة في ٤ نوفمبر بحجة أن هذه البلاد ملك لمصر، ومما كتبه اللورد سالسبوري إلى سفير إنكلترا في باريس في ٥ أكتوبر ١٨٩٨ «لا شك بأن حقوق مصر بامتلاك مجرى النيل قد كانت من جراء نجاح المهدي مهملة، ولكنها حقوق ثابتة لا تقبل جدلًا، ولم يَبْقَ شَكٌّ بها بعد انتصار الجنود المصرية على الدراويش. أَوَلَمْ تعلن إنكلترا هذه عمدًا وجود حقوق الخديوي على تلك الأملاك بالاتفاق الإنكليزي الكونغي في ١٢ مايو ١٨٩٤؟

وفي ١٢ أكتوبر قال اللورد سالسبوري لسفير فرنسا: «إن وادي النيل كان لمصر ولا يزال لها، ولكن عائقًا كان قائمًا في وجه الملكية المصرية من جراء ثورة المهدي قد زال بانتصار الجنود المصرية والإنكليزية في معركة أم درمان.»

وهذا نص كتاب بطرس باشا غالي وزير خارجية مصر إلى اللورد كرومر ردًّا على مذكرته بشأن أزمة فاشودة بتاريخ ٩ أكتوبر ١٨٩٨:

إن حكومة سمو الخديوي كما تعلم سيادتكم لم يَغِبْ عنها في حين من الأحيان العَوْدُ إلى احتلال مديريات السودان الذي لم تنسحب منه إلا عُقيب ظروف قوة قاهرة؛ فاستعادة الخرطوم تكون عقيمة إذا لم يَعُدْ إلى مصر وادي النيل الذي ضَحَّتْ مصر في سبيله في الزمن السابق ضحايا جسيمة، ولعلمي أن مسألة فاشودة هي الآن موضوع المباحثة بين إنكلترا وفرنسا؛ فإن الحكومة المصرية تكل إليَّ أن أطلب من سعادتكم إسعادنا بالوساطة الطيبة لدى اللورد سالسبوري حتى يعترف لمصر بحقوقها التي لا تقبل الجدل، وحتى تُعَادَ إليها جميع الأراضي التي كانت تحتلُّها جنودها عند قيام ثورة محمد أحمد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١