مقدمة المُترجم١

أولًا: الترجمة الهادفة

إن اختيار نصوصٍ بعينها للترجمة في حدِّ ذاته تأليف غير مُباشر، ويكون المُترجم في هذه الحالة مُؤلِّفًا بطريقٍ غير مباشر. قد يكون الدافع لاتِّباع هذا المنهج — التأليف من خلال الترجمة — هو حساسية الموضوع بالنسبة لبعض الطوائف التي ترى فيه تعدِّيًا صارخًا على حقوقها أو جرأةً على عقلية مُجتمعٍ ما لم يبلُغ بعد من التطوُّر والتنوير ما يستطيع به تقبُّل الموضوع الجديد بسهولةٍ ويُسر، أو تعبيرًا للمُترجم عن نفسه من خلال الآخرين حتى تتحوَّل القضية من الذاتية إلى الموضوعية. مهما يكُن من شيء فالترجمة المُختارة اختيارًا دقيقًا لما يُناسب العصر واحتياجاته هي في صميمها تأليف يرتكز على التاريخ الحضاري، والترجمة الهادفة تخدُم الغرض نفسه الذي يسعى إليه التأليف الواعي للداعية.

وإن من مَهام المُفكر في البلاد النامية التعريف بأهم التحوُّلات الفكرية التي حدثت في الحضارات الأخرى والتي تحدُث من جديد في حضارته. ولا يعني ذلك أن كل حضارة لا بُدَّ أن تمرَّ بالنمط الحضاري الأوروبي وبمراحل تطوُّره، بل يعني وجود أبنيةٍ تاريخية مُتجانِسة في حضارَتَين أو أكثر. فالاتجاه العقلي في القرن السابع عشر، وقيام العقل بوظيفته في تحليل التُّراث القديم قد يُشابِهُ كلَّ دعوةٍ عقلانية يقوم بها بعض المُفكرين لإعادة بناء القديم، كما حدث لدَينا في أوائل هذا القرن. ومن ثم، كان التعريف بهذا الاتجاه العقلي إسهامًا فعَّالًا في التيَّار العقلي في مُجتمعنا الحالي، وتطويرًا للاتجاه العقلي في تُراثنا القديم، وتحقيقًا لمزيدٍ من الجرأة نحوَ الثقة بالعقل، أسوةً بهذا النمط الذي مضى عليه أكثر من ثلاثة قرون.

ليس الغرض من هذه المُقدمة هو عرض لفلسفة سبينوزا ككل؛ فتلك مَهمَّة مُؤرخ الفلسفة وأستاذها،٢ وليس الغرَضُ أيضًا هو تقديمٌ للنصِّ وذلك عن طريق شرحه والتعليق عليه وإرجاعه إلى مصادره، فتلك مَهمَّة الشارح والمُعلق وكثيرًا ما تحققت.٣ وليس الغرض أيضًا دراسة مشكلة جُزئية في موقف سبينوزا من الكتُب المقدسة مثل مشكلة التفسير أو التعبير؛ فتلك مهمة المُتخصِّصين والمُحقِّقين،٤ بل الغرض هو تطوير محاولة سبينوزا. ويتم ذلك بوسائل ثلاث:
  • الأولى: تأكيد صِدق تحليلات سبينوزا؛ وذلك بإعطاء تحليلاتٍ جديدة ودفع أفكاره إلى أقصى حدودها واستخلاص أبعد نتائجها، والكشف عمَّا تركه سبينوزا غامضًا نظرًا لظروف العصر. وقد قيل عن سبينوزا من قبل: إنه فيلسوف مُقنَّع يقول نِصف الحقيقة ويترُك النصف الآخر للذكاء أو للتاريخ أو للتطوُّر الطبيعي. وعلى هذا النحو لا يعني التقديم مجرَّد العرض بل التطوير والتطبيق والتأييد. وهذه ميزة الفكر الخصب أو المنهج الأصيل الذي يُولِّد بالتعامُل معه أفكارًا أخرى. ولا يعني ذلك الخروج على سبينوزا، أو التحمُّس له أكثر ممَّا يجِب، أو الوقوع في التطرُّف عندما يُصبِح الباحث سبينوزيًّا أكثر من سبينوزا نفسه؛ لأن هذا هو مصير الأفكار في التاريخ، عندما يُفكر فيلسوف على فيلسوف سابق، فقد فكر هيجل على جدَل أفلاطون وكانط، كما فكَّر ماركس على جدَل هيجل.
  • الثانية: إخراج سبينوزا من أبحاثه الخاصَّة وإلحاقه بالتُّراث الفلسفي في القرن السابع عشَر بأكمله، سواء بديكارت فيما يتعلَّق بالمنهج، أو بريتشار سيمون وجان أوستريك فيما يتعلَّق بالنقد التاريخي للكتُب المُقدَّسة، ثم إخراج سبينوزا من القرن السابع عَشَر وإلحاقه بالتُّراث النقدي كلِّه في القرون التالية؛ سواء فيما يتعلَّق بالنقد الفلسفي في القرن الثامن عشر، أو النقد العلمي في القرن التاسع عشَر، أو النقد التاريخي ومدرسة الصُّوَر الأدبية في هذا القرن. ومن ثم يبدو سبينوزا مُعاصرًا أشدَّ المُعاصرة، كما يبدو النقد التاريخي المُعاصر وكأنَّ له جذوره في مناهج سبينوزا النقدية.
  • والثالثة: هي إسقاط المادة التي عمِل عليها سبينوزا، وإحلال مادة أخرى محلَّها، مع الإبقاء على المنهج نفسه؛ أعني إسقاط التُّراث اليهودي وإحلال تُراث ديني آخر، وليكن التُّراث الإسلامي، حتى تتَّضِح جِدَّة سبينوزا وأصالته فيما يتعلَّق بتفسير الكُتب المقدسة. وقد كان هذا المنهج مُتَّبعًا عند الشُّرَّاح المسلمين في شروحهم على أعمال أرسطو. فمثلًا، يترُك ابن رُشد في شرحه للخطابة الأمثلة التي يُوردها أرسطو من الخُطباء والشُّعراء والتراجيديين اليونان، ويضع بدَلَها أمثلةً من الخطابة والشعر والنثر العربي؛ حتى يُعيد صياغة النظريات العلمية والأدبية ابتداءً من مادَّةٍ جديدة، وحتى يُمكنه تأييد هذه النظريات وتطويرها، وإكمال ما نقص منها. وكان سبينوزا نفسه يودُّ تعميم تحليلاته على الدِّيانات الأخرى لولا إمكانياته اللغوية والثقافية باعتباره أحدَ فُقهاء اللغة العبرية والتُّراث اليهودي القديم، بل ويَعترِف هو نفسه بأنه لم يستطِع تحليل العهد الجديد تحليلًا وافيًا لنقصٍ في معرفته باللغة اليونانية. ومع ذلك، فلقد عمَّم سبينوزا تحليلاته، على قدْر ما استطاع، على التُّراث المسيحي واليوناني والرُّوماني والإسلامي.

ومع أن صورة التُّراث الإسلامي عند سبينوزا مأخوذة من العصر التُّركي، حتى ليتحدَّث عن الأتراك ويقصِد بهم المُسلمين، وهي صورة الطُّغيان الفكري، والتعصُّب الجاهل، واضطهاد المؤمنين، وسيادة الأحكام السابقة، والوقوع في الخُرافة. ومع أنه يَعتبِر القرآن أشعارًا للقرَّاء دون الاستفادة منها في الحياة العملية، فإن مواقف سبينوزا ومناهجه في التفسير ونظرياته عن ثُنائية الحقيقة أو الحقيقة المزدوجة لها ما يُشابِهها في التُّراث الإسلامي عند الفلاسفة، خاصَّةً عند ابن رشد. وقد كان سبينوزا على عِلمٍ بها من خلال موسى بن ميمون. وليس الغرض من ذِكر ذلك هو الوقوع في منهج الأثر والتأثر، وإرجاع فضل سبينوزا إلى التُّراث الإسلامي، أو إحياء التُّراث الإسلامي بآراء سبينوزا، بل القصد منه إثبات المشكلات المُشتركة، والحلول المُتشابهة التي قدَّمَها سبينوزا والفلاسفة المُسلمون. وهذا هو الغرَض من الاستشهاد المُستمرِّ بالتُّراث الإسلامي، فقد تكون هناك مواقف فكرية واحدة للفكر الحُرِّ بالنسبة للدِّين، أو قد تكون هناك أبنية واحدة للنصِّ الديني أيًّا كان، يستطيع كلُّ مُفسرٍ أن يصل إليها.

لذلك تَجنَّبْنا الوقوع في العلمية التاريخية، وإثارة بعض المشكلات التي تدلُّ على التعاليم أكثرَ ممَّا تدلُّ على العِلم، مثل تاريخ كتابة الرسالة، وصِلة فصولها بعضها بالبعض الآخر، وأيُّها مُتقدِّم وأيُّها مُتأخر، وتناطُح الآراء حول هذه المسائل، فهي مشكلة خاصَّة تتعلَّق بتحقيق النص ونشره أكثر مما تتعلَّق بأفكار النص ونظرياته. وكذلك آثرنا التعامُل مع الأفكار، مع إعطائها أكبر قدْرٍ من الصحة والعمومية. ولا يَضير ذلك العلمية في شيء؛ إذ إنَّ العلمية لا تعني التحقيق الميكروسكوبي، والالتصاق بالحروف، مع ذِكر عشراتٍ من المراجع، ما قُرئ منها وما لم يُقرأ، حتى يُوحي الباحث بوفرة المعلومات، وبسَعة الاطلاع، بل العِلمية أن تُبرَز الفكرة، وأن تُوضَع في مكانها الصحيح حتى يظهر أثرها وفِعلها. ومع أن الرسالة نفسها قد كُتِبت بأساليب عدَّة، بأسلوب أدبي في بعض الفصول يبدو فيه سبينوزا أديبًا ناقدًا، وهي الفصول التي كُتِبت بدقَّة رُوحية واحدة، مثل الفصل السادس عن المُعجزات، وبأسلوب علمي تحليلي مَحشوٍّ بالشواهد النقلية، وبالتحليلات اللغوية، يظهر فيها سبينوزا الشارح اللغوي، وهي الفصول التي كان قد جمَعها من قبلُ ثُم أدخلها في صُلب الرسالة كدعامةٍ علمية، وكأساسٍ تاريخي لأفكاره. إلا أنَّ الأسلوب الأدبي هو الغالِب عليها، خاصَّةً إذا قارنَّاها بالأسلوب الفلسفي الجاف الذي كتَبَ به سبينوزا سائر مُؤلَّفاته. لقد كتب سبينوزا رسالته مرَّات عديدة، وعلى فتراتٍ مُتقطِّعة، يُعبِّر عن حدْسه أولًا بأسلوب سهل يسير، وبأفكاره الشخصية ثُم يُدلِّل عليه بعد ذلك بالبُرهان، وبالتحليلات التاريخية حتى يُطوِّر القديم، ويتأصَّل الجديد. ولكنَّنا شِئنا في هذه المقدمة اتِّباع الأسلوب السهل اليسير؛ فهي مكتوبة للجمهور العريض لا للصفوة المُثقَّفة حتى يعمَّ الانتفاعُ بها ما دامت مهمَّة المُفكِّر الحالية هي إعطاء أكبر قدْرٍ مُمكنٍ من التنوير لأكبر عددٍ من الناس.

ثانيًا: سبينوزا وديكارت٥

سبينوزا هو الديكارتي الوحيد الذي استطاع أن يُطبِّق المنهج الديكارتي تطبيقًا جذريًّا في المجالات التي استبعدها ديكارت من منهجه، خاصةً في مجال الدين، وأعني الكتُب المقدسة والكنيسة والعقائد والتاريخ المقدس … إلخ؛ لذلك كانت هناك مُحاولات لاغتياله في حين أن ديكارت كان صديقًا لرجال الدين الذين كانوا يجِدون في منهجه، باعتراف ديكارت نفسه، دعامةً للدِّين، ونُصرة لعقائده. ويكفي لذلك الاطلاع على إهداء التأمُّلات لعُلماء أصول الدين، وكيف أنَّ ديكارت كان مُتفقًا معهم في الغاية وهي إثبات العقائد، وإن اختلفَ معهم في الوسيلة مُؤقَّتًا. فالغاية واحدة، وهي إثبات وجود الله، وخلق العالم، وخلود النفس، وهي القضايا الدِّينية الثلاث في كلِّ فكرٍ ديني تقليدي. يبدو ديكارت وكأنه فيلسوف العقل الذي لا يقبَل شيئًا على أنه حقٌّ ما لم يكن كذلك، ولكن في الحقيقة إنَّ الوحي والعقائد يندَّان عن العقل ويقتصِر العقل على التبرير؛ أي إنَّ ديكارت لا يتعدى ما كان سائدًا في العصر الوسيط المُتقدِّم أومِن كي أعقِل.»٦ يُريد ديكارت إثبات حقائق الدين ببراهين عقلية حتى يُمكن إقناع الكافرين؛ أي إنه على هذا النحو لا يفترِق عن بسكال في أنَّ كليهما يقوم بالدفاع عن العقيدة المسيحية،٧ بل إن الإيمان بالحقائق الدينية ليس فعلًا للعقل بل فِعل للإرادة؛٨ لذلك لا يُطبق عليه مقاييس الوضوح والتميُّز، أكثر من ذلك أنَّ كل الحقائق الدينية تتعدَّى حدود العقل، ولا يُمكن الإنسان التصديق بها إلا بمعونةٍ من السماء، وبفضلٍ من الله؛ أي أنَّ ديكارت يبدو هنا هادمًا للعقل، ومُعطِّلًا لوظائفه في فهم الحقائق الدينية.٩
ومع أنَّ ديكارت معروف في العصور الحديثة بأنه أحد مُؤسِّسي العِلم الحديث، إلَّا أننا نجد أن الله هو الضامن لصِدق الحقائق، وأن ديكارت بهذا المعنى يُقيم العلم على وجود الله وصِدقه، وأنَّ الله هو محور مذهبه، خاصةً إذا علِمنا أنه الواقعة الأولى بعد الكوجيتو، وأنه هو الضامن لوجود العالَم، وأن العالَم لديه حركة وامتداد، أي مَقولتان رياضيَّتان وليس عالمًا للفعل والسلوك.١٠
أما سبينوزا، فهو الذي طبَّق منهج الأفكار الواضحة والمُتميزة في ميدان الدين والعقائد،١١ فليس العقل فقط هو أعدَلُ الأشياء قسمةً بين الناس، بل هو أيضًا أفضل شيء في وجودنا ويكون في كماله خيرُنا الأقصى. وإذا كانت الأفكار الواضحة والمتميزة هي المثَل الأعلى لليقين فإنَّ سبينوزا يُحلِّل النبوة ويُخرجها من نطاق الأفكار الواضحة والتصوُّرات الغامضة، كما يرفُض وضع الآيات الواضحة مع الأشياء الغامِضة، ثم تفسير الآيات الواضحة تفسيرًا خياليًّا حسب هوى المُفسِّر، كما يستعمِل الوضوح والتميُّز كجدَلٍ في براهينه العقلية، فما دام كلُّ ما تعلَمُه بوضوح وتميُّز إما أن يكون معروفًا بذاته، أو بغَيره تعلَمُه بوضوحٍ وتميُّز، فإن المُعجزة لا تستطيع أن تدُلَّنا على وجود الله، أو على ماهيته وطبيعته؛ لأنَّنا لا نعلمها بوضوحٍ وتميُّز. أما الله فإنه فكرة واضحة ومُتميِّزة، ولا تحتاج إلى بُرهان. وإذا كان ديكارت، في مثَل سلَّةِ التفاح المشهور، يري تنقيةَ الأفكار الواضحة المُتميِّزة من الأفكار الغامضة، فإن سبينوزا بتطبيقه هذا المنهج أيضًا في النقد التاريخي للكتاب المُقدَّس يُفصِّل الآيات الصحيحةَ عن الآيات المكذوبة أو المشكوك فيها.
وسبينوزا أيضًا هو الوحيد من الديكارتيين الذي طبَّق منهج ديكارت في السياسة، فدرس أنظمة الحُكم، وقارن بينها، ونقد الأنظمة التسلُّطية القائمة على حُكم الفرد المُطلق، وانتهى إلى أنَّ النظام الديمقراطي هو أكثر النُّظم اتفاقًا مع العقل ومع الطبيعة؛ فنحن نعلم أن ديكارت قد استثنى من الشكِّ أيضًا النُّظم السياسية، والتشريعات الوطنية، وعادات البلد؛ أي أنه أخرج الجانب الاجتماعي كلَّه من الشكِّ وقصَرَه على الفِكر.١٢ وبذلك يكون سبينوزا سابقًا على كانط وهيجل في هذا اللَّون من التفكير السياسي من أجل تحديد الصِّلة بين الفكر والواقع، أو بين الدين والدولة، أو بين مهمة المُفكر ومهمة السياسي. في حين أن مالبرانش اقتصَرَ على التبشير بالمسيحية حتى حدود الصِّين، وأن بسكال رضيَ بملكوت السموات، ورفض ملكوت الأرض كما فعل أوغسطين من قبل، وأن ليبنتز قدم مشروعًا لغزو مصر باعتباره نقطة الالتقاء بين الشرق والغرب، أي أنها الرابطة الجوهرية Vainculum Substantiale التي يبحث عنها ليبنتز في حساب التفاضُل والتكامُل وفي حساب الاحتمالات.

لقد قيل دفاعًا عن ديكارت إن موقفه من رجال الدين ومُهادنته لهم إنما هو موقف ذكي، اتَّخذَه ديكارت حتى يحتوي رجال الدين من الداخل، ولا يصطدم مع السُّلطة بالتناطُح والمواجهة. يكفيه أنه وضع قنبلة زمنيَّةً انفجرت بعدَه في سبينوزا وفولتير، وتناثرَتْ شظاياها في العصر الحديث بطولِهِ وعرضه. وسواء أكان هذا الدفاع عن حقٍّ أم عن حُب، فإن الثورة الحقيقية في الفكر الدِّيني والواقِع السياسي قد قام بها سبينوزا. رسالة سبينوزا إذن ثورة على الأوضاع الثقافية والسياسية في عصرِه بل وفي كلِّ عصر، وتطبيق للنور الطبيعي في مجال الدِّين والسياسة حتى لا يخلِطَ الناس بين البِدَع الإنسانية والتعاليم الإلهية، أو بين التصديق الساذج والإيمان الصادق، أو بين الجدَل البيزنطي في الكنائس وبين الإحساس الطبيعي بالعدل والخير، أو بين الفِتن والمُصادمات بين الطوائف باسم الدفاع عن الدين وبين السلام الداخلي في الإنسان وفي الدولة. أراد سبينوزا البحث عن الوضوح والتميُّز في الواقع الدِّيني والسياسي، وألا يقبَلَ شيئًا على أنه حقٌّ في أمور الدِّين أو الدُّنيا ما لم يكن كذلك، فإن كان ديكارت قد وجد في المنهج الاستِنباطي بُغيتَه وطريقه إلى التصديق بالرسالات السماوية، وإذا كانت مهمَّة ديكارت والعصر الحديث معه هي تبرير الدِّين، فقد كانت مهمَّة سبينوزا تأصيل الدين وإخضاع الكتاب المُقدَّس للنقد التاريخي.

ولا وجهَ للمُقارنة بين مُقدِّمة التأمُّلات التي يهدي فيها ديكارت كتابه إلى عُلماء أصول الدين وبين آخِر فقرة في مُقدِّمة رسالة سبينوزا التي يُخضع فيها رسالته للسُّلطات العُليا في هولندا. فديكارت يؤكِّد أن ليس في تأمُّلاته ما يُعارض الدين، بل إنه يحتوي على تأييدٍ لأهمِّ قضاياه: وجود الله، وخلق العالم، وخلود النفس؛ أي أنه لم يأتِ بجديد بالنسبة لمُفكري العصر الوسيط إلَّا من حيث الطابع الشخصي الأوغسطيني، هذا الطابع الموجود أيضًا لدى سبينوزا. أما فقرة سبينوزا فإنها تدلُّ على استعداده لمُقارعة الحجَّة بالحُجَّة، وهو يعلم أن نتائج بحثِهِ في الوحي الإلهي وفي نظام الحُكم ستؤدي حتمًا إلى انقلابِ القوم عليه. فديكارت يُصالح رجال الدين، ويُهادن النُّظم الملكية، وسبينوزا يبغي المصلحة العامة ضدَّ رجال الدين، وضدَّ نُظُم الحكم القائمة، ويعلَم أنَّ الأمانة الفكرية، والبحث العلمي، والموقف الشريف، أجدى على الدولة وعلى سلامتها وأمنِها من النفاق الفكري، والتشويه العلمي، والتملُّق للسُّلطة، والسعي لها.

وإذا كان ديكارت هو المسئول عن كلِّ تبريرٍ للعقائد في صياغةٍ جديدة وعن وضع التعالي بدل الله، فإنَّ سبينوزا هو المسئول عن كلِّ دراسةٍ علمية أي نقدية ونفسية لها، وعن وضع الله في النفس البشرية مُؤمنًا بالحُلول الميتافيزيقي. وإذا كان ديكارت هو المسئول عن «ثنائية العصر الحديث» من قِسمة الوجود إلى إلهٍ خالق وعالَمٍ مخلوق، وقِسمة الإنسان إلى نفس خالدة وبدنٍ فانٍ، فإن سبينوزا هو المسئول عن إعادة الوحدة في الوجود، بالتوحيد بين الطبيعة الطابِعة والطبيعة المَطبوعة، وفي التوحيد بين النفس والبدَن، وجعْل النفس فكرة البدَن. فإذا كان ديكارت صاحِب إصلاح جزئي بالنسبة للفِكر الدِّيني في العصر الوسيط، فإنَّ سبينوزا هو صاحِب الثورة الجذرية في الفكر الدِّيني في العصر الحديث. وإذا كان البعض منَّا في أوائل هذا القرن يُروِّج لديكارت صاحِب أنصاف الحلول، فالأجدى بنا في النصف الثاني من هذا القرن البحث عن الحلول الجذريَّة كما فعل سبينوزا منذ أكثر من ثلاثة قرون.١٣

ثالثًا: موضوع الرسالة

يُحدِّد سبينوزا موضوع الرسالة في العنوان التوضيحي الذي يضعُهُ بعد العنوان الأول «وفيها تتمُّ البرهَنة على أنَّ حرية التفلسُف لا تُمثل خطرًا على التقوى أو على السَّلام في الدولة، بل إنَّ القضاء عليها يؤدِّي إلى ضياع السَّلام والتَّقوى ذاتها.» للرسالة إذن هدفان؛ الأول: إثبات أنَّ حرية الفكر لا تُمثل خطرًا على الإيمان، أو بتعبيرٍ آخر، أنَّ العقل هو أساس الإيمان. والثاني: إثبات أنَّ حُرية الفكر لا تُمثل خطرًا على سلامة الدولة، أي أنَّ العقل أيضًا هو أساس كلِّ نظامٍ سياسي تتَّبِعُه الدولة.

فإذا غاب العقل ظهرَتِ الخُرافة، وإذا سادت الخُرافة ضاع العقل. وتظهَر الخُرافة في إرجاع ظواهر الطبيعة إلى عِللٍ أولى، أو إلى قوًى وهمية، أو إلى أفعالٍ خيالية، أو إلى موجودات غيبية مثل الجنِّ والشياطين والأرواح الخبيثة أو الطيِّبة. وإن خرجَتْ هذه الظواهر الطبيعية عن المألوف بدَتْ وكأنها مُعجزات وخوارق يُمكن معرفتها، والتنبُّؤ بوقوعها عن طريق الكهانة والعرافة والسِّحر، لا عن طريق العِلَل المباشرة التي تُفسر وجود الظواهر كما يُدركها العقل.

وتنشأ الخُرافة من سيادة الأهواء والانفعالات على العقل، وعلى رأسها الخَوف والرَّجاء؛ إذ يتذبذب الشُّعور الدِّيني بين الخَوف والرجاء، أو بين الرَّهبة والرغبة. فالحوادث الحسنة فألٌ طيب، والحوادث السيئة تبعَث على التطيُّر والتشاؤم، ويرتبِط بالخوف العجْز عندما يودُّ الشعور الدِّيني التأثير على الطبيعة باستدعاء الأرواح، لا بالفعل المُباشر، أو بطلَب العَون الإلهي، أو بالنذور، أو بالصلاة لدرْءِ الكوارث، أو لاستجلاب الرزق، لدفْع البركان، أو لإهطال المَطر. كلُّ أولئك مظاهر للعجْز أمام الطبيعة، فلا ذرْفُ الدمع خشيةً ورهبةً يُجدي، ولا الدُّعاء أملًا ورجاءً يُفيد، ومن ثَمَّ قد يُصبح أعجز الناس هو أكثرهم حِكمة. فإذا كان الخَوف سبب الخُرافة، فإنَّ الخَوف نفسه سينشأ عن نقصٍ في الشجاعة، وقد يكون التأليهُ نتيجةً لهذا النقص، وهو ما لحظَهُ برجسون أيضًا على كلِّ تفكيرٍ مِثالي من أنه ضَعف في الإرادة Aeilléite، كما قد يقوم الإيمان على الكراهية والتعصُّب، فبعض المؤمنين هُم أكثر الناس قُدرةً على الكراهية، وأشدُّهم تعصُّبًا حتى ليُعرَف قوةُ الإيمان بقوة غضبهم وحِقدهم على البشر. وربما يقوم على الذلَّة والغُرور، فإن كان المؤمن في حاجةٍ إلى شيءٍ ذلَّ نفسه، وإن كان غنيًّا عن العالمين ركِبَه الغرور، أي أنَّ سبينوزا يبدو وكأنه من أنصار المدرسة النفسية في تاريخ الأديان التي تدرُس مظاهر التديُّن على أنها ظواهر نفسية أو مرَضية؛ إذ إنَّ مُعظمها يقوم على مواقف عزاءٍ أو تعويضٍ نفسي عندما يتمُّ اللجوء إلى الله في حالةِ الكرْب، أو عن مواقِف نفاقٍ وتغطية، كما يُتستَّر على الغني بالتفاوُت في الرزق، وبالقضاء والقدَر، وكما يُتستَّر بالدين على الإشباع الجِنسي، كما يفعل الشيخ المُتصابي، أو من أجل الحصول على مصلحةٍ شخصية، كما هو واضح في الشِّحاذة.

والخُرافة والوهْم والعجْز هي من أسباب الوقوع في التقديس، تقديس موجود مُتعالٍ خارج الطبيعة، يتدخَّل فيها كما يشاء، كما يفعل الحاكم المُطلق، أو الملك الذي يخضع للأهواء والانفعالات. فاعتبار المُقدَّس خارج العالم عجْز عن إدراكه داخل العالَم، وخَوف منه، وإبعاد له، خاصةً إذا أصبح هذا المُقدَّس مُرادفًا للسِّر، أو هو وقوع في الوثنيَّة المُجرَّدة، أو الوثنية الحِسِّية.

وأشدُّ غرابةً من ذلك أن يتميَّز المؤمنون في إيمانهم بعقائدهم وشعائرهم وملابسهم وألقابهم، فيظنُّ الجمهور أنَّ الدين هو المناصب في المعابد التي يتعيَّش فيها رجال الدين، أو يتعيَّشون عليها، حتى أصبح الكهنوت غواية الجميع، اشتاقتْهُ أشدُّ القلوب قسوة، وحتى أصبح الشرَهُ والطمع طريق الدعوة إلى الدِّين وإلى الله. تحوَّلت الكنائس إلى مسارح، وتحوَّل رجال الدين إلى خُطباء مُحترفين، لا يَرومون تعليم الشَّعب بل التكسُّب منه، والتعيُّش عليه، وَجُل غايتهم أن يُعجَب الناس بهم وبما يبتدِعونه في الدين. وطبيعي أن يبدأ التنافُس والحسَد فيما بينهم على ما اغتنموه، فلا عجَب إذن إنْ لم يبقَ من الدين إلَّا مَظهره الخارجي — أي عبادة الأوثان Adoration لا عبادة الله Adulation — ومن الإيمان إلا التصديق بالأحكام السابقة، خاصَّةً أحكام من ينزلون بالبشر إلى مُستوى الحيوانات، لأنهم يمنعونهم حُرية الحُكم، وحرية التمييز بين الخطأ والصواب.

أما الدين كما يَتصوَّره الصوفية، فهو مجموعة من الخُرافات والخُزَعْبلات والأوهام، حتى أصبح الدين احتقارًا للعقل، وبُعدًا عن الذِّهن الذي قِيل عنه إنه فاسِد بالطبع، مع أنهم لو كانوا قد اهتدوا إليه بالنُّور الفِطري لَما أصابهم الغرور، ولَما وقَعوا في الكذِب، ولعَبَدوا الله حُبًّا فيه، لا كراهيةً للناس، ولَما اضطهدوا مُخالفيهم في الرأي، ولعَطفوا عليهم، ولحرَصوا على سلامة الآخرين كما يَحرِصون على سلامتهم، ولَما أُعجِبوا بأسرار الكتاب التي لا تتعدَّى بعضَ التأمُّلات الأفلاطونية الأرسطية، أو التوفيق بينها وبين الكتاب؛ حتى لا يَتَّهمهم الناس باتِّباع فلسفة الوثنيِّين، وحتى لا يقَعُوا في أخطاء اليونان، جعلوا الأنبياء يَهذُون. فضلًا عن ذلك، فإنهم لم يشكُّوا مُطلقًا في المصدر الإلهي للكتاب المقدس، وكلَّما شعروا فيه بالأسرار أطاعُوه طاعةً عمياء، مع أنَّ إثبات المصدر الإلهي للكتاب لا بدَّ أن يكون نتيجة للبحث العِلمي لمُحتواه.

الدِّين إذن على ما يقول فويرباخ موقف مُغترب، أي إنه موقف غير طبيعي، والمَوقِف العقلي العِلمي هو الموقف الطبيعي. التديُّن والنور الفطري نقيضان؛ إذ يَعتبِر المُتديِّن النور الفطري مصدرًا للاتدَيُّن وللإلحاد وللبِدَع، مع أنَّ التديُّن نفسه قائم على مجموعةٍ من الخُزعْبلات التي يظنُّها المُتديِّنون تعاليم إلهية. فإلحاد الفلاسفة الذين يعتمِدون على النور الفِطري هو الإيمان الصحيح، وإيمان المُتديِّنين القائم على الأوهام والخُرافات وثنيَّة حسِّية؛ أي إلحاد صحيح. ومن ثم كان اللَّاتديُّن شرط العِلم وكان رفْض التأليه شرْط إدراك الطبيعة، فالإنسان موجود في عالَمٍ واحدٍ وهو العالم الطبيعي وليس في عالَمَين؛ لأنَّ الفكر تحليل للطبيعة.

القضاء على السلوك الانفعالي إذن خطوةٌ نحو العقلانية، فإذا عرفْنا مدى شُيوع السلوك الانفعالي في البلاد النامية، ومدى تدخُّل الأهواء والانفعالات في العلاقات الشخصية وفي تقدير المواقف وفي سَنِّ القوانين وتطبيقها، عرفْنا أن سيادة الانفعال وغياب العقل أحد مظاهر التخلُّف.

ويُستخدَم الدين أيضًا للسيطرة على الجماهير ولإبقائها تحت سيطرة السُّلطة، إذ يُكثِر الدكتاتور من مظاهر العظَمة في بناء المعابد، والاحتفالات بالموالد، حتى يُمكن عن طريق التأليه الخُضوع لله أو للدكتاتور، والطاعة العمياء له؛ لذلك كانت الخُرافة أفضلَ الوسائل لتسيير العامَّة، فيكفي للسُّلطات العُليا الاحتفال بالموالد، وبأتقياء الله، وبعبادة الصالِحين حتى تسير العامَّة وراءها فيُنظَر إلى الملوك باعتبارهم آلهة، ويتمُّ تجميل الدِّين بالشعائر «الطقوس» وتزيين الملوك بالقصور والتيجان. فالخُرافة هي أساس النظام الملكي، باعتباره النظام التقليدي الذي يقوم على حُكم الفرد المُطلَق الذي يبغي خداع الناس، وإرهابهم باسم الدِّين من أجل السيطرة عليهم، واستعبادهم، ووضع قُيودٍ على الفكر والعقيدة، في حين أنَّ العقل لا يَسود إلَّا في النظام الجمهوري الذي يكون فيه المُواطن حرًّا في فِكره وعقيدته، والذي يخضَع فيه سُلوكه لتشريع الدولة.

وهنا يبدو الهدف الثاني من رسالة سبينوزا هو دراسة الصِّلة بين الدِّين والدولة، أو كما يقول هو: بين اللَّاهوت والسياسة. فاللاهوت ليس نظرية في الله فقط بل ينشأ عنه نظام اجتماعي كذلك، وليس الدين عقائد فحسْب، بل ينشأ عنه نظام سياسي كذلك. والحقيقة أن رسالة سبينوزا ليست دراسةً للصِّلة بين اللاهوت والسياسة بقدْرِ ما هي دراسة للصِّلةِ بين السُّلطات اللاهوتية والسُّلطات السياسية،١٤ أي إنَّ غرض سبينوزا هو دراسة الصِّلة بين اللاهوت القائم بالفعل والنُّظم السياسية القائمة، أو إنْ شئنا الصِّلة بين السلطة اللاهوتية المُمَثَّلة في رجال الدين أو في الكنيسة وبين السلطة المدنية المُمثَّلة في الحُكم أو في رئيس الدولة، فهي دراسة واقعية للأوضاع التي عاش فيها سبينوزا من تداخُل السلطتَين اللاهوتية والسياسية، وكلاهما كما رأينا يقوم على الخُرافة، ومنع حُرية الرأي والقضاء على العقل؛ لذلك تمَّ التواطؤ بين المعابد وأقسام الشرطة، أو يتمُّ التمسُّح بالمعابد كما تحدُث الزُّلفى للسُّلطات!

ولمَّا كانت حُرية الرأي ضرورة للإيمان الصحيح، فإنَّ حُرية الرأي أيضًا ضرورة للسلام الداخلي في الدولة، فحُريَّة الفكر هي دعامة الرأي العام، والرأي العام هو الراصِد لكلِّ ما يحدث في الدولة خاصةً في الأمور الداخلية، فإذا قُضِي على حرية الفكر، قُضِي على الرأي العام، وأصبَحَت الدولة بلا دعامة داخلية. يفعل الحاكم ما يشاء وتفعل أجهزة الحُكم ما تريد، وبالتالي تنشأ الجماعات السِّريَّة المُناهضة للحُكم، فيُقضى على أمن الدولة.

لذلك يجِب على السلطات العامَّة ألا تتدخَّل في الحريات الفردية، وإلَّا لتعرَّضَ أمن الدولة للخطر. فهذا هو الحقُّ الطبيعي للفرد، كلُّ فردٍ حرٌّ بطبيعته، وكل فردٍ هو الضامن لحريته. وتنشأ الفِتَن عندما تتدخَّل الدولة بقوانينها في الأمور النظرية، وتنتصِر لبعض العقائد، وتُعادي البعض الآخر، ولن تتوقَّف الفِتَن إلَّا إذا وضعَتِ الدولة الأفعال وحدَها، دون الأقوال، تحت القانون؛ حتى يستطيع كلُّ مُواطن أن يعبد الله كما يشاء، وأن يتصوَّرَه كما يُريد، بدل أن تُقطَع الرقاب من أجل أقوالٍ كلُّها ظنيَّة. لا احتكار للفِكر ولا حِكر عليه، وليس من حقِّ الدولة التدخُّل في حُرية المُفكر أو في الرقابة عليه. وكيف تنتصِر الدولة لرأيٍ على رأيٍ سواء في اللاهوت أم في السياسة، وليس هناك تفسير واحد صحيح للدِّين والباقي خطأ؟ لكلِّ إنسان الحق في فَهم الوحي وتأويلِهِ كما يشاء، وإن التسلُّط والتحزُّب لرأيٍ دون رأي ليؤدِّي حتمًا إلى ضياع الإيمان. حُرية الرأي إذن يجِب أن تكون مكفولةً للمواطنين جميعًا، وتكون الدولة هي الراعية لهذه الحرية، وليست القاضِية عليها. فلا ينبغي أن تكون الدولة طائفيةً تنتسِب لدينٍ مُعيَّن، بل دولة علمانية تكفُل حريَّة الرأي للجميع. حُرية الرأي إذن ضرورة اجتماعية حتى يعمَّ الأمن والسلام في الدولة، وإن الحاكم الذي يَظنُّ أن تثبيتَ قواعد حُكمه إنما يكون بالقهر والطغيان، وبالقضاء على حُرية الفكر، ينتهي لا محالةَ إلى غير ما قصَدَ إليه؛ لأنَّ في القضاء على حُريَّة الفكر قضاء على الدولة، بل إنَّ القانون الإلهي نفسه يمنح هذه الحُريَّة لجميع الناس، ولا يبدو ذلك غريبًا لأن الدولة نفسها قد نشأتْ بعقدٍ اجتماعيٍّ بين الأفراد يُفوِّض سُلطتهم إلى الدولة كي تقوم بحمايتهم والدفاع عنهم، فسُلطة الدولة مُمثِّلة لسلطة الأفراد؛ لذلك لا يجوز للسُّلطات العُليا، وهي المُمثِّلة للشعب، أن تعمل ضدَّه، أو أن تقضي على حريته التي فوَّضها لها بإرادة حرَّة. تنشأ النُّظم الدكتاتورية عندما تفعَل السُّلطات العُليا ما تُريد، بغضِّ النظر عمَّا فوضَّه الأفراد لها من حقوق.

والحقيقة أنَّ موضوع رسالة سبينوزا ليس هو اللاهوت فحسْب، أو السياسة فحسْب، أو حتى الصِّلة بينهما، بل — بتعبيرٍ أدقَّ — الوحي في التاريخ. عندما تتحقَّق النبوَّة في فترةٍ مُعينة، وعند شعبٍ مُعين، يأتي الوحي للتغلُّب على الطبيعة السائدة في الشَّعب، فينجح إلى حين، ثم تنتهي الطبيعة السائدة بالتغلُّب على الوَحي. ومن ثَمَّ فموضوع الرسالة هو فلسفة التاريخ الدِّيني أو التاريخ المقدَّس على ما يُقال. لقد أتى الوَحي للشَّعب اليهودي حتى يتغلَّب على طبيعته الحِسِّية المادية، وعلى تكوينه الوَثَني، ولكنه انتهى إلى أنْ سادتْهُ الوثنية، وتغلَّبَت عليه الطبيعة الحِسِّية، ثُمَّ أتى الوَحي المَسيحي داعيًا للسلام، من أجل التغلُّب على الطبيعة الحربية الرُّومانية، وداعيًا للطهارة الرُّوحية، من أجل التغلُّب على المادية الحِسِّية اليهودية والرومانية، ولكنه انتهى إلى أنْ سادَتْه الحروب والتعصُّب، وتغلَّبتْ عليه المادية الحسية. ويُمكن القول أيضًا بأنَّ الوحي الإسلامي جاء حتى تكون الأمة الإسلامية خيرَ أمةٍ أُخرجَت للناس تأمُر بالمعروف وتنهى عن المُنكر، فإذا هي الآن مُستعمَرة من الخارج أو مَسلوبة الثروات من الداخل؛ أي إنها انتهت إلى عكس ما قصَد إليه الوحي.

رسالة سبينوزا إذن هي دراسة لمصير الوحي في التاريخ وكيف أنه ينقلِب إلى الضِّد؛ فالمسيحية دعوة للرُّوح وللسلام والتضحية تتحوَّل إلى مُجتمع تسودُه المظهرية والتعصُّب والكراهية، واليهودية دعوة للطاعة تنقلِب إلى مُجتمع عاص، والإسلام دعوة لإقامة خَير أُمَّة أخرِجَت للناس ينقلِب إلى مُجتمع يسودُه التخلُّف ويحكُمه الاستعمار. يدرُس سبينوزا هذا القلب، قلب الرُّوح إلى مادة والوحي إلى كتاب، والمعنى إلى حرْف، والتديُّن إلى خُرافة، والتقوى إلى طقوس وشعائر، والإيمان إلى تعصُّب، والحقيقة إلى بُطلان، والتعاليم الإلهية إلى بِدَع، والنُّور الفطري إلى جهل، والمعابد إلى مسارح، والدِّين إلى وَثنيَّة، والإنسان إلى حيوان، وكأن الدافع الحيوي ينتهي بالضرورة إلى سقوطٍ مادي، وكأن اللَّهبَ ينتهي بالضرورة إلى رَماد.١٥

رابعًا: النقد التاريخي للكُتُب المقدَّسة

يُعتبَر النقد التاريخي للكُتب المقدَّسة أحد المناهج العلمية التي وضعتْها الفلسفة الحديثة، كما يُعتبَر من أهمِّ مكاسب الحضارة الأوروبية بالنسبة لدراسة التوراة والإنجيل، نتجَتْ عن تأليه العقل في القرن السابع عشر، قرن سبينوزا، وإخضاع الطبيعة له، فكما أن هناك نظامًا للطبيعة، هناك أيضًا قوانين لضبط صحَّة الراوية، ولا فرق بين الظاهرة الطبيعية والنصِّ الديني؛ كلاهما يخضع للعقل وقواعده. وقد حمَل لواء النقد في هذا القرن ثلاثة: سبينوزا، ريتشارد سيمون، جان أوستريك.١٦

فما إن وضع القرن الثامن عشَر العقل في الإنسان، وحوَّل التفكير الرياضي إلى التفكير الإنساني، حتى أصبح كِبار النقَّاد هُم كِبار الإنسانيِّين، مثل فولتير ولسبخ وهردر. وكان النقد باسم العقل أكثرَ منه باسم التناقُضات الداخلية في الرِّواية.

وما إن تحوَّلت فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر إلى فلسفةٍ للعِلم في القرن التاسع عشر، حتى تحوَّل النقد أيضًا من النقد الفلسفي باسم الإنسان إلى النقد العلمي القائم على تحقيق النصوص، والمقارنة بينها، والاعتماد على فِقه اللغة، وعِلم الأساطير المُقارنة، وتَمَّ وضع قواعد المنهج التاريخي بعد كشْف «الشعور التاريخي» عند دلتاي، وتقدُّم العلوم الإنسانية. وقد كانت فلسفة هيجل أحد المصادر التي خرجَت منها المدرسة الأسطورية في النقد، عند شتراوس وباور، فكما وصَفَ هيجل تطوُّر الرُّوح وصفَ نقَّاد المدرسة الأسطورية، وهم من اليساريين، تطوُّر العقيدة المُوازي لتطوُّر النصِّ واعتبروا كليهما من فِعل الرُّوح ومن وضعِها.

ويُعتبَر النقد التاريخي أهم الأسباب في نشأة حركة التجديد الدِّيني في الفكر المُعاصر،١٧ فقد قام البُعد الشعوري في النص الدِّيني، وأصبح النصُّ يُعبِّر عن التجارب الحيَّة للجماعة الدِّينية الأولى التي نشأ النص منها، ومن ثَمَّ كان لا بدَّ من وضع النص في الحياة Sitz im Leben ودراسة المُكوِّنات النفسية للشعور الجماعي الأول، مِثل واقعة الانتظار، أو خيبة الأمل، أو الشعور بالاضطهاد. وأصبحت رسائل الحواريين تُعبِّر عن تجارب شخصية لهم، بل وعن عُقدِهم النفسية ورغباتهم. عاشت الجماعة الأولى أفكارها، ثم عبَّرَت عنها بالنصوص بعد ذلك، وهي التي جُمعت في مجموعات صغيرة، ثم في مجموعات كبيرة، حتى تكوَّنت الأناجيل في القرن الثاني التي كانت تُعدُّ بالعشرات، ثم اختارت الكنيسة أربعةً منها، ما يتَّفِق مع عقائدها وقنَّنتْها في القرن الرابع،١٨ وأصبح منهج التفسير — كما وضعه بولنمان — هو إرجاع النصِّ إلى التحليل الوجودي للإنسان، بعد أن تتبَّع نشأته، ونشأة الأسطورة التي يُعبِّر النصُّ عنها.

ولكن الذي يُميِّز نقد سبينوزا هو جمعُه بين كلِّ أنواع النقد هذه التي ظهرتْ في القرون الثلاثة الماضية، فهو نقد عقلي يقوم على استعمال العقل الرياضي الهندسي، كما هو الحال في كتاب «الأخلاق»، وهو نقدٌ إنساني يقوم على استِعمال النُّور الفِطري كنُور طبيعي في الإنسان، ويهدف إلى تحليل القوى الإنسانية من إدراكٍ وتخيُّل وانفعال، وهو أيضًا نقْد عِلمي يدرُس النص الدِّيني كما تُدرَس الظاهرة الطبيعية ويحاول إخضاعه لقواعد ثابتة، والوصول إلى قوانين لتطوُّر الراوية كما يُخضِع العالِم الظاهرةَ الطبيعيَّةَ لقواعد المنهج العِلمي، ويصِل إلى قوانين تحكُم الظواهر، فالناقد كالعالِم سواء بسواء، كلاهما يدرُس الظاهرة التي أمامَه، ويحاول الوصول إلى قوانينها التي تحكُمها. وقد كان نقد سبينوزا سببًا في نشأة حركة التنوير في اليهودية قبل أن تبدأ، وما زال أحد دعائم التجديد الدِّيني على الإطلاق.

والنقد التاريخي سابق على الإيمان بالمصدر الإلهي للكتاب المُقدَّس، وهو الضامِن لصحَّته من حيث هو وثيقة تاريخية تحتوي على الوحي الإلهي، وتحتاج إلى تحقيقٍ تاريخي مضبوط. يرفُض سبينوزا وجهة النظر المُحافظة التي تُثبِت المصدر الإلهي للكتاب قبل تطبيق قواعد المنهج التاريخي، وتكون مهمَّة النقد في هذه الحالة تبرير مُحتوى الكتاب، بما فيه من خلْق جماعي، وأساطير دخيلة من البيئات المُجاورة؛ لذلك أصرَّ بعضُ النُّقَّاد على أنَّ الناقد يجِب أن يترُك إيمانه جانبًا، بل اشترط البعض الآخَر أنَّ الناقد لا بدَّ أن يكون لا إيمان له حتى لا يتدخَّل إيمانه في تزييف البحث التاريخي.١٩

يُدرك سبينوزا أهمية هذا العِلم الجديد، هذا العلم الذي جهِله القُدماء أو الذي ضاع منه جزءٌ كبير لم يَصِلنا منه شيء. مهمَّة العصر الحديث إذن هي وضع قواعد هذا العِلم وتكمِلتِها ورفض الزائف منها، مع أنَّ ذلك يبدو مُتأخِّرًا للغاية، إذ لم يعُدِ الناس يتقبَّلون بسهولةٍ تحكيم العقل في الكتاب وتطبيق قواعد المنهج التاريخي على الروايات.

ويُحلِّل سبينوزا أسفار التَّوراة سفرًا سفرًا، مُبينًا نصيب كلٍّ منها من الصحَّة التاريخية. فالأسفار الخمسة Pentateque لم يكتُبها موسى، بالرغم من تأكيد الفريسيِّين ذلك، حتى أنَّ ابن عزرا، وهو العالِم الناقِد الحُر، لم يَجرؤ على الجهار بذلك. كَتَب الأسفارَ الخمسة إنسان آخَر، عاش بعد موسى بمدَّةٍ طويلة، وذلك لبعض الأسباب التي يذكُرها ابن عزرا مثل:
  • (أ)

    لم يكتب موسى مُقدِّمة سفر التثنية لأنه لم يَعبُر نهرَ الأردن.

  • (ب)

    كان سفر موسى مكتوبًا على حائط المَعبد الذي لم يتجاوَز اثنَي عشَرَ حجرًا، أي أنَّ السِّفر كان أصغرَ بكثيرٍ ممَّا لدَينا الآن.

  • (جـ)

    قيل في سفر التثنية: «وقد كتَبَ موسى التَّوراة.» ولا يمكن أن يقول موسى ذلك إن كان هو كاتِبَها.

  • (د)

    في سفر التكوين، يُعلِّق الكاتب قائلًا: «وكان الكنعانيُّون في هذه الأرض.» ممَّا يدلُّ على أن الوضع قد تغيَّر وقت تدوين الكاتِب هذا السِّفر، أي بعد موت موسى وطرْدِ الكنعانيِّين، وبذلك لا يكون موسى هو الراوي.

  • (هـ)

    في سفر التكوين سُمِّي «جبل موريا» جبل الله، ولم يُسمَّ بهذا الاسم إلَّا بعد بناء المَعبد، وهو ما تمَّ بعد عصر موسى.

  • (و)

    في سفر التثنية، وُضِعت بعض الآيات في قصة أوج، تُوحي بأنَّ الرواية كُتِبت بعد موت موسى بمدَّة طويلة؛ إذ يروي المُؤلِّف أشياء حدثت مُنذ زَمَنٍ بعيد.

ثم يُضيف سبينوزا على ملحوظات ابن عزرا هذه ملحوظاتٍ أخرى:
  • (أ)

    كتابة الأسفار بضمير الغائب، وليس بضمير المُتكلِّم.

  • (ب)

    مُقارنة موت موسى ولحدِه والحُزن عليه بمَوت الأنبياء التالِين له.

  • (جـ)

    تسمية بعض الأماكن بأسماء مُختلفة عمَّا كانت عليها في عصر موسى.

  • (د)
    استمرار الرواية في الزمان حتى بعد مَوت موسى.٢٠

وقد كان موسى يقرأ «سِفر العهد» على الشعب، وهو السِّفر الذي أملاه الله عليه في جلسةٍ قصيرة، ممَّا يدلُّ على أنَّ ما كتَبَه موسى أقلُّ بكثيرٍ ممَّا لدَينا الآن، ثُمَّ شرح هذا السفر الأول، ودوَّن شرحه في سِفر «شريعة الله»، ثم أضاف عليه يشوع شرحًا آخَر. وقد ضاع هذا السِّفر الذي يجمع بين سِفر موسى وسِفر يشوع، أما السِّفر الأصلي، فقد أُدخِل في الأسفار الخمسة التي لدَينا الآن، ولا يُمكن التَّمييز بينهما.

ولم يكتب يشوع السفر المُسمَّى باسمه، بل كتَبَه إنسان آخَر، أراد كتابة سيرته، وإثبات فضله وشُهرته، وتمَّت الرواية إلى ما بعد مَوته بقرونٍ عدَّة، ويُوجد جُزء من هذه الرواية في سِفر القُضاة، ممَّا يدلُّ على أنه كانت هناك روايات من قبل ضُمَّت إلى العهد القديم، باعتباره تاريخًا وطنيًّا لبني إسرائيل، أو سِجِلًّا قوميًّا لهم.٢١
ولا يظنُّ أحدٌ ذو عقل سليم أنَّ القضاة أنفسهم هم الذين كتَبوا سِفرهم؛ لأنَّ مُقدمة الإصحاح الحادي والعشرين تدلُّ على أنَّ كاتبًا واحدًا قد كتبَه، ويُعلن هذا الكاتب أنه في زمانه، لم يكن هناك أيُّ ملك من ملوك بني إسرائيل، مما يدلُّ على أنه لم يُكتَب بعد أن استولى الملوك على السلطة.٢٢
ولم يكتُب صموئيل سِفره؛ لأن الرواية تمتدُّ إلى ما بعدَ موتِهِ بقرونٍ عديدة.٢٣
ولم يكتب الملوك أنفسهم سِفر الملوك، بل أُخذ، باعتراف الملوك أنفسهم، من كُتب حُكم سليمان، وأخبار ملوك يهوذا، وأخبار ملوك إسرائيل، والتي تروي قصصًا قديمة سابقة على عصر كاتب السِّفر.٢٤
وقد كتب هذه الأسفار كلَّها مُؤلِّف واحد، أراد أن يقُصَّ تاريخ العبرانيين منذ نشأتهم حتى تخريب المدينة الأول، ويتَّضِح هذا من تتابُع الروايات، والربط بينها، وتحديد غايةٍ مُعينة له، جعلت الأسفار تتميَّز بخصائص ثلاث: وحدة الغرَض، وارتباط الرِّوايات، وتدوينها المُتأخِّر بعد الحوادث بعدَّةِ قرون. ويظنُّ سبينوزا أنه عزرا Esdras؛ لأن الرِّوايات كلها تنتهي قبله، ويذكُر الكتاب أنَّ عزرا قد أعمل كلَّ جُهده في البحث في الشريعة وفي عرضِها، ويذكُر عزرا في السِّفر الذي يحمِل اسمه بالشهادة نفسها، بأنه قد وهَبَ حياته لتنقية الشريعة وعرضِها، وهذا ما يُفسِّر لنا سِرَّ الإضافات على سِفر التثنية كما لاحَظَ ابن عزرا ذلك واختلاف صِيغة الوصايا العشر في التثنية عنها في الخروج، وكذلك التغييرات التي طرأتْ على النص الأصلي. وقد سُمِّيت الأسفار بأسماء الأنبياء لأنَّ النبي هو الشخصية الرئيسة التي يدور حولها السِّفر كله، فالأسفار الخمسة تدور حول موسى، ثم نُسِبت إليه، والسِّفر السادس يدور حول يَشوع فنُسِب إليه، والسابع حول القُضاة فسُمِّي سِفر القضاة، والثامن حول روث فسُمِّي سِفر روث والتاسِع والعاشر حول صموئيل فسُمِّيا سِفر صموئيل الأول والثاني، والحادي عشر والثاني عشر حول الملوك فسُمِّيا سِفر الملوك الأول والثاني.
ولكن هل الكاتب عزرا هو من أعطى الروايات صِيغتَها النهائية؟ لم يكن عزرا هو من أعطى هذه الأسفار صيغتَها النهائية، بل اقتصر عملُه على جمع الروايات من كُتب أخرى، ونسْخِها، ونقلِها دون ترتيبٍ أو تحقيق، ممَّا يُفسِّر وجود الروايات نفسها بألفاظٍ مُختلفة في عددٍ من الأسفار، كما تُثبتُ ألفاظ الرواية أنها كانت مكتوبةً بعد أن حدَثَت الوقائع بزمنٍ طويل. هذا الاضطراب الزماني Anachronisme هو الوسيلة التي يتَّبِعها سبينوزا وكلُّ النقَّاد في التعرُّف على زمن كتابة الرواية، والشكِّ في نِسبتها إلى مُؤلِّفها المَعروف.٢٥

ولقد نقل عزرا هذه الروايات في نصِّه دون تحقيق، وكثير من الروايات مُستقاة من كتُب المؤرِّخين، وهذا يُفسِّر اختلافاتها فيما بينها، فمثلًا نجد في الأسفار الخمسة خلطًا بين الروايات والوصايا بلا ترتيب، كما نجد الاضطراب الزماني، وتكرار القصص نفسها مع اختلافات جوهرية في الألفاظ، ممَّا يؤكِّد أننا أمام مجموعة من النصوص المجموعة بلا فحْص أو ترتيب. وهذا موجود أيضًا في الأسفار السبعة التالية حتى هدم المدينة؛ لذلك جاءت النصوص منقوصةً ومُتعارضة؛ لأنها مأخوذة من مصادر مُتعدِّدة، ولم ينجح الأحبار في مُحاولاتهم للتوفيق بينها. لقد جهل العبرانيُّون الأوائل لُغَتَهم، ولم يعرفوا كيفية وضع نظامٍ في الرواية، ولم يكن هناك منهج أو قاعدة تُتَّبَع في تفسير الكتاب، وكان كل راوٍ أو كاتب يُفسِّر حسب هواه، ولم تحفظ الأجيال الماضية هذه الأسفار حتى تسرَّبَت الأخطاء إليها، فلقد لاحظ النُّسَّاخ الأوائل صِيغًا مشكوكًا فيها، وفقراتٍ ساقطة دون أن يُحصُوها كلها. ولا تُوجَد أخطاء كثيرة في النصوص التي تحتوي على التعاليم الخَلقية، أو هناك أخطاء ولكن لا تؤثِّر في جوهر هذه التعاليم، واتِّفاق الروايات مع بعضها البعض. وفيما عدا ذلك، هناك أخطاء كثيرة يدَّعي المُفسرون المُتحذلقون أنها أسرار إلهيَّة، أبقاها الله في الكتاب بعناية، فيؤوِّلون النقاط والحروف والعلامات، حتى المسافات البيضاء التي يترُكها النُّسَّاخ، وهذا كله ادِّعاء كاذب، ويُناقض العقل، فلا تُوجَد أية أسرارٍ في الكتاب، كما تدَّعي القبالة. أما التعليقات الهامشية، فهي صِيَغ مشكوك فيها، أراد الناسخ وضعَها في الهامش لقراءاتٍ مُحتملة إذا التبسَتْ عليه الحروف — ولم يضعه الأنبيا أو الرُّواة كما يدَّعي الفريسيون — حتى يختار القرَّاء إحداها، وقد تكون أخطاء عن غَير عمْد، لم يشأ الناسخ تركَها؛ لأنها جزء من الوحي، والحقيقة أنَّ قراءات الهامش تحتوي على بعض الكلمات القديمة التي لم تعُد تُستعمَل أو بعض الكلمات المكشوفة التي تَحرَّج الناسخ من وضعها في النص، ومع ذلك، فهي صِيَغ مشكوك فيها بالرغم من اتِّفاق بعضها مع قواعد اللغة العبرية أكثر من اتِّفاق النصِّ الأصلي معها؛ لذلك رفضَها الماسوريون. ويُوجَد أكثر من صيغة، ولكنها لم تصِل إلينا. وممَّا لا شكَّ فيه، أنه كانت هناك صِيغتان على الأقلِّ للنص، بسبب استبدال الحروف، ولأنَّ الناسخ لم تكن لدَيه إلَّا نُسَخ قليلة، نُسختان أو ثلاث على الأكثر، ولم يكتُب عزرا نفسه شيئًا من هذه القراءات، ولم يشأ النُّسَّاخ تغييرها بدافعٍ من الورَع الديني.

خلاصة القول إنَّ أسفار الكتاب المُقدَّس لم يكتُبها مؤلِّف واحد في عصرٍ واحد لجمهور واحد، بل كتبَها مؤلفون كثيرون في عصورٍ مُتعاقِبة لجماهير مُختلفة في المِزاج والتكوين، ويمتدُّ التدوين إلى ألفي عام وربما أكثر من ذلك.٢٦
فإذا فحصْنا باقي أسفار الكتاب سفرًا سفرًا، وجدْنا أن سِفر أخبار الأيام قد كُتب بعد موت عزرا بمدةٍ طويلة، وربما بعد إعادة بناء المعبد، ونجهل مؤلفه ومقدار سُلطته، وفائدته، وعقيدته، بل إنَّنا لنعجَب من إدخال هذا السفر في الكتاب المُقدس، واستبعاد سفر الحِكمة، وسفر طوبيا، وغيرها من الأسفار التي يُقال عنها أنها مُنتحلة.٢٧
وقد جُمع سفر المزامير، وقُسِّم إلى خمسة أجزاء بعد بناء المعبد.٢٨
كذلك جُمعت الأمثال في الوقت نفسه، وقد أراد بعض الأحبار استبعاده مع سفر الجامعة من الكتاب المُقدس، والإبقاء على الأسفار الأخرى التي تنقُصنا، والتي لا نعلم عنها شيئًا، فضلًا عن أنَّ هناك شكًّا في نقلها لنا نقلًا حرفيًّا.٢٩ وهذا يدلُّ على أن التقنين لم يخضع لمناهج النقد التاريخي، بل لاختيار البشر. فقد اختار الفريسيون، وهم حفَظة التُّراث، ما شاءوا واستبعدوا ما شاءوا، بناءً على ما يتَّفِق وعقائدهم، كما رفض الصدوقيُّون الأسفار التي تتحدَّث عن حشْر الأجساد؛ لذلك لا بدَّ من إثبات سُلطة كلِّ كتابٍ على حدة، إذ لا يكفي إثبات المصدر الإلهي للكتاب ككُل حتى تثبُت سُلطة الأسفار كلٌّ على حِدة.
أما أسفار الأنبياء، فإنها قد أُخذت من كُتب أخرى، وهي تتبع ترتيبًا مخالفًا للترتيب الزمني لظهور الأنبياء أو الترتيب الزمني لظهور كلامهم وكتاباتهم، كما أنها لا تحتوي على جميع الأنبياء بل على بعضٍ منهم، وجد هنا وهناك، ولا يحتوي كلُّ سِفرٍ على كل النبوة، بل على أجزاء منها فقط.٣٠
بدأ أشعيا نبوَّته واستمرَّت حتى بعد انتهاء السِّفر، ومع أنَّ هذا السفر أسطورة إلَّا أنه ناقِص.٣١
وسفر إرميا مجموعة مأخوذة من كُتُب أخرى مُتعددة، ويكون خليطًا من نصوص بلا ترتيب، ودون مُراعاة للأزمنة، وبعض الإصحاحات مُستمَدٌّ من سِفر باروخ، وذلك يدلُّ على أنه لم يكن هناك فصل حادٌّ بين أسفار الأنبياء، كما يدلُّ على وجود مصادر أخرى تشمل روايات تُوضَع في هذا السفر أو في ذاك، وهو ما يُفسِّر تكرار النصوص في الأسفار المُختلفة، كما هو الحال في الأناجيل المُتقابِلة (متى، مرقص، لوقا).٣٢
أما سفر باروخ، فيُقال إنَّ إرميا نفسه هو الذي أملاه عليه، ولا يذكُر سفر باروخ إلَّا جزءًا من نبوَّة باروخ.٣٣
وتدلُّ الإصحاحات الأولى من سفر حزقيال على أنه مجرَّد شذرات، كما تكشِف حروف العطف عن الأجزاء الناقصة، بل إنَّ أول السِّفر يدلُّ على استمرار النبوَّة لا على بدئها. ويذكر يوسف في تاريخه بعض الوقائع عن حزقيال لا يذكُر عنها السِّفر شيئًا. ونظرًا لتعارُضه مع الأسفار الخمسة، فقد مال بعض الأحبار إلى رفضه، وإخراجه عن مجموعة الأسفار المُقنَّنة.٣٤
أما سفر هوشع فقد كُتِب بعد موت هوشع بمدَّة طويلة، ولا يذكر السِّفر إلَّا جزءًا ضئيلًا من نبوَّته، مع أنَّ هوشع قد عاش حوالي أربعة وثمانين عامًا على ما يذكُر الكتاب.٣٥
ولم يذكر سِفر يونان (يونس) إلَّا نبوَّته لليونانيين، مع أن يونان قد تنبَّأ أيضًا للإسرائيليين.٣٦
أما سِفر أيوب، فيظنُّ البعض أن موسى هو مُؤلِّفه، وأنَّ القصة كلها مثَل، وهذا هو رأي موسى بن ميمون وبعض الأحبار، ويظنُّ البعض الآخر أنَّ القصة حقيقية، ويرى ابن عزرا أن السِّفر قد تُرجِم إلى العبرية من لغةٍ أخرى، ويفترِض سبينوزا أنَّ أيوب كان وثنيًّا، وكان شقيًّا في حياته، ثُمَّ أصبح سعيدًا في النهاية. وقد أعطتْ هذه القصة الفرصة للكاتب لمناقشة العناية الإلهية في حوارٍ مع إنسانٍ مُتأمِّل لا مع مريضٍ شقي. وممَّا يؤكد رأي ابن عزرا، أنَّ هناك تشابهًا بين سِفر أيوب وسِفر الوثنيِّين.٣٧
وقد كتب دانيال سفره ابتداءً من الإصحاح الثامن، أما الإصحاحات السبعة الأولى فمجهولة المُؤلِّف، وربما كُتبت باللغة الكلدانية، وهذا لا ينفي قُدسيَّتها؛ لأنَّ الوحي وحيٌ بالمعنى لا باللفظ.٣٨
أما سفر عزرا، فإنه يأتي مباشرةً بعد سِفر دانيال، كحلقةٍ تابعة له، ويقصُّ تاريخ العبرانيين منذ الأسر الأول، ويوحي السفر بأن كاتبيها واحد.٣٩
ويرتبط سفر أستير الأول بسفر عزرا، ويدلُّ على ذلك طريقة الربط بينهما، وهو سفر آخر غير الذي كتَبَه مردخاي، فقد فُقِدَ هذا السِّفر الأخير على ما يَظنُّ ابن عزرا، ومُؤلِّفه هو نفس كاتب أسفار دانيال وعزرا ونحميا المُسمَّى بسِفر عزرا الثاني.٤٠ هناك إذن مُؤلِّف واحد للأسفار الأربعة: دانيال وعزرا واستير ونحميا، وقد أخذ المؤلِّف معلوماته من سجلَّات الأحبار والقُضاة والأمراء الذين كانوا يَحتفِظون فيها بأخبارهم، كما كان يفعَلُ الملوك. وقد ذُكرت هذه السجلَّات في أسفار الملوك، كما ذُكرت سجلَّات الأمراء في سفر نحميا الأول وفي سفر المكابيين الأول. ومن المُحتمَل أن تكون هذه الأسفار من وضع الصدوقيِّين، وهو ما يُفسِّر رفض الفريسيِّين لها، وتحتوي على بعض الأساطير الموضوعة عن عمْد. قد تكون الغاية من هذه الأسفار البرْهنة على تحقُّق نبوَّة دانيال، ولكنَّها مملوءة بالأخطاء التي ترجِع إلى تسرُّع النُّسَّاخ، وفي التعليقات الهامشية كثير من هذه الأخطاء. وقد نُقلت هذه النسخ من أصولٍ غير صحيحة، وغير موثوق بها، كما يشهد بذلك الجدُّ سليمان، وكلُّ محاولة يقوم بها البعض للتوفيق بينها تكشِف مزيدًا من الأخطاء.
وسفر المكابيين الأول مأخوذ من أخبار ملوك اليهود، هذه الأخبار التي عُنِي الكتَبَة والمؤرِّخون بتدوينها، وهي مذكورة في سفر الملوك الأول، وأخبار الأمراء، والأخبار مذكورة في سفر نحميا، وفي سفر المكابيِّين الأول.٤١
ولم يحدُث تقنين لأسفار العهد القديم قبل عصر المكابيين. وقد اختِيرت في المعبد الثاني، وهم الذين وضعوا الأقوال في الصلاة. ويُشير الفريسيون أنفسهم إلى اجتماعهم لأخذهم قرار التقنين مع ما يتفق مع عقائدهم.٤٢

خامسًا: منهج التفسير

إذا كان الشعور الدِّيني ذا أبعادٍ ثلاثة: الشعور التاريخي، ووظيفته نقْل الوحي شفاهيًّا أم كتابيًّا، وضمان صحَّتِه وضبطه عبر التاريخ، والشعور الفكري، ومهمَّته فهم الوحي — بعد التأكُّد من صحَّته — وتفسيره، وتحويله إلى أسس نظرية للسلوك، وأخيرًا الشعور العملي، ومهمَّته تحويل الوحي — بعد التأكد من صحته وفهم معناه — إلى أنماط للسلوك، وإلى مناهج عملية في الحياة حتى يُصبح الوحي نظامًا للعالم، ويتم تحقيق الوحدة بين الفكر والواقع، أو بين الروح والطبيعة، أو إنْ شئنا، بين الله والعالم،٤٣ فإن سبينوزا لا يخرج عن هذا التقسيم، فيدرُس النبوَّة أولًا كشعورٍ تاريخي، ثم يدرُس مناهج التفسير كشعورٍ فكري، ثم ينتهي بعد ذلك إلى السلوك والحياة العملية في دراسته للصِّلة بين الدِّين والدولة، ونظام الحُكم الأمثل في الشعور العملي.٤٤ ومع ذلك، فالتفسير عند سبينوزا هو المسألة العامة التي تضمُّ كثيرًا من المسائل النقدية والعملية على السواء.

والتفسير ليس حكرًا على فردٍ مُعين، أو على سلطة بعينها، بل لكلِّ فردٍ الحرية المُطلقة في أن يُفسِّر كما يشاء، وفي أن يُؤمِن وأن يتصوَّر العقائد كما يُريد، وفي أن يُفسِّر الكتاب على مُستوى فهمه؛ إذ إنَّ الكتاب نفسه قد دُوِّن على مستوى فهم العامة، وطبقًا لآراء الأنبياء، ومُعتقدات الرُّواة. يرفض سبينوزا سُلطة الكنيسة في التفسير، وما تدَّعِيه من حقٍّ في تفسير الكتاب المُقدَّس، كما رفضَها لوثَر من قبل، فالله لا يُحرِّم على الفرد حُريَّة البحث ولا يمنعه حقَّه في التفكير والفَهم والتفسير. وبناءً على ذلك، لا يحقُّ لنا اتِّهام مُؤسِّس الفرق الدينية بالكفر. إذن هم كيَّفوا الكتاب حسْب عقائدهم الخاصة، بما أنه قد تكيَّف من قبلُ حسب عقلية الأنبياء، وحسب التكوين النفسي للجماهير في عصره. ولكن يُعاب عليهم منعهم الآخرين حرية البحث والتفكير، واعتبارهم أعداء لله وللبشر؛ لأنهم يختلفون معهم في الآراء والمُعتقدات، حتى ولو كانوا يعيشون عيشة الفضيلة الحقَّة، واعتبارهم أصفياء الله، إذا اتَّفقوا معهم في العقائد والمُعتقدات، حتى ولو كان سلوكهم مُشينًا. وهذا كلُّه ممَّا يجلُب الشقاء للفرد وللجماعة.

ويعتمد سبينوزا في تحليله للكتاب على المبدأ البروتستانتي «الكتاب وحده» Sola Scriptura، دون الالتجاء إلى سُلطة آباء الكنيسة أو التُّراث المسيحي إبان العصور؛ لذلك يملأ سبينوزا الرسالة بالشواهد النقلية من الكتاب المقدس ولا يُضيف على أقوال الأنبياء شيئًا، ولو أنه يلجأ في بعض الأحيان في دراسته لتاريخ العبرانيين إلى التُّراث اليهودي أو لبعض النظريات الفلسفية عن ابن عزرا أو ابن ميمون أو البكار.

ويرفض سبينوزا كلَّ التفسيرات التي تقوم على الهوى وعلى الخُرافة وعلى الأوهام، فهي كلها بِدَع تُؤخَذ على أنها كلام الله، ويُجبَر الآخرون على الاعتقاد بها. وتلجأ بعض هذه التفسيرات إلى السُّلطة الإلهية حتى لا يُظهِر الآخرون أخطاءها، ويقوم البعض الآخر على الإيمان بالخُرافات واحتقار العقل، ويعتمِد البعض الثالث على الأسرار والغموض والاشتباه على التأويلات والتخريجات، وإخراج الكلِم عن مواضعه، ووضع مُعتقدات لا عقلية صادرة عن انفعالات النفس.

لذلك يقترح سبينوزا منهجًا آخر لتفسير النص مِثل منهج تفسير الطبيعة، يقوم على الملاحظة والتجربة، وعلى جمع المُعطيات اليقينية، ووضع الفروض، واستخلاص النتائج. وفي حالة الكتاب يكون منهجًا لاستِقصاء الحقائق التاريخية اليقينية، والانتهاء منها إلى أفكار مُؤلِّفي الأسفار، وبذلك نضمَن صحَّة النتائج، كما نضمن صحَّة المعرفة التي نحصُل عليها بالنُّور الفطري. مع أنَّ الكتاب يُعالج كثيرًا من الموضوعات التي لا يمكن معرفتها بالنُّور الفطري، مِثل قصص الأنبياء ووحْيِهم وقصص المُعجزات، أي الروايات عن وقائع خارِقة للعادة في الطبيعة تكيَّفت حسب آراء الرُّواة وأحكامهم السابقة، هؤلاء الذين نقلوها أو دوَّنوها، والوحي الذي تكيَّف مع آراء الأنبياء، أي بعض الموضوعات التي تتعدَّى حدود المعرفة الإنسانية، بمعنى أنها تتطلَّب استقصاءً تاريخيًّا؛ لذلك يجب أن نستخلِص معرفتنا بالطبيعة من الطبيعة نفسها. ومع أنَّنا نستطيع إثبات التعاليم الخلقية بالأفكار الشائعة إلَّا أننا يجِب علينا استخلاصها أيضًا من الكتاب نفسه. ومع أن هذه التعاليم الخلقية لا المُعجزات، يُمكنها إثبات المصدر الإلهي للكتاب، إلَّا أن منهج تفسير الكتاب يجِب أن يقوم على فحص الرُّوايات، كما يقوم المنهج الطبيعي على فحص الظواهر الطبيعية بأقصى درجةٍ من الوضوح.

ويتضمَّن البحث التاريخي خطواتٍ ثلاثًا:
  • (١)

    معرفة خصائص وطبيعة اللغة التي دُوِّنت بها أسفار الكتاب المُقدَّس، والتي تحدَّث بها مؤلفوها، وبذلك يُمكننا معرفة معاني النصوص حسْبَ الاستعمال العُرفي لها. ولمَّا كانت اللغة العبرية لغة الكلام والتدوين يجِب إذن معرفة اللغة العبرية للعهدَين القديم والجديد.

    ولكن هذه الخطوة يصعُب القيام بها، كما أنها تتطلَّب شرطًا يصعُب تحقيقه؛ فليس لدَينا معرفة كاملة باللغة العبرية، ولم يترُك القدماء لنا شيئًا مضبوطًا، فلم يترُك لنا علماء اللغة معاجم وكُتبًا نعرِف منها مبادئ اللغة العبرية، أو قواعد اللغة، أو في الخطابة، فقد فقدَتِ الأُمَّة العبرية كلَّ شيء، ولم يبقَ إلَّا بعض المنوعات الأدبية، وضاعت أسماء النباتات والحيوانات والطيور والأسماك، وهناك أسماء وأفعال كثيرة في التوراة مجهولة أو مشكوك فيها، كما لا نعلَم أساليب اللغة وطُرق بيانها بعد أن طواها النسيان؛ لذلك لا نستطيع معرفة معاني النصوص طبقًا لاستعمال الكلمات، فهناك كلمات معروفة للغاية، ولكن معناها غامض، لا يُمكن العثور عليه. هذا بالإضافة إلى طبيعة هذه اللغة نفسها وعباراتها الغامضة التي لا يمكن لأي منهج توضيحها. ومن أسباب هذا الغموض:
    • (أ)

      استبدال الحروف التي لها المخرج نفسه، الشفاه، الأسنان، الحنجرة، اللسان، الحلق.

    • (ب)

      غياب الأزمنة (الحاضر، الماضي الناقص، الماضي التام، المستقبل السابق) في الصيغة الإخبارية، وغياب جميع الأزمنة إلَّا الحاضر في صيغة الأمر والصيغة المصدرية، وغياب الأزمنة جميعها في الصيغة الإنشائية.

    • (جـ)

      غياب الحروف المتحركة.

    • (د)

      غياب التنقيط والتشكيل لبيان أجزاء الكلام، وقد وُضِع فيما بعد، ممَّا يدعونا إلى الشكِّ في القراءات الحالية.

    بالإضافة إلى ذلك، تُواجِهنا صعوبة لغوية أخرى، وهو أنَّنا لا نملك أسفار الكتاب بلُغتِهِ الأصلية التي كُتبَت بها أول مرة خاصَّةً العهد الجديد، فقد كُتِب إنجيل متى ورسالة بولس إلى العبرانيين باللغة العبرية، وضاع النص الأصلي، كما لا نعلَم بأية لُغة كُتب سِفر أيوب؛ إذ يؤكد ابن عزرا أنه كُتب بلغة أخرى، ثم تُرجِم إلى العبرية.٤٥
  • (٢)

    جمع النصوص وفهرستها في موضوعات رئيسة، حتى يُمكن استعمال النصوص التي تتعلَّق بالموضوع نفسه مرَّةً واحدة. يجِب إذن تحويل الكُتب المقدَّسة إلى معاجم مُفهرسة، حتى يسهُل استعمالها حسْب الموضوع، كما يُمكن تبويب الآيات حسْب الوضوح والغموض، فتوضع الآيات الواضحة معًا والمُتشابهة معًا. ويعني الوضوح هنا فَهم النصِّ حسب السياق، وليس حسب العقل؛ لأنَّ مهمَّة التفسير فَهم النص، لا معرفة الحقيقة، كما لا ينبغي الخلْط بين فَهم النص وإدراك الأشياء الطبيعية، حتى لا نخلِط بين معنى الآية وحقيقة الأشياء، علينا فقط الاعتماد على اللغة، أو على الاستدلالات، ابتداءً من الكتاب. فمثلًا «الله نار» آية واضحة مع أنه معناها مُعارض للعقل وللنُّور الطبيعي؛ لذلك يجِب وضعها في قِسم الاستِعارة. وإذا كانت هناك بعض الآيات مُتَّفقة مع العقل، ولم نستخلِص معناها من الكتاب، يجِب التوقُّف عندها؛ إذ إنَّه لا ينبغي الابتعاد عن المعنى الحرفي للآية والاستِعمال اللُّغوي، بصرف النظر عن اتفاقها أو اختلافها مع العقل.

    لا توجد طريقة إذن لتحديد معنى النصوص إلَّا طريقة جمع النصوص وهي طريقة لا تُوضِّح النصوص الغامِضة إلَّا مُصادفة، وهي طريقة مُجدية للتعرُّف على فِكر الأنبياء، فيما يتعلَّق بالأمور غير الحِسِّية، والتي لا تُدرَك إلَّا بالخيال، أما ما يُمكن إدراكه بالذهن، أي الأمور النظرية، والتي نستطيع تصوُّرها بسهولة مثل التعاليم الخلقية، فهي عامة بسيطة سهلة، لا تحتاج إلَّا إلى النُّور الفطري.

    ولا يجوز في جمع النصوص وضع الآيات الواضحة مع الآيات الغامضة، حتى يُمكن تفسير الثانية بالأولى، وإلَّا قام التفسير حسب الهوى. فإذا كان النص صريحًا على أن الشمس تدور حول الأرض، فلا يَجوز التعسُّف في التفسير، وإخفاء معناه، أو تحويله إلى معنًى آخَر حتى يتَّفِق مع الحقيقة العلمية، فلم يكن يشوع، وهو الذي تحدَّث في هذا النص، عالمًا في الفلك، لا يجوز إذن إخراج الكلِم عن مواضعه، وتأويل النص، والتعسُّف معه، وتحميله أكثر مما يحتمِل.٤٦
  • (٣)

    معرفة الظروف والمُلابسات التي كُتبت فيها الرواية، أي معرفة حياة مُؤلِّف السفر، وتقاليده، وأخلاقه، والغاية من السِّفر، ومُناسبته، وعصره، ولُغته، ثم مصير السِّفر نفسه؛ جمعه، ونقلُه، ونَسخُه، والاختلافات بين النُّسخ، وتقنينها، وتحليلها؛ حتى يمكن التفرقة بين آيات التشريع وآيات الأخلاق، وحتى نستطيع التعرف على موهبة المُؤلِّف الأدبية، وحتى لا نخلِط بين التعاليم الوقتية والتعاليم الإلهية الأميرية، وكل ذلك حتى يُمكننا أخيرًا تحديد درجة سُلطته، والوثوق بالسِّفر، فلربما غيرته يدٌ آثِمة عن عمد، أو دخله التحريف والتغيير والتبديل.

    ولكن أمام هذه الخطوة صعوبات جمَّة؛ وذلك لأنَّنا نجهل الظروف الخاصَّة لكلِّ الأسفار المقدسة، كما نجهل مُؤلِّفي كثيرٍ من الأسفار، كما نجهل كاتبيها، وموضوعاتها، ومُناسباتها، ورُواتها، ومن وقعَتْ في أيديهم، وعدد نُسَخها، والاختلافات بينها، ومصادرها، خاصَّةً إذا كانت تروي أشياء غامضة، لا يُمكن إدراكُها أو تصديقها، ما دُمنا نجهل قصْد مؤلِّفها. فإذا عرفْنا كلَّ ذلك، يُمكننا أن نتخلَّص من أحكامِنا السابقة، نفهم النصَّ كما أراده مُؤلِّفُه، ولا نحكُم عليه سلفًا بأنها أسطورية أو سياسية أو دِينيَّة.

وبعد القيام بهذه الخطوات الثلاث من البحث التاريخي، نبدأ في دراسة فِكر الأنبياء والرُّوح القدس. وكما نفعل في الطبيعة عندما نبدأ بدراسة أكثر الأشياء عمومية، مثل الحركة والسكون، كذلك نفعل في الكتاب بدراسة أكثر الأشياء عمومية، وهو ما أوحى به جميع الأنبياء كعقيدةٍ أبدية نافِعة للبشر جميعًا؛ أي وجود الله القادر الذي تجِب عبادتُه وحدَه، والذي يرعى كلَّ شيء، ويُحِبُّ من يُحبُّون الجار كحُبِّهم لأنفسهم،٤٧ أما طبيعة الله، فيختلف الأنبياء عليها، ويمكن للفيلسوف دراستها بالنُّور الفطري، وبعد ذلك يُمكن الانتقال إلى موضوعاتٍ أقلَّ شمولًا، مِثل السلوك في الحياة، وهو ما يُمكن استنباطُه من المبادئ العامَّة الأولى، ونُوضِّح كلَّ ما تشابَهَ منه باللُّجوء إلى هذه المبادئ العامَّة. فإذا حدَثَ تعارُض، فإنه يُمكن حلُّه عن طريق معرفة المناسبة والزمان والمكان الذي كُتبت فيه هذه النصوص، أي عن طريق الرُّجوع إلى الموقف التاريخي الذي نشأ فيه النص.٤٨ ففي كثير من الأحيان يتحدَّث المسيح كداعٍ للخير، لا كمُشرِّع، ويُريد تطهير النفس، لا تصحيح الأفعال. فالدعوة إلى التسامُح تكون في عصر الاضطهاد، والدعوة إلى العدْل تكون في دولةٍ لا يكون للمُواطنين فيها الحقوق نفسها، وهذا ما يقتضيه النُّور الفِطري أيضًا.
ومن الصعب دراسة الأمور النظرية المحْضة؛ إذ لم يتَّفِق الأنبياء عليها فيما بينهم، بعد أن تكيَّفت رُواياتهم حسْب آرائهم السابقة في عصرهم.٤٩ فلا يجوز استنتاج أقوال نبي من نصوصٍ واضحة لنبيٍّ آخَر إلَّا بعد إثبات تطابُق وجهتَي نظرِهم.
ودراسة الأشياء من العام إلى الخاص دراسة نظرية محْضة للوحي،٥٠ إذ نبدأ بدراسةٍ بتعريف النبي والوحي والمُعجزة. وفي دراسة النبوَّة لا يجوز الخلْطُ بين فِكر النبيِّ وفكر الراوي، كما لا يجوز الخلْط في الوَحي بين ما سمِعَه الأنبياء بالفعل وبين ما أرادوا التعبير عنه بالصُّوَر الذهنية.

والذي يُعطينا مِقدار الصحَّة التاريخية للنصِّ هو منهج التفسير (ويعني به سبينوزا منهج النقد التاريخي). أما السُّنة النبوية (التُّراث الدِّيني اليهودي كما هو موجود لدى الفِرَق مثل الفريسيِّين)، أو العِصمة البابوية كما هو الحال عند الكاثوليك الرُّوم، فلا يُعطيان أي يقين. فقد رفَض اليهود الأوائل هذا التُّراث الديني (المِيدراش مثلًا) لأنَّ الأحبار لم ينقلوها عن موسى كما يدَّعي الفريسيُّون. لقد أقيمت السُّلطة الدينية عند اليهود لتطبيق الشريعة، وهي قانون الدولة، لا لتفسير الكتاب المُقدَّس أو تقنينه؛ لأنَّ لكلِّ فردٍ الحقَّ في تفسيره بالنُّور الفطري، ولكلِّ باحثٍ الحقُّ في تطبيق قواعد المنهج التاريخي لإثبات مِقدار صحَّة النصوص.

كذلك يُعطينا منهج التفسير اللغوي المعاني الصحيحة للألفاظ، لأنه إذا أمكن تغيير معنى النصِّ بسهولة، فإنه لا يُمكن تغيير معنى الكلِمة أو اللفظ؛ لأنَّ الكلمة يحكُمها معناها الطويل، ومن يُريد تغيير معناها عليه تغيير تاريخ استعمالها وهذا مُستحيل، فاللغة محفوظة في تُراثها عند الشعب وعند عُلماء اللغة، فإذا غيَّر العلماء معنى النص، فإنهم لا يستطيعون تغيير معاني الكلمات، ومن الصَّعب إعطاء الكلمات معانيَ جديدة كليةً مُخالفة لمعانيها القديمة؛ لذلك لا يُمكن تحريف معاني الكلمات بالرغم من جواز تحريف النصوص، وتغيير فكر الأنبياء بتغيير النصِّ أو بإساءة التأويل.

فإذا كانت كلُّ هذه الصعوبات اللغوية والتاريخية تمنعُنا من معرفة الأشياء التي لا يُمكن إدراكها، والتي يُمكن تخيُّلها فحسْب، فإنها لا تمنعنا من تصوُّر الأشياء التي يُمكننا إدراكها بالذهن. فقد كَتَب إقليدس أشياء سهلة في كلِّ لغة، ولا تهمُّ معرفة اللغة الأصلية معرفة كاملة، بل لا يهم معرفة أية لُغةٍ معرفة كاملة، ولا يهمُّ أيضًا معرفة حياته، وعاداته، وتقاليده، وظروف الكتابة، ومُناسباتها، والغاية منها، وطُرُق جمعها، ومن تناولها. والتعاليم الخلقية في الكتاب المقدس يمكن إدراكها على هذا النحو، فإنَّنا نفهمها بسهولةٍ ويسر، ونعلم معاني الآيات عن يقين؛ إذ يتمُّ التعبير عنها بأكثر الألفاظ شُيوعًا وبساطة، لأنَّ الخلاص الحقيقي يكون في اطمئنان النفس، وهذا ما يُمكن معرفته بوضوح.

وعلى هذا النحو لا يتطلَّب منهج التفسير إلَّا النُّور الفطري الذي يقتضي استنباط الأشياء الغامِضة من الأشياء الواضحة، وهو منهج يَسيرٌ للغاية، إلَّا أنه استعصى على الناس لطول نِسيانهم له، وليس هناك ما يُدعى «نورًا فوق الطبيعة» Lumière surnaturelle كما يدَّعي البعض؛ وذلك لأنَّ كلَّ ما يُقال عنه تفسير بنور يفوق الطبيعة إنْ هو إلَّا ابتداع إنساني محْض. وإن صعوبة التفسير لا تأتي من عدَم كفاية النُّور الفطري كما يدَّعون، بل من التكاسُل والإهمال في المعرفة التاريخية والنقدية للكتاب. وليس هذا النُّور الذي يفوق الطبيعة هِبة من الله للمؤمنين، فقد خاطب الأنبياء والحواريُّون المؤمنين والكفار على السواء؛ وعلى هذا النحو يُمكن أن يُقال: إن كلَّ ما يُناقِض العقل أو الطبيعة يَجِب حذفُه؛ لأنه زيادة من الراوي، لإثارة النفوس، وتحريك الخيال.
لذلك يرفض سبينوزا منهج موسى بن ميمون الذي يَعتبر أن لكلِّ نصٍ معاني عديدة قد تكون مُتعارضة، ويكون أصوبها أكثرها اتفاقًا مع العقل، فإذا تعارَض العقل مع النقل (المعنى الحرفي) وجبَ تأويل النص،٥١ وقد طبق ابن ميمون منهجه هذا، وانتهى إلى القول بقِدَم العالم، وهو رأي أرسطو، وتأويل النصِّ المقدَّس حسب هذه النظرية، بل إن النص، في رأيه، يدعو لها صراحة. يرفُض سبينوزا منهج ابن ميمون؛ لأنه يدلُّ على أن هناك أشياء كثيرة في الكتاب لا يمكن استنباطها بالنُّور الفطري، وأنه لا بدَّ لذلك من نور يفوق الطبيعة، أما العامَّة التي تجهل طُرق الاستدلال والبراهين، فإنها ستحتاج إلى استفتاء الفلاسفة، والاعتقاد بعِصمتهم في تفسير الكتاب، وبذلك تنشأ سُلطة كهنوتية جديدة، يحترمُها العامة. صحيح أن منهج سبينوزا يتطلَّب معرفة اللغة العبرية، ولكن يكفي أن تكون هذه المعرفة على مستوى العامَّة؛ فقد كانت لغة الحيث في ذلك العصر، في الوقت نفسه الذي يجهلون فيه البراهين على حقائق الوحي. يؤدي منهج ابن ميمون إلى استحالة معرفة العامَّة بحقائق الوحي، مع أنَّ حقائق الوحي الخاصة بالسعادة، وبحياة الفضيلة، يُمكن للناس جميعًا إدراكها، وفي أيِّ لغةٍ كانت، دون شهادة المُفسِّرين أو العلماء، يفترض منهج ابن ميمون اتفاق الأنبياء فيما بينهم، وكأنهم فلاسفة كبار، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الأنبياء جهلوا كثيرًا من الحقائق، واستعملوا أسلوب التخييل، للتأثير على النفوس، كما يَفترِض منهج ابن ميمون أنَّ الكتاب لا يُمكن تفسيره بالكتاب، مع أنه يجِب تفسير الكتاب بالكتاب نفسه. وأخيرًا يسمح منهج ابن ميمون بتفسير النصوص حسب آرائنا السابقة، وبتبديل المعاني الحرفية للنصوص، مع أن كثيرًا من النصوص تندُّ عن العقل، وينتهي منهج ابن ميمون إلى زعزعة ثقةِ العامَّة في الوحي، وفي إيمانهم بالكتاب.

لا يُمكن إذن، في رأي سبينوزا، إخضاع النصِّ لشيءٍ آخر غيره، مثل فلسفة أفلاطون، أو أرسطو أو تأويله تأويلًا مجازيًّا، حتى يتَّفِقَ مع العقل، أو إخراج ما فيه من أسرار إلهية مُدَّعاة، هي مُجرَّد أوهام وخيالات، أو خُرافات وأساطير.

سادسًا: النبوة

بدأ سبينوزا بدراسة النبوَّة لأنها الموضوع الذي يتناوله الباحث عندما يُريد دراسة الوحي؛ إذ يتمُّ كشف الوحي من خلال النبوَّة، والنبوَّة في الغالب وحيٌ مكتوب، فهي مصدر النص قبل التدوين. وتشمل النبوَّة جانبَين: الأول صِلتها بمصدر الوَحي، أي النبوَّة على المستوى الرأسي كما تُحدِّده صِلة النبي بالله، والثاني النبوَّة صِلة النبي بالرُّواة وانتقالها من روايةٍ إلى رواية، حتى يتمَّ التدوين، ثُمَّ انتقال المصاحف من يدٍ إلى يدٍ حتى يتمَّ التقنين، أي النبوَّة على المستوى الأفقي كما يُحدِّده وضعها وانتقالُها في التاريخ. الجانب الأول يدرُسه سبينوزا في أول الرسالة ثُمَّ يدرُس الجانب الثاني بعد ذلك وهو بصدَد النقد التاريخي للكُتُب المقدَّسة. والحقيقة أن الجانب الأول موضوع للفلسفة الإلهية، وهي نظرية النبوَّة بالمعنى الضيِّق، والمعروفة باسم نظرية الاتِّصال في الفلسفة الإسلامية، والثانوي موضوع لأصول الفقه أو لِعلم الحديث الذي يدرُس الرواية وانتقالها في التاريخ. الجانب الأول مَبحث ميتافيزيقي افتراضي، والثاني مبحث تاريخي علمي. الأول لا يتعدَّى الظن، والثاني هو المنطق الموضوعي لها.

ولا يتناول سبينوزا الجانب الأول من النبوة إلا بقدْرٍ يسير. فإذا كانت النبوَّة تعني تدخُّل الله في قوانين الطبيعة، فإنَّ ذلك لم يحدُث، لأنَّ قُدرة الله هي قدرة الطبيعة، وصفات الله هي قوانين الطبيعة، كما أنَّ قدرة الله لا تفسِّر شيئًا؛ لأن السبَّب المُتعالي لا يُمكنه تفسير واقعة طبيعية.

وكما أنَّ قدرة الله ليست هي السبب في تفسير النبوَّة، كذلك «رُوح الله». صحيح أنَّ الكتاب المقدَّس يذكر «رُوح الله» أو «روح الله للأنبياء» أو يُخبر بأنَّ الأنبياء قد تحدَّثوا باسم رُوح الله، ولكن كلمة «رُوح» في اللغة العبرية تعني اشتقاقيًّا (ريح) نسمة، نفس، نفخ، تنفُّس، قوة، طاقة، استعداد، قيمة، رأي، إرادة، رغبة، دافع … إلخ؛ كما تُستعمَل للتعبير عن الانفعالات مِثل التواضُع، والغرور، والمحبة، والكراهية، وتقلُّب المزاج، والطبيعة؛ كما تُستعمل أيضًا للدلالة على رُوح الإنسان، ومناطق العالَم. وهذه المعاني كلها مَجازية صرفة؛ إذ تُنسَب كلُّ واقعة لله إذا كانت جزءًا من طبيعته، فيُقال: «قدرة الله»، أو إذا كانت خاضعة لقُدرته، فيقال: «سماء الله»، أو إذا كانت مخصَّصة لله، فيُقال: معبد الله، أو إذا كانت منقولة عن السُّنة النبوية، فيقال: «شريعة الله»، أو إذا كانت تُعبِّر عن درجةٍ في التفضيل، فيُقال: «جبال الله».٥٢ وقد كان من عادة اليهود نِسبة كل شيء لله يجهلون عِلَّته المُباشرة بل يعتبرون وقائع الطبيعة كلَّها أعمالًا لله، خاصَّةً خوارق العادات، أو الأشياء غير المألوفة عادةً، فالرجل الطويل «نبي الله»، ومن هذه الناحية لا يختلف اليهود عن الوثنيِّين. لا تعني إذن «رُوح لله» أيَّ معنًى حقيقي، بل تعني عدَّة معانٍ مجازية، خاصةً أنَّ اليهود كانوا يَعتبرون الجسد مصدَرَ الشر، والرُّوح مصدر الخير. وقد استُعملت هذه المعاني المجازية كتشبيهاتٍ على طريقة التَّوراة التي لا يُمكنها التعبير عن الحقائق الإلهية إلَّا بالصور الإنسانية، فعندما يذكُر كتاب أنَّ رُوح الله كانت في النبي، أو أنَّ الله أنزل رُوحه على البشر، فإنَّ ذلك يعني أنَّ الأنبياء كانوا بشرًا مُمتازين، يؤمنون بالله إيمانًا صادقًا، ويَعبدُونه عن حقٍّ ويستطيعون إدراك الأحكام الإلهية، إذ تدلُّ الرُّوح على النشاط الذهني أو على الحُكم؛ ولذلك سُمِّيت الشريعة رُوح الله، وكذلك يُمكن تسمية خيال النبي فِكر الله،٥٣ والحقيقة أنَّ فكر الله مطبوع في البشر جميعًا، كالمعرفة الفطرية تمامًا، ولكن اعتقادًا من العبرانيين أنهم أصفياء الله، ادَّعَوا أن رُوح الله قد حلَّت في أنبيائهم؛ لأنَّ العامَّة تجهل العِلَل المُباشرة للمعرفة النبوية، وتعتريها الدَّهشة أمامها؛ لذلك نَسَبوا هذه المعرفة إلى الله كما تعوَّدوا أن يَنسِبوا إليه كلَّ شيءٍ غريب عليهم.

فإن لم تكن قُدرة الله أو رُوح الله سبب النبوة، فإنه لم يبقَ أمامنا إلا رُوح الإنسان، فالرُّوح الإنسانية وطبيعتها هي السبب الأول في وجود الوَحي لأنها قادِرة على تكوين بعض الأفكار، تُفسِّر بها طبيعة الأشياء، وتدلُّ بها على الحياة الصحيحة، فلو لم تكن هناك رُوح إنسانية، لما كانت هناك نبوَّة، ولو لم يكن هناك إنسان، لَما كان هناك الوَحي. لا يهمُّ سبينوزا إذن المصدر الإلهي للنبوَّة، بل يهمُّه أنها واقعة إنسانية، حدثت بالفعل، وبذلك يكون الدَّليل على النبوَّة هو وجود النبي، لا وجود الله.

كيف يظهر الوحي إذن من خلال النبوَّة؟ الوحي Révélation هو كلام الله للبشر على لِسان الأنبياء، أو كشْف الله نفسه للأنبياء، فالوحي كشف أو رؤية Offenbarung. في الحالة الأولى يتمُّ كشف الوَحي للأنبياء بالكلمات، وفي الحالة الثانية يكشِفُ الله عن نفسه وعن الوحي بالرُّؤية، وفي بعض الأحيان يتمُّ الكشف بالوَسيلتَين معًا. وتكون هاتان الوسيلتان إما حقيقةً من الله، أو خيالًا ووهْمًا واختراعًا من صُنع الإنسان؛ إذ يتخيَّل النبي وهو في ساعة اليقظة أنه يسمَع أو يرى شيئًا لا وجود له في الواقع، وقد أوحى الله الشريعة إلى موسى بصوتٍ حقيقي، وهو الصوت الوحيد الذي سمِعَه موسى في تاريخ النبوَّة كلِّه، بل في تاريخ التوراة كلها، أما الصوت الذي سمِعَه النبي دانيال كصوت عالي Géli الذي تعوَّد صموئيل سماعه، وكذلك الصوت الذي سمِعه أبيملك فصوت خيالي سمِعه وهو نائم، إلا أنَّ بعض اليهود يرَون أنَّ الوصايا العشْر لم تُبلَّغ حرفيًّا، بل سمِع موسى مجرَّد ضوضاء شديدة، لا تتميَّز فيها الكلمات، ثُمَّ أُدرِكت الوصايا العشر إدراكًا روحيًّا من خلال هذه الضوضاء، وهذا ما يفسِّر اختلاف النصِّ في الخروج عنه في التَّثنية ويدلُّ على أنَّ الله قد أبلَغَ الوصايا العشر معنًى لا لفظًا. وهذا لا ينفي سماع صوتٍ حقيقي، ثم التعبير عنه بالصوت الإنساني، ولكن يستحيل أن يُعبِّر الصوت المخلوق عن ماهية الله ووجوده؛ وذلك لأنَّ الرُّوح الإنسانية هي التي تُحرِّك الفم، فضلًا عن أنَّ اليهود لم يعرفوا من الله حتى ذلك الوقت إلَّا اسمَه وأرادوا أن يُوقِنوا بوجوده، وبالطبع لا ينفع في ذلك الصوت المخلوق أو حركات الفم، بالإضافة إلى أنَّ الشريعة تنفي صِفة الجسمية عن الله حتى لا يَحيد اليهود عن عبادته. على أنَّ هذا الاختلاف في نصِّ الوصايا العشْر بين السِّفرين المذكورَين، الخروج والتثنية، يرجِع في الحقيقة إلى اختلافٍ في التدوين، وهو أمرٌ يُمكن معرفتُه وتقصِّيه بالنقد التاريخي للكتاب المقدَّس، كما سيفعل سبينوزا ويُثبت أنَّ موسى ليس هو مُؤلِّف الأسفار الخمسة،٥٤ أو يمكن التوفيق بينها باستخدام التفسير المجازي لبعض التعبيرات.

وفضلًا عن الصوت أو الكلام، ظهر الله أيضًا ظهورًا حِسيًّا عندما أراد أن يُظهر غضبه لداود، فأراه ملكًا مُمسكًا بسيف، بالرغم من إنكار موسى بن ميمون ذلك، واعتباره مجرَّد حلم، كما كشف الله ليوسف نصرَه باستعمال بعض الصُّوَر الذهنية من مُخيلة النبي، لا باستعمال رؤيةٍ حقيقية، كما كشف ليشوع عونَه لليهود في المعركة بالرُّؤى والكلمات معًا، فأراه ملكًا قابضًا على سيفٍ على رأس الجنود، مُؤيدًا بالكلمات في حركاته واتِّجاهاته، وكشَف لأشعيا أيضًا بعض المظاهر الحسِّية، وأخبره بترك الشعب للعناية الإلهية، وتُصوِّر النبيَّ الله مُستويًا على عرشٍ عال، في حين لطَّخ الإسرائيليون أنفسهم بالوحل، وغاصوا في الدخان. رؤية موسى وحدَها كانت بلا رموز، فقد كان موسى كليم الله.

ولكن هناك أيضًا وسيلة للاتصال المباشر دون الاستعانة بمظهرٍ حِسِّي، صوتًا كان أم جسمًا، وهي الوسيلة التي يُخبرنا بها الله عن ماهيته، وهذا يقتضي وجود رُوح غير عادية، ولم يَصِل مخلوق إلى هذه الدرجة العالية إلَّا المسيح الذي اتَّصَل بالله اتِّصال الرُّوح بالرُّوح، فصوت المسيح هو صوت الله الذي سمِعَه موسى من قبل، وحِكمة الله التي تفوق الحِكمة الإنسانية قد تجسَّدت في المسيح، وبذلك يُصبِح المسيح هو طريق الخلاص كما كانت شريعة موسى من قبل. وباستثناء المسيح لم يُدرك نبيٌّ آخر إلا بالمُخيِّلة باستخدام الكلام أو الصور الحِسِّية؛ ولذلك لا تتطلَّب هبة النبوة إلا خيالًا خصبًا.٥٥ يرفض سبينوزا إذن كل نظريات الكنيسة حول طبيعة المسيح وشخصه، إله أم إنسان. إله وإنسان أم إنسان وإله. ولا يرى المسيح إلا في دورِه المعرفي، وسيلةً مُباشرة للاتصال بالله لمعرفة ماهيته، وسيلة عند المسيح وعند الحواريين وعند الفيلسوف. فإذا كان موسى قد تحدَّث مع الله وجهًا لوجه، فإنَّ المسيح قد اتَّصل بالله اتِّصال الرُّوح بالروح. المسيح طريق للمعرفة وليس مَسيحًا شخصيًّا أو مسيحًا كونيًّا.
مهمة النبي إذن هي التبليغ والتعبير، فالوحي أو النبوة معرفة يقينية يُوحيها الله للإنسان عن طريق النبيِّ الذي يُبلِّغه للبشر ويُعبر عنه. مهمَّة النبي هي صياغة الوحي، أي المعاني الصرفة، بأسلوبه وبطريقته وباستدلالاته الفطرية أو البيئية المُكتسبة حسب مستوى فهم العامَّة. لم يُرسِل الله وحيًا بالمعنى واللفظ، ولكنه أعطى المعنى، فقد يَقذِفُه في قلب النبي الذي يقوم بصياغته في ألفاظٍ من عنده،٥٦ وقد كان النبيُّ عند اليهود مجرد مفسر Interprète أو الخطيب بالإضافة إلى مهمَّته في التنبُّؤ بالمُستقبَل، وكذلك سُمِّيَ يشوع بلعَم عرَّافًا أو مُبشرًا.

يُدرك النبيَّ الوحي بمخيلته أي بالكلمات والصور الذهنية صادِقةً أم كاذبة؛ لذلك تجاوز الأنبياء معرفة الأشياء بالحدود العقلية، وعبَّروا عنها بالرموز والأمثلة، كما عبَّروا عن الحقائق الرُّوحية بالتشبيهات الحِسِّية، وهو الأسلوب المُتفِق مع طبيعة الخيال. ولمَّا كان الخيال غامضًا مُتقلِّبًا، ظهرت النبوَّة عند بعض الناس على فتراتٍ مُتباعدة في حياتهم. لم يكن للأنبياء فِكر أكمل، بل خيال أخصب، فمع أنَّ سليمان قد ملأ الأرض عِلمًا وحكمة، إلَّا أنه لم يتمتَّع بهبَةِ النبوة، وعلى عكس منه، كانت لهاجر هِبة النبوَّة دون أن يكون لها عِلم، فمن يتميَّزون بالخيال الخصب يكونون أقلَّ قُدْرة على المعرفة العقلية، ومن يَتميَّزون بالعقل يكونون أقل قدرة على الصور الخيالية؛ لذلك لا تحتوي أسفار الأنبياء على معرفة عقلية للأشياء الطبيعية، بل على صُوَر خيالية للتأثير على النفوس.

ويتكيَّف الوحي حسب خيال الأنبياء وقُدراتهم كما تكيَّفَ بعد ذلك حسب مُعتقدات الحواريين والدُّعاة وأساليبهم في نشْر الدَّعوة. يختلف الأنبياء فيما بينهم حسبَ خيالهم وطبعِهم ومُعتقداتهم وآرائهم، فالنبي الفرِح توحى إليه الحقائق بحوادث سعيدة، والنبيُّ الحزين تؤيده آيات حزينة، والنبيُّ ذو الخيال المُرهَف تُوحى إليه الأشياء بصُورٍ ناعمة رقيقة، والنبيُّ الريفي يُوحَى إليه بصورٍ ريفية، والنبي الجندي يُوحَى إليه بصورٍ عسكرية، والنبي رجل البلاط يُوحَى إليه بصورٍ ملكية. ويختلف الأنبياء فيما بينهم حسب مُعتقداتهم في السِّحر والتنجيم، فتُوحَى إليهم الموضوعات السحرية كما أوحيَت للمجوس ولادة المسيح. ومن يؤمنون بالكهانة والعرافة يُوحى إليهم في أمعاء الضحايا، ومن يؤمنون بحرية الاختيار يُوحى إليهم بأن الله لا يتدخَّل في أفعال البشر.

وكما يتكيَّف الوحي حسب عقلية الأنبياء ومِزاجهم وقُدراتهم العقلية ومُخيلتهم فإنه يتكيَّف أيضًا حسب عقلية الجمهور وطبقًا للمستوى الثقافي للعصر، فلم يقُل الأنبياء شيئًا عن صفات الله إلَّا ما اتَّفق مع المُعتقدات الشائعة للجمهور، ومع البيئة الثقافية للعصر، فلم يعرِف آدم أنَّ الله قادِر قُدرة مُطلقة، وعالم علمًا مُطلقًا؛ ذلك لأنه قد اختبأ من الله، واعتذر عن خطيئته، وكأنَّهُ يعتذِر لبشر مِثله، وقد سمِع آدم أيضًا صوت أقدام الله وهو يسير في الجنة، وحادَثَه وسامَرَه. لقد جهل آدم صفاتِ الله كلها إلَّا صفةً واحدة وهو أنه خالق كلِّ شيء. كذلك لم يكشِف الله عن نفسه إلا طبقًا لمستوى فهم العامَّة ولمُعتقدات الأنبياء، فكشف عن نفسه لقايين على أنه لا يعلَم أمور البشر، وكشف عن نفسه للابان على أنه إله إبراهيم. أما يونان فقد حاوَلَ الهرَب من حضور الله المُطلق وتخيَّله في يهوذا فقط. أما موسى الذي بلَغَ التوحيد على يدِه درجةً عالية من الصَّفاء فإنَّ الله كشف عن نفسه له على أنه لا يعلَم المُستقبل، ولم يعلَم موسى عن الله إلا أنه موجود Ego sum qui sum، وعبر عن ذلك باسم «يهوه» الذي يدلُّ على الوجود في أبعاد الزمن الثلاثة الماضي والحاضر والمُستقبل. لم يُعبر موسى عن الله بأية صورة حِسِّية، مع أنه رحيم لطيف غيور، ولا يُمكن أن يُرى لضَعف الإنسان، يَنسِب إليه موسى قدرةً مُطلقة، فهو أعظم الآلهة، أعظم مِمَّن خلقهم، وأعطاهم قدرًا من سُلطانه، خلق الله هذا العالم من عدم، ونظَّمَه، ووضع في الطبيعة بذور الأشياء، وله على الجميع حَقٌّ مطلق. وطبقًا لهذا الحق، اختار العبرانيين من بين الأُمَم الأخرى التي ترَكَها للآلهة الأخرى؛ لذلك سَمَّى الله إلهَ إسرائيل وإله أورشليم في مُقابل آلهة الأُمَم الأُخرى، ولا تعبُدُ إسرائيل إلَّا إلَهَها الخاص. وقد ظنَّ موسى أنَّ هذا الإله يسكُن في السموات، فقد نزَل الله على الجبل، وصعد مُوسى إليه من على الجبل، وهي الفكرة الشائعة عند الوثنيِّين. وهكذا نجِد أنَّ وحيَ موسى مُتَّفِق مع آرائه الخاصة، ومع مُعتقدات البيئة، وحينما عبدَتْ إسرائيل العِجل أرسل الله لهم ملكًا، أي موجودًا عظيمًا لعبادته لتخلِّي الله عنهم. لا يتميَّز بنو إسرائيل في مُعتقداتهم عن الوثنِيِّين الذين يَعتقدون في الموجودات الإلهية كالملائكة وغيرها. وما كان لمُعتنقي الخُرافة أن يَصِلوا إلى معرفةٍ صحيحة بالله، أو أن يُعلِّمهم موسى قواعد السلوك في الحياة كفيلسوفٍ يؤمن بحرية الفكر، بل كمشرع يُجبِرهم على الخضوع للشريعة؛ لذلك كان حبُّ الله لدَيهم مظهرًا من مظاهر العبودية لا الحرية. وقد أمرَهم موسى بعبادة الله وحُبِّه لنِعَمه عليهم، وهدَّدهم بالعقاب الذي ينتظرهم إذا هم تعدَّوا حدود الشريعة، ووعدهم بالجزاء إن هم عملوا بها. كان موسى يُعلِّم العبرانيين كما يُعلِّم الآباء أطفالهم الذين لم تكتمِل عقولهم بعد؛ لذلك لم يُعلِّمهم الفضائل أو الحياة السعيدة الحقَّة.٥٧

أما سليمان، فقد تَصوَّر الله تصوُّرًا عقليًّا بالنور الفطري وبذلك تميَّز عن أنبياء عصره، وكان أعلى من الشريعة التي وُضِعت من أجل ضِعاف العقول الذين لا يستطيعون إدراك الحقائق بالنُّور الفطري، وأعلن زَوال نِعَم الحياة، وأنه لا يُوجَد أفضل من العقل وأشرَّ من نقص العقل. ولكن سليمان لم يُراعِ الشريعةَ مُطلقًا، بل خرَقَها علنًا، ولم يكُن سلوكه سلوك فيلسوف، وذلك لِسَعيه وراء اللذات.

وقد بلَغَ تصوُّر الأنبياء للوحي وللحقائق الإلهية إلى حدِّ أنَّ بعض الأحبار شكُّوا في الأنبياء، كما وقَعَ لِسفر حزقيال، فقد بلغَتْ آراء هذا النبي حدًّا أن حاوَلَ بعض الأحبار حذفَهُ من أسفار العهد القديم، لاختلافه مع تصوُّر موسى، لولا أنْ أتى حنانيا وشرَحَه لهم، ولكن لم يمْنَع هذا الشرح من وجود تعارُضٍ صارخٍ بين آراء حزقيال وأسفار الخروج وإرميا وصموئيل ويوئيل بالنسبة لله والخطيئة والتوبة والغفران.

لم تجعل النبوة الأنبياء أكثر عِلمًا بل تركتْهُم وأفكارهم السابقة؛ ولذلك لا يَجُوز لنا تصديقهم في الأمور النظرية. لقد جَهِل الأنبياء أشياء كثيرة، على غَير ما تظنُّ العامة، مع أنَّ الأنبياء في رأيهم قد أحاطوا بكلِّ شيء، بل إن كثيرًا من أقوالهم في تناقُضٍ صريح مع العلم، فقد ظنَّ يشوع أنَّ الشمس تدور حول الأرض لأنه لم يكُن عالمًا في الفلك، كذلك جهل يشوع انكسار أشعَّةِ الشمس على البُرد المُعلَّق في الهواء، وقد ظنَّ أشعيا أن تناقُص الظل يرجع إلى تناقُص الشمس. لقد جهل الأنبياء الأسباب الحقيقية للظواهر الكونية. أما سليمان فلم يكُن رياضيًّا مع أنه باني المعبد، واعتقد نوح أن العالم لم يكن مسكونًا إلَّا في فلسطين. كان الأنبياء بشرًا ولا ينقُص جهلُهم بِعَلل الظواهر الكونية من تقواهم ومن إخلاصهم شيئًا.

لا ضَير إذن أن يجهل الأنبياء الحقائق النظرية مثلًا فيما يتعلَّق بالأرض والشمس والظلِّ وقوانين الطبيعة؛ لأنَّ الأنبياء ليسوا علماء، أو علماء طبيعة، بل هم بشَر، يستعملون أخطاء البشر كصُورٍ فنية للتعبير بها عن تعاليمهم النبوية؛ لذلك، لم تختلف تَصوُّراتهم عن ماهية الله وطبيعته وصفاته عن تَصوُّرات العامَّة، حتى موسى، الذي أدرك أنَّ الله ليس كمثله شيء وهو الواحد الصمد، عبَّر عن الله بصورٍ حسِّية، ونسَبَ إليه الانفعالات والأهواء البشرية.

ولكن جهل الأنبياء بالأمور النظرية لا يعني جهلهم بالإحسان وبقواعد السلوك في الحياة. وإن كان لا يجوز لنا أن نأخُذ من الأنبياء معرفة بالأمور الطبيعية والرُّوحية، فإنه يَجُوز لنا تصديقهم فيما يتعلَّق بغاية الوحي وجوهره، وهو العدْل والإحسان. وفيما عدا ذلك كلُّ فردٍ حرٌّ أن يعتقد ما يشاء، وكما يتَّفِق مع عقله، فقد أوحى الله لقايين حُرِّية الإرادة لا كعقيدةٍ فلسفية نظرية، وهي مُتضمَّنة بالفعل في الوحي، بل ليحيا حياةً أفضل، وهو توجيه يَتَّفِق مع فَهْم قايين، وقد فعل المسيح الشيء نفسه عندما خاطب الفريسيين بمبادئهم الخاصة، دون أن يعتقِد في وجود الشياطين ومَملكة الشياطين، وكذلك عندما خاطَبَ تلاميذه ودعاهم للأخلاق الفاضِلة دون أن يعتقدوا في وجود الملائكة ومملكة الملائكة.٥٨
ولمَّا كانت النبوة لا تعتمد على يقين الفعل، وهي الأفكار الواضحة والمُتميزة أو الاستدلالات الرياضية، فإنَّ الأنبياء قد حصلوا على يَقينهم من الوحي نفسه، مُعتمدين على ما أتَوا به من آيات، فقد طلَب إبراهيم آيةً بعد أن تلقَّى الوعد من ربه. ومن هذه الناحية تكون النبوَّة أقلَّ من المعرفة الطبيعية التي لا تعتَمِد في يَقينها على الآيات، بل تستمِدُّ يَقينها من طبيعتها، لم يكن يَقين النبوَّة يقينًا رياضيًّا بل يقينًا خلقيًّا، وبالرَّغْم مِمَّا قد يُثير ذلك من شكٍّ في الوحي وفي النبوَّة، فإن للنبوَّة درجة عظيمة من اليقين، ويقوم هذا اليقين على أسس ثلاثة:
  • (١)

    تخيُّل الأنبياء الأشياء المُوحى بها بطريقةٍ حيَّةٍ كإدراكنا للأشياء الطبيعية.

  • (٢)

    الآيات التي يعتمِد عليها الأنبياء.

  • (٣)

    مَيل الأنبياء الطبيعي إلى العدل والخير.

ولكن هل هناك صِلة بين المعرفة النبوية والمعرفة الطبيعية؟ يظنُّ البعض أن المعرفة الطبيعية أي المعرفة الإنسانية أقل بكثيرٍ من المعرفة النبوية، وهذا غير صحيح، فالنبوَّة معرفة يقينية، أوحاها الله للناس، والمعرفة الطبيعية معرفة يقينية، وصَلَ إليها العقل بمُفردِه، كلاهما معرفة يقينية، النبيُّ هو مُفسِّر الأوامر الإلهية للناس لأنهم لا يَقدِرون بأنفسهم على الاتِّصال بالله، ولا يقدِرون إلَّا على إدراكها بالإيمان، والمعرفة الطبيعية أيضًا معرفة إلهية، لأنَّها معرفة يَقينية، ولكن العُلَماء ليسوا أنبياء؛ لأنَّ المعرفة الطبيعية تعتمِد على النُّور الفطري، لا على النُّور النبوي، فالله يتحدَّث، ونحن نعرِف حديثه، إما من المعرفة النبوية، أو من المعرفة الفطرية، وكلُّ ما نعرفه بوضوحٍ وتميُّز يصدُر عن طبيعة الله وتَصوُّرنا له. المعرفة النبوية خاصَّة بالأنبياء وحدَهم، والمعرفة الطبيعية عامة للبشر جميعًا، ولكن العامَّة وحدَها تحتقِر المعرفة الطبيعية، ولا تعترِف إلَّا بالمواهب الخاصة، وتُخرج الوحي من نطاق المعرفة العقلية. والحقيقة أنه لا فرقَ بينهما إلَّا في شيئين: الأول أنَّ المعرفة النبوية تَستعمل الصور الخيالية من أجل التأثير على النفوس، في حين أنَّ المعرفة الطبيعية تُدرك الحقائق ذاتها دون تخييل، والثاني أنَّ المعرفة الطبيعية غايتها الحق، في حين أنَّ المعرفة النبوية غايتها الخَير، وفيما عدا الوسيلة والغاية لا فرق بين النبيِّ والفيلسوف.٥٩

سابعًا: المِيثاق المُؤقَّت والمِيثاق الأبدي

لقد أُعطِيَت النبوَّة للناس، ولكنَّها أُعطِيَت بوساطة إنسانٍ مُعيَّن، وهو النبي، لشعبٍ مُعيَّن، وهم بنو إسرائيل، وكأنَّ الوحيَ لا يُذاعُ ولا يُكشَف إلَّا لشعور جماعي لشعبٍ مُعين، وكأنَّ النبوَّة لا تُرسَل إلَّا لدى قومٍ ذوي بناء اجتماعي قائم. لم يتناثَر الوحي مرة هنا ومرة هناك، بل ظلَّ في مسارٍ واحد له لدى بني إسرائيل حتى اكتملتِ النبوَّة في المسيح، آخِر نبيٍ من أنبياء بني إسرائيل. ولكن هل يَعني ذلك ميزة مُعينة لهذا الشعب على غَيره من الشعوب؟ هل يدلُّ ذلك على أن الله إلهٌ خاصٌّ بهم لا تُشاركهم فيه الشعوب الأخرى؟ هل يَعني أنَّ الله عقد معهم مِيثاقًا أبديًّا من أجل تفضيلهم على سائر البشر، ومن أجل اصطفائهم؟

ليس السعادة الحقَّة في حصول البعض على المغانم وحِرمان الآخرين منها، كما لا يكون الناس أكثر سعادةً إذا هم حصلوا على مغانم أكثر، والذي يفرح بهذه السعادة التي تفُوق سعادة الآخرين يكون فرَحُه فرحًا صبيانيًّا، وناشئًا عن الحِقد والحسَد. السعادة هي الحِكمة ومعرفة الحق، لا أن يكون الإنسان أحكم من الآخرين، أو أن يُحرَم الآخرون من الحِكمة؛ فذلك لن يزيد من سعادته شيئًا، ومن يَفرَح لسعادتِهِ ولشقاء الآخرين يكون حسودًا شريرًا، لا يعرِف السعادة الحقيقية، وطمأنينة النفس.

لذلك، عندما يُخبِرنا الكتاب بما فضَّل الله به العبرانيين حتى يحُثَّهم على طاعة الشريعة، فليس معنى ذلك أنهم حصلوا على السعادة الحقَّة وحدَهم دون غيرهم؛ فما كانت سعادتهم أقل لو أن الله دعا جميع البشر إلى الخَلاص، وما كان الله أقلَّ رعايةً لهم لو أنه رعى الآخرين أيضًا، وما كانت الشريعة أقلَّ عدالةً لو أنها وُضِعت للناس جميعًا، وما كانت المُعجِزات أقلَّ قُدرة لو أجراها الله للناس جميعًا. وعندما أخبر الله سليمان بأنه لا يُوجد من يفُوقه حِكمة، فإنه أراد بذلك أن يُعبِّر عن مدى حِكمته، لا عن أنه لم يَعِد أحدًا سواه بحكمةٍ أعظمَ من حكمته. صحيح أنَّ الله أعطى موسى الشريعة للعبرانيين، وأنه خاطَبَهم، وكشف لهم عن نفسه كما لم يحدُث لأمَّةٍ أخرى، ولكنه لم يستبعِد الأمم الأخرى من عِلمه ورحمته، بل إنَّ العبرانيين، بالرغم مما أعطاهم الله من فضله، لم يكونوا أصفياء الله فيما يتعلَّق بالحياة الحقَّة والتأمُّلات السامية.

لقد أرسل الله الوحيُ للبشر، فكان لا بُدَّ أن تحدُث النبوة في جماعة، وقد حدَثَت في بني إسرائيل لظروفٍ تاريخية مَحْضة، أي لظروفٍ طارئة، دون أن يدُلَّ على اختيارٍ أبدي لهم، أو على اصطفاء الله لهم، وتفضيلهم على العالمين؛ وذلك لأنه إذا كان كلُّ ما يَصبُو إليه الإنسان لا يتعدَّى أشياء ثلاثة: معرفة الأشياء بِعِلَلها الأولى، السيطرة على انفعالات النفس للتَّحقُّق بالفضيلة ثم العَيش في سلامٍ مع جِسم سليم، فإن وسائل الحصول على الغايتَين، الأولى والثانية، موجودة في الطبيعة الإنسانية، ومن ثَمَّ فهي لا تقتصِر على أُمَّةٍ دُون أُمَّة. أمَّا الغاية الثالثة فهي تعتمِد على الأشياء الخارجية، كما تعتَمِد على الرِّزق والحظِّ الذي يَجهله الجميع؛ لذلك اعتمد الناس على تنظيم حياتهم، وتعوَّدوا على اليَقَظة، وقد دلَّت التجربة على أن أفضل وسيلةٍ لذلك هو تكوين مُجتمع تحكُمُه القوانين، وذلك باحتلال بُقعةٍ من الأرض، وتوحيد قوى سُكَّانها في هيكلٍ اجتماعيٍ واحد؛ إذ يُعطي المُجتمَع مزيدًا من الأمن والاستقرار، ويكون أقلَّ اعتمادًا على الحظوظ الخارجية، ويتجاوَز مرحلة المجتمع البدائي الذي يعتمِد كلية على هذه الحظوظ، أو يعتمد على مجتمع آخَر يَحكُمه، أو إذا تخلَّص من المخاطر، يُقدِّس حُكم الله من حيث تأثيره في الموجودات الطبيعية، لا في الأفكار الإنسانية لأنَّ الله قد أعطاه كلَّ شيء، دون انتظارٍ منه، وكأنَّهُ مُعجِزة.

لذلك، فإنَّ النظام الاجتماعي هو الذي يُميز أمة عن أمة؛ ولهذا السبب، تمَّ اختيار الأمة العبرانية، وبهذا المعنى تَمَّ تفضيلها على باقي الأمم، نظرًا لنظامها الاجتماعي، ولغنمها المادي. وقد بقِيَت الدولة العبرانية سنين طويلة، ولم يكُن السَّبَب في ذلك تفوُّقها في العقل، أو في صفاء النفس، بل تفوُّقُ العبرانيين في تدبير شئونهم المادية، وفيما عدا ذلك، يتساوى العبرانيُّون مع غيرهم. وإذا فكَّرنا قليلًا، وجدْنا أن العبرانيين كانوا يَعتقدون في الله اعتقاداتٍ فظَّة، ولا يُمكن لله أن يُفضِّلهم من أجلها، لقد اختارهم الله ليُسرِهم في الحياة ولثرائهم، ولم يَعِدِ الله البطارقة شيئًا سوى ذلك، ولم تَعِد الشريعة شيئًا، جزاءَ رعاية العبرانيين لها، إلَّا الإبقاء على الدولة، ومظاهر النعيم الدنيوي، ولم تُوعِدهم، عقابًا لهم على نقضِ الميثاق، إلَّا بالقضاء على الدولة، وإصابتهم بأعظَمِ المِحَن. كانت للعبرانيين شرائعهم الخاصَّة، وكذلك كانت لكلِّ أمَّةٍ قوانينها الخاصَّة، ولم يكن حُبُّ الله للعبرانيين أعظم من حُبِّه لسائر الأمم، بل إنَّ الله أظهر من المُعجِزات أكثر مما أظهر للعبرانيين، ولم تكن هِبةُ النبوَّة خاصَّة بالعبرانيين وحدَهم، بل كانت عامَّةً للأمم جميعًا، وهذا ما يشهد به التاريخ المقدس، فكان للوثنِيِّين أنبياءهم الذين لم يَعتنِ العبرانيون بتسجيلهم، وتدوين قصصهم؛ لأنهم لم يُسجِّلوا في العهد القديم إلا شئونهم الخاصَّة حتى جعلوه تاريخًا وطنيًّا لهم. ومع أنَّ الفريسيين يدَّعون أنَّ النبوَّة خاصَّة بالعبرانيين وحدَهم، إلَّا أنَّ موسى لم يطلُب إلهًا خاصًّا بأُمَّتِه وحدَها، لأنَّ الله إلهُ الجميع إله العبرانيين والأُمَم الأخرى على السواء.٦٠
أما التشريع الذي سَنَّه موسى لهم، فإنه لا يلزم إلَّا اليهود وحدَهم، ولا يلزَم أيَّ شعبٍ آخر، بل إنَّ اليهود أنفسهم لم يخضعوا لهذا التشريع إلا في أثناء قيام دَولتهم؛ ولهذا السبب اختارهم الله، ولكنه كان اختيارًا مُؤقَّتًا، لا اختيارًا أبديًّا، كما اختار الكنعانيِّين من قبل، ثم رفَضَهم لسعْيِهم وراء اللذَّات، ولرَخاوتهم، ولعبادتهم الزائفة. ولقد حذر موسى العبرانِيِّين من أن يرتكِبوا نكاح المُحرَّمات، كما فعل الكنعانِيُّون من قبل، وإلا لقَضَوا على الدولة، وهناك نصوص كثيرة في الكتاب المُقدَّس تدلُّ على أنَّ الله لم يصطفِ العبرانيين إلى الأبد. هناك فئة قليلةٌ وهي القلة القليلة الباقية المُؤمِنة من الشَّعب le petit reste أهل الكهف مثلًا، عاهدوا الله على ميثاق التقوى والحُبِّ والفضيلة والفضل، ومن خلال هذه الفئة يستمرُّ الوحي في التاريخ، ويبقى الإيمان في الشعب، وهي النتيجة النهائية التي يتمُّ الحصول عليها من تطوُّر الوحي في التاريخ، والحصيلة الإيجابية له، بعدَ أن يفشَل في نشْر الإيمان في الشعور الجماعي عند الجمهور. ولقد دعا أنبياء الأُمَم الأخرى إلى الميثاق نفسه، مِيثاق الفضيلة، وهو المِيثاق الأبدي، مِيثاق معرفة الله وحُبِّه، مِيثاق شامل لا يُفرِّق بين العبرانيين والأُمَم الأخرى، ولكن العبرانيين وضَعوا هذا المِيثاق، ميثاق الفضيلة الحقَّة، في كلماتٍ يتمتَّعون بها، وقرابين يُقدِّمونها، وشعائر يُقيمُونها، وبنَوا المعبد والمدينة، أي إنهم كعادتهم لم يستطيعوا إدراك الأشياء الرُّوحية إلا بمظاهر حِسِّية، أهمها بناء الدولة. واليوم لم يَعُدْ للعبرانيين هذا الحق بعد انهيار دَولتهم وبعد خرْقِهم ميثاق الفضيلة والطاعة. وحقَّ عليهم أن يكونوا مُشتَّتين في أنحاء الأرض، ومنبوذين من جميع الأُمَم، حتى جلَبُوا على أنفسهم حقد الجميع بإقامتهم الشعائر المُعارِضة لشعائر الأمم، ولإصرارهم على طقس الختان، وعدَم الاختلاط بالشعوب، والتَّميُّز عنهم، والتجمُّع في بلدان خاصة، أو في أحياء (الجيتو). والأمثلة التاريخية كثيرة تشهد على ذلك، فبالرغم من تَخلِّي يهود إسبانيا عن دِينهم وتَحوُّلهم غلى الكاثوليكية، وتمتُّعِهم بالحقوق نفسها التي للإسبان، إلَّا أنهم حافظوا على طقس الخِتان، رمزًا للرباط الأبدي، وما زالوا يَتُوقون لإعادة بناء الدولة.٦١

ثامنًا: القانون الإلهي والقانون الإنساني

لم ينزل الوَحيُ فكرًا فقط، بل نزل أيضًا نظامًا للكون، أو كما يقول المُسلمون: الدين عقيدة وشريعة، وقد كان الدِّين اليهودي عند موسى شريعةً أكثرَ منه عقيدة، وكان الدين المسيحي عقيدة أكثر منه شريعة. والشريعة هي القانون الإلهي الذي تَمَّتْ صياغته في قانون إنساني.

والقانون على الإطلاق هو اندِراج جميع الأفراد في مجموعةٍ مُعيَّنة تحت قاعدةٍ واحدة. ويعتمد القانون إمَّا على الضرورة الطبيعية أو على القرار الإنساني، ويَعتمد القانون على الضرورة الطبيعية عندما يَصدُر عن الطبيعة نفسها، أو عن تعريف الموضوع، ويَعتمِد على القرار الإنساني، ويُسمَّى في هذه الحالة قاعدة، عندما يجعل الحياة أكثرَ مُلاءمة وأمنًا، أو عندما يُصدِرُه الناس لأنفسهم أو للآخرين لأسبابٍ أخرى. فإذا اصطدمت أجسام كبيرة بأجسام صغيرة، فإنها تفقِدُ من حركَتَها بقدْرِ ما تُعطي، هذا قانون شامِل يَصدُر عن ضرورةٍ في الطبيعة، وعندما يتذكَّر إنسان شيئًا ما ويتذكَّر شيئًا آخر مُشابهًا، هذا قانون شامل يَصدُر عن ضرورة في الطبيعة الإنسانية. أما إذا تنازل الناس عن حقوقهم طوعًا أو اختيارًا، فإنَّ ذلك ينتُج عن قرارٍ إنساني. ومع أنَّ مِثل هذا القانون يعتمد على القرار الإنساني، إلَّا أن كل شيء مُحدَّد طبقًا لقوانين الطبيعة الشاملة؛ لأنَّ الإنسان جزء من الطبيعة وقدرتها.

أما القانون بمعناه الخاص فهو الأمر الذي يُنفِّذه الإنسان، والذي يُحدِّد قُدرته أو الذي يأمُرُه بما يستطيع، ويكون الأمر هنا قاعدة للحياة يفرِضُها الإنسان على نفسِهِ أو على الآخَرَين لغايةٍ مُعيَّنة. وقد قام المُشرِّعون بوضع القوانين حتى تَسير الحياة وفقًا للعقل، ويَصحَبُ القانون الجزاء والعقاب، خاصةً للعامَّة؛ وذلك لأنَّ الخاصة يعلمون الغاية من القوانين، حتى قبل وَضعِها، فالعامَّة تخضع للقوانين التي يَسنُّها الآخرون لها خوفًا من العقاب، أما الخاصَّة الذين يَسلكون سلوكًا فاضلًا، فإنهم يَتَّبِعون قراراتهم الخاصَّة لا ما يضعه الآخرون لهم، ويكون العدل حينئذٍ في اتِّباع القرار الخاص. ومن هنا، جاءت التفرقة بين القانون الإلهي والقانون الإنساني، فالقانون الإلهي يبغي الخير الأقصى أي معرفة الله وحُبِّه، في حينِ أنَّ القانون الإنساني يبغي أمنَ الحياة وسلامة الدولة.

وتكون معرفتنا يقينية إذا اعتمدَتْ كليةً على معرفتنا بالله وحدها؛ لأنه لا يُمكن إدراك شيء أو تصوُّره بدون الله. وتظلُّ معرفتنا الإنسانية موضوعًا للشكِّ ما دامَتْ فِكرتُنا عن الله غير واضحة ومُتميِّزة، بل إنَّ خَيرَنا الأقصى وكمالنا يَعتمِدان على معرفة الله. ولَمَّا كان لا يُمكن إدراك شيءٍ أو تصوُّره بدون الله، فلا شكَّ أن كلَّ الموجودات الطبيعية تتضمَّن تَصوُّرَ الله، وتُعبِّر عنه بقدْر درجتها في الجوهر والكمال، فكلما ازدادت مَعرفتنا بالأشياء الطبيعية كمُلَتْ معرفتنا بالله. إنَّ معرفتنا بالخَير الأقصى لا تعتمِد على معرفة الله وحدَها، بل هي على وجه التحديد هذه المعرفة نفسها؛ وذلك لأن الإنسان أكمل الموجودات الطبيعية، وأقرب إلى الكمال، عن طريق المعرفة العقلية لله، أي الموجود الأعظم الكامل، أي إنَّ خيرَنا الأعظم وسعادَتَنا القصوى في معرفة الله وحُبِّه، الأمر الإلهي إذن هو فِكرة الله في أنفسنا، والقانون الإلهي هو حضور الله في أنفسنا، وهذا هو موضوع عِلم الأخلاق الشامل L’Ethique Universelle.٦٢
ولمَّا كان حبُّ الله هو السعادة القصوى والغاية الأخيرة للأفعال الإنسانية، فإنَّ من يُحبُّ الله يكون هو المُطيع حقًّا للقانون الإلهي، لا عن خَوف أو رجاء، بل عن معرفة لله، فهو يعلم أن معرفة الله وحُبَّه هما الخير الأقصى، وهو ما يُدركه الإنسان بذِهنه لا ببَدَنه. أما القانون الإنساني فإنه يهدف إلى غايةٍ أخرى وهي المُحافَظة على سلامة الإنسان وأمن الدولة، إلَّا إذا كان الوحي هو الذي شرَعَه؛ لأن معنى ذلك هو إرجاع الأشياء لله، وبهذا المعنى تكون شريعة موسى قانونًا إلهيًّا بالرغم من أنَّها ليستْ شريعةً شاملة، وأنَّها تكيَّفَت حسب طبيعة شعبٍ مُعيَّن، وللمُحافظة على سلامته، ما دام نُور النبوَّة هو الذي شرَعَها.٦٣
وينتُج عن ذلك حقائق أربع:
  • (١)
    قانون شامل، يَصدُق على كل الناس، ويُستنبَط من الطبيعة الإنسانية، ويُدرَك بالنور الفطري، ولكن هل يُمكن بوساطة النُّور الفطري تَصوُّر الله كمُشرِّع أو كأمير يَسنُّ القوانين للناس؟٦٤
    إذا عرَفْنا طبيعة الله، وأن إرادته وذِهنَه شيء واحد، عرَفْنا أنَّ أوامر الله بالتحريم أو بالتحليل حقائق أبدية، تتضمَّن ضرورةً أبدية.٦٥ لقد أوحى الله لآدم الشَّرَّ الذي سيكون النتيجة الضرورية لفِعله، ولكنه لم يُوحِ إليه ضرورة نتيجة هذا الشر، أي أنَّ آدم لم يُدرِك الوحيَ كحقيقة أبدية، بل أدرَكَه كقانون أو كقاعدة، تُقرِّر وجوب ثَوابٍ أو عقاب، نتيجةً لفعلٍ ما، وليس لطبيعة الفِعل نفسه، بل طبقًا لمشيئةِ أميرٍ وإرادته المُطلَقة، فنظرًا لنقصِ معرفة آدم، أصبح الوحي قانونًا، والله مُشرِّعًا وأميرًا؛ ولهذا السبب أيضًا أصبحَتِ الوصايا العشر شريعةً للعبرانيين وحدَهم، لأنهم لم يعرفوا الله كحقيقةٍ أبدية، وذلك أنَّ الله لم يتحدَّث إليهم مُباشرةً من خلال وسائل حِسِّية، وكذلك تَلقَّى الأنبياء أوامر الله، دون أن يُدرِكوها كحقائق أبدِيَّة، حتى موسى نفسه الذي أدرَكَ الوحي كشرائع تخصُّ العبرانيين، تُنظِّم حياتهم، دون أن يُدرِكها كحقائقَ أبدية؛ لذلك تَصوَّر الله كمُشرِّعٍ أو كملكٍ أو كأمير أو كحاكم، أو على أقصى تقدير، كموجودٍ عادل ورحيم، يَتَّصِف بكلِّ الصِّفات الإنسانية التي يَجِب إبعادها كُليَّةً عن الطبيعة الإلهية.٦٦

    المسيح هو الوحيد الذي أدرك الأشياء كحقائق أبدية، لأنَّ المسيح كان أقرَبَ إلى فَمِ الله منه إلى نَبِيِّه، فقد أوحى الله بوساطة رُوح المسيح بعض الأشياء، كما أوحى من قبل بوساطة الملائكة والأصوات المخلوقة والرُّؤى، ولم يتكيَّف الوحي حسْب آراء المسيح ومُعتقداته، كما تكيَّف مع باقي الأنبياء؛ وذلك لأنَّ المسيح لم يُرسَل إلى اليهود وحدَهم، بل إلى البشر جميعًا، كما لم يَتكيَّف الوحي حسب مُعتقدات شعبٍ مُعيَّن، بل تضمَّن تعاليمَ شاملة للإنسانية كلها، أي حقائق أبدية. لقد أعطى الله المسيح حقائق الوحي مُباشرةً بلا واسِطة، أي بمعرفةٍ عقلية، لأنَّ المعرفة العقلية هي إدراك الأشياء بلا تَوسُّط من الكلمات أو الصور، ومع أنَّ حديثه كان أكثر وضوحًا من الأنبياء، إلَّا أنه لم يَخلُ من غموض، فقد استعمل لغةَ الرَّمز والمَثَل، خاصَّةً وأنه كان يُخاطب قومًا لم يتحرَّروا بعدُ من عبودية القانون، ومع ذلك استطاع المسيح تثبيت الحقائق الإلهية وطبْعَها في القلوب.

    خُلاصة القول إنَّ العامة الذين تنقُصُهم المعرفة هم الذين يَتصوَّرون الله كمُشرِّع أو كأمير، ويُسمونه عادلًا ورحيمًا، والحقيقة أنه يفعل ويُوجِّه كلَّ شيءٍ بضرورة طبيعته وكمالها.

    ولكن الفيلسوف، شأنُهُ شأن المسيح، يَستطيع إدراك الوَحي بالنور الفِطري لذلك سَمَّى سليمان العقل «ينبوع الحياة الحقَّة» ويكون الشَّقاء في ضَياع العقل؛ وذلك لأن عقلنا وعِلمنا يعتمدان على معرفتنا بالله وتَصوُّرِنا له، وهذا العالَم من شأنه الحثُّ على الأخلاق الصحيحة والسياسة السليمة، وهي الأخلاق الطبيعية التي تَتَّفِقُ مع أخلاق الفضيلة، وبذلك يكون النَّعيم في تنمية العقل الطبيعي؛ وذلك لأنَّ النُّور الفِطري قادر على إدراك القانون الإلهي.٦٧
  • (٢)

    القانون الإلهي لا يَقتضي التصديق بالرِّوايات مهما كان مضمونها، لأنَّنا نَعرِفُه من الطبيعة الإنسانية، في حين أنَّ الروايات مُقيَّدة بالظروف التاريخية التي نشأت فيها، فالتَّصديق بالمُعجِزات المُتضمَّنة في الرواية لا يُمكن أن يُعطينا معرفة الله أو حُبِّه؛ لأنَّ حُبَّ الله يصدُر عن معرفته، ومعرفة الله تَنتُج من الأفكار العامَّة التي يكون بعضها معروفًا، يُمكنها أن تُعطينا بعض أوجُهِ النفع في الحياة العملية، وتُفيدنا في معرفة سلوك الآخرين.

    فإذا كان هناك طريقان: طريق العقل وطريق التجربة،٦٨ الأول طريق النُّور الفطري لعَددٍ قليلٍ من الناس والثاني طريق الرواية للعامَّة، وقد استعمل الكتاب المُقدَّس كِلا الطريقَين، فالفيلسوف لا يحتاج إلى الرواية؛ لأنه يُدرِك حقائق الوحي بالنُّور الفطري، أما العامَّة فإن التصديق بالروايات ضروري لها؛ لأنَّها لا تستطيع إدراك الأمور النظرية، ومن يُنكِر هذه الروايات لأنه لا يُؤمِن بالله فهو كافِر جاحِد، ومن يَجهلها ويؤمن بالله بالنُّور الفطري، ويُراعي قواعد السلوك، فإنه يحصُل على السعادة الأبدية أكثر مِمَّا يحصل عليها العامَّة؛ لأنَّ لدَيه معرفة واضحة ومُتميِّزة عن الحقائق الإلهية. ولمَّا كانت العامَّة غير قادرة على البرْهَنة على مُعتقداتها بالبحث الدقيق في جميع الروايات وصِحَّتِها، فعليها أن تُؤمِن بها كما هي ما دامتْ تَحُثُّها على الطاعة والإخلاص، وما دامَتْ عاجزةً عن أن تحكم على صحة هذه الروايات أو على مضمونها،٦٩ وتحتاج العامَّة بالإضافة إلى هذه الروايات إلى رجال الدين وإلى القُسُس وإلى الكنيسة.
    فمعَ أن الروايات أفضل من التاريخ البشري الدُّنيوي، ومع أن بعضها أفضل من بعض من حيث استخدامها في نَشْر المُعتقدات، إلَّا أن التصديق بها لا صِلة له بالقانون الإلهي، ولا يُؤدِّي إلى السعادة الأبدية، قد نَجهَل هذه الروايات كليةً، ومع ذلك يَظلُّ سلوكنا فاضلًا ونحصُل على السعادة الأبدية لو كانت رُوح المسيح فينا. ويَظنُّ بعض اليهود أن تطبيق قواعد السلوك القويم لا يؤدِّي إلى السعادة الأبدية، ما دام إدراكها قد تَمَّ بالنُّور الفطري، ولم يُبقِ من الوحي شيئًا، وهو رأي موسى بن ميمون ويُوسف بن شيم طوب، ولن تنفَعَهم أخلاق أرسطو في الخلاص، لأنهم يُدرِكونها بالوحي. وهذا ظَنٌّ باطِل، لا يُؤيِّده العقل أو الكتاب. وهكذا يبدو سبينوزا أكثر عقلانية من ابن ميمون الذي ما زال يُريد إفساح المجال للوحي بجوار العقل، في حِين أنَّ سبينوزا يكتفي بحياة الفضيلة وبإدراك النُّور الفِطري حتى يَحصُل الإنسان على السعادة الأبدية.٧٠
  • (٣)
    القانون الإلهي الطبيعي لا يتطلَّب إقامة الشعائر والطقوس أي مُجرَّد حركات، وأعمال للجوارح لا تكون خَيِّرة إلَّا بالنسبة لنظامٍ مُعيَّن.٧١ لا يتطلَّب القانون الإلهي أفعالًا يتجاوز تبريرُها حدود العقل الإنساني، فالخَير الحقيقي يُدرِكه النُّور الفطري، أمَّا الخير التابِع لنظامٍ أو قانونٍ فليس إلَّا وهمًا. فإذا كان القانون الإلهي شاملًا محظورًا في النفس، فقد وُضِعَت الشعائر والطقوس في العهد القديم للعبرانيين وحدَهم، وتكيَّفَت حسب دولتهم، ولا يقوم بها الأفراد كلٌّ على حِدة، بل تقوم بها الجماعة، ولا شأن لهذه الطقوس بالقانون الإلهي، أو بالسعادة والفضيلة، بل تتعلَّق باختيار العبرانيين من حَيث النعيم الدُّنيوي، وسلامة الدولة، لأن هذه الشعائر لا تُقام إلَّا في الدولة، وقد نُسِبت إلى الله فقط؛ لأنَّها صادِرَة عن الوحي.

    ولكن كيف استطاعَتْ هذه الشعائر المُحافظة على الدولة، وما السبب في ذلك، مع أنَّ القانون الإلهي هو هذا القانون الشامل الذي هو القاعدة للحياة الحقيقية، لا هذه الطقوس؟ ليس غَرَض الشعائر الحصول على السعادة بل النعيم الدُّنيوي للدولة كالثروة والنصر أو للجماعة كالصحة واللَّذات الدُّنيوية، بل إنَّ التعاليم الخلقية لم تُعطَ في الأسفار الخمسة كقانون شامل، بل كوصايا تكيَّفَت مع عقلية العبرانيين وحدَهم، ولمصلحة دولتهم. وقد حرَّم موسى القتل والسرقة كما يُحرِّمُها الفقيه أو النبيُّ أو المُشرِّع أو الأمير، ولم يَقبَلِ الاستدلال في هذه الأحكام أو فهمها، بل علَّق عليها الثواب والعقاب نتيجةً لما يُصيب الفرد والدولة من نفعٍ أو ضرَر، فالزِّنا ضارٌّ بالدولة، لأنه خلْطٌ للأنساب، وضياع للأمن، ولو أراد موسى الجانب الخُلقي لأدان أيضًا زِنا القلب، أو زِنا النفس، أي رِضاء النفس وموافَقَتها الباطنية على فِعل الرذيلة، كما أدانَهُ المسيح من أجل إقامة قانون شامل، ولو أنَّهُ وعَدَ أيضًا بجزاءٍ رُوحيٍّ لا بَدَني؛ لذلك لم يَنسَخِ المسيح الشريعة القديمة، ولم يشأ وضع شريعة جديدة بل أعطى تعاليم خلقية، ومَيَّزها عن قوانين الدولة؛ لذلك يُخطئ الفريسيون عندما يُريدون الحصول على السعادة عن طريق القواعد القانونية، أي شريعة موسى، لأنَّ هذه القوانين لا تبغي إلَّا مصلحة الدولة، أما العهد الجديد فقد احتوى على تعاليم خلقية، ويَعِد من يُراعيها بملكوت السموات، وقد تَرَك الحواريون أنفسهم الشعائر بعد التبشير بالإنجيل عند شعوب الدول الأخرى. أما التزام الفريسيين بالشعائر بعد القضاء على الدولة، فإنه يكشف عن عدائهم للمسيحيين، لا عن رغبتهم في إرضاء الله؛ وذلك لأنهم تركوا الشعائر في سَبْي بابل، وتركوا شريعة موسى، وخضعوا لشعائر الدولة الجديدة، لم يكن على اليهود الالتزام بالشريعة بعد انهيار الدولة أو قبل قيامها، فلم تكن لهم قبل خروجهم من مصر شريعة خاصَّة، بل كانوا خاضعين لقانون الطبيعة أو لقوانين الدولة التي عاشوا فيها، حيث إنَّها لا تُعارِض القانون الإلهي الطبيعي، ولم يُضَحِّ البطارقة بالقرابين تنفيذًا لأمر الله الشامل، بل لبث رُوح التقوى في نفوسهم، وكانوا قد تَعوَّدوا على ذلك منذ القِدَم.

    ولكن كيف تُساعد الشعائر على المُحافظة على الدولة؟ الشعائر هي السَّبيل الوحيد للأفراد في جماعةٍ حتى تستطيع الوقوف أمام العدو ساعةَ الخَطَر، كما أنها تُساعد على الترابُط الاجتماعي من الداخل، وتقوم الجماعة على تقسيم العمل، ويَحتاج تقسيم العمل إلى تنظيمٍ قانوني، دُون أن يخضع البعض للبَعْضِ الآخَر؛ لأنه ليس هناك أقسى من سَلْبِ الناس حُرِّياتِهم بعد حصولهم عليها.٧٢ لذلك وجَبَ تنظيم المجتمع وإقامة قانون يُطيعه الجميع، سواء كان مُمَثَّلًا في شخصٍ أم في جماعة تكون لها الكَلِمة العُليا أمام العامة، وتكون هذه القوانين في دولةٍ ترى فيها الجماعة تحقيقًا لرغبتها لا خَوفًا منها، ثُمَّ يُطيع الجميع هذه القوانين التي ارتضاها الجميع بِحُرِّية تامَّة، وبذلك لا تفقِد الجماعة حُرِّيتها، ويقوم كلُّ فردٍ بعملِهِ عن رضًا وبحماسٍ بالِغ.

    وهذا ما حدَثَ للعبرانيين تمامًا، فعندما خرجوا من مصر لم تكن لهم أية قوانين، وكان باستطاعتهم وضع قوانين جديدة على هواهم، وإقامة دولة، واحتلال أرض، ولكنهم فضَّلوا الالتزام بقوانين الجماعة، وظلَّتِ السلطة في يدِ فردٍ واحدٍ له وحدَه الحقُّ في تفسيرها. واستطاع موسى أن يكون ذلك الفرد لِمَا يتمتَّع به من فضائل إلهية، وحاوَلَ إقناع الشعب بالقوانين عن طريق الاقتناع والرضا، لا بالخَوف والتهديد؛ وذلك لِسَبَبَين: الأول، عِصيان الشعب الطبيعي المعروف في تاريخ الأنبياء، والثاني، خَطَر الحرب الذي يُحتِّم إقناع الجُند، وَحَثَّهم على الدِّفاع عن طَوعٍ لا عن كراهية. ولهذا السبب أدخل موسى الدِّين في الدولة، حتى يؤدِّي الشعب واجِبَه بدافع التقوى، لا بدافِع الخَوف، كما ربَطَ مُوسى الشعب بالوعود المادِّية والمنافع الدُّنيوية.

    كان الغرَضُ من الشعائر والطقوس أن يقوم العبرانيون بأنفسهم بالأعمال التي تطلُبُها الدولة منهم، ولكنهم كانوا دائمًا يقومون بها تنفيذًا لأوامر الآخرين، وبالتالي لم تُؤدِّ الطقوس والشعائر إلى أيَّةِ سعادة حتى الشعائر والطقوس المَسيحية، خاصَّةً أنها من وَضْع الحواريين وليس من وضْع المسيح أو من وضع الكنيسة، كعلامةٍ لها، لا كطريقٍ للسعادة. لم يَكُن لها غرَضٌ سياسي، بل كانت من أجْلِ المُجتمع كُلِّه، ومن يَعيش وحدَه ليس عليه الالتزام بها، ومن يعيش في دولةٍ غَير مَسيحية عليه أن يَكُفَّ عن إقامة الشعائر حتى يُمكِنُه أن يعيش سعيدًا، مثل المَسيحيين الذين يعيشون في اليابان.

  • (٤)
    القانون الإلهي يُعطي أكبر جزاءٍ وهو معرفة هذا القانون نفسه أي معرفة الله وحُبِّه بِرُوحٍ صافية ثابِتَةٍ من رجالٍ أحرار، أمَّا العقاب فهوَ بمنْعِ الخَيرات ووقوعٍ في عبودية الجَسَد لنفسٍ هزيلةٍ مائعة.٧٣

تاسعًا: المُعجزة

استعمل سبينوزا في دراسته للنُّبوَّة منهج النصِّ الذي يَعتمد على الكتاب وحدَه، أما في دراسته للمُعجزة فإنه اعتمد على النور الفطري؛ وذلك لأنَّ النبوة تتعدَّى حدود الذهن الإنساني، هي موضوع اللاهوت، ولا تُدرَس إلا بمبادئ الوحي، أو كتاريخٍ لمعرفة طبيعتها وخصائصها، في حين أنَّ المُعجزة موضوع فلسفي مَحْض، يُمكن دراسته بالاعتماد على النُّور الفطري. وقد كان يُمكن أيضًا دراستها بمنهج النص؛ إذ يُؤيِّد الكتاب بوجهٍ عام خضوع كلِّ شيءٍ لنظامٍ ثابت للطبيعة لا يَتغَيَّر، ولا يُوجَد نصٌّ واحد يدلُّ على خرْق قوانين الطبيعة، فمن يُريد استعمال منهج النص فإنه سينتهي حتمًا إلى ما يُدرِكه النُّور الفطري من أنَّ الإيمان بالمُعجزة ليس ضروريًّا للخلاص.

وكما سُمِّي العلم الذي يتعدَّى حدود المنهج الإنساني علمًا إلهيًّا، فقد تعوَّد الناس تَسمية كلِّ عمل إلهيٍّ يجهلون عنه عملًا إلهيًّا. ويظنُّ العامَّة أنَّ قُدرة الله لا تظهَر إلَّا عندما تُخرَق قوانين الطبيعة، خاصَّةً إذا كان في هذا الخرْق مكسبٌ مادِّي له، كما تَظنُّ أن أكبر بُرهانٍ على وجود الله هو خَلَل نظام الطبيعة، وترى أنَّ تفسير هذه الظواهر بِعِلَلها الطبيعية المُباشِرة إنكار لوجود الله، الله والطبيعة عند العامة طرَفان مُتناقِضان، إذا عمِل الله تتوقَّف الطبيعة، وإذا عَمِلت الطبيعة توقَّف الله. هناك إذن قُوَّتان مُتمايزتان مُتعارِضتان: قوَّة الله وقوَّة الطبيعة التي تخضع لقوَّة الله أو التي خلقَها الله كما تتصوَّر العامة، قوة الله مثل قوة الملك وقوَّة الطبيعة كقوة عارِضة لاحِقة به، أو كقوَّة الرعية بالنسبة للدكتاتور، وتُسمِّي العامة عجائب الطبيعة أفعال الله أو مُعجزاتٍ تعبيرًا عن تقواهم، وجهلًا منهم بعلوم الطبيعة وبالعِلَل الطبيعية، وتقديسًا منهم لِما يجهلونه أو يُعجَبون به، ولا تتصوَّر عظمة الله إلَّا عندما تقهر قوانين الطبيعة، وقد تَبنَّى هذا التَّصوُّر اليهود الأوائل.

والحقيقة أنَّ نظام الطبيعة ثابت لا يتغير، ولا يحدُث فيه شيء مُخالف له. أما بالنسبة لله، فكل ما يريده الله يتضمَّن حقيقة وضرورة أبدِيَّتَين؛ وذلك لأنَّ عقل الله وإرادته شيء واحد، ولأنَّ كلَّ شيء يحدُث إنما يحدُث بمشيئة الله، ومن ثَمَّ تكون قوانين الطبيعة الشاملة أوامر إلهية، تصدُر عن ضرورة الطبيعة الإلهية وكمالها، فلو حدَث شيء مُخالف لهذه القوانين، فإنه بالتالي يُناقِض عقل الله وطبيعته، ولو فعل الله شيئًا مُناقضًا لقوانين الطبيعة، فإنه يعمل ضِدَّ طبيعته هو، وهذا مُستحيل. إن قُدرة الطبيعة هي قُدرة الله، وقُدرة الله مُماثلة لماهِيَّته، وقوانين الطبيعة لانهائية حتى تستوعِب العقل الإلهي كله، وإلَّا فلنتصوَّر الله خالقًا للطبيعة بقوانين عاجِزة، ثُمَّ يأتي الله ليُقدِّم العون لها بين اللحظة والأخرى، وهذا مُنافٍ للعقل؛ وعلى هذا النَّحو تكون المُعجزة عملًا من أعمال الطبيعة، نجهل عِلَلها، ولا نَستطيع إدراكها بالنُّور الفِطري، وبالتالي يُمكن تفسير المُعجِزات التي يَرويها الكتاب لو عرَفْنا عِلَلها الطبيعية.

لا نستطيع إذن عن طريقِ المُعجزة معرفة وجود الله أو ماهيته أو عنايته، نستطيع أن نعرف ذلك عن طريقِ نظام الطبيعة الثابت الذي لا يتغيَّر، بل إنَّ وجود المُعجِزات يجعلنا نشكُّ في وجود الله. لنفرِضَ مثلًا أنَّ مُعجزة قد وقعت، فإمَّا أن يكون لها عِلَّة نجهلها، أو أن يكون الله هو عِلَّتها، فإذا كُنَّا نجهل عِلَّتها الطبيعية، وكان كلُّ ما يحدُث من عِلَل طبيعية يحدث أيضًا بقُدرة الله، فإنَّ المُعجزة، مهما كان سببها تتجاوَزُ حدود الذِّهن الإنساني، ولمَّا كان كلُّ ما نعلمه بوضوح ونُميزه نعلمه إما بذاته أو بغيره نعلمه أيضًا بوضوحٍ وتَميُّز، فإننا لا نستطيع أن نعرِف الله بالمُعجزة، أنَّها ليست واضحة ومُتميِّزة، وعندما نعلم أن الله قد حدَّد كل شيء، وأن أفعال الطبيعة تصدُر عن ماهية الله، وأنَّ قوانين الطبيعة هي مَشيئة الله، فإنَّنا نعلم طبيعة اللهِ أفضلَ مِمَّا نعلم الأشياء الطبيعية، ونعلَمَ الأشياء الطبيعية بعد عِلمنا بطبيعة الله، وتكون أعمالُ الله هي ما نعلمه بوضوحٍ وتَميُّز، لا ما نجهله كليةً، وما يُثير خيال العامة. وتُعطينا حوادث الطبيعة التي نعرفها بوضوح وتَميُّز تَصوُّر الله على نحوٍ أفضل وأكمل. والإنسان الساذج هو الذي عندما يجهل شيئًا يَنسِبُه إلى الله، فضلًا عن أن المُعجزة واقعة مَحدودة، لا تدلُّ إلَّا على قُدرة محدودة، ولا تُثبِتُ وجود الله وقُدرته المُطلقة، في حين أنَّ قوانين الطبيعة تشمل على عددٍ لا نهائي من الموضوعات، وهي قَوانين ثابتة لا تتغيَّر، وبالتالي فإنها تكون أعظمَ بُرهان على وجود الله. والمُعجِزة التي تخرِق قوانين الطبيعة لا تؤدِّي إلى معرفة الله فقط، بل تَجعلنا نشكُّ في وجوده، وبذلك يؤدِّي الإيمان بالمُعجزات إلى الكُفر والإلحاد. وهذا ما تدلُّ عليه نصوص الكتاب، عندما يَذكُر أنَّ النبيَّ الكاذِب يُمكنه أيضًا القيام بالمُعجزات. خُلاصة القول أنَّ اليهود لم يكُن باستطاعتهم تَصوُّر الله تصوُّرًا صحيحًا، بالرغم مِمَّا شاهدوه من مُعجزات، في حين أن الفلاسفة يعرفون الله معرفةً واضحة ومُتميِّزة، بمعرفتهم للطبيعة، لا عن طريق المُعجِزات، ويَحصُلون على الفضيلة بالامتِثال لأوامر الطبيعة لا بِمُناهضَتِها.

وعلى هذا الأساس، يشرَح سبينوزا أهمَّ المفاهيم التي تُوحي بتدخُّلٍ خارجي في الطبيعة في اللاهوت التقليدي، شمل: حكم الله، عَون الله الخارجي، عَون الله الدَّاخلي، اختيار الله، الحظ أو الرزق.

فحُكم الله هو نظام الطبيعة الثابت الذي لا يَتغيَّر، أو تَسلسُل الموجودات الطبيعية؛ وذلك لأنَّ قوانين الطبيعة الشاملة هي مشيئة الله الأبدية التي تتضمَّن حقائق وضرورة أبدِيَّتَين، فإنْ قُلنا إنَّ كلَّ شيءٍ يسير حسب قوانين الطبيعة، أو طبقًا لمشيئة الله، فإنَّنا نقول الشيء نفسه، فصفاتُ الله هي قوانين الطبيعة، بل إنَّ الله هو الطبيعة، الله هو الطبيعة الطابعة، والطبيعة هي الطبيعة المطبوعة.

أما عون الله الخارجي، فهو ما تُقدِّمه الطبيعة للإنسان دُون جهدٍ منه، ويَستعين به في حُكمِه وحِفظ وجوده؛ وذلك لأنَّ قوَّةَ الله هي قوَّة الطبيعة التي يَتحدَّد بها كُلَّ شيء، ويكون عون الله الداخلي هو ما يَصدُر عن الطبيعة الإنسانية بقُدرتِها الخاصة، للمُحافَظة على وجودها.

أما اختيار الله، فإنه يَتمُّ طبقًا لنظام الطبيعة السابق، أي بحُكم الله ومشيئته الأبدية، ولا يستطيع أحدٌ أن يختار طريقته في الحياة، أو أن يختار أيَّ شيءٍ إلَّا بدعوة من الله.

أمَّا الحظُّ أو الرزق، فهو حُكم الله من حيث سيطرتِهِ على الأمور الإنسانية بِعِلَلٍ خارجية لا يتوقَّعُها الإنسان، ولا مجال فيه للصُّدفة.

وهناك نصوص كثيرةٌ في الكتاب تدلُّ على أنَّ مشيئة الله أو إرادته ليست شيئًا آخر سوى نظام الطبيعة،٧٤ فعندما يَذكُر الكتاب أن شيئًا قد حدَثَ وفقًا للمشيئة الإلهية، فإنه يَعني أن شيئًا قد وقَعَ وفقًا لنظام الطبيعة، لا كما يَتصوَّر العامَّة من أنَّ الطبيعة قد توقَّفَتْ عن العمل أو تَخلخلَ نظامها، ولم يُعبِّر الكتاب صراحةً عن هذه الحقيقة لأن مهمَّتَهُ ليست التعريف بالأشياء بِعِلَلِها الطبيعية، أو إعطاء حقائق نظريَّةٍ بل إثارة الخَيال والتأثير على النفوس، في أسلوبٍ شِعري، يُثير الإعجاب، ويَطبَعُ التقوى في النفوس. وكثيرًا ما تَصمِتُ الروايات، ولا تذكُر العِلَل الطبيعية، لأنَّ غرَضَها ليس إقناع العقل، بل إثارة الخيال. فكثير مِمَّا تَذكُرُه الروايات على أنه حدَثَ، لم يحدُث بالفعل، بل مُجرَّد صورة شِعرية، أو قد حدَث، ولكن طبقًا لقوانين الطبيعة. أمَّا إذا كانت هناك واقعة مُناقِضة لقوانين الطبيعة صراحةً فيَجِب اعتبارها زيادةً في الكتاب، أضافَها المُحرِّفون؛ إذ إن كلَّ ما يُناقِض الطبيعية يُناقِض العقل، وكلَّ ما يُناقِض العقل يجِبُ رفضُه. وكثيرٌ من الروايات إبداع شِعري، أو تعبير عن الأحكام السابقة للرُّواة. فمن النادر أن يَذكُر الناس شيئًا كما حدَثَ بالفِعل، دُون أن يَزيدوا عليه شيئًا، سواء في طريقة الرواية، أو في حَجمِها، أو إضافةِ شيءٍ من حُكمِهم الخاص. وعندما يكون الانتباه مُركَّزًا على شيءٍ جديد، فإنهم يُدرِكون شيئًا مُخالفًا لِما يحدُث بالفعل، خاصَّةً إذا تجاوز هذا الشيء حدود فَهم الراوي، وأضاف إليه حُكمه. وكثيرًا ما اختلفت روايتان للحادثة نفسها، لاختلاف إضافات الرُّواة عليها، كلٌّ حسب تأثُّره بما رأى وبما سَمِع، حتى إنه يصعُب العثور على النَّواة الأولى؛ ولذلك حتى يتمَّ تفسير المعجزة، يجبِ معرفة أفكار الرواة الأوائل، وآراء المُدوِّنين لها، ثم الفصل بين هذه الأفكار والتمثُّلات الحِسِّية وبين شهادة الواقع، وإلا وقعنا في الخلط بين آراء الرواة والحادثة أو بين الخيال والواقع. وكثيرًا ما ذكر الرُّواة أشياء، كُنَّا نظنُّ أنها حدثت بالفعل مع أنها من مَحْض خيالهم مثل نزول الله من السماء في عمودٍ من دُخان على جبل سيناء وصعود إلياس إلى السَّماء في عربةٍ من نار تجرُّها أحصنة من نار. وفي سِفر صموئيل تُسمَّى الرياح الساخِنة التي أذابَتِ الصقيع والجليد كلمة الله وتسمَّى النَّار والرياح «مُساعدي الله»؛ لذلك، علينا أيضًا أن نتأكد من سَلامة الحواس التي تطبع على الخيال.٧٥ ولتفسير المُعجزة تفسيرًا صحيحًا علينا أيضًا دراسة أساليب البيان عند العبرانيين وطُرق البلاغة، فكثيرًا ما كانت تُروى المُعجزات على نحوٍ بلاغي، للتعبير عن أشياء أخرى، دون أن تكون وقعَتْ بالفعل، ولا يتمُّ ذلك رغبةً في إدخال بعض المُحسِّنات البديعية فحسب، بل إخلاصًا من الرواة في رواياتهم. خُلاصة القول إنه ليس هُناك ما يَستعصي على النُّور الفطري، أو العِلم الطبيعي، فقد جهل اليهود العِلَل الثانية ونَسَبوا إلى الله كلَّ شيء بدافع من الإيمان الصادق، فالله هو مُقدِّر الرزق ومُشبِع الرغبات، فكُلَّما ذَكر الكتاب قال الرب لا يعني أنه يُعطي نبوَّة او معرفة تفوق الطبيعة، بل لا بدَّ من أن نَستوثِق من ظروف الرواية وملابساتها على أنَّ هناك نبوَّة حدثَتْ بالفِعل.٧٦

عاشرًا: النبي والحواري

بعد أن انتهى سبينوزا من دراسة العهد القديم في الفصول العشرة الأولى، بدأ بدراسة العهد الجديد. ويُركِّز دراسته على موضوع واحد جوهري وهو الفرق بين النبيِّ والحواري، وهو الفرق الذي غفله المسيحيون أنفسهم في الخلط بين الوَحي والإلهام، أو باصطلاح المسلمين، بين النبيِّ والصحابي، أو بِلُغة النقد، بين الكتاب Ecriture والتراث Tradition وبِلُغة العهد الجديد بين الأناجيل والرسائل. ويأخذ سبينوزا بولس، أقوى شخصية بين الحواريين، كمَثلٍ للمُقارنة بين النبي والحواري.

فمن ناحية الأسلوب يؤكد النبيَّ أنه يتحدَّث بناءً على تفويضٍ من الله، أمَّا الحواري فإنه يؤكد أنه يتحدَّث باسمه، ويُعبِّر عن تفكيره وآرائه الشخصية. النبوة من عند الله، أما رسالة الحواري فإنها من عنده هو. النبوَّة توقيفٌ من الله واختيارٌ إلهيٌّ للنبي، ورسالة الحواري تطوُّع من لدُنْه ومن أي فردٍ يشعُر بأنَّ لدَيه القُدرة على نشر الدعوة، النبوَّة لا تُخطئ فهي يقينية، أما الحواري فيخطئ ويعيب، ورسالته ظنية، يُمكن الشكُّ فيها باعتراف الحواري نفسه.

ومن حيث طريقة التعبير، نجِد أنَّ النبي لا يستدل، بل يتحدَّث مُعتمدًا على السلطة الإلهية، أما الحواري فإنه يستدلُّ ويناقش، يُجادل ويُحاج. يُبلِّغ النبي حقائق النبوَّة التي عرفها من الوحي، أما الحواري فإنه يُفكر ويعتمد على العقل وعلى النُّور الفطري.٧٧ أما موسى فإنه عندما يَستدلُّ لا يعتمد على العقل، بل يدعو للفضيلة كما يدعو الواعِظ ولا يتحدَّث باسمه بل باسم الله، وقد يقترب النبي من الاستدلال، لو كانت معرفته بحقائق الوحي أقربَ إلى المعرفة الفطرية؛٧٨ لأن معرفة الأنبياء عادةً تأتي من فوق الطبيعة Surnaturelle. لم يكن لدى بولس إذن وحي من فوق الطبيعة بل آراء شخصية له، ونداءات إنسانية ودعوات للأُخوَّة وللفضيلة، وهو ما يعترِف به بولس نفسه، في حِين أن موسى قد بُعِث بأمر الله، وتحدَّث بوحيٍ منه، وبلَّغ رسالته. وكما اختار بُولس أقواله اختار أيضًا، بمَحْض إرادته، الأماكن التي بَشَّر فيها، في حِين أنَّ موسى قد بشَّر في أماكن حدَّدَها الله له ووجَّهَه فيها، لقد بَشَّر الحواريُّون باعتبارهم علماء وفقهاء ورجال دين، لا باعتبارهم أنبياء، وهم بهذا المعنى قد أُرسلوا إلى البشر جميعًا، في حين أنَّ النبيَّ قد أُرسل لأمَّةٍ مُعينة؛ لأن تبليغ الرسالة ليس موقوفًا على شعبٍ مُعين أو مكانٍ مُعين أو وقتٍ مُعين.٧٩
فإذا بدأ الحواري إحدى رسائله بتأكيد صفته كحواري، لا كنبيٍّ وتأكيد سُلطته، فإنما يفعل ذلك لجذْب انتباه القارئ أو السامع، وإذا تحدَّث الحواري عن رُوح الله، فإنه يعني آراءه الشخصية، كما يدلُّ السياق على ذلك، وقد وَصَل الحواري إلى بعض حقائق الوحي بالنُّور الفطري، مثل دَعوته إلى الأخلاق، وهي جَوهر المسيحية. وكان الحواريُّ يعتمِد في بعض الأحيان على الآيات لنَشْر الدَّعوة.٨٠
وقد اختار كلُّ حواريٍّ الطريقة التي تُلائمه لنشر الدعوة ولتحذير الناس، فأقام بولس المسيحية على أُسُسٍ خاصة به، مُستبعدًا الأُسُس الأخرى لسائر الحواريين، فقد دعا بولس مثلًا إلى إمكان الخلاص بالإيمان وحده دون الأعمال، وأكَّد عقيدة القَدَر السابق Prédestination في حين أنَّ يعقوب دعا إلى إمكان الخلاص بالإيمان والعمل معًا، فالإيمان دون العمل إيمان مَيِّت — مُعارضًا بذلك عقيدة بولس. وقد كان هذا الاختلاف في الأُسُس سببًا للتفرق والتشيُّع إلى طوائف مُختلفة داخل الكنيسة وخارجها، ولن تتوقَّف هذه الاختلافات إلَّا إذا كفَّت الكنيسة عن الدخول في التأمُّلات النظرية، وعادت إلى العقيدة السَّمِحة التي دعا إليها المسيح. ولكن الحواريين لم يستطيعوا ذلك، ونَسُوا الإنجيل، وأنْسَوه الناس معهم، وقد كان بولس من بينهم جميعًا أشدَّهم تَحزُّبًا للمسيحية العقائدية والدِّيانة المذهبية، وهي التي أصبحت فيما بعد المسيحية الرسمية، مِمَّا جعل البعض يتحيَّزون معه، والبعض الآخر ضِدَّه، وقد ساعد بُولس في ذلك تكوينه الربَّاني rabbinique اليهودي، ومعرفته بتاريخ الأنبياء، ودراسته لطُرق التأويل في مدرسة الجماليل Gamaliel وإحاطته بثقافة العصر اليونانية، خاصَّةً أنَّ دعوته كانت مُوجَّهة إليهم حتى سُمِّي حواري الأمم L’Apôtre des Gentilles.٨١

أحد عشر: الوحي المكتوب والوحي المطبوع

بعد أن وَضَع سبينوزا الكتاب المُقدَّس موضع البحث، وانتهى إلى كثيرٍ من النتائج النقدية الصحيحة التي أيَّدها النقد بعد ذلك في القرون التالية، وضع تفرقةً بين الوحي المكتوب والوحي المطبوع:
  • فالأول: هو موضوع النقد، أي دراسة الوحي من حيث الرواية ونقلها وصحَّتها ولُغتها، أي الوحي من حيث هو صورة، والثاني موضوع الفلسفة أو التصوُّف، وهو الوحي من حيث هو معنى مطبوع في القلب، ومسطور في النفس، وبين صُورتَي الوحي ما بين الأرض والسماء.٨٢
    الوحي المكتوب قابِل للتغيير والتبديل، وخاضع للتحريف والتزييف، وهو الوحي الذي دافع عنه الصَّدوقيُّون في إيمانهم بالشريعة المكتوبة في الألواح، وهو الوحي موضوع النقد التاريخي. هو صورة حِسِّية للوحي المطبوع، لذلك لا يمسُّ النقد التاريخي جوهر الوحي أي معناه وفحواه، بل الصورة اللفظية والشكل التاريخي.٨٣ وعندما يُقال وقَعَ التحريف والتبديل والتزييف في الوحي، فإنَّ المقصود هو الوحي المكتوب لا المطبوع، وإلَّا لقدَّسْنا الصورة والتماثيل. ولا يُمكن الخلْط بين الوحيَين لأن الذي يَعتبِر الوحي المكتوب هو الوحي المطبوع فإنه يُريد تفادي نتائج النقد التاريخي، كما يُريد الإبقاء على التزييف في النصِّ والإيمان بعقائد على هواه،٨٤ ومن يَعتبِر الوحيَ المطبوع هو الوحي المكتوب، فإنه يُريد ترك نفسه بلا ضابط، ما دام الوحيُ قد حُرِّف وبُدِّل، ولم تَعُد ثمَّةَ حقيقة يُمكن الإيمان بها، وتوجيه سلوك الناس عليها.
    ولا تعني هذه التفرقة إنكار قُدسيَّة الكتاب؛ لأنَّ القدسية تُعزى إلى الكتاب لو كان غرَضُه التقوى والتديُّن، ويكون الكتاب مُقدَّسًا أو من عند الله طالما يحثُّ الناس على مُمارسة الفضيلة وحياة التقوى، فإذا لم يُؤدِّ الكتاب هذا الغرض، وإذا توقَّف الناس عن مُمارسة هذه الحياة السليمة، وإذا ضاع منهم التديُّن الصحيح، لم يَعُد الكتاب مُقدَّسًا أو من عند الله. فالكتاب لا يكون مُقدَّسًا أو من عند الله إلا بقَدْر ما يُؤثِّر في الناس، ويدعوهم إلى حياة الفضيلة والتقوى، فالقداسة هي أن يكون الإنسان نقيًّا والألوهية أن يكون الإنسان إلهيًّا، وبِلُغة مُعاصرة نقول: إنَّ القداسة للاستعمال وإنَّ الكتاب لا يعني شيئًا إلَّا في الاستعمال، وإنَّ الكلمات لا تكون تقيَّةً في ذاتها إلَّا بترتيبٍ خاص، يُوحي بالفضيلة ويحث عليها؛ لذلك كان تقديسُ الحرف وقوعًا في الوثنية وكان تقبيل الكُتُب المقدَّسة، وتغليفها بالذهب ووضعها على الرءوس، وحفظها في أحجبة على الصُّدور وقوعًا في المادية الحِسِّية. المُقدَّس هو المعنى الذي يحثُّ على التقوى.٨٥
    فإذا نظرنا إلى الكتاب المُقدَّس وجَدْنا أن نصوصه قد جُمعت من كُتب التاريخ والسِّيَر، وأنها قد تغيَّرت وتبدَّلت وحُرِّفت للوقائع الآتية:
    • (أ) لم تُكتَب أسفار العهدَين بتفويضٍ من الله مرَّةً واحدة، وفي عصرٍ واحدٍ لكلِّ العصور، بل كتَبَها مُؤلِّفون كثيرون، صُدفة، وفي عصور متعددة، طبقًا لظروف العصر، وآراء الكُتَّاب وأغراضهم، وهذا ما يُثبِتُه الفحص التاريخي للكتاب المُقدَّس.
    • (ب) اختلاف الوحي، وهو كلام الله، عن تفكير الأنبياء، فيما عدا النصوص التي تدعو إلى حياة الفضيلة.
    • (جـ) تقنين أسفار العهد القديم باختيار مَجلس الفريسيِّين، وأسفار العهد الجديد بقرارات المجامع الكنسية، واستبعاد أسفارٍ كثيرة أخرى كانت أيضًا مُقدَّسة في ذلك الوقت، وكانت تحتوي على كثيرٍ من النصوص إن لم تكُن كلها، تدعو لحياة الفضيلة، ولم يكن أعضاء المجالس أنبياء، ولم يكونوا أيضًا نُقَّادًا بالمعنى الحديث بل كانوا لاهوتِيِّين، يَستبقون أو يَستبعدون النصوص وفقًا لمُعتقداتهم المُطابِقة لأهوائهم.
    • (د) لم يَكتُب الحواريون باعتبارهم أنبياء، بل باعتبارهم رجال دين، واختاروا أكثر الطُّرُق مُلاءمةً لهم في الإقناع، ويُمكن الاستغناء عن كثيرٍ من كتاباتهم، دون أن يَنقُص ذلك من الوحي شيئًا.
    • (هـ) هناك أربعة أناجيل، ولم يقصد الله أن يَقُصَّ حياة المسيح أربعَ مرَّات، ويُوجَد في كلِّ إنجيلٍ ما لا يُوجَد في الإنجيل الآخر، ولم يَختَر الله هؤلاء الكتاب الأربعة، ولم يُخبِرهم بشيء، بل كيَّفَ كلٌّ منهم إنجيله طبقًا لبيئته وعصره ولإثبات ما يُريد إثباته، ولا تتَّفِق الأناجيل الأربعة إلَّا على النزر اليسير الذي يُمكن الاستغناء عنه، دون أن يُؤثر في فَهم الإنجيل، ودون أن ينقُص من سعادة الناس أو الذي يمكن إدراكه، إذا كان دعوةً لحياة الفضيلة، بالنُّور الفطري.

    لا يقع التبديل إذن إلَّا في الوحي المكتوب لا في الوحي المطبوع، ولا يَقَع التحريف إلَّا في الألفاظ لا في المعاني. فقد تتغَيَّر الألفاظ وتتبدَّل النصوص، ولكن يبقى المعنى واحدًا من حيث هو دعوة للطاعة وللخلاص، وبذلك لا تنقُص ألوهية الكتاب ولا تزيد بتغيير الكلمات أو تبديلها. وبهذا المعنى يُمكن أن يُقال: إن الكتاب قد وصل إلينا بلا تحريفٍ أو تبديل، وهو الذي يُمكن تلخيصه في «أحبَّ جارك كما تُحِبُّ نفسك.» فهذا هو أساس الدِّين كُلِّه الذي لا يَقَع فيه الخطأ، كذلك وجود الله وعنايته الشاملة وقُدرته وصدور الخَير والشَّرِّ منه، والفضل الإلهي، كلُّ ذلك يدعو له الكتاب في كل موضعٍ منه بوضوح، كذلك الحقائق الخُلقية، مثل العَدْل والإحسان، فالقانون الشامل الذي دعا إليه الكتاب قد وَصَل إلينا بلا تحريفٍ أو تبديل. أما أسباب الشِّقاق والاختلاف فهي المُعجِزات، التي يَشقى فيها الفلاسفة، والموضوعات النظرية التي يُمكن لكلِّ فردٍ أن يبتدِع فيها كما يَشاء، وهي موضوعاتٌ لا تُهمُّ في شيء؛ سواء كانت صحيحة أم باطلة.

  • وفرق ثانٍ: بين الوحي المكتوب والوحي المطبوع، فالأول لا سبيل إلى إدراكه إلَّا بالوحي، أي بالراوية والنُّبوَّة، في حِين أنَّ الثاني يُمكن إدراكه بالنور الفطري. الأول يُمكن إدراكه من الخارج، والثاني من الداخل. الأول عن طريق الحواس، السَّمع أو البصر، والثاني عن طريق العقل.٨٦
  • وفَرْق ثالث: وهو أنَّ الوحي المكتوب يتضمَّن الشريعة، أي تنظيم أعمال الجوارح، في حين أن الوحي المطبوع لا يتضمَّن إلَّا التقوى والفضيلة أي تنظيم أعمال النفس؛ لذلك كان العهد القديم مُتضمِّنًا للشريعة، والعهد الجديد حاويًا للحبِّ وشريعة القلب.٨٧
  • وفرق رابع: هو أنَّ الوحي المكتوب أتى لأُمَّة مُعينة، وهي الأمة العبرانية، في زمانٍ مُعين ومكان مُعين، في حين أنَّ الوحي المطبوع أتى للناس جميعًا في كلِّ زمانٍ ومكان. لقد أعطى الله العبرانيين العهد في صورة مكتوبة، لأنهم كانوا في مرحلة الطفولة، وما إن بلَغُوا مرحلة النُّضج حتى أخبرهم موسى بأنَّ العهد مطبوع في قلوبهم، وإذا كان المِيثاق المكتوب قد ضاع وانقضى بعد حنثِ اليهود له، فإنَّ الميثاق الشامل الذي يربط الإنسانية كلها بالله ما زال قائمًا، والمِيثاق مَسطور في القلب وفي الفكر لا في المصاحف، والعهد ليس هو تابوت العهد بل الميثاق الأبدي. قد يضيع التابوت، ولكن يبقى المِيثاق في قلوب الأتقياء، وقد ينهدِم المعبد ولكن تبقى التقوى في قلوب الأصفياء، فالله لا يُوجَد إلَّا للأتقياء والأصفياء. وإذا كان الميثاق المكتوب قد أُعطي مرَّةً من جانب الله، فإنَّ المِيثاق الحيَّ مُعطًى كإمكانية مَحضة، يستطيع كلُّ تقيٍّ أن يدخُل فيه، فإذا راعى الإنسان المِيثاق وحافَظَ عليه راعاه الله من جانبه واصطفاه.٨٨

ثاني عشر: النَّظر والعمل

ومن أهمِّ التيَّارات في الفلسفة الحديثة تحويل المَسيحية من مستوى النظر إلى مستوى العمل، فقد تحوَّل الدين عند كانط من المعرفة إلى الأخلاق، وعند هيجل من العقائد إلى التاريخ، وعند سبينوزا من النظر إلى العمل، كما أصبح أساسه النظري يَسيرًا للغاية، لا شأن له بالتعقيدات العقائدية التي لا نهاية لها،٨٩ فتعاليم الكتاب عند سبينوزا يَسيرة للغاية تدعو إلى الطاعة، وتعاليمه الإلهية لها هدَف عملي في الحياة اليومية؛ لذلك لم يكن للأنبياء ذكاء خارق للعادة، بل كان لهم خيال خصب؛ ولهذا السبب أيضًا لم يُذِع الوحي أسرارًا فلسفية، بل أعطى أفكارًا سهلةً للغاية، طبقًا للآراء السابقة لكلِّ مُؤلِّف، كما أعطى تعاليم يسهُل إدراكها على كلِّ فردٍ أيًّا كان، ولم يستعمل منهج الاستنباط، بل أعطى بعض الحقائق للاعتقاد، وأيَّدَها بالتجربة وهي المُعجزة، واستعمل أسلوب التأثير في القلوب، وتحريك النفوس، وإن كانت هناك صعوبة في فَهم الكتاب، فإنها تَرجِع إلى اللغة، لا إلى الموضوع ذاته، خاصَّةً أنَّ الأنبياء قد دَعَوا كل الناس، ولم يدْعُوا اللاهوتيين فحسب. وقد دَعَت هذه الظروف إلى جَعْل الكتاب مجموعةً من الحقائق اليسيرة التي يَسهُل على كلِّ فردٍ إدراكها، لا مجموعة من النظريات الفلسفية، أو التأمُّلات الميتافيزيقية الخالصة، لا يحتوي الكتاب على أيِّ سِرٍّ فلسفي، وكلُّ ما يَدَّعيه البعض من أسرارٍ إن هي إلَّا تفسيرات حوَّلت الدين إلى أكاديمية للجدل والمُناقشة، وتقنين لنظريات الوَثنِيِّين التي يَرجِع أغلَبُها إلى أفلاطون وأرسطو، فالكتاب لدَيهم هو الجامع لكلِّ عِلم ممكن، والحقيقة أنَّ الكتاب لا يحتوي على أيَّةِ عقيدة فلسفية خالصة، بل على بعض الأفكار السهلة؛ وذلك لأنَّ غرَض الكتاب ليس إعطاءنا معرفة عِلمية بل دعوتنا إلى الطاعة ورفض العصيان، وطاعة الله في حُبِّ الجار، ولا يتطلَّب الكتاب أية معرفةٍ أُخرى إلَّا ما يَحُثُّ فيها على الطاعة؛ لذلك يجِب فصْل كلِّ ما عداها عن الدين، وإخراجه منه، لأنَّهُ لا يتعدَّى كونه آراءً ظنية، لا يُمكن إدراكها بالنُّور الفِطري، وكلُّ ادِّعاء بحاجتنا إلى نُور يفوق الطبيعة حتى يُمكننا إدراكها هو ادِّعاء كاذب، لأنه لا يُوجَد نُور يفوق الطبيعة، لا يُوجد نُور سوى النُّور الفطري.
إنَّ المعرفة العقلية، وهي المعرفة الصحيحة، لم تُعطَ كلَّ المؤمنين، في حين أن الطاعة قد دُعِي الجميع إليها، لم يطلُب الأنبياء من المؤمنين إلَّا معرفة العدْل والإحسان، وهو ما يُثبتُهُ الكتاب نفسه؛ إذ لم يَعرِف العبرانيون ماهية الله، بل عرَفوا آثاره، وهو ما يدلُّ عليه لفظ «يهوه» الذي يُشير إلى صِلة الله بمخلوقاته، ولم يَعرِف صفاته معرفة عقلية خالصة إلَّا الخاص، فالناس سواء في الطاعة، ولكنهم يختلفون في الحِكمة؛ لذلك لم يَطلُب الأنبياء من الناس إلَّا العدل والإحسان، أي الصِّفات التي يُمكن أن تكون قواعد للسلوك في حياتهم العملية، وهذا واضح بنصِّ الكتاب، فالله عادل ورحيم على الإطلاق، وهو نموذج الحياة الصحيحة. لم يُعطِ الكتاب تعريفًا للكتاب أو تعريفًا لله إلَّا ما يبغي حياة الفضيلة. ننتهي إذن إلى النتيجة الآتية: إنَّ المعرفة العقلية تُعطينا طبيعة الله في ذاته، ولكن لا يُمكن أخذ هذه الطبيعة كقاعدةٍ للسلوك في الحياة؛ لذلك لم تكن هذه المعرفة العقلية شرطًا من شروط الإيمان، بل يستطيع الناس أن يُخطئوا في هذه المعرفة دون أن ينقُص ذلك من إيمانهم شيئًا، ولا حرَج أن يَتكيَّف تَصوُّرنا لله حسب أحكام الأنبياء السابقة ومُعتقداتهم، ولا حرَج أيضًا في اللجوء إلى التَّشبيه، فهو وَسيلة إدراك الجمهور بالخيال؛ إذ لا يستطيع التنزيه إلَّا الخاصة، عن طريق المعرفة العقلية، فقد نَسَب الكتاب إلى الله اليدَ والعين والأذن، ووصفه كقاضٍ يقطُن في السماء، ويستوي على عرشٍ ملَكي والمسيح على يَمينه، كلُّ ذلك طبقًا لعقلية العامة، فالكتاب لا يهدف إلى إعطاء العِلم بل يدعو للطاعة، ولا يَجُوز الالتجاء إلى التفسير المجازي كما يفعل اللاهوتيُّون، بل يَجِب أن يؤمن الجمهور إيمانًا حرفيًّا بالصور الذهنية، وإلَّا لفَسَّر كلَّ ما يتعارَض مع الكتاب تفسيرًا مجازيًّا، وكأنَّ الوحي لم يُرسَل للجمهور العريض، بل للخاصَّة وحدَهم. خلاصة القول، إن الإيمان مرهون بالعمل لا بالنظر،٩٠ وإنه يكون صادقًا بقدْر ما يحثُّ صاحِبَه على الطاعة ويَمنعه من العصيان، وأنه يكون كاذبًا بقدْر ما يدفَع صاحِبَه إلى العصيان، وإنَّ العمل الصادق مهما كان قائمًا على نظرياتٍ غير صحيحة في طبيعة الله، أفضل من العمل الكاذِب مهما كان قائمًا على نظريات صحيحة فيه.
كلُّ إنسانٍ إذن حرٌّ في أن يؤمن بما يشاء، وأن يُكيِّف إيمانه حسب مُعتقداته وآرائه كما يُريد، وعليه ألَّا يمنع الآخرين من أن يكونوا كذلك، فهناك فرْق بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة، الإيمان يؤدِّي إلى الطاعة، والعقل إلى الحقيقة النظرية. لم يُحاول موسى إقناع العبرانيين بالطرق العقلية، بل ربَطهم بعهدٍ وبقسم، فارتبطوا بدِين الشكر والعرفان بالجميل، دعاهم موسى لطاعة الشريعة حتى ينالوا هذا الجزاء، وإلَّا وقعوا تحت طائلة العقاب، ولمَّا كانت هذه الوسائل التي لا تُساعد في الحصول على المعرفة لا تحُثُّ أيضًا على الطاعة بطريقةٍ سليمة، دعا الإنجيل إلى الإيمان، واعتبر الطاعة جوهره فإذا تلخَّصَت الشريعة كلها في حُبِّ الجار يُصبِح الإنسان مُطيعًا وسعيدًا إذا أحبَّ جاره كَحُبِّه لنفسه، ويُصبِح عاصيًا شقيًّا إذا ما خالف ذلك، فلم يُكتَب الكتاب للعلماء بل لجميع الناس، ولم يَأمُرنا الكتاب إلَّا بمعرفة أقَلِّ ما يلزم للطاعة، وهو حُبُّ الجار. هذه الوصية هي القاعدة الوحيدة للإيمان الشامل التي يَجِب أن تُحدِّد عقائد الإيمان الأخرى، وحتى لا نَقَع في المُغالاة، ونعتقد بأيِّ شيءٍ مهما كان، ما دام مُؤدِّيًا للطاعة، هناك حدٌّ أدنى لتعريف الإيمان بأنه الحصول على بعض الأفكار عن الله التي تُؤدِّي إلى الطاعة، وأنَّ غيابها يؤدِّي إلى العصيان، ويكون المُطيع حقًّا من يَعتنِق هذه الأفكار، ويَنتُج عن هذا التعريف نتيجتان:
  • (أ)

    يؤدي الإيمان إلى الخلاص؛ لأنه يحثُّ على الطاعة، لا لأنه إيمان في ذاته، فالإيمان بدون عملٍ مائت.

  • (ب)

    يكون المُطيع هو صاحب الإيمان الصادق، وهو الإيمان الذي يُعطيه الخلاص.

فإذا حَسُنَت الأفعال فلا يُهمُّ بعد ذلك بُعدها عن العقائد، وإذا قَبُحت الأفعال فلا يُهِمُّ حينئذٍ قُربها من العقائد، ولن يُعرَف العدْل والإحسان إلَّا بِمُشاركتنا فيهما، ويكون أعداء المسيح حقًّا هم الذين يضطهدون من يُمارسون العدل والإحسان، ويُخالفونهم في مضمون الإيمان، فالإيمان يتطلَّب عملًا صادقًا أكثر مِمَّا يتطلَّب عقائد صحيحة، ولا يُهمُّ مُطلقًا أن تكون العقائد باطِلة لو كانت تُؤدِّي إلى العدل والإحسان، يكفي ألَّا يَعرِف من يؤمن بها أنها باطلة، ولا يرجِع خطأ الناس في الكتاب لجهلهم به، بل لعِصيانهم له، ويرجِع تَصوُّرهم الصحيح له لطاعتهم إياه.٩١
ويُمكن استنتاج بعض العقائد من مبدأ الإيمان الشامل، وهو حُبُّ الجار، وهي ليست عقائد نظرية بقدْر ما هي مبادئ تحثُّ على الطاعة، مبادئ يَحياها القلب في حُبِّه للجار، وبذلك يكون الله في الإنسان، والإنسان في الله، فإذا اختلف الناس في تَصوُّرهم لعقائد الإيمان، فإنهم يَتَّفِقون على هذا المبدأ الشامل الذي تَعتنِقُه الإنسانية جمعاء، بعيدًا عن الصراع على العقائد والجدَل والمُهاترات داخل الكنائس. ويحتوي هذا المبدأ الشامل على الحدِّ الأدنى من الإيمان، وهو يشمل سَبْع نقاط، تكون دينًا عامًّا شاملًا يَصدُر عن العقل، ويَتَّفِق مع الطبيعة ويَحثُّ على الخَير، وهذه النقاط هي:
  • (١)

    يُوجَد إله خَيِّر ورحيم على الإطلاق، نموذج الحياة الحقَّة، يَجِب معرفته والإيمان به من أجل طاعته، والتصديق به كحَكَمٍ عدل.

  • (٢)

    يُوجَد إلهٌ واحد جدير بالتبجيل والعظمة والمَحبَّة.

  • (٣)

    حاضِر في كلِّ زمانٍ ومكان ويَرعى كلَّ شيء، لا تخفى عليه خافية وهو الموجود الكامل.

  • (٤)

    يُسيطِر على كلِّ شيء ويُسيِّر كلَّ شيء، لا عن قهر، بل بمشيئتِهِ المُطلقة وبفضله، يُطيعه كلُّ فردٍ وهو لا يُطيع أحدًا.

  • (٥)

    عبادته في طاعته التي تَتمُّ بمُمارسة العدل والإحسان أي حُب الجار.

  • (٦)

    يتمُّ الخلاص للمُطيعين وحدَهم الذين يُمارسون الطاعة في حياتهم، ويضيع من يَتَّبِعون الشهوات، ويَسيرون وراء الأهواء.

  • (٧)

    يَغفِر للتائبين ذنوبهم، فكلُّ بني آدم خطَّاءون، وخير الخطَّائين التَّوَّابون.

ولا يُهمُّ بعدَ ذلك أن يكون الله روحًا، أو نارًا، أو نورًا، أو فكرًا، كما لا شأنَ لنا بالعِلم الإلهي الصادر عن ماهيته، أو بالقُدرة الإلهية، أو بأثَرِهِ على الحُريَّة، والضرورة في طبيعته، وإلَّا لتعرَّض إيمانُنا للخطر. فليتصوَّر كلُّ إنسان هذه الأمور حسب عقليته الخاصة بشرط أن يكون إيمانه صادقًا، فمِقياس الإيمان هو صِدقه لا حقيقته، ومن يُعطي أفضل الحجج لا يكون بالضرورة أفضل المُؤمنين، ولا يُدرك أهمية ذلك إلَّا من يُفكر في المصلحة العامَّة. لا يُهمُّنا إذن أن يكون الصوت الذي سمعه موسى على جبل سينا حقيقيًّا أم زائفًا، فليس لدَينا يَقينٌ رياضي على ذلك، يَكفي أن يُثير هذا الصوت فينا إعجابًا بالله إذ لم يقصِد الله بهذا الصوت الكشف عن ماهيَّتِه وصفاته.٩٢

ثالث عشر: العقل واللاهوت

وقبْل أن ينتقِل سبينوزا إلى الجُزء السياسي في الرسالة، يتناوَلُ آخِر مُشكلة في الجزء اللاهوتي، هو الصِّلة بين العقل واللاهوت، وهي المُشكلة التقليدية في فلسفات الأديان والتفكير الدِّيني بوجهٍ عام، مُشكلة الصِّلة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والإيمان، ولكن سبينوزا لا يتحدَّث عن الدين والإيمان، ما دامت مُهمَّة الدين والإيمان هي الحثُّ على الطاعة من أجل حُبِّ الجار، ومُمارسة العدْل والإحسان.

يرى سبينوزا أنه لا تُوجَد أيُّ صِلة بين العقل والإيمان، أو بين الفلسفة والدين، أو كما يقول هو، بين العقل والفلسفة من ناحية وبين الإيمان واللاهوت من ناحيةٍ أخرى؛ إذْ يقوم كلُّ علم، سواء الفلسفة أو اللاهوت، على مبادئ مُختلفة اختلافًا جذريًّا عن المبادئ التي يقوم عليها العلم الآخر، فغاية الفلسفة الحقيقة، وغاية الإيمان الطاعة. تقوم الفلسفة على مبادئ وأفكار صحيحة، وتُستمدُّ من الطبيعة وحدَها، وتُعرَف بالنور الفطري، ويقوم الإيمان على التاريخ وفِقه اللغة، ويُستمدُّ من الكتاب وحدَه، ويُعرَف بالوحي. أسلوب الفلسفة هو العقل الذي يُدرِك الأشياء على ما هي عليه، وأسلوب الإيمان هو التخيُّل الذي يبغي التأثير في النفوس؛ ولذلك يَترُك الإيمان لكلِّ فردٍ الحرية في أن يتفلسف كما يشاء، حتى في موضوع العقائد، ولا يُدين إلَّا من يحُثُّ الآخرين على العِصيان والكراهية والجدَل والغضب، ولا يُثني إلَّا على من يَحثُّ على مُمارسة العدل والإحسان على قدْر عقولهم.

ولكن هناك مشكلة زائفة يَعرِض لها الباحثون لأنهم لا يُفرِّقون بين الفلسفة واللاهوت، ويَصوغونها على النحو الآتي: هل الكتاب تابع للعقل أم العقل تابع للكتاب؟ وبعبارة أخرى: هل يَجِب توفيق الكتاب طبقًا للعقل أم توفيق العقل طبقًا للكتاب؟

والذين يُنكرون يقينَ العقل مِثل الشكَّاك، يَتبنَّون النظرية الثانية التي تجعل العقل تابعًا للكتاب، أو التي تُوفِّق العقل طبقًا للكتاب، والذين يُؤمنون بيقين العقل ويتطرَّفون فيه مثل القطعيُّون، يَتبنَّون النظرية الأولى التي تجعل الكتاب تابعًا للعقل، أو التي تُوفِّق الكتاب طبقًا للعقل، ويرى سبينوزا أن كِلتا النظريَّتَين خاطئة، فِكلتاهما تُزيِّف العقل والكتاب، فالكتاب لا يَعلَم الأفكار والفلسفة، بل يدعو إلى الإيمان الصادق، وقد تكيَّفَ حسب العقلية الشعبية وأحكامها السابقة، فإذا جعلنا الفلسفة في خدمةِ اللاهوت، ووفَّقْنا العقل مع الكتاب اضطرُرنا إلى قَبول الأحكام السابقة للعصور الماضية على أنها حقائق إلهية، وإذا وفَّقنا الكتاب مع العقل نَسبْنا إلى الأنبياء عن غير حقٍّ أشياء لم يقصدوها ولم يَحلُموا بها، وفسَّرْنا أقوالهم تفسيرًا خاطئًا، وكِلتا النَّظريَّتَين خاطئة، الأولى لإغفالها العقل، والثانية لاعتمادها على العقل.

ويُمثل يهوذا البكَّار الاتجاه الذي يُريد أن يجعل العقل خادمًا للكتاب، وخاضعًا له كليةً، وقد أراد البكَّار تجنُّب خطأ الاتجاه المُضادِّ الذي يجعل الكتاب خادمًا للعقل، وخاضعًا له، هذا الاتجاه الذي يُمثِّله موسى بن ميمون، ولكنَّهُ وقَع في الخطأ المُضاد. يرى البكار أنه لا ينبغي تأويل أيِّ نصٍّ من الكتاب تفسيرًا مَجازيًّا، بحُجَّة أن المعنى الحرفي يُعارض العقل، في حِين أنه يَجوز التأويل إذا ما عارض النصُّ الكتاب نفسه أي إذا ما عارض العقائد التي يدعو إليها الكتاب. ويضع البكَّار القاعدة التالية: يَجِب قَبول كلِّ ما يدعو إليه الكتاب من عقائد وتُؤكِّده النصوص الصريحة على أنه حق، بناءً على سُلطة الكتاب وحده. ومن حيث المبدأ، لا يُوجَد في الكتاب تَعارُض بين العقائد، بل قد يُوجد في نتائجها فحسب؛ وذلك لأنَّ تعبيرات الكتاب تتضمَّن في بعض الأحيان عكسَ ما تُوحي به عادةً. هذا النوع من النصوص فقط يُمكن تفسيره تفسيرًا مجازيًّا، ابتداءً من النصوص الأخرى، مَثلًا تُشير بعض نصوص الكتاب إلى تَعدُّد الآلهة، في حين أنَّ الكتاب كُلَّه يُشير إلى وحدانية الله؛ لذلك يمكن تفسير النصوص الأولى تفسيرًا مَجازيًّا، كما تعزو بعض نُصوص الكتاب الحِسِّية إلى الله، في حين أن الكتاب كله يَنفيها، ومن ثَمَّ يُمكن تفسير النصوص تفسيرًا مَجازيًّا. فمنهج البكَّار له الفضل في تفسير الكتاب بالكتاب، ولكنه يُخطئ عندما يَتحوَّل إلى هدْمٍ للعقل. صحيح أنه يجِب تفسير الكتاب بالكتاب عندما نُريد فَهم معنى النص، ولكنَّنا إذا فَهِمنا معناه يُمكننا بعد ذلك إصدار حكم العقل على هذا المعنى، حتى يتسنَّى لنا قَبوله أو رفضه. نتساءل إذن: هل يجِب خضوع العقل كُليَّةً إلى الكتاب إذا ما عارَضَ العقل الكتاب؟ هل يكون هذا الخضوع خضوعًا عاقلًا أم أعمى؟ إذا كان الخضوع خضوعًا أعمى، كما هو الحال عند البكَّار، نكون حَمقى لأنَّنا لا نعتمِد على حُكم العقل، أما إذا كان خضوعًا عاقلًا فإننا في هذه الحال نعتمد على العقل في فَهمنا للكتاب، وهو ما يَبغيه البكَّار.٩٣

ولكن كيف يخضع العقل، هذه الهِبة الرائعة، وهذا النُّور الإلهي، إلى حرْفٍ مائتٍ خاضِعٍ للزيف الإنساني؟ هل يَقتضي الدفاع عن الإيمان بالضرورة إلغاء العقل؟ إنَّ نهج البكَّار يجعلنا نخاف من الكتاب، لا أن نَثِقَ فيه؛ لأنه يَدعُونا إلى ترك العقل، وأن نقبل على أنه حقٌّ ما يُثبِتُه الكتاب، وأن نرفُض على أنه باطلٌ ما يَنفيه الكتاب، والكتاب نفسه لا يُثبِت أو ينفي إلا ما تُثبته أو تَنفيه النصوص، ولكن الكتاب أسفار عديدة، كُتبت في مناسباتٍ مُختلفة، وفي عصور مُتعاقبة، لجماهير مُختلفة ولغاياتٍ مُتباينة؛ لذلك يجِب إثبات أن النصوص قد وصلَتْ إلينا حرفيًّا دُون تبديلٍ أو تحريف، كما يجِب أن نبحث عن قرينةٍ تُثبِت صِدق التفسير المجازي، في حالة تَعارُض النصوص، وهناك كثير من نصوص الكتاب تُعارِض العقل مُعارَضة صريحة، فكيف يكون الله غيورًا؟ وكيف يكون جِسمًا في مكان وزمان؟ إنَّ العقل وحدَهُ هو الذي يُمكنه إثبات صحة هذه الآيات أو كذِبِها، والتَّعارُض في النصوص تَعارُض حقيقي لا تَعارُض ظاهري كما يقول البكَّار، فالله نارٌ تُعارض الله لا يُشابِهُ الأشياء الحِسِّية، كلاهما قَضيَّتان كُلِّيَّتان مُتناقِضتان، تُثبِت الأولى ما تَنفيه الثانية.

أما ابن ميمون فهو أول الفريسيين الذي أراد توفيق الكتاب طبقًا للعقل، ولا يُفيض سبينوزا في عرْض منهج ابن ميمون لأنه في النهاية منهج سبينوزا نفسه، ودون أن يَتبنَّاه صراحةً. لقد أفاض سبينوزا في عرض منهج البكَّار وتفنيده لأنَّ سبينوزا يرفُضُه صراحةً في حين أنه يُوحي بأنه يرفُض منهج ابن ميمون مع أنه يَقبلُه ضِمنًا ويقصُرُه على الفيلسوف دون العامة.٩٤

ينتهي سبينوزا إلى رفْض المنهَجَين، فليس اللاهوتُ خادمًا للعقل وليس العقل خادمًا للاهوت، بل لكلٍّ منهما مَيدانه الخاص، فميدان العقل الحِكمة، وميدان اللاهوت الإيمان الصادق والطاعة. ليس من شأن العقل أن يُقرِّر حصول الناس على السعادة بالطاعة، وليس من شأن الإيمان الصادق أن يُقلِّل من العقل، أو أن يُعظِّم من شأنه.

ومع ذلك يستطيع العقل أن يَفهم العقائد من حيث صِحَّتِها أو كذبِها فهو النور الفِطري الذي يَحمي الذهن من الوقوع في الخطأ والأوهام والأحلام، وبهذا المعنى يكون الوحي مُتَّفِقًا مع العقل في موضوعه، وهو الحقيقة، وفي غايتِهِ وهي السعادة. وعلى هذا النحو، يُمكن للاهوت مُخاطبة البشر جميعًا باعتباره علمًا شاملًا.

ولا تخضع هذه العقيدة اللاهوتية، خلاص البَشَر بالطاعة، إلى النُّور الفطري كما لم يُبرهِن عليها أحد بالأدلة؛ وذلك لأنَّ الوحي يتَّصِف بالضرورة المُطلَقة، والبُرهان الوحيد عليها هو اليقين الخلقي، وهو يَقين الأنبياء أنفسهم القائم على الأُسُس الثلاثية: الخيال الخصب، إجراء المُعجزات، مَيلِهم الطبيعي للعدل والخير. يَقين النبيِّ يقوم على الأساس الأول وهو الخيال الخصيب، ويَقين سائر البَشَر يقوم على الأساسَين الآخرين.٩٥

وتتَّفِق التعاليم الخلقية بطبيعتها مع العقل؛ لأننا نسمَع صوت الله وكلامه فينا، والدعوة الخلقية ليسَتْ موضوع تحريفٍ أو تبديل، فمن يظنُّ أنَّ هناك تَعارُضًا أساسيًّا بين الفلسفة واللاهوت، وأنه يجِبُ إفساح أحدِهما مجالًا للآخر، فإنه يُريد بُرهانًا رياضيًّا للاهوت، وينتهي إلى إنكارٍ يقين العقل نفسه؛ لأنه يُزعزِع الثقة بالعقل، ويُضعِف إيمانه بالكتاب.

وهناك فريق آخر يلجأ إلى شهادة الباطنية للرُّوح القدس، ويدَّعي أنها كافية، وتُغني عن استخدام العقل؛ لأنَّ العقل لا يُستخدَم إلا في الجدل من أجل إقناع المُلحِدين، كما فعل بسكال في الخطرات. ويُخطئ هذا الفريق لأنَّ الرُّوح القدس لا تُعطي إلَّا الأفعال الخيرة، ولا تُعطي أي يقينٍ عقلي أو نظري خالِص، فتلك مَهمَّة العقل وحده.٩٦

رابع عشر: حقُّ المواطن وحقُّ السلطة

كانت الغاية من التَّفرِقة بين الفلسفة واللاهوت إثبات حُرية التفلسُف. والآن، كيف تتحقَّق هذه الحُريَّة في موقفٍ مُعيَّن أو تُمارَس في جماعةٍ مُعينة؟ كيف يكون المُواطنون أحرارًا في الدول؟ ما حقُّ المواطن وما حقُّ السلطة؟

حق المواطن هو حقُّ الفرد الطبيعي الذي يشمل كلَّ ما تستطيعه طبيعته، فالفرد موجود طبيعي يعيش في الطبيعة؛ لذلك لا يَتحدَّد الحقُّ الطبيعي للفرد بالعقل بل بالرغبة والقُدرة، فالقانون الطبيعي لا يَمنع من أيِّ فعل، وغايتُهُ الوحيدة هي مصلحة الفرد والإبقاء عليه، وتُحتِّم هذه الضرورة عليه سائر أفعاله، ولا يُمكن أن تخضع الطبيعة لقوانين العقل، فما يُحسِّنه العقل ربما لا يكون حَسَنًا في الطبيعة، وما قد يُقبِّحه العقل ربما لا يكون قبيحًا في الطبيعة.٩٧

ولكن ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ البشرية تودُّ أن تعيش وفقًا للعقل حتى تعيش في سلام؛ لذلك وجب أن يتعاون الأفراد فيما بينهم، وبالتالي أصبح الحقُّ الذي يتمتَّع به كلُّ فرد حقًّا اجتماعيًّا تُحدِّده إرادة الجميع لا إرادة الأفراد. وهكذا نشأ العقد الاجتماعي طبقًا لقانونٍ طبيعي وهو الرَّغبة، أي رفْض الخير القليل من أجلِ خَيرٍ أعظم، وقَبول شَرٍّ قليل من أجل تَجنُّب شَرٍّ أعظم. وبعبارة أخرى الرَّغبة في أعظمِ الخَيرَين وأهوَنِ الشَّرَّين، فهذا قانون طبيعي أو حقيقةٌ أبَدِيَّة في الطبيعة الإنسانية؛ لذلك، يَسمَحُ لي الحقُّ الطبيعي أن أُخلِف الوعد إذا رأيتُ في هذا الوعد خيرًا أقلَّ وشرًّا أعظم، دُون أن يكون في ذلك إضرار بمصلحة الغَير، فالجماعة هي التي تُمثِّل المصلحة العامَّة والضرورة المُطلَقَة التي تَمنَعُ كلَّ صورةٍ من صور الخداع. غاية العقد إذن هي تحويل الفرد من العَيش وفقًا للطبيعة (أي وفقًا للشَّهوة) إلى العَيش وفقًا للعقل، فيُصبِح العقل مُوجِّهًا لسُلوك الفرد، ولا يُعامِل الفردَ الآخرين إلَّا كما يَجِب أن يُعامل نفسه، ويُدافِع عن حقِّ الآخرين كما يُدافِع عن حَقِّه.

وتتكوَّن الجماعة الإنسانية إذا ما فوَّض كلُّ فردٍ حقَّه كاملًا إلى هذه الجماعة التي يكون لها السُّلطة المُطلَقة والتي تَجِب لها الطاعة طوعًا أو كراهية — باختيارٍ حُرٍّ أو خوفًا من العقاب.٩٨ وهذا هو النظام الديمقراطي.
فالديمقراطية تنشأ من اجتماع الناس ويكون لهم حقٌّ مُطلَق على ما في قُدرتهم؛ لذلك لا تُطيع السلطة العُليا المُمثِّلة لهم أي قانون، بل يجِب على الجميع طاعتها لأنها تُمثِّل الجميع بعد أن فوَّضوا لها حقَّهم ضِمنًا أو صراحة، ويجِب على الجميع طاعتها إما بالضرورة أو طبقًا للعقل، كما يَجِب طاعة الدولة في قوانينها المُتناقِضة وذلك طبقًا لمبدأ اختيار أهون الشَّرَّين.٩٩ ولا تنبغي الطاعة لفردٍ آخر وإلَّا نشأت الدكتاتورية بل تجِب الطاعة للسلطة التي فوَّض لها الجميع حقوقهم؛ لذلك تصدر القوانين للمصلحة العامة، ومن المُستحيل أن تجتمِع الغالبية العُظمى على ضلال. وتقوم السلطة بحماية الناس وبرعاية العقد الذي به ينتقِل الناس من العيش وفقًا للطبيعة إلى العيش وفقًا للعقل. ولا يعني دخول الناس في العقد الاجتماعي وطاعتهم للسُّلطة المُمثِّلة لهم وُقوعَهُم في العبودية، فالعبد هو عبد الشهوة أو عبد الغير، في حين أنَّ العقد الاجتماعي يُحرِّر الأفراد من الشهوة، لأنَّهم يعيشون طبقًا للعقل، ويُحرِّرهم من الغَير لأنهم يعيشون في نظام ديمقراطي؛ لذلك كان النظام الديمقراطي أفضل الأنظمة لأنَّ الفرد يعيش فيه حرًّا في مجتمع مُنظَّم.
وبناءً على هذا يُمكن وضْع بعض التعريفات، فانتهاك القانون هو إضرار أحَدُ المواطنين، عمدًا أو عن غير عمْد، بمواطن آخَر؛ أي إنه يتمُّ بين الأفراد لا بين الدولة والأفراد، فالدولة مُمثِّلة لسُلطة الجميع، وإذا خرجت الدولة على الدستور فإنها تخرج عن تمثيلها لحقوق الآخرين، أمَّا العدالة فهي إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقه طبقًا للقانون الوضعي ويكون الظلم هو رفض إعطاء الحقِّ أهله. وجريمة الطَّعن في السيادة لا يقوم بها إلَّا الرعايا نظرًا للعقد الذي فَوَّضوا به سُلطتهم إلى الدولة، وتقع الجريمة عندما يُحاول أحد الرعايا الاستيلاء على السُّلطة أو تفويض السُّلطة إلى فردٍ آخَر في ظروفٍ مُعيَّنة.١٠٠ والحلفُ هو تعَهُّد إحدى الدولتَين بعدَم إلحاق الضَّرَر بالدولة الأخرى وبمُساعدتها عند الحاجة، ولكن تَبقى كلُّ دولةٍ حُرَّةً مُستقلة، ويبقى الحلفُ طالَما بقِيَت المصلحة الداعية له، فإذا انتفَت المصلحة انفضَّ الحلف، فشْرط بقاء الحِلف هو تحقيق المصلحة وإلا نُقِضَ من طرفٍ واحد، ولا يمنع الحلف من أن يقوم أحد الطرَفَين بزيادة قُوَّته، والعدو هو من يرفض سلطة الدولة أو حِلفها أو أن يكون أحد رعاياها، والعداوة السياسية واقعة قانونية لا انفعالية.
ولكن ما صِلة القانون الوضعي بالقانون الإلهي؟ إنَّ العيش وفقًا للطبيعة سابق على العيش وفقًا لوصايا الدين، فلَمْ تأمُر الطبيعة بطاعة الله ولم يأمُر العقل بذلك أيضًا، ولا يبدأ القانون الإلهي إلَّا بعدَ الوَحي وبعدَ أمر الطاعة.١٠١
ولا تسمع الدولة أمر أحدٍ ولا تُطيع أحدًا إلَّا النبيَّ شاهِد الله؛ لأنَّ الدولة لا تُطيع إلَّا الله وحده.١٠٢ وهي حُرَّة في أن تُطيع القانون الإلهي أم تَعصيه؛ لأنَّ القانون الوضعي أو الطبيعي لا يُعارِض في ذلك.١٠٣
ولكن ماذا يفعل الفرد إذا أمرَتْهُ الدولة بما يُعارض طاعته لله؟ هل يُطيع الله أم يُطيع الدولة؟ يُجيب سبينوزا على ذلك لأنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في مَعصية الخالق، ولكن خشية أن يُفسِّر كلُّ فردٍ وصايا الدين على هواه ويأخُذ ذلك ذريعةً لعِصيان قوانين الدولة، فعلى الدولة أن تضَعَ تشريعًا للمُحافظة على الدِّين، خاصَّةً أن الله يأمُر بطاعة القوانين الوضعية،١٠٤ فإذا وُجِد مُؤمن في دولة وثنية مثلًا فليس أمامَه إلَّا حلَّان: الأول رفْضُ تفويض السُّلطة لها والتعرُّض للإفناء التام، والثاني تفويض السُّلطة لها والإبقاء على النفس وطاعة قوانين الدولة، ولا يُستثنى من ذلك إلَّا من وعدَه الله بتقديم العون له ضد الطاغية.١٠٥

خامس عشر: نشأة دولة العبرانيين وسقوطها

ويُطبِّق سبينوزا نظريته في العقد الاجتماعي على تاريخ العبرانيين،١٠٦ فبعدَ خروج العبرانيين من مصر لم يخضعوا لدولةٍ أجنبية، بل أقاموا شريعةً خاصة واحتلُّوا ما شاءوا من الأرض، وللخروج من هذه الحالة الطبيعية فوَّضوا حقَّهم الطبيعي إلى الله نفسه ووعدوه بتنفيذ أوامره التي قَرَّرَها في الوحي، وكان هذا الوعدُ بمثابة عقدٍ اجتماعي ينشأ بين أفراد الجماعة الواحدة من أجل اختيار سُلطة تُمثِّل الجميع، وقد قام العبرانيون بهذا العقد بمَحْض اختيارهم، وبذلك أصبح الله زعيمهم السياسي، وأخذت دولتهم اسم مملكة الله. كان الله ملك العبرانيين، وكان أعداء العبرانيين أعداء الله، واختلط التنظيم الدِّيني بالتنظيم الوضعي، وكانت مبادئ الإيمان هي مجموعة من القوانين، وكان الدين واجبًا وطنيًّا، قامت دولة العبرانيين إذن على الحُكم الإلهي (التيوقراطي)، وكان جميع العبرانيين سواء أمام الله والقانون، وكان لهم جميعًا الحقُّ نفسه في مُخاطبة الله وتفسير القوانين والمُشاركة في وظائف الدولة.

وفي العهد الثاني، فوَّض الجميع لموسى حقَّهم في مُخاطبة الله وتفسير القوانين. وبذلك حَكَم موسى العبرانيين بدلًا من الله، حتى لقد اتَّهَمَه البعض باغتصاب السُّلطة، ولم يكن للشعب، قبل موسى، الحقُّ في اختيار خليفته، بل كان على موسى، بِمُقتضى تفويض السلطة له تعيين الخليفة لتنظيم الدولة ومُخاطبة الله ونَسْخ القوانين وإرسال المَبعوثين وتعيين القُضاة واختيار الخليفة. تحوَّل النظام إلى ملكية طبقًا للتعاليم الإلهية، مِمَّا زاد من سُلطة الرئيس، وكان مصير الشعب مُعلَّقًا به، وعندما ترك موسى الحُكم خلَّفَ وراءه نظامًا تيوقراطيًّا لا مَلَكيًّا أو أرستقراطيًّا. وأول ما قام به موسى هو بناء مسكنٍ لله، وقد قام الشَّعب بتكاليف البناء، وعَيَّن اللاوِيِّين خُدَّامًا له وعلى رأسهم هارون الذي أصبح فيما بعد خليفةً لموسى ومُفسِّرًا للقوانين ومُخاطبًا لله، دون أن تكون له سُلطة تنفيذ القوانين، كما أبْعَدَ موسى اللَّاويين من الحياة السياسية الذين لم يكُن لهم الحق، كباقي الأسباط، في ملكية الأرض للتعايُش منها، بعد أن كفَلَ لهم باقي الأسباط ما يتعيَّشون منه، للتفرُّغ لخدمة المعبد. ثانيًا، أَسَّس موسى جيشًا من الأسباط الاثني عشَرَ لغزو بلاد كنعان، ثُمَّ قسَّم الأراضي التي استولوا عليها اثنَي عشَرَ قِسمًا، لكل سبطٍ قِسم، وعيَّن لكلِّ سِبط رئيسًا لتوزيع الأنصبة يُعينه في ذلك كعب الأحبار ويشوع. وبعد أن عيَّن يشوع رئيسًا للجيش كان له الحقُّ وحده في مُخاطبة الله عندما تَعرِض له مسائل جديدة، ولكنَّهُ لم يكُن وحدَهُ في المَظلَّة كموسى، بل كان عليه أن يتوسَّط لذلك بكعب الأحبار الذي كان له الحقُّ وحدَه في مُخاطبة الله، ثُمَّ بعد ذلك يُبلِّغها يَشوع للشعب ويفرِضُها عليه ويتَّخِذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذها، ويُعين قوَّاد الجيوش، ويبعث الرسل ويقوم بشئون الحرب. ولم يكن هناك تفكير فيمن يَخلُفه دون اختيار من الله كما تقتضي ذلك مصلحة الشعب، أما المُشكلات الجُزئية في الحرْب فكان يَقوم بحَلِّها رؤساء الأسباط. أما الخدمة العسكرية فقد كانت واجبةً على الجميع من العشرين حتى الستِّين، وكان على الجنود قَسَم الولاء لله لا للقائد؛ ولذلك سُمِّي الجيش «جيش الله»، والله «إله الجيوش». وفي المعارك الحاسَمة كان تابوت العهد يُنصَب وَسَط الجيش حتى يُدافِع عنه الجميع.

وقد عَيَّن موسى مُوظَّفين لا رؤساء دولة لأنه لم يُعطِ أحدًا حقَّ مُخاطبة الله، ولم يكُن لأي أحدٍ سواه الحقُّ في القيام بمهامِّ الدولة من سَنِّ القوانين ونَسْخها وإعلان الحرْب وعقد مُعاهدات السِّلم والتعيين في الوظائف المدنية والدينية. أما كعب الأحبار فكان له الحقُّ فقط في تفسير القوانين وتبليغ إجابات الله، ولكنه لم يكن حرًّا في اختيار الوقت لذلك، بل كان عليه انتظار تكليف الشَّعب أو المجلس الأعلى له بذلك. وعلى العكس، كان لقائد الجيوش أو المَجالس العُليا الحقُّ في مُخاطبة الله بوساطة كعب الأحبار؛ لذلك لم تكن إجابات الله على لسان كعب الأحبار قراراتٍ كما كان الحال عند موسى بل مُجرَّد وصايا. لم يعتمِد كعب الأحبار على أي جيشٍ ولم تكن له أية سُلطة مادية، بل إنَّ كلَّ من كان يتمتَّع بحقِّ الملكية لم يكن له الحقُّ في صياغة القوانين.

وبعد موت يشوع لم يُعيَّن كعب الأحبار قائدًا للجيش، ولم يَطلب رؤساء الأسباط من الله أن يُعيِّن لهم قائدًا، بل قاد كلُّ رئيسٍ جيشه، وأصبحت كلُّ الجيوش مُمثِّلة لقيادة يشوع، كما أصبحت القبائل أقرَبَ إلى الدُّويلات المُتحالِفة منها إلى الدولة الواحدة، في حين أنه بالنسبة لله ما زال العبرانيون يُمثِّلون دولة، فإذا لم يَقُم رئيس سِبطٍ ما بالتزاماته اعتبرَتْهُ سائر الأسباط عدوًّا لها يَحقُّ لها حينئذٍ غزو أراضيه، ويتمُّ اختيار خلفاء الأسباط من أقدَمِ البطارقة سِنًّا، فقد اختار موسى سَبعين بطريقًا أعضاء للمجلس الأعلى الذي قام بمهام الدولة بعد مَوت يَشوع إلَّا في بعض الأحيان عندما كان يقوم بها فردٌ أو مجلس أو الشعب نفسه؛ لذلك لم يكن نِظام العبرانِيِّين مَلكيًّا أو أرستقراطيًّا أو شعبيًّا بل إلهيًّا (تيوقراطيًّا). وكان هذا النظام يعتمد على شيئين:
  • (١)

    المعبد وهو عامل الوحدة بين الأسباط.

  • (٢)

    قسَم الطاعة الواجب على المواطنين لله.

وقد كانت مهمَّة الدولة التيوقراطية التَّخفيف من حِدَّة الانفعالات للمواطنين وللرؤساء على السواء، فقد عُهِدَ إلى اللاويين مهمَّة تفسير القوانين دون رؤساء الأسباط، خشية أن يَستغلَّ هؤلاء هذه المهمَّة في ارتكاب الجرائم مُعتمدين على سُلطتهم في تفسير القوانين لإخفاء جريمتهم، كما حُرِم اللاوِيُّون من كلِّ وظيفة سياسية ومن كلِّ حقٍّ في الملكية. وكان من عادة الشعب الاجتماع مرةً كلَّ سبع سنوات لسَماع نصوص التشريع من الحبر وقراءة التوراة حتى تتمَّ مُراجعة الرؤساء وتطبيقهم للشريعة. كان الشَّعب يحترِم رؤساءه فإذا انحَرَفوا غضِبَ عليهم. ثانيًا، كان الجيش مُكوَّنًا من مواطنين دون المُرتزقة؛ لذلك لم يستطع الطُّغاة الاعتماد على الجيش ضِدَّ الشعب، فالجيش هو الشعب، كذلك لم يتعرَّض العبرانِيُّون إلى خطر الطُّغيان من الأسباط فقد كان الدِّين هو الرابطة بينهم، فإذا خرج أحَدُهما على شريعة الله أصبح عدوًّا له. ثالثًا، كان هناك خَوف دائم من ظهور نَبيٍّ جديد يُعيد إقامة التوازُن باعتباره مُمثِّلًا لله وتَنتَصِر العامَّة له، فإذا اتَّضَحَ كذِبُ النبيِّ كان على رئيس القبيلة مُحاكمته وإعدامه. ولم يكن احترام رئيس السِّبط راجعًا إلى نُبل أصلِهِ أو إلى حقِّهِ المَوروث بل إلى سِنِّه وخُلقه، ولم يكن عند العبرانيين فرْق بين الجيش والشعب، فقد كانوا مُواطنين في وقتِ السِّلم ومُحاربين في وقت الحرب، وكان رئيس الدولة هو قائد الجيش؛ لذلك لم يرغَبْ أحدٌ في الحرب لذاتها بل إقرارًا للسلام. هذه هي الأسباب التي جعلت طموح رؤساء الأسباط لا يخرج على الحدِّ المعقول.

وتقوم الدولة أيضًا بمهمَّة السيطرة على انفعالات المواطنين؛ وذلك لقيامها على حُبِّ المواطنين لبلَدِهم والدفاع عن استقلاله. وبعد أن عقد العبرانيون الحِلف مع الله كان استقلالهم شَرفًا لله وأصبحَتْ سائر الشعوب عدوَّةً له، بل إنَّ الإقامة خارج وطنهم كانت عارًا؛ لأنَّهم لم يكن لهم الحقُّ في إقامة شعائر دِينهم، وقد أصبح هذا الشعور الوطني طبيعةً ثانية لدَيهم، وقد تَميَّزت شعائرهم عن سائر الشعوب الأخرى بل وكانت على النقيض منها. فباجتماع هذه العوامل كلها — تَحرُّرِ المواطنين من نَير الأجنبي، حُبِّهم المُطلَق للوطن، كراهية الأجنبي ومُعارضَتِهِ كواجبٍ مُقدَّس، الشعائر الخاصة — استطاع العبرانيون الثبات أمام كل المخاطر والمِحَن.١٠٧

وكانت المصلحة هي الدافع الوحيد في سلوك العبرانيين وفي حِرصهم على الدولة لأنهم لم يحصلوا على حقِّ الملكية المُطلَق إلَّا في هذه الدولة الإلهية، فقد كان لِكُلِّ مُواطن الحقُّ في امتلاك قِطعة أرضٍ كما يَمتلك الرئيس، فإذا باعها لفقرِهِ أُعيدَتْ إليه في الأعياد. كان الفقر مُحتملًا وذلك لتطبيق مبدأ حُبِّ الجار والإحسان إليه؛ لذلك لا يستطيع العبرانيون أن يعيشوا سُعداء خارج وطَنِهم، وكان كلُّ المواطنين سواسيةً ولذلك لم تَحدُث حروبٌ أهلية، وقد ساعد حُبِّ الجار على الإبقاء على صِدق الإيمان خاصَّةً أنَّ الإيمان هو الطاعة لقوانين الدولة حتى في أحوال المعيشة من زراعة وصناعة وتجارة؛ لذلك كان المَثَل الأعلى للسلوك هو السلوك الإجباري لا السلوك الاختياري.

ولكن العبرانيين لم يُحافِظوا دائمًا على تطبيق الشريعة، ومن ثَمَّ وقَعوا تحت نَير الأجنبي، وانهارتْ دَولتهم تمامًا، ولا يُمكن إرجاع ذلك إلى أنَّ هذا الشعب كان عاصيًا بطبعه، فقد اختلفَت الشعوب فيما بينها في لُغاتها وعاداتها وتقاليدها، ولكن يُمكن أن يُقال أنه إذا كان العبرانيون حقًّا أكثَرَ عصيانًا من الشعوب الأخرى فذلك يرجِع إلى نقصٍ في شريعتهم التي وُضِعت بدافِعٍ من الانتقام لا بِوازعٍ خلقي؛ أي أنَّها وُضِعت عقابًا لهم، فلو كان الله قد أراد لهم دولةً مُستقلة مُستقرة لأعطاهم شريعة أخرى قائمة على أُسُس أخرى. لقد شاء العبرانِيُّون الاحتفاظ بالخِدمة المُقدَّسة للأطفال حديثي الولادة دون تمييز بين اللَّاويين وغيرهم، ولكنهم جميعًا عبدوا العِجل باستثناء اللاوِيِّين؛ لذلك استُبعِد الأطفال وتَمَّ اختيار اللاويين بدلًا عنهم، ويدلُّ تفضيل اللَّاويِّين على غيرهم على عدَم طهارة باقي الشعب.

ولقد أذَلَّ اللاوِيُّون باقي الشعب لفضلهم عليه، واستغلوا هذه الظروف، وتحوَّل الإخلاص الدِّيني إلى نفاق، وبعد أن لحظ الشعب ذلك، وثَبَتَ على أحدهم أقلُّ جُرمٍ ثارَ عليهم وهاجمهم، فنشأت الاضطرابات بعد أن تعِبَت الأسباط من إعالة هؤلاء القوم وكَرِهَتْهم لا سيما أنه لا تُوجَد بينها وبينهم أيَّة صِلات قَرابة، واشتدَّت الاضطرابات في سنوات القحْط، وتنصَّل الشعب من واجباته نَحوَهم وكفَّ عن إقامة الشعائر بعد أن شكَّ فيها ورأى فيها مَذلَّتَه. وقد حاول رؤساء الأسباط التقرُّب إلى الشعب وإبعاده عن الأحبار فقدَّموا له شعائر جديدة، وأعطى كل سبطٍ لنفسه الحقَّ في تفسير القوانين وخدمة الدين، ولكنَّ الشَّعب غضِبَ على اللَّاويِّين حتى أنَّهُ اعتقَدَ أنَّ مُوسى لم يُنصِّبهم تنفيذًا لأوامر الله بل طبقًا لمِزاجِهِ الخاص. ألم يَخْتَر سِبطَهُ لخدمة الدين وجعلَ أخاه حبرًا دائمًا؟ وقام فريق من الشَّعب بالدعوة إلى المُساواة في الحقوق والواجبات، ولكن موسى قام بمُعجزةٍ لإثبات حُسنِ نِيَّته وأهلكهم جميعًا، ولكن ثار الشعب بعد أن اعتقدَ أنَّ ما فعَلَه موسى لم يكن أمرًا من الله بل من عنده، وزيادة على انتشار الطاعون عمَّت الفتنة، وعصى الشعب وسمَحَ لنفسه بكلِّ شيءٍ حتى انتهى إلى الانهيار التام. وبعد أن ذاق نَير الاستعمار الأجنبي ترَكَ التنظيم الإلهي، وأراد تنصيبَ مَلِكٍ منه يُحلُّ بلاطه مَحلَّ المعبد ويُصبح مركز الدولة ويُحِلُّ تشريع الدولة مَحلَّ التنظيم الديني للأحبار للمُحافظة على تحالُف الأسباط، ولكن تنصيب الملوك حَمَل في ثناياه بذور فِتَنٍ عديدة أدَّت إلى انهيار الدولة تمامًا، فلم يسمح الملوك بوجود دولة، وسُلطة مناوئة لسُلطتهم، وعندما أراد بعض الملوك الصغار أخذَ جُزء من السُّلطة من أجل تنظيم شئون الدولة أراد الملوك الكبار أخْذَ كُلِّ سُلطة في أيديهم، فعارض ذلك الأحبار الذين كان لهم حَقُّ تفسير القوانين، وكان على الملوك طاعة القوانين دُون نَسْخِها أو وَضْع قوانين جديدة، ولكن شاء الملوك استبعاد قُوَّتَين من طريقهم: قوَّة اللاويين؛ فقد كان قانونهم يمنع الملوك من التدخُّل في الشئون الدينية، وقوَّة النبي؛ فقد كان النبي يُريد وضع المملكة تحت رحمته، ولكي يُحقِّق الملوك مشيئتهم سمَحُوا ببناء معابد أخرى لآلهةٍ أُخرى لإضعاف سُلطة اللاويين، ودفعوا بعض الأفراد للتنبُّؤ لمُعارضة الأنبياء الحقيقيِّين، ولكن لم ينجح الملوك في تحقيق غرَضِهم؛ وذلك لأن الأنبياء لم يدَّعوا إلَّا وقتَ تنصيب الملوك الجُدد الذين لم تثبُت سُلطتهم بعد، فكان من الصعب على الأنبياء الحُكم على الملوك أيُّهم حبيب الله وأيُّهم عدوه. لم يكن للأنبياء أثر كبير، ولم يستطيعوا القضاء على طغيان الملوك لأن أسباب الطغيان ظلَّت باقية، فإذا قَضَوا على طاغيةٍ ظهَرَ طاغية آخَر، وتوالت الحروب والفِتَن، وحلَّ العنفُ مَحلَّ القانون الإلهي حتى سقطت دولة العبرانيين، وخضع العبرانِيُّون للفُرس وأطاعوا تشريعاتهم. وبعد تَحرُّرهم استولى الأحبار على السلطة من رؤساء الأسباط وطَمِح رجال الدِّين في أن يُصبحوا أحبارًا وملوكًا وتدور الدائرة من جديد.١٠٨
وينتهي سبينوزا من هذا العرْض التاريخي إلى أنَّ القانون الإلهي كان صادرًا عن الحلف، وبدون هذا القانون لا يُوجَد إلَّا قانون الطبيعة، كما ينتهي إلى أنَّ العبرانيين ليس لهم أي حقٍّ مُقدَّس على الشعوب الأخرى التي لم تُشارك في هذا الحلف الذي كان على العبرانيين وحدَهم الالتزام به.١٠٩

سادس عشر: الدين والدولة

هل يصلُح نظام الحكم الإلهي (التيوقراطي) في الظروف الحاضرة؟ لو أراد الناس تفويض حقوقهم لله لكان عليهم عقدُ حِلف معه، ثم قُبول الله له! ولكن الله أخبرنا على لِسان الحواريين بأنَّ حِلفه لم يَعُد حِسِّيًّا لشعب مُعيَّن بل رُوحيًّا في قلوب الناس للإنسانية جمعاء، كما أنَّ نظام الحُكم الإلهي لا يصلُح إلَّا لشعبٍ مُغلَقٍ على نفسه، مقطوع الصِّلة بينه وبين سائر الشعوب؛ لذلك، فإن هذا النظام لا يصلُح في ظروف الإنسانية الحاضرة. لم تكن غاية سبينوزا إذن من دراسة تاريخ العبرانِيِّين مُجرَّد البحث التاريخي عن أسباب سقوط دَولتهم، بل كانت غايته الانتهاء إلى هذه النتيجة، وهي أنَّ النظام الإلهي لا يَصلُح في الظروف الحاضرة نظرًا لخَلْطِه بين الدِّين والدولة أو بين السُّلطات الدينية والسُّلطات السياسية.١١٠ فلا يعني حُكم الله استبعاد كلِّ حُكم إنساني يتمتَّع بسُلطة سياسية مُطلقة، فبعد أن فوَّض العبرانيون حقَّهم لله وضعوا ثِقتَهم في موسى من أجل تنظيم شئون حياتهم، ولم يكن لسواه هذا الحق، أما رؤساء الأسباط والقضاة فقد كان لهم الحقُّ في الفصل في المُنازعات أمام المحاكم. ومن تاريخ العبرانيين يمكن مُلاحظة الآتي:
  • (١)

    لم تَظهَر الفِرق الدينية إلا في وقتٍ مُتأخِّر عندما استولى الأحبار على السُّلطة في الدولة، فبدأ الدِّين في الانهيار، وسادَتْهُ الخُرافة، وضاع التفسير الحقيقي للقوانين بل وفَّقَ الأحبار بين هذه التفسيرات وبين الأفعال المُحرَّمة أو المكروهة، وبدأ الناس في تملُّق الأحبار وعمَّ الفساد في الدين.

  • (٢)

    دفع الأنبياء الناس إلى التطرُّف بدلًا من تقويمهم في حِين استطاع الملوك استمالَتَهُم دون أدنى مُقاومة. لم يَتسامَح الأنبياء معهم حتى مع أكثر الملوك إيمانًا إذا كان سُلوكهم مُناقِضًا للدين؛ أي أنَّ الأنبياء أضرُّوا بالدين أكثر مِمَّا نفَعُوه.

  • (٣)

    في أثناء حُكم الشعب لم تنشأ إلَّا حروب داخلية فقط، وانتهت بإقامة سلام دائم، ولكن ما إن أتَت المَلَكيَّة حتى نشأت الحروب المُستمرَّة وببشاعةٍ ليس لها مثيل، ونشبَتِ الحُروبُ حبًّا في العظمة لا من أجل الحُريَّة والسلام. وباستِثناء سُليمان، دعا الملوك الناس للحروب، وكان الدم تحت العرش. في أثناء حُكم الشعب كانت الشرائع قائمة، وكان الأنبياء يُحذِّرون الشعب من مُخالفَتِها، وما إنْ تَمَّ انتخاب الملوك الأول حتى تدخَّل الأنبياء لإنقاذ الشعب من الموت. لم يظهر قبل عصر الملوك، الأنبياء الكذَبَة على حِين شاعوا بعد تنصيب الخضوع لله، واستمرُّوا في العِصيان حتى هدْم المدينة.

ومن العَرْض السابق للخلط بين الدين والدولة يُمكن استخلاص النتائج الآتية:
  • (١)
    ينتُج الضَّرَر للدِّين وللدولة إذا ما أُعطيَ رجال الدين سُلطة سياسية في الدولة، ولا ينشأ الاستقرار إلا بفَصْل السُّلطتَين، والحدِّ من سُلطة رجال الدين حتى يتفرَّغوا لأمور الدين وللعقائد السَّلفِيَّة الشائعة.١١١
  • (٢)
    ينشأ الضَّرَر إذا اعتمد القانون الإلهي على العقائد النظرية، وإذا شرَّعنا قوانين خاصَّة لهذه الآراء التي تقبَل المُناقشة والجدل، يتحوَّل النظام السياسي إلى قَهْر وعُنف إذا اعتبر الآراء الشخصية، وهي حقُّ الفرد — جرائم لا تغتفر. وإذا كان نظامًا تتسلَّط فيه العامة فإنها تحكُم على المُفكِّرين كما حكمَتْ من قبلُ على المسيح، وتكون الآراء والمُناقشات وسيلةً للاضطهاد والإرهاب.١١٢
  • (٣)
    مُراعاة لمصلحة الدين والدولة لا ينبغي إعطاء أصحاب السُّلطة حقَّ التمييز بين الأفعال والحُكم عليها، فإذا كان هذا الحقُّ لم يُعطَ حتى الأنبياء دون أن يلحَقَ الضَّرَر بالدِّين والدولة على السواء فالأولى ألَّا يُعطى من هم أقلُّ قُدرة منهم.١١٣
  • (٤)
    إذا لم يكن الشعب مُتعوِّدًا على نظام الحُكم الملكي، وكان له دستور من قبل، فإنه لا يقبَلُ بسهولةٍ تنصيب ملكٍ عليه؛ لأنَّهُ لن يتحمَّلَ سُلطة الملك القاهرة، كما أنَّ الملك لن يتنازَلَ عن جُزءٍ من سُلطته المُطلَقَة للشعب، ويَستلزِم القضاء على الملك حينئذٍ أن تُستبدَل سُلطته بسلطةٍ أخرى، ولكن يُصبح الملك الثاني طاغيةً كالأول خاصَّةً إذا كان هو قاتِلَه أو يَدَّعي الانتقام من قاتِليه لمَصلحتِهِ الخاصة. وإنَّنا نرى الشعب يتحوَّل إلى طاغية إذا كان النظام الذي تعوَّد عليه هو نظام الطُّغاة، وتاريخ الشعوب يُؤيِّد ذلك. على كلِّ دولة إذن المُحافَظة على النظام الذي عاشت في ظِلِّه دون تغييره وإلَّا أصبحَتْ مُهدَّدةً بالانهيار.١١٤
وبينما يدعو سبينوزا للفصل بين الدين والدولة في نظام الحُكم الإلهي حتى يعمَّ السلام في كليهما فإنه يعود ويُوحِّد بينهما في نظام الحُكم الديمقراطي؛ فإنَّ الله يوزع بالسلطان ما لا يوزع بالقرآن، فمن حقِّ السُّلطة أيضًا تشريع القوانين في الأمور الدينية وإلَّا انقسَمَتِ السلطة السياسية وتمَّ الاستيلاء عليها، ومن أجل ذلك يُحاول سبينوزا إثبات أمور ثلاثة:
  • (١)

    لا يصير للدين قوة القانون إلَّا بسُلطة الحاكم.

  • (٢)

    لا يحكُم الله مُنفصلًا عن السلطات السياسية.

  • (٣)
    يجِب اتفاق الشعائر الدينية مع سلامة الدولة وأمنها.١١٥

ويُبرهن سبينوزا على الأمرين الأول والثاني معًا، لأنه يجب البرْهَنة أولًا على أنه كيف لا يحصل العدل والإحسان على قوَّة القانون إلَّا بتشريع الدولة للانتهاء إلى أنَّ الدين لا يحصل على قوَّة القانون إلا بمشيئة أصحاب السلطة، وأنَّ الله لا يحكُم البشر إلَّا من خلال السُّلطات السياسية، فالإنسان في الموقف الطبيعي لا يعيش إلَّا طبقًا لقانون الشهوة، فليس هناك خطأ أو صواب، ينشأ الخطأ والصواب عندما ينتقل الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة العقل؛ أي عندما يأخُذ العدل قوَّة القانون الذي يصدُر عن مشيئة من لهم الحقُّ في الحكم، أي أن الله لا يحكُم إلَّا من خلال أصحاب السلطة السياسية، ولا يُهمُّ بعد ذلك إدراكه بالنور الفطري أو بالنور النبوي. فعندما فوَّض العبرانيون حقَّهم لله ظلَّ هذا التفويض نظريًّا لأنهم احتفظوا لأنفسهم بحقِّهم السياسي الذي فوَّضوه بعد ذلك لموسى وجعلوا منه ملكًا. وابتداءً من ذلك الوقت حكَم الله العبرانيين من خلال موسى، ولم يأخُذ الدين قوَّة القانون إلَّا بعد التشريعات السياسية، فلم يُعاقِب موسى مُخالفي السبت قبل المِيثاق وعاقبَهم بعدَه بعد أن تحوَّل الميثاق إلى قانون سياسي، وكذلك لم يَعُد للدين قوة القانون بعد انهيار الدولة وبعد سَبْي بابل وضياع استقلالهم السياسي ومُشاركتهم في إدارة دولة بابل باعتبارهم عبيدًا لا أسيادًا. لا يأخذ الدين إذن قوَّة القانون إلَّا بالتشريع السياسي، فإذا قُضيَ على التشريع السياسي لا يُصبح الدِّين سلوكًا إجباريًّا للمواطنين، بل يُصبِح تعاليم عقلية شاملة، والدين الشامل لم يكُن موجودًا في ذلك الوقت، ولا يأخُذ الدين، سواء كان مُدركًا بالنُّور الفطري أو بالنور النَّبَوي قوَّة القانون إلَّا بِسُلطة من لهم الحقُّ في الحكم، فالله لا يحكم البشر إلَّا من خلال السلطات السياسية؛ وذلك لأنَّ الله ليس أميرًا أو مُشرِّعًا، ولأنَّ حقائقه أبدِيَّة تتميَّز بضرورةٍ أبدية أيضًا ولا تتحوَّل إلى أوامر إلَّا من خلال السُّلطات السياسية، وبذلك يكون للسُّلطات الحقُّ في تفسير الشرائع.

أما الأمر الثالث هو اتفاق الشعائر مع سلامة الدولة وأمنها، فهذا يعني أيضًا تحديد الدولة للشعائر وتفسيرها لها دون الشعائر الداخلية أي التقوى والإخلاص، فحبُّ الوطن حبٌّ مُقدَّس، وهو من أنبل العواطف، ولكن وجود الدولة هو الحافظ للقِيَم، وبالتالي، فلا يكون السلوك سلوكًا شرعيًّا إذا ما نال من سلامة الدولة، ويكون شرعيًّا إذا ما حافَظ عليها مهما كان هذا السلوك مُضادًّا لحُبِّ الجار؛ فمصلحة الجميع سابقة على مصلحة الفرد. وللسلطة الحقُّ في تحديد المصلحة العامة وأمن الدولة واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك. على السلطة إذن تحديد أفعال الإحسان للجار أي الأفعال التي تَجِب بها طاعة الله، فملكوت الله هو تطبيق شريعة الله أي مُمارسة العدل والإحسان، ولا فرق بين النور الفطري والوحي في معرفة ذلك إذا كانت هذه الشريعة هي القانون الأسمى، ولا يكون لأصحاب السلطة فقط الحقُّ في تفسير القوانين، بل لا يُطيع الإنسان الله إلَّا إذا كان سلوكه مُتَّفقًا مع المصلحة العامَّة ومُطيعًا لأوامر السلطات؛ لذلك لا يَجوز للفرد الإضرار بفردٍ آخر أو بالجماعة، ولا يُحسِن الإنسان إلى الجار إلَّا إذا كان الإحسان مُتَّفقًا مع المصلحة العامَّة، والسُّلطة هي التي تُحدِّد هذه المصلحة لأنها المسئولة عن تنظيم شئون الدولة. فإذا حكَمَت السُّلطات على فردٍ من الداخل أو من الخارج بأنه عدوٌّ فلا ينبغي على الأفراد التعامُل معه، فحبُّ الجار يَتبَعُه كراهية العدو، وتاريخ العبرانيين يؤكد دائمًا اتفاق الدين مع مصلحة الدولة، حتى أتى المسيح ورأى تشرُّدَهم وضياع دَولتهم أمرَهم بالإحسان لكل الناس،١١٦ أما الحواريُّون فإنهم لم يُبشِّروا بالدين باعتبارهم رعايا، بل بناءً على القُدرة التي أعطاها المسيح إياهم.١١٧ على الأفراد طاعة الطاغية إلَّا من وهبَهُ الله هِبةَ النبوَّة ووعَدَه بمُساعدة من لَدُنه ضدَّ هذا الطاغية.١١٨

ولكن ما الحُجَج التي يقدِّمها دُعاة التفرقة بين السُّلطة الدينية والسُّلطة السياسية؟ أهم هذه الحُجَج وجود كعب الأحبار عند العبرانيين لتنظيم شئون الدين. ويَردُّ سبينوزا على ذلك بأن الأحبار أخذوا هذا الحقَّ من موسى، صاحب السلطة السياسية، وكان يُمكنه سَلْب هذا الحق منهم، وبعد موت موسى، احتفظ الأحبار بهذه السُّلطة باعتبارهم استمرارًا لسُلطة موسى، أي استمرارًا للسُّلطة السياسية في حِين أنَّ موسى لم يُعيِّن أحدًا بعدَه للقيام بالسُّلطة السياسية، بل قَسَّمَها بحيث يبدو أصحابها كمُساعدين له. صحيح أنَّ الأحبار كان لهم الحقُّ في تنظيم شئون الدين في الدولة الثانية، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه رؤساء الأسباط أي إنهم كانوا يتمتَّعون بالسُّلطة السياسية، وكان للملوك الحق في تنظيم شئون الدين وشئون الدولة على السواء مع استثناءٍ وحيدٍ وهو إقامة الصلاة بأنفسهم في المعبد؛ لأنهم ليسوا من سُلالة هارون، وبالتالي ليس لهم شرَف مُخاطبة الله. كان الأنبياء يدفعون الناس إلى التطرُّف لأن السلطة السياسية لم تكن في أيديهم في حين استطاع الملوك التأثير عليهم بالتوعُّد بالعقاب. وتنصَّل ملوك العبرانيين من الدين لأنه لم يكن لهم الحقُّ في التدخُّل فيه، وتَبِعَهم الشعب في هذا التنصُّل.

والحجَّة الثانية أنه في المسيحية قام رجال الدين بمهامِّ الكهنوت. ويَرُدُّ سبينوزا على ذلك أيضًا بأن رجال الدولة كان لهم أيضًا الحق في القيام بالشعائر الدينية، بل كان لهم الحق وحدهم في ذلك. كان التوحيد بين السُّلطتَين حافظًا لسلامة الدين وأمن الدولة، فالإنسان بطبيعتِهِ يثِقُ بمن يقوم على شئون الدين وبالتالي بسيادته على نفوس الناس.١١٩ يؤدِّي الفصل بين السُّلطتَين إذن إلى الفِتَن والشقاق كما حدَث بين الأحبار والملوك عند العبرانيين، ومن يُريد سلْب الحاكم سُلطته الدِّينية فإنه يَودُّ الاستيلاء على السلطة؛ إذ لا يَبقى للحاكِم سُلطة سياسية لو سُلِبَت منه سُلطته الدينية، والتاريخ شاهد بمساوئ الكهنوت وأضراره. يكفي مَثَل بابا روما عندما اقتصر دَورُه على شئون الدين حاول إخضاع الأباطرة لسُلطانه حتى انتزَعَ منهم السلطة، وكلُّ من حاول من الأباطرة التقليل من سُلطة البابا زادَهُ سُلطانًا. ولكن استطاع رجال الدين أنفسهم بأقلامهم ما لم يَستطِعْهُ الأباطرة بسيوفهم.
ولكن ما العمل إذا خرج أصحاب السلطة على الدين؟ وما العمل أيضًا إذا خرج رجال الدين على الدين؟ إذا خرج أصحاب السلطة على الدين لا يُهمُّ بعد ذلك إلى أيِّ حدٍّ تَمتدُّ سلطتهم؛ إذ يؤدي خروجهم إلى الكوارث، سواء في أمور الدين أو في أمور الدولة، وتَعظُم الكارثة إذا أرادَت الرعية تنصيب نفسها حارسةً على القانون الإلهي وترفُض سُلطة الدولة واختصاصها في أمور الدين. ويُبرهن تاريخ العبرانيين على أنَّ عزل الملوك يُؤدِّي بهم إلى رفْض الإيمان؛ لذلك حرصًا على مصلحة الدين والدولة معًا يجِب أن يُعهَد لأصحاب السُّلطة تنظيم شئون الدين وتفسيره والمُحافظة عليه.١٢٠
ولكن هذا المبدأ الذي أجمع عليه العبرانيون اختلف فيه المسيحيون؛ وذلك لأن المسيحية في نشأتها لم يدْعُ لها الملوك بل دعا لها الرعايا المُناوئون للسُّلطة السياسية القائمة، وتعوَّدوا الاجتماع في كنائس خاصَّة لتنظيم شئون الدين وأخْذ القرارات وإصدار المراسيم دون أخْذ رأي السلطة القائمة. وبعد أن أخَذَ الدين في الانتشار في الدولة استمرَّ رجال الدين في نشر الدعوة بطرُقِهم الأولى؛ لذلك كان من السهل الاعتراف بهم رؤساء للكنيسة أي مُمثِّلين لله. وقد اتُّخِذت بعض الإجراءات لمنع الملوك من التدخُّل في شئون الدين أهمها تحريم الزَّواج على رجال الدين، وضرورة وجود الفيلسوف اللاهوتي لتفسير العقيدة وحقائق الإيمان التي تضعها الفلسفة مَوضِع الشك، فهو القادر على النفاذ إلى هذه التأمُّلات التي لا نَفْعَ منها.١٢١

أما عند العبرانيين فقد نشأت الدولة والكنيسة معًا، وكان موسى هو صاحب السُّلطتَين، وكان لرؤساء الأسباط أيضًا الحقُّ نفسه مع أنهم كانوا أقلَّ هيبةً من موسى، وكان العبرانيون يستشيرون الأحبار أو المُوظَّفين المدنِيِّين على السواء، وكان الملوك يقومون بتنظيم شئون الدين، وإن لم يكُن بالدرجة نفسها التي كان يقوم بها موسى، فقد شرع داود في بناء المعبد، واختار المُنشِدين والقضاة والحُرَّاس والموسيقيين والخُدَّام ورؤساء الطوائف الدينية؛ أي إن شئون الدين كانت من اختصاصات الملك. ولكن لم يكن للملوك الحق، كما كان لموسى، في اختيار كعب الأحبار ومُخاطبة الله مُباشرة ومُحاكمة المُتنبِّئين. وفي مُقابل ذلك، كان للأنبياء الحقُّ في اختيار الملك الجديد والعفو عن قاتلي الملك السابق، ولكن لم يكُن لهم الحقُّ في تقديم الملوك للمُحاكمة أو اتِّخاذ أي إجراء ضِدَّهم إذا ما خالفوا القوانين باستثناء النبيِّ الذي وعده الله بالعَون؛ لذلك، فإنَّ لأصحاب السلطة الحالية الحقَّ في تنظيم شئون الدين، بالرغم من أنهم لا يعيشون عيشة الرهبنة، بشرط ألَّا يزيدوا شيئًا على تعاليم الدين أو يَخلِطوها بالمعارف العلمية، خاصَّةً أنَّ عصر الأنبياء قد انتهى.

سابع عشر: مُواطن حُرٌّ في دولةٍ حرَّة١٢٢

لو كان من السهل توجيه الأذهان كما تُوجَّه الألسنة لَما واجَهَت الحكومات أيةَ أخطار، ولسارت الرعية كما يَهوى الحُكام، ولَما فكَّر أحد أو أصدر حُكمًا، ولقامَت السُّلطة على القهر والعُنف وانتُهِكت حُرمة القوانين، وسُلِبت حقوق المواطنين عندما تُحاول فرْض الآراء عليهم وقَبولها على أنها نصيحة أو رفضها على أنها باطلة. والحقيقة أنَّ كلَّ فردٍ حُرٌّ في أن يُفكر وفي أن يعتقد ما يشاء، ولا يتنازل بمحض اختياره عن هذا الحق. قد يحدُث لبعض الأفراد تَبنِّي أفكار غيرهم، ولكنهم سيشعرون يومًا بأنهم يُفضِّلون أفكارهم على أفكار الغير، وصحيح أيضًا أنَّ موسى استطاع استمالةَ الشعب لأفكاره دون مُخادعة، ولكن ذلك قد تَمَّ له بصفةٍ إلهية فضلًا عن أن موسى نفسه لم يَسلَمْ من التفسيرات المُعارضة له، فإذا كانت عبودية الأذهان مَقبولة في النظام الملكي فكيف فيُمكن قَبولها في نظام ديمقراطي أي في نظام تكون السُّلطة فيه للشعب؟ ومهما كان للسُّلطة من حقٍّ على الشعب ومن تفسيرٍ للقوانين فإنها لا تستطيع أن تمنعه حَقَّه في إصدار حُكمه أو في أن يَشعُر بما يُريد. صحيح أن السلطة تَعتبِر من لا يعتنِق وجهة نظرها عدوًّا لها، ولكنَّنا لا نبحث هنا الحدَّ الأقصى لسُلطة الحاكم، بل أفضل أنواع السلوك والأصلح منها له. صحيح أيضًا أنه يستطيع الحُكم بالإعدام لأتفَهِ الأسباب، ولكن يكون حُكمُه مُعارضًا للعقل. إن أسلوب القهر خَطَرٌ على الدولة نفسها؛ لذلك يكون حقُّ السلطة بمِقدار قُدرتها. فكلُّ من يتنازل عن حقِّهِ في الحرية يظلُّ سيد نفسه، وتقع الكارثة عندما تُجبِر السُّلطة أعضاء المجلس القومي على التفكير كما تشاء، ولكن الشعب لا يستطيع الصَّمتَ طويلًا. تقوم السلطة على القهر والعنف عندما تَسلُب المواطنين حرية التفكير وتفرض عليهم آراءها، وتَشعُر بالنيل منها إذا ما سلَّمَت للمواطنين بِحُرية القول والعمل.

إن الغرَض من إقامة نظامٍ سياسي ليس السيادة أو القهر أو إخضاع الشعب لنَير فردٍ واحد، بل التحرُّر من الخوف بحيث يعيش كلُّ فردٍ في سلام، أي المُحافظة على الحقِّ الطبيعي في الحياة وفي السلوك، ليس الغرَض من أيِّ نظام سياسي تحويل البشر إلى حيواناتٍ أو آلات، بل الحصول على سلامة الذِّهن والبدَن، أي إنَّ غرَض التنظيم في المُجتمَع هو الحُرِّية.

وتنشأ السلطة في المجتمع، إما عن الجماعة أو من بعض الأفراد أو من فردٍ واحد. ولمَّا كان لكل فردٍ حُكمه الخاص فإنه فوَّض للسلطة العُليا حقَّهُ دون أن يتنازَلَ عن حُريَّته في التفكير وإصدار الأحكام بشرط الاعتماد على العقل لا على الحِيلة والخداع، ودون أن يكون دافعه على ذلك الحقد والكراهية وإلَّا كان مُتمرِّدًا؛ على هذا النحو، يَستطيع أن يُعبِر عمَّا يُفكر فيه دون أن يمسَّ سلامة الدولة وأمنها الداخلي، وعليه أن يقبل إجراءات السُّلطة حتى ولو كانت مُعارضة لآرائه الشخصية، يدفعه في ذلك إيمانه بالقِيَم المقدسة، فالسلطة هي القائمة على العدالة، وتَصِل إلى حدِّ الاعتدال عندما تُسلِّم بحُرِّية الآخرين والقرارات التي تأخُذها تَصدُر عن الجمعية العامَّة بالإجماع على الرغم من مُعارَضة بعض الأعضاء.

ولكن ما الآراء التي تُهدِّد كيان الدولة؟ إنها الآراء التي تُهدِّد بفسخ العقد الذي فوَّض به المُواطنون حقَّهم للسُّلطة العُليا، مِثل الآراء الفوضوية قولًا وعملًا. أما الآراء التي لا يترتَّب عليها نتيجةٌ فِعلية تُهدِّد سلامة الدولة فلا تُعتبَر جُرمًا إلَّا في دولةٍ يترأسَّها مُتعصِّب أحمقُ يُريد إرهاب الناس. وهناك بعض الآراء التي تَصدُر عن سُوء نِيَّةٍ طبقًا لحُرية الفكر، ولكن مِقياس الإخلاص للسُّلطات هو الأعمال، وعلى رأسها الإحسان للجار. أفضل النُّظم السياسية هي التي تسمح للفرد بحُرِّية التفكير، وقد اعترف له الإيمان من قبل بهذه الحُرِّية. قد تُسبِّب هذه الحرية بعض المَتاعِب للسلطات، ولكن هذه المَتاعِب أقلُّ بكثيرٍ ممَّا لو سُلِب المواطنون هذه الحرية. وإن وَضْع الإنسانية كلها تحت سيطرة القوانين يأسٌ مِن العيوب لا إصلاح لها. ومن الأفضل السماح بالنشاط الحُرِّ إذا كان من الصعب منعه، وهناك الانفعالات التي لا يُمكن القضاء عليها.

إنَّ الحرية هي العامِل الأساسي لتقدُّم العلوم والفنون، فلو حدَث أن فرَضَت السُّلطة على المواطنين أفكارها، فإنَّها لن تستطيع أن تجعل أفكارهم مُطابقة لأفكارها، وبذلك ينتهي المواطنون إلى النِّفاق، ويقولون ما لا يعملون، ويضيع حُسن النِّية، ويسود الخداع والمُحاباة، ويعمُّ السقوط. كُلَّما سُلِبت منهم الحرية زاد السقوط، وكلَّما التجئوا إلى باطنهم ليعثروا فيه على حُرِّيتهم، فاضَ بهم الكيل وناصَبوا السلطة العداء علنًا، وأثاروا القلاقل والفتن. فهذه هي الطبيعة الإنسانية، ويكون القانون هو السبب في إثارة دُعاة الخير لا في كبْحِ جِماح الظالمين، ويكون تطبيق القانون أعظم خطَر يُهدِّد الدولة التي يرفُضها الأحرار ويَتملَّقها الانتهازيُّون، ويصعُب على السُّلطة حينئذٍ التراجُع عمَّا هي فيه، وكم نشأت من الفِرَق والطوائف لأن السلطة أرادت وضْع حدٍّ لحرية الفكر. إن القوانين تهدف إلى تهدئة المشاعر لا إلى إثارتها. أليس الأجْدَرُ إذن أن تُراعى عواطف الجماهير من أن تُوضَع لها قوانين عاجزة؟ في مثل هذه الدولة يُصبح المواطنون أعداء الدولة لأنهم لا يعرفون الجُبن، ويسقُط الشهداء، ويلحَقُ العار بالسُّلطات، فلا يرهَبُ المواطنون الموت، ولا يَطلُبون العفو، ويَقبَلون الشهادة لغايةٍ شريفة، ويكونون شهداء الحرية، يَتبَعُهم بعض المواطنين في حِين يُصفِّق البعض الآخر للجلَّادين.

أما إذا أرَدْنا أن نُعيد للمواطنين حُسن النية وأن تُمارس السلطات حقَّها في أفضل الظروف المُمكِنة يجِب عليها التسليم بِحُرِّية المواطنين في التفكير وفي الحكم، فتقلُّ المتاعِب، وذلك أقرَبُ للطبيعة الإنسانية، والديمقراطية هي أقرَبُ النُّظُم إليها، ففيها يعمل كلُّ فردٍ ويفكر دون أن يَصُبَّ عملَه وفِكره في قالبٍ واحد، وفيها تحظى فكرة الغالبية العُظمى بمُوافقة الجميع مع الاحتفاظ بحقِّ إلغائها في المُستقبل لو دعت الظروف إلى ذلك، ولو وُجِدت هناك فكرة أصلح منها. لا تُمثِّل إذن حُرية المواطنين أي خطرٍ على السُّلطة وهيبتِها، فإذا سُلِبت هذه الحرية سقَطَ الشهداء وظهرَتِ الدعوة للشهادة ويُصفِّق أصحاب السُّلطة وأنصارها، والمُصفِّقون لها الذين يقومون باغتصاب السُّلطة بعد ذلك؛ لذلك، إذا أردْنا المُحافظة على سلامة الدولة يجِب أن يقتصِر الدين على مُمارسة العدل والإحسان، كما يجِب أن يقتصِر عمَل السُّلطة على توجيه أعمال المواطنين في شئون الدِّين والدُّنيا دون أن تَسلُبهم حُرِّيتهم في التفكير والتعبير. ويُلخِّص سبينوزا ذلك كُلَّه في مبادئ سِتَّةٍ تُكوِّن الدستور الشامل وهي:

  • (١)

    يستحيل سلْب الناس حُرِّية التفكير والتعبير.

  • (٢)

    لا يُهدِّد الاعتراف بالحرية الفردية هَيبة السُّلطة أو حقَّها.

  • (٣)

    لا يُمثِّل التَّمتُّع بالحرية الفردية أيَّ خطرٍ على سلامة الدولة.

  • (٤)

    لا تُهدِّد الحُرِّية الإيمان بالأديان.

  • (٥)

    تعجزُ القوانين الصادرة عن تنظيم الأمور النظرية.

  • (٦)
    ضرورة الحُرِّية الفردية للمُحافظة على السَّلام وعلى الإيمان وعلى حقِّ السُّلطة العُليا.١٢٣

وهنا ينتهي سبينوزا من رسالته «وفيها تَتمُّ البرهنة على أن حُرية التفلسُف لا تُمثِّل خطرًا على التقوى أو على السلام في الدول، بل إنَّ القضاء عليها يُؤدِّي إلى ضَياع السلام والتقوى ذاتها.»

١  اقتصرْنا في هذه المقدمة على العرْض الموضوعي المُحايد لأفكار سبينوزا ومناهجه في تحليل النص الديني، ولم نشأ التدخُّل من جانبنا بالزيادة أو النقصان وترْك كلِّ قارئ يستخلِص ما يُريد من نتائج؛ فهي مُقدمة تؤكد مرة ثانية على تحليلات سبينوزا أكثر مما تضيف جديدًا عليها.
٢  انظر: د. فؤاد زكريا: سبينوزا.
٣  A. Mallet: Traité Théologico-politique de Spinosa et la Pensée Biblique, Société des Belles Lettres, Paris, 1966. ويذكر هذا الكتاب، وهو آخِر الشروح، الشروح السابقة والدراسات الخاصَّة حول منهج التفسير عند سبينوزا.
٤  Deleuze: Spinoza et le Problème de l’Expression, PUF, Paris, 19.
٥  هذه المقدمة تطوير لمَقالنا السابق «رسالة في اللاهوت والسياسة: لسبينوزا، تُراث الإنسانية»، المجلد السابع، ١ مارس (آذار) سنة ١٩٦٦.
٦  ينبغي قبل كلِّ شيء أن نتمسَّك بقاعدة تعصِمنا من الزَّلَل وهي أنَّ ما أوحاه الله هو اليقين الذي لا يعدِله يقين أي شيء آخر، فإذا بدا أنَّ ومضةً من ومضات العقل تُشير إلينا بشيء يُخالف ذلك وجَب أن نُخضِع حُكمَنا لما يجيء عن الله. (Descartes: Principes de la Philosophie, Règle 76, p. 160.) (الترجمة العربية، ص١٨٠.)
٧  ومع أنه من الحق إطلاقًا أنه ينبغي أن نعتقد بوجود الله لأنَّ هذا هو ما جاءت به الكُتب المقدَّسة، وأنه ينبغي من جهةٍ أخرى أن نؤمِن بالكتب المقدَّسة لأنها جاءت من عند الله (…)، إلا أنَّنا لا نستطيع أن نعرض ذلك على الكافرين، فإنهم قد يتوهَّمون أنَّ الاستدلال على هذا النحو وقوع في الغلَط الذي يُسمِّيه المناطقة «دورا» (الترجمة العربية، ص٣٦). (Descartes: Méditations, p. 257.)
٨  «ومع ذلك، فهذا لا يمنع أيضًا أن نعتقد فيما أوحاه الله كما نعتقد في معرفةٍ أكثرَ يقينًا لأنَّ الإيمان الذي يتضمَّن دائمًا أشياء غامضة ليس فعلًا للعقل بل فِعل للإرادة.» (Descartes: Règles pour la Direction de l’Esprit, Règles III, p. 45.)
٩  «إني أحترِم لاهوتنا، وأدعي أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخر بأني سأنتقل إلى السماء، ولكن بعد أن عرفت معرفةً يقينية بأن الطريق مفتوح أمام الجاهِلين والعُلماء على السواء، وأنَّ حقائق الوحي التي تقود إليه أعلى من عقلنا، لم أجرؤ على إخضاعها لضَعف استدلالاتنا، أشرع في فحصها بنجاح، رأيتُ أنني في حاجةٍ إلى معونةٍ خارقة من السماء، وإلى أن أكون أكثر من إنسان.» (Descartes: Discours de la Méthode, p. 130.)
١٠  انظر مقالنا: «محاضرات في فلسفة الدين لهيجل»، تراث الإنسانية، المجلد الثامن ٤ يناير/كانون الثاني ١٩٧١، كذلك «موقفنا من التراث الغربي» الفكر المعاصر، يناير/كانون الثاني ١٩٧١.
١١  «لذلك عقدتُ العزم على أن أُعيد من جديدٍ فحص الكتاب المُقدَّس بلا ادِّعاءٍ وبِحُرِّية ذهنيةٍ كاملة، وألَّا أثبتَ شيئًا من تعاليمه أو أقبلَه ما لم أتمكَّن من استخلاصِهِ بوضوحٍ تامٍّ منه، وعلى أساس هذه القاعدة الحذِرة وضعتُ لنفسي منهجًا لتفسير الكتب المقدَّسة.»
١٢  الأولى هي أن أطيع قوانين بلدي وعاداته وأن أبقى على الدين الذي أكرَمَني الله به ونشَّأني عليه منذ الطفولة. (Descartes: Discours de la Méthode, p. 141.)
١٣  انظر مقالنا: ثقافتنا المُعاصرة بين الأصالة والتقليد، الآداب، بيروت، مايو/آيار سنة ١٩٧٠.
١٤  لذلك فضَّلَت المُترجمة الفرنسية مادلين فرنسيس في ترجمتها لعنوان الرسالة Tractatus Théological-Politicus، إضافة لفظ سُلطات فأصبح: Traité des Autorités Théologico-Politiques.
١٥  يستعمل برجسون كثيرًا من هذه الصور الفنية ليدُلَّ بها على تحوُّل الرُّوح إلى مادة.
١٦  كلمة نقد مُستمدَّة من الفعل اليوناني Krinein الذي يعني «حُكم». وقد انتشرت الكلمة في القرن السابع عشَر خاصَّة لتدلَّ على تقييم الأعمال الأدبية. فاعتبَر لابريير La Bruyère مثلًا أنَّ النقد قائم على الذَّوق دون أن يكون علمًا.
ويمكن إصدار الحكم النقدي على صحَّة النص التاريخية، ويكون لدَينا إذن نقد النصوص La Critique Textuelle لتقارير أخطاء النُّسَّاخ والزيادات المقصودة للرُّواة ومُحاولة العثور على النصِّ الأصلي بلا زيادةٍ أو نُقصان، ثُمَّ يأتي النقد الأدبي La Critique Littéraire لتحويل النصِّ إلى نوعه الأدبي؛ الشعر، القصة، الملحمة، الرواية الأسطورة، الرمز، المثَل. وأخيرًا يأتي النقد التاريخي La Critique Historique لحسْم مشكلة الصحَّة التاريخية التي تشمَل أولًا إثبات صحَّة نِسبة النص إلى المؤلف المنسوب إليه Authenticité وهو ما سمَّاه النقاد المُحدثون نقد المصادر، Critique de Provenance وما سمَّاه عُلماء الحديث قديمًا السَّنَد، وثانيًا إثبات تكامُل النص من حيث المضمون Historicité وما سمَّاه علماء النقد المُحدثون نقد إعادة تكوين النص Critique de Restitutions وما سمَّاه عُلماء الحديث قديمًا «المتْن».
وقد بدأت المُحاولات النقدية الأولى منذ العُصور الأولى لنشأة المَسيحية فنشأت ترجمات النصوص الدِّينية Les Targums ومنها ترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية المعروفة باسم السبعينية Septante، وكان أوريجين Origène أحد روَّاد نقد النصوص القدماء، ولكن لم يتعَدَّ نقدُه تطبيق المبادئ اللغوية التي كانت معروفة في ذلك الوقت في مدرسة الإسكندرية، ووضع لأول مرة التَّوراة في ستة عواميد Les Héxaples لمُقارنة النصِّ العبري بالنصوص اليونانية المُختلفة، كما وضع عدَّة شروح لتأويل النصوص (تفسير النص مُشكلة ثانية بعد إثبات صحَّته)، ثمَّ ظهرتْ نُسختان لاتينيَّتان، الأولى أوروبية والثانية إفريقية؛ مما دفع القديس جيروم إلى مراجعة النصَّين والقيام بترجمةٍ جديدة للتَّوراة وهي ما تُسمَّى بالفولجات La Vulgate، ورأى تفسيرها تفسيرًا حرفيًّا لمُواجهة التفسير الرمزي في مدرسة الإسكندرية.
وفي العصور الوسطى المُتأخِّرة قام الماسوريون Les Massorates وهم المُكلَّفون بالمُحافظة على نصوص العهد القديم، بإدخال النُّقَط والحروف على النص، وقاموا ببعض الشُّروح الحرفية، ثم تَرجَم سعديا بن يوسف الفيومي (٨٩٢–٩٤٢) التوراة إلى العربية وشرَحَها إبراهيم بن عزرا شرحًا حرفيًّا، وكذلك سليمان بن إسحاق المُكنى باسم راشي، حتى أتى موسى بن ميمون وأعطى التوراةَ تفسيرًا عقليًّا.
وفي عصر النَّهضة، وبعد اختراع المَطبعة نَشَر أراسم سنة ١٥١٦، المَخطوطات اليونانية واللاتينية للعهد الجديد، ثُم نُشِرت مؤلَّفات آباء الكنيسة. وفي الإصلاح الدِّيني غلَب التفسير الإشراقي للكتاب على نقد النصوص، ولكن النقد التاريخي لم ينشأ على وجه التحديد إلَّا في القرن السابع عشر على يدي ريتشارد سيمون R. Simon وجان أوستريك J. Austruc بعد نشر الكُتب المقدَّسة بلغاتٍ عدَّة على عواميد مُتقابِلة حتى يُمكن مُقارنة النصوص المُختلفة كما فعل موران Morin ولويس شابل L. Chappelle من أجل البحث عن النص الأصلي. ولكن الأعمال النقدية لريتشارد سيمون تُعدُّ فاتحة على النقد الحديث وهي: (١) التاريخ النقدي لنصوص العهد العتيق، ويَدرُس فيه تاريخ النص العِبري منذ نشأته حتى الآن ويَشكُّ في نِسبة التوراة إلى موسى، (٢) التاريخ النقدي لترجمات Versions العهد العتيق، ويشرح فيه ظهور الترجمات ونقلها واختلافها، (٣) التاريخ النقدي لنصوص العهد الجديد، (٤) التاريخ النقدي لترجمَات العهد الجديد، (٥) التاريخ النقدي لشروح العهد الجديد. وبالرغم من وقوف بوسويه Bossuet أمامه إلَّا أن النقد استمرَّ عند سبينوزا بالرَّغم من وقوف بسكال ضدَّه. واستمرَّ أيضًا في القرن الثامن عشر عند فولتير وشكِّه في أسفار نشيد الإنشاد والجامعة، ولكن القرن التاسع عشر يُعدُّ عصر النقْل بفضل النُّقَّاد البروتستانت تحت تأثير المدرسة الهيجيلية التي روج لها رينان Renan في فرنسا، وانقسم النقدُ إلى مدرستَين: المدرسة الأسطورية، شتراوس، رينان. والمدرسة النقدية وغالبية أصحابها من أنصار النقد العقلي أو النقد العِلمي (التاريخي) للنُّصوص. ثم نشأت أزمة التجديد في العصر الحاضر بعد نشأة المنهج الفينومينولوجي وفلسفة الوجود واعتبار النصِّ جزءًا من موقفٍ وتعبيرًا عن تجربة حيَّة للجماعة الأولى التي نشأ فيها النص. وما زالت المعركة حاليًّا بين أنصار النقد وخصومه أو بين التيَّارَين الأبديَّين في الفِكر الدِّيني: التيار التَّقدُّمي الذي يَسمَح بالنقد التاريخي والتيار المحافظ الذي يقِف ضدَّه (انظر: J. Steinmann: La Critique devant la Bible, Fayard, Paris, 1956).
١٧  بدأت حركة النقد في القرن الحالي في خطوطه العريضة عند هارناك Harnack عندما نشر كتابه الشهير «جوهر المسيحية»  L’essence du Christianisme سنة ١٩٠٢، وأعطى فيه المَدلولات الفلسفية والدِّينية لِما وصَل إليه النقد التاريخي العِلمي في القرن التاسع عشر، خاصَّةً مدرسة توبنجن، وأرسى قواعد البروتستانتية الحرَّة التي تدعو إلى أنَّ جوهر المسيحية هو الأخلاق، ونشأت حركة التجديد في الكاثوليكية في فرنسا عندما نشر لوازي A. Loisy ردَّه على هارناك «الإنجيل والكنيسة»  L’Evangile et l’Eglise سنة ١٩٢٩. كان هارناك من قبلُ قد أثار ثائرةَ المُحافظين الكاثوليك من أمثال لاجرانج Lagrange مُؤسِّس مدرسة القُدس لدراسة التوراة L’école biblique de Jérusalem الذي وضع قواعد المنهج التاريخي المُحافِظ في كتابه «المنهج التاريخي»  La Méthode Historique سنة ١٩٠٤، وإدوار لو روا E. Le Roy في كتابه «العقيدة والنقد»  Dogme et Critique سنة ١٩٠٧، وموريس بلوندل M. Blondel في مقاله «التاريخ والعقيدة»  Histoire et Dogme سنة ١٩٠٤، وأخيرًا جاء جان جيتون ومحاولته لوضع قواعد للمنهج التاريخي الفلسفي في «نقد النقد»  Critique de la critique سنة ١٩٣٧ وفي «الكنيسة والإنجيل»  L’Eglise et l’Evangile سنة ١٩٥٩ ردًّا على لوازي. وما زالت المعركة دائرة بين أنصار النقد وخصومه، بين المُجدِّدين والمُحافظين.
١٨  انظر رسالتنا (مخطوط) La Phénoménologie de l’Exégèse.
١٩  يُغالي البعض وأكثرهم من اللاهوتيِّين المُحافظين ويدَّعون أنَّ الله قد حفِظ كتابَهُ من التغيير والتبديل، وأنَّ العناية الإلهية هي الحافظة للنُّصوص، ومن ثَمَّ فلا داعيَ هناك لتطبيق قواعد المنهج التاريخي على النُّصوص الدينية، وإقامة نقدٍ تاريخيٍّ للكُتُب المُقدَّسة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وهي نظرية لاهوتيَّة صِرفة، تهرُب من النقد، وتلجأ للسُّلطة الإلهية، وهي شبيهة بالصِّدق الإلهي عند ديكارت، فيما يتعلَّق بالمعرفة الإنسانية، وقد يكون معنى الآية هو حِفظ المعنى، وحفظ تطبيق المَعنى في الواقع، لا حِفظ النصِّ الحرفيِّ المُدوَّن، فذلك ما يَعتريه التغيير والتحريف والتبديل، وهو ما يَتَّهِم به القرآن أهلَ الكتاب، ويُؤيِّده النقد التاريخي للكُتب المُقدَّسة.
٢٠  الأسفار الخمسة مجموعة من الروايات والتشريعات تنقطِع باستمرار ثم تَعود وتتكرَّر، وليس هناك سِفر مِثله نال من الدراسة والتحقيق، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بمُؤلِّفها، فقديمًا قارنَ ترتيليان Tertullien الأسفار بعضها ببعض، كما قارَن يوسبيوس القيصري Eusèbe de Cisarée نصوص الأسفار مع المأثورات الفينيقية، وحاوَلَ القديس جيروم معرفة المعاني الحرفية للنصوص ابتداءً من اللغة. وقد ظنَّ آباء الكنيسة قديمًا أنَّ موسى هو مُؤلِّف التوراة، وظلَّ هذا الاعتقاد في العصر الوسيط مع بعض الشروح اللغوية حتى جاء سبينوزا ولودز Lods وشكًّا في نسبة الأسفار إلى موسى كما فعل ذلك أيضًا كارلشتات Carlstadt، وينسب الناقد ماسيوس Massius الأسفار الخمسة إلى عزرا. وقد استمرَّ النقد في القرن الثامن عشر في جانب النقد الأدبي، فلاحَظ أوستريك Austric اختلاف تسمِيات الله في الأسفار. وينشأ فرض المصدر الكتابي الذي صاغَه أيشهورن Eichhorne سنة ١٧٨١، كما نشأت نظريات المصادر المُتعدِّدة عن جريس Geddes سنة ١٧٨٢، وفاتر Vater (١٨٠٢–١٨٠٥) وفيته Wette (١٨٠٥–١٨٠٧)، هذه المصادر التي تمَّ التجميع بينها على ما يرى كيله Kelle (١٨١٢)، إيفالد Ewald (١٨٢٢). ثم يأتي الجن Ilgen وهوبفلد Hupfeld ويصوغان نظرية المصادر المكتوبة وانتسب إليها ريم Reihm ونولدكه Nöldeke، ثم أتى فاتكه Vatke وحاول تتبُّع نشأة النص وتطوُّرِه مُوازيًا لنشأة اللاهوت وتطوُّره سنة ١٨٦٩ حتى أتى فلهاوزن وأعلن نظريَّته المشهورة القائمة على المصادر الأربعة، مُتأثرًا بأفكار هيجل عن تطوُّر التاريخ، ويستمرُّ النقَّاد في عرض مضمون الأسفار لمُحاولة التعرُّف على مؤلِّفها ومصادرها مثل كوينن Kuenen وجراف Graf (١٨٦٩) فقد حاولَ تجميع نصوص الأسفار حول موضوعاتٍ واحدة مِثل مكان الأضاحي، الرهبنة، الأوقاف Dîmes. ويُمكن تلخيص نظرية فلهاوزن في مبادئ ستة: (١) مجموعات أولى مثل كتاب يشر Yasher وكتاب حروب يهوه. (٢) ظهور النص الياهوي في الجنوب ألَّفه شخص أو جماعة. (٣) ظهور النص الألوهي في الشمال، قبل النص الياهوي عند كتل Kittel وريم Riehm. (٤) ضَمُّ النصَّين معًا بعد سقوط السامِرة. (٥) ظهور سِفر التثنية من وضع أحد الأحبار وضمِّهِ للمجموعة الأولى. (٦) ظهور نصٍّ يحتوي على قوانين الرهبنة أو القداسة. وما زالت هذه النظرية هي السائدة في كلِّ الدراسات النقدية عن العهد القديم، بفيفر Pfeiffer في الولايات المتحدة سنة ١٩٥٣ ولودز Lods في فرنسا سنة ١٩٥٠ وكول Kuhl في ألمانيا سنة ١٩٥٣ وحتى النقَّاد الذين يَستعملون تحليلاتٍ أخرى مثل إيسفيلت Eissfeldt في ألمانيا سنة ١٩٣٤ وبنتزن Bentzen في الدانمارك سنة ١٩٥٢. وقد حاول بعض النقَّاد والمُحافظين مُعارضة نظرية فلهاوزن لرفضِها كل ما يفوق الطبيعة، Surnaturel ولجئوا إلى الفحوص التاريخية للشرق القديم من أجل إنقاذ ما يُمكن إنقاذه من الصحَّة التاريخية للأسفار أو يُشكِّكون في قِيمة مناهج النقد التاريخية ذاتها كما يفعل لاجرانج Lagrange.
وبدأت مدرسة الصُّوَر الأدبية Formgeschichte Schule بعد نشأتها على يدِ بولتمان Bultmann سنة ١٩٢١ وديبليوس Dibilus سنة ١٩٢٩ وحاولت البحث عن الوحدات الأولية التي نشأت منها الأسفار ابتداءً من أبحاث جونكل Gunkel وفيما بعد أبحاث جرسمان Gressmann وفون راد G. Von Rad. وتَعتمد المدرسة على مبادئ ثلاثة: (١) الوحدات الأولى تعبير عن الأوضاع الاجتماعية وحال الجماعة الأولى لذلك لا بدَّ من وضع النصوص في تجاربها الحية Sitz im Leben. (٢) مُقارنة هذه الوحدات الأولى بالآداب الأخرى المُعاصرة لها في مصر وبابل، ومن ثم ارتبطت المدرسة بتاريخ الأديان المُقارن. (٣) اعتبار العهد القديم كتابًا إنسانيًّا مَحضًا يقصُّ التاريخ الاجتماعي والسياسي لشعْبٍ مُعين. وبالفعل، بفضْلِ هذا المنهج أمكن تصنيف الصُّوَر الأدبية إلى رواية وكلام مُباشر ومثَلٍ ورمز وكلام الذات … إلخ. وقد أنشأ البابا «لجنة التوراة» سنة ١٩٠٦ من أجل الحدِّ من النظريات النقدية ولكنها كانت أحدَ أسباب نشأة الحركة التجريدية داخل الكاثوليكية خاصَّةً في فرنسا بفضْل لوزاي A. Loisy. (E. Cavaignac: Intro, pp. 290–330.)
(انظر كذلك رسالتنا المخطوطة: Le phénomène de l’Exégèse, Tome II, Essai d’une herméneutique existentielle a partir du N.T.)
(انظر أيضًا السموأل بن يَحيى بن عبَّاس المَغربي: بذْل المجهود في إفحام اليهود ص٤٢–٤٧، مكتبة الحماد، القاهرة.)
٢١  تُظهر الدراسات الحديثة لسِفر يشوع أنه ليس نصًّا واحدًا بل مجموعة من الكتابات المُتعدِّدة حُرِّرت على فترات مُتباعدة، وقد سادت نظرية المصادر الأربعة التي طبَّقَها فلهاوزن على الأسفار الخمسة على سِفر يشوع الذي سُمِّي منذ ذلك الحين السفر السادس Hexateuque لأنه يحتوي على النتائج العامة للأسفار الخمسة، كما أنه استمرار لها، سَواء للنصِّ الياهوي (القرن التاسع) أو النص الألوهي (القرن الثامن). وقد جمع هذا النص من أجل التعبير عن آراء سِفر التَّثنية (القرن السادس). وبعد النَّفي، ظهرَتْ صياغة أخرى كهنوتية للسِّفر، وهي الصِّياغة النهائية، وقد عدَّل إيسفلت Eissfeldt هذه النظرية السائدة بأنْ أضاف نصًّا دُنيويًّا كأحد مصادر السِّفر وكذلك قسَّم فون راد Von Rad النص الكهنوتي إلى قِسمين، ولكن قدَّم آلت Alt ونوث Noth نظرية أخرى تَفصِل فصلًا تامَّا بين الأسفار الخمسة وسفر يشوع، فيرى نُوث أنَّ السفر جزء من مجموعة سِفر التثنية التي تمتدُّ حتى سفر الملوك، ولم تُضِف عليه المدرسة الكهنوتية إلَّا بعض الأجزاء الصغيرة. ويجعل مصدره نصَّين: الأول يحتوي على رواية الغزو والثاني على وصْف فلسطين. (Delorme, dans Intro. à la Bible, I, pp. 389–91.) (انظر أيضًا: ابن حزم، ج٢، ص٣.)
٢٢  ولا يعني سفر القضاة أن موضوعه هم القضاة، فالقاضي في هذا السِّفر هو الذي يُصحِّح الوضع في إسرائيل لا الذي يحكُم. موضوع السفر إذن هُم الأبطال الوطنيُّون عند الأسباط. وقد تمَّ تأليف السِّفر من مصادر مُتعدِّدة، ولا سيما بعض المصادر الشفاهية، والنظرية الشائعة في تكوين السِّفر هي نظرية الأسفار الخمسة التي تفترض وجود نصَّين: الأول من مَملكة الجنوب من القرن الحادي عشر، وهو النصُّ الياهوي، والثاني من مَملكة الشمال من القرن الثامن وهو النص الألوهي. (H. Cazelles: Intro, pp. 402–10.)
٢٣  عند علماء النَّقد المُحدثين أن سفر صموئيل مكوَّن من مجموعة من النصوص، وقد تمَّ تدوينه على مراحل عدَّة، ويدلُّ التكرار بين السِّفرين، صموئيل الأول والثاني، على وجود روايتَين قد تكونان استمرارًا للنَّصَّين الياهوي والألوهي في الأسفار الخمسة (فلهاوزن Welhausen، بوده Budde، دورم Dhorme، شتورناجل Steuernagel)، ويضيف إيسفيلت Eissfeldt مصدرًا دُنيويًّا داخل النصِّ الياهوي، كما يُضيف لودز Lods مصدرًا ثالثًا.
وهناك نظرية أخرى تَفصِل بين نصَّي الأسفار الخمسة ونصِّ صموئيل (جريسمان Gressmann)، أما روست Rost، فإنه يَعتبِر النصَّين مُتتاليَين وليسا مُتوازِيَين. ويرى فيزر Weiser أن السِّفر قد نشأ من مصادر عدَّة خاصَّة به في حين أن بوبر Buber يرى أنه نشأ من مصدر واحدٍ وأُضِيف إليه نصَّان آخران (Delorme, p. 424–27).
٢٤  في الأصل كان سِفرا صموئيل سفرًا واحدًا كُتِب باليونانية على ورَقَتَين مُختلفَتَين، ثم فَرَضت هذه القسمة نفسها على التوراة العِبرية في القرن الخامس عشر، وقد أُضيف السِّفران في الطبعة اليونانية إلى سفر الملوك الذي انقسم بدَوره إلى مجموعتَين، وأصبح اسم الأسفار الأربعة سفر الملوك. وقد اتبعت الفولجات Vulgat (الترجمة اللاتينية للتوراة اليونانية التي قام بها القديس جيرون في القرن الرابع الميلادي) هذه التَّسمية واعتبرَت سفرَي صموئيل سفرَي الملوك الأول والثاني، وسفرَي الملوك، سفرَي الملوك الثالث والرابع (Delorme، p. 214).
وقد استمدَّ الكاتب سفرَي الملوك الثالث والرابع من مصادر عدَّة أهمُّها كُتب الأغاني   Live de Chant الذي منه استمدَّ الكاتب نشيد سليمان، وكتاب أعمال سُليمان، وكتاب أخبار ملوك يهوذا، وكتاب أخبار ملوك إسرائيل، ألَّفَها كُتَّاب استطاعوا الاطلاع على الأرشيف الملَكي.
٢٥  وقد اتبَّع النقاد المسلمون هذه الوسيلة للكشْف عن تلفيق الروايات، انظر: ابن حزم، الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحل، ج١، ص٩٧، مكتبة صبيح. ولكن الغالِب على دراسات المُسلمين هي إثبات التناقُض في النُّصوص والتحريف في العقائد. انظر مثلًا ما يُثبِته ابن حزم من تناقُضٍ في الأسفار الخمسة «الردُّ على ابن النعزيلة اليهودي» ص٥٠-٥١، ص٥٦-٥٧، ص٦٤–٧٨، القاهرة، دار العروبة، ١٩٦٠، ويُسمِّي ابن تيمية عزرا عازرا وعزير، الجواب الصحيح، ج١، ص٣٦٧، ج٢، ص١٨. وفيما يتعلق بخطأ نِسبة الأسفار إلى مُؤلِّفيها، انظر أيضًا: رحمة الله الهندي، إظهار الحق، ج١، ص٣١–٣٨، طبعة محمد المليجي الكتبي.
٢٦  يذكر ابن تيمية عدَّة نُسَخ من التوراة أشهرها نُسخة السامِرة «الجواب الصحيح»، ج١، ص٢٩٣-٢٩٤، انظر أيضًا: ابن حزم، الفصل، ج١، ص٩٢، والتوراة السامرية هي التوراة التي كانت مُستعملة لدى السامريين التي كانت مُدونة بالعبرية بحروف مُستمدَّة من الفينيقية، ويحتوي النصُّ على بعض الأجزاء المُختلفة عن الماسور Massore وعن السبعينية. ومع أن الجماعة السامرية تُحدِّد النص بالقرن الأول الميلادي، إلا أنه يبدو تاليًا على هذا الزمان، وهو خالٍ من التنقيط والتشكيل، فعندما انفصل السامريون عن اليهود في القرن الرابع قبل الميلاد اعترفوا بالتوراة (الأسفار الخمسة) وتدلُّ مخطوطات قمران على أنها من المجموعة السامرية نفسها لوجود أوجُهِ شبَهٍ كثيرة بينهما. (J. Dheilly: Dictionnaire Biblique, pp. 1086-7, Desclée, Tourrai, Belgique, 1964.)
ويذكر رحمة الله الهندي ثلاثة أصناف من التحريف: التحريف اللفظي، التحريف بالزيادة، التحريف النقصان، إظهار الحق، ج١، ص١٢٢–١٥٠.
٢٧  أُطلق هذا الاسم «أخبار الأيام» على المجموعة العبرية المعروفة باسم «أعمال أو وقائع الأيام» كما يطلق عليه اسم Paralipomènes أي «الأشياء المحذوفة» وتفضيل ذلك على «الأشياء المنقولة»، ويدخُل هذا السفر في مجموعة ثانية من الكُتب المقدَّسة أقلَّ درجة في القداسة من المجموعة الأولى (الأسفار الخمسة، يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك …) وقد كان السفر واحدًا، ولكنه انقسم إلى سفرين في ترجمة الإسكندرية وظلَّت كذلك في الترجمات اللاتينية والطبعات العِبرية الحديثة. ويحتوي السفر على أطول نصٍّ تاريخي يقصُّ نشأة العالم حتى بعد سيادة الفُرس، وقد جُمعت مادة النص من مصادر مكتوبة ومن بعض المأثورات الشفاهية، وتشمَل المصادر المكتوبة بعض الروايات المُقدَّسة من أسفار التكوين والأعداد والخروج ويشوع وروث والتثنية وإرميا، كما تشمل بعض الروايات الدنيوية من كُتب أخبار ملوك إسرائيل، وأخبار ملوك يهوذا. وهناك مصادر أخرى مجهولة المُؤلِّف مثل صموئيل الرائي، وناتان النبي، وجاد الرائي، وعيدو الرائي … إلخ. وقد كُتب السفر بأسلوب الميدراشي. ويرى فلهاوزن أنَّ الميدراشي هو تحويل الماضي إلى مثال idéalisation du passé وسار في هذا التيار تلاميذه مثل توري Torry  كوريتوس pféffer Curtius (Lusseau, Intro. A la Bible, pp. 718–24).
أما سفر الحكمة، فإنه قد نُسب إلى سليمان وهي نِسبة خاطئة، ومُؤلِّفه الحقيقي مجهول، ولكن يُظنُّ أنه كُتب في الإسكندرية، ويَنسبه البعض إلى فيلون، ويحتوي على نظرات فلسفية أقربَ إلى الفلسفة اليونانية منها إلى الفكر اليهودي التقليدي (Ibid., pp. 764–70).
وسفر طوبيا يدخُل في المجموعة نفسها مع سِفرَي يوديت واستير. وله مخطوطات كثيرة مُتباينة تعتمِد كلها على النص اليوناني، أما النص الآرامي الذي نشره نوباور Neubauer حديثًا سنة ١٨٧٥ فإنه مُتأثر أيضًا بالنصوص اليونانية. وقد اتبع أسلوب التعليم لا أسلوب الوصف أو الرواية (A. Le Févre, Ibid., pp. 740–45).
٢٨  يذكر سبينوزا عن سِفر المزامير إلَّا هذه الملحوظة، وهو موجود في التوراة العبرية على رأس المجموعة الثالثة من الكُتب المقدَّسة المُسمَّاة «الكتب» (كتوبيم)، وفي التوراة اليونانية على رأس الكُتب التعليمية، وتضمُّه التوراة اللاتينية بعد سِفر أيوب. ويشمل السفر على مجموعة من المدائح لله مُقسَّمة إلى خمسة أجزاء حسب تقسيم التوراة إلى أسفارٍ خمسة. ويشكُّ كثيرٌ من النقَّاد المُحدَثين في المصدر الإلهي للسِّفر وعلى رأسهم دوم كالميه Dom Calmet، نويل الإسكندر Noël Alexandre، فران L. Ferrand (Lusseau, Ibid., pp. 596-7).
٢٩  بالعبرية أيضًا «مشاليم» جمع «مشل»، وبالعربية «مثل» وباللاتينية يُسمَّى السِّفر سفر الحكم Proverbia ويحتوي السفر على حِكمة إنسانية موجَّهة نحو العمل تظهر في الحِكمة الشرقية القديمة مع حكمة التوراة. ويحتوي السِّفر على مَصدرَين الأول منسوب إلى سليمان والثاني مكتوب في عهد حزقيال، وهو من أوائل الأسفار التي تمَّ تقنينها في مجمع جامنيا Synode de Jamnia وقد أنكر تيودور الموبسوستي Théodore de Mopsueste مصدره الإلهي واعتبره تعبيرًا عن الحكمة الإنسانية، ويُشاركه في ذلك لوكليرك Leclerc وريتشارد سيمون (Lussean, Ibid., pp. 625–41. انظر أيضًا: ابن حزم، الفصل، ج٢، ص٦-٧).
٣٠  كلمة «نبي» Nabi في اللغة العبرية تدخُل ضِمن مجموعة من الكلمات مثل مسيحيا Mashiah (الدهان أو المسح) أو نظير Nazir (المخصص ﻟ…) أو عاني Ani (الفقير)، وتعني بأصل الكلمة الضجَّة الخارجية أو الضوضاء الداخلية، أي إنها تُشير إلى حالة الجذب التي يجِد النبي نفسه فيها أو النداء المُوجَّه منه أو إليه. فالنبيُّ هو الذي يتحدَّث باسمه أو باسمٍ آخر أو هو المجذوب أو المُختار، كما يفيد في بعض الأحيان معنى الرائي (رواح)، وكان هناك نوعان من الأنبياء: أنبياء رسميُّون يُصاحِبون الملوك في الغزوات ويتنبَّئون لهم بالانتصار، وأنبياء تلقَّوا رسالات ويُعبِّرون عنها ويدْعُون الناس لها أو ما يُسمِّيهم البعض «المُشاغبون». ويستعمل الأنبياء عديدًا من الأساليب الأدبية مثل النبوءة، والمَوعظة، والسِّيَر الذاتية، والوصف والأغنية، والحكمة، وحديث النفس. (A. Gelin: Intro., pp. 467–87.)
٣١  يرى النقَّاد مُنذ القرن الثامن عشر (دودرلين Döderlein (١٧٧٥)، إيشهورن Eichhorn (١٧٨٢)) أن سِفر أشعيا مُكوَّن من مصادر مُتعدِّدة، فكان هناك نص أول، أُضيف عليه نص ثانٍ بعد النفي، أما ديم Duhm في القرن الماضي فإنه يضيف مصدرًا ثالثًا كُتِب بعد العودة من المنفى. وقد حاول نُقَّاد آخرون: موونكل Mowinckel، إنجنل Engnell، بنتزن Bentzen، صياغة نظرية أخرى مُؤدَّاها أن سِفر أشعيا خرج من بيئةٍ أشعوية صاغت مُعظم موضوعاته كتأليفٍ جماعي. ويَظنُّ كيسان Kissane (١٩٤٣) أن نبيًّا في آخِر عهد المنفى هو الذي دوَّن سفر أشعيا وأضاف عليه. (A. Gelin: Intro., pp. 502-3.)
٣٢  يشمل سفر إرميا (المرائي) خمسة أشعار تنعي تدمير نبوخذ نصر لبيت المقدس، ويروي مُعظم النقَّاد أنَّ إرميا لم يكتُب المرائي، فيرى إيسفيلت Eiss Feldt وهالر Haller (١٩٤٠) أن المرائي قد ألَّفَها كتَّاب عديدون، حتى أودلف (١٩٣٩) الذي يُؤمن بوحدانية المصدر اضطر إلى الاعتراف بوجود آخَر فرعي. (Lusseau, Intro., pp. 678.)
٣٣  يدخل سِفر باروخ ضِمن المجموعة المقدسة الثانية Deutérocaninique ويعتبِرها البروتستانت منحولة Apocryphe وتشمل سبعة أسفار: باروخ، طوبيا، يوديت، سفر المكابيين، الحِكمة، الجامعة لابن سيراخ، مُلحقات سفري استير ودانيال، وفي المخطوطات القديمة نجد بعد سِفر إرميا سفر باروخ والمرائي ورسالة إرميا. وبالتالي يُعتبَر سفر باروخ مُلحقًا لسِفر إرميا، وتُلحق الفولجات رسالة إرميا بسفر باروخ. ويظن كثير من النقاد أنه سِفر مُنتحل، خاصةً أنَّ كثيرًا من الأسفار المُقدَّسة كانت تُنسَب إلى باروخ كاسم مُستعار. (A. Le Fèvre: Intro. pp. 732–34.)
٣٤  يُعدُّ حزقيال أشهر نبي في المنفى، وقد اختلف النقَّاد عليه، ففي أوائل هذا القرن اعتبَرَ النقَّاد حزقيال إحدى شخصيات المنفى وأنه صاحب السفر المعروف باسمه (جراي Gray)، وبعد ذلك جاء نُقَّاد آخرون واعتبروا البيئة البابلية كلَّها التي يُعرَف فيها السفر مجرَّد خيالٍ وأن السِّفر قد كُتِب بعد المنفى (توري Torry (١٩٣٠)، ميسل Messel (١٩٤٥)، برون L. E. Browne (١٩٥٢)، ولكن هولشر Hölscher (١٩٢٤)، يَعتبر أنَّ سُدس السفر وحدة صحيحة من وضع حزقيال، وهو الجزء الشِّعري فيه فقط، والباقي، أي الجزء النثري، من وضع شخصٍ آخر، ويرى آرون W. A. Irwin (١٩٤٣)، أنَّ مؤلِّف السفر اثنان؛ فلسطيني، وآخَر من المنفى، في حين أن هرنتريش V. Herntich (١٩٣٢)، وهرفورد J. B. Herford (١٩٣٥)، يريان أنه قد كتَبَ في فلسطين قبل سقوط أورشليم، ثم حسَّنَه كاتِب آخر في المنفى حوالي القرن السادس قبل الميلاد، ويُجمِع النُّقَّاد الآن تقريبًا على أنه قد دُوِّن في مكانين مُختلفين وعلى فترتَين مُختلفتَين (أوسترلاي Oesterley، روبنسون Robinson (١٩٣٤)، برتلوليه A. Berthold (١٩٣٦)، أوفراي Auvray (١٩٤٧)، فان دينبورن Van den Born (١٩٤٧)، شينمان A. Sheinmann (١٩٥٣))، وقد كُتب السفر على مراحل مُتفاوتة ثلاث: فترة المقطوعات المُنفصلة ثم فترة المجموعات المُتَّصِلة ثم فترة السِّفر. (A. Gelin: Intro., pp. 534–39.)
٣٥  يحتوي سفر هوشع على نَصَّين: الأول عن الحياة العائلية وتأويلها النبوي، والثاني بعض الحوادث التي حدثت بعده. والوقائع الأولى يُمكن تفسيرها تفسيرًا مَجازيًّا أوريجين، كالفن، فان هوناكر Van Hoonackder (١٩٠٨)، جرسمان Gressmann (١٩١٠). (A. Gelin: Intro, pp. 494-5.)
٣٦  طبقًا للتوراة استدعى الله يونس للدعوة إلى التوبة في نينوى، ولكنَّهُ هرَب من قومه إلى إسبانيا، وأرسل الله عاصفةً علِم البحارة بعدَها أنَّ يونس هو السبب فرمَوه في البحر. هدأ البحر وابتلَعَ حوتٌ كبير يُونس ثلاثة أيامٍ أنشد فيها يونس حمدًا لله ثم لفظَهُ الحوت على الشاطئ ثم أمره الله أن يعود ثانيةً إلى نينوى فآمنَت المدينة به وسامحها الله.
ويُلاحظ نقَّاد هذه الأسطورة أن أناشيد يونان مُضافة، بل إنَّ بعض المُفسِّرين يمنعون قراءتها في الصلوات. والسِّفر كله لا يحتوي على سيرةٍ ذاتية حدثت بالفعل بل يدلُّ على قصَّة رمزية، وقد كثُرَت أمثال هذه القصص في الأدب العبري بعد المنفى. (A. Gelin: Intro., pp. 574-5.)
٣٧  يقصُّ سفر أيوب حكاية رجل أراد الله أن يمتحنه، فأرسل له الله ثلاثة من أصدقائه يُثبِتون له أن آلامَه نتيجة لخطئه، ثم يأتي رابع ليحُلَّ اللغز ويُثبِتَ دور الألم في التربية، ثُمَّ يظهر يهوه في النهاية. والمقدمة مكتوبة بالنثر والسِّفر بالشِّعر، وهو مُؤلَّف من مجموعة من النصوص ثم أعيدتْ صياغتها مرَّاتٍ عديدة، ظهر في القرن الرابع قبل الميلاد ويتشابَهُ في كثيرٍ من المواضع مع مسرحيات أيسخيلوس وسوفكليس ومُحاورات أفلاطون. ومؤلفه مجهول. (Lussean: Intro., pp. 643–53.)
٣٨  يُوجَد سفر دانيال في التوراة بين الكتُب المقدسة (كيتوبيم) وليس بين الأنبياء، بين استير وسفري عزرا ونحميا. وفي التوراة اليونانية يُوجِد السِّفر دور الألم في التربية ثم يظهر يهوه في النهاية. والمُقدمة مكتوبة بالنثر. وأزمنة مُتفرِّقة مع الإبقاء على التصوُّر العام للسفر، يحتوي الجزء الأول منه على رواية والثاني على أقوال مُباشرة. وتقصُّ الرواية ما حدث لدانيال، من تفسيرٍ لحلم نبوخذ نصر كما فعل يوسف مع فرعون. أما الجزء النبوي فيحتوي على رؤيا دانيال تُشابه إلى حدٍّ ما رؤيا يوحنا، وتحتوي على أربعة أقسام مُختلفة تُمثِّل الصراع بين الخير والشر (العمل والخنزير). وقد ظنَّ المُفسِّرون الكاثوليك حتى آخر القرن التاسع عشر أنَّ دانيال هو مؤلِّف السفر، في حين أنه يحتوي على كثيرٍ من مظاهر السِّحر عند الكلدانيين والأساطير البابلية، ممَّا دعا ويلسون Wilson إلى الاعتقاد بأنه قد دُوِّن في بابل في القرن السادس قبل الميلاد. ويجمع النُّقَّاد اليوم على أن سِفر دانيال هو مجرَّد أسطورة. ويَنسِب مونتجومري J. A. Montgomery السفر إلى مؤلِّف سابق على دانيال في الجزء الروائي منه، وإلى مؤلِّفٍ آخر في الجزء النبوي، ويَعتبِر باومجاورتنر Baumgartner وهولشر Hölscher وهالر Haller الإصحاحات السبعة الأولى قد أُلِّفت في القرنَين الثالث والرابع قبل الميلاد. ويُجمع النقَّاد على أنَّ دانيال ليس مُؤلِّف السِّفر بل مُؤلِّفه شخص من القرن الثاني (نيكل Nikel، جوتسبرجر Göttsberger، لاجرانج Lagrange) أو شخص من عصر المكابيين (يونكر Junker). (Lussean: Intro., pp. 195–200.)
٣٩  يكوِّن السِّفران عزرا ونحميا سفرًا واحدًا كمُلحق لسِفر أخبار الأيام، ولم ينفصِل السِّفران الأولان إلَّا في عصر مُتأخِّر، وقد حافظت التوراة اليونانية على وحدة السفرين (سوتيه Swete رالفس Rahlfs)، ويَعتبِر بعضُ النقاد بداية نحميا بدايةً لسِفر آخر (جوتييه L. Gautier)، وعندما تم الفصل أصبح لدَينا: عزرا (أ) (عزرا الثالث وهو منحول)، عزرا (ب) وهو عزرا الأول، عزرا (ﺟ) وهو عزرا الثاني أو نحميا. وفي كثيرٍ من الطبعات نجِد عزرا ونحميا في السِّفر نفسه. والمشكلة التي يضعها النقَّاد هي: هل نحميا يفترِض وجود عزرا أو أن عزرا هو الذي يفترِض وجود نحميا؟ يؤيد الفرض الأول إيسفيلت Eissfeldt، هوبفل مللر Höpfl-Muller، دي فو De Vaux، فرنانديز Fernandez، ويؤيد الفرض الثاني فان هوناكر Van Honnacker، توزار Tonzard، موونكل Mowinckel، رولي Rowley، سنايت Snaith  كازلس Cazelles. وهناك فرض ثالث يجمع بين الفرضَين الأولين ويضع عزرا بين عهدَين لنحميا (فلهاوزن، بروكش Procksh، برتوليه، ألبريت، جيلان، رودلف). (Lusseau: Intro., pp. 708–13.)
٤٠  يختلف وضع سِفر استير في النصِّ العبري عنه في النصِّ السكندري، إذ يحتوي هذا الأخير على نصوص لا تُوجَد في النص الماسوريتي Massoréte ويُوضَع السفر مع الكتب المقدسة الثانية Dentéro-canonique ويدور السفر حول إنقاذ الشابَّة اليهودية استير شعبَها من الاستئصال أثناء عيد البوريم Parim. وقد كُتب السفر في القرن الثاني قبل الميلاد، وهو مجهول المؤلِّف، ولم يُوضَع بين الأسفار المقدَّسة إلَّا بعد جهدٍ في مجمع جامنيا، ولا يُوجَد بين مخطوطات البحر الميِّت (قمران). (Lusseau: Ibid., pp. 688–94.)
٤١  وهو السفر الذي يقص أخبار يهوذا المكابي وإخوته واستشهادهم وهم قدِّيسو العهد القديم، وتعني مكابة Maqaba بالعبرية المطرقة؛ وذلك لأنَّ يهوذا قد قطع قرن الكفر والفُسوق، (وهي الكناية التي أعطيت ﻟ شارل مارتل Charles Martel) ويحتوي كل مخطط على بعض الكُتب من السفرين؛ يحتوي السكندري على أربعة والفاتيكاني على واحد فقط، ولا تحتوي المخطوطات القديمة إلا على الكتابين الأولين. (A. Lefèvre: Intro., pp. 753–63.)
٤٢  حافظ اليهود على نصوصهم المقدَّسة كجزءٍ من الحفاظ على تاريخهم الوطني، وكانوا يَعتبرون كلَّ القرارات والنبوءات التي تجري في المعبد جزءًا من تاريخهم المقدَّس، ثم ضُمَّت النصوص في مملكة الشمال والنصوص في مملكة الجنوب وكُوِّنت مجموعة واحدة من النصوص المقدسة. ولمَّا كان الدين والدولة شيئًا واحدًا فقد كان قانون الدولة هو قانون الدين، ولكن بعد النفي والأسْر ظهرت الكُتب المقدسة كجزءٍ من المُحافظة على تُراث اليهود القديم الذي رأى فيه اليهود تحقُّقًا لنبوءاته ومُعجزاته. ظهرت كُتب الأنبياء ثم كُتب الحِكمة والأناشيد وقنَّنتها الجماعة دون أيِّ فحصٍ تاريخي لصحَّتِها، ثمَّ قامت الجماعة اليهودية في الإسكندرية حوالي سنة ١٣٠ قبل الميلاد بترجمة هذه النصوص إلى اليونانية دون أن تكون هناك مجموعة واحدة مُحدَّدة. فيُحدِّثنا يوسيفوس المُؤرِّخ بأن الكُتب المقدَّسة كانت اثنين وعشرين موضوعة في ثلاثِ مجموعاتٍ من بينها الأسفار الخمسة والمزامير والأمثال والأنبياء، أما السامريُّون والصدوقيُّون فإنهم لم يعترفوا إلَّا بالأسفار الخمسة.
وبعد ظهور المسيحية عقد اليهود مَجمعًا في جامنيا حوالي سنة ٩٠–٩٥ من أجل تقنين الأسفار، فلم يَعتبِر الفريسيُّون مُقدَّسًا إلَّا الأسفار المكتوبة بالعبرية، واعتبر يهود الإسكندرية مُقدَّسًا بعض الأسفار المكتوبة باليونانية (سفر يشوع بن سيراخ وسِفر الحكمة). خلاصة الأمر أنَّ الأسفار المُقنَّنة لم تكن نتيجة فحصٍ تاريخي، بل حدثَتْ بسُلطة الأحبار، وأُضيفت لها أسفارٌ أخرى لأنها تُكمِل الرواية أو لأنَّها مدونة من كَتَبةٍ مُقدَّسين، وتحتوي المجموعة الفلسطينية على الآتي: (١) الأسفار الخمسة. (٢) الأنبياء، ويشمل الأنبياء السابقين: يشوع، القضاة، صموئيل، الملوك — ولا تدلُّ هذه الأسماء على أنهم مُؤلِّفو الأسفار — والأنبياء اللاحِقين باستثناء دانيال. (٣) الكتب الأخرى مثل دانيال، أخبار الأيام، أيوب، المزامير، ولا نجِد من بينها طوبيا يوديت، الحكمة، باروخ، سفر ابن سيراخ، سفر الكاتبَين الأول والثاني. (انظر: A. Barucq: Intro., pp. 31–41.)
٤٣  H. Hanafi: Les Méthodes d’Exégèse, p. 5–25.
٤٤  لذلك كان من الأفضل ضمُّ مشاكل النقد التاريخي للكتُب المقدَّسة (النقطة التالية) مع النبوَّة؛ لأنها تتعلَّق بالبعد الأول للشعور وهو الشعور التاريخي.
٤٥  يُنادي سبيوزا باستعمال قواعد اللغة لتفسير الكتاب بالكتاب، ثم يُبيِّن استحالة ذلك، أي أنه يهدُف في النهاية إلى استعمال العقل والنُّور الفطري وهو المنهج الذي يتظاهَر برفضه.
ويُشبِهُ هذا الشرط ما يتطلَّبُه الأصوليُّون من ضرورة العِلم بمبادئ اللغة العربية لتفسير نصوص القرآن وكشرطٍ أوَّلَ له.
٤٦  وضع الأصوليُّون بعض المبادئ اللغوية من أجل إحكام معاني الألفاظ، فقسَّموا اللفظ من حيث صِلته بالمعنى إلى مُحكَم ومُتشابِه، وحقيقة ومجاز، ومُجمَل ومُبين، وظاهر ومؤوَّل. انظر: المُستصفى، ج١، ص٣١٧–٣٨٢، الموافقات، ج٣، ص٨٥–١٠٢، الأحكام، ج٤، ص٤١٢–٤٢٢.
٤٧  درس الأصوليُّون المسلمون أيضًا العام والخاص كجُزء من الأبحاث اللغوية، فالعام هو ما ينطبِق على الناس جميعًا والخاص ما ينطبِق على فردٍ أو على مجموعة، انظُر ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام، ج٣، ص٣٣٨–٣٨٥، الغزالي: المُستصفى من عِلم الأصول، ص٣٥–١٦٣. الشاطبي: المُوافَقات في أصول الشريعة، ج٣، ص٢٦٠–٣٠٧، ويُمكن من البَدْء بالعام وضْع أساس علمٍ جديد وهو دراسة المبادئ العامَّة لكلِّ وحي، وحلِّ مشاكلِهِ النقدية مُسبقًا قبلَ التطبيق؛ أي إنَّنا يُمكننا إقامة ما يُسمَّى Axiomatique de la Révléation.
٤٨  من شروط تفسير الكتاب عند الأصوليين، بالإضافة إلى قواعد اللغة، العلمُ بأسباب النزول أي الموقِف الذي كشَفَ النصُّ الدِّيني عنه، فالنص والواقعة واجِهتان لشيءٍ واحد. ولكن الفرق بين النصِّ في التوراة أو الإنجيل والنصِّ القرآني فإنه يهبط صادرًا عن الظروف وناشئًا عن المواقف، أي إنه نصٌّ تاريخي محْض لبُعد المسافة بين النبيِّ وبين كاتب السِّفر، وهي مسافة قد تبلُغ عدَّة قرون. أما النصُّ القرآني فإنه يهبِط على الواقعة، إمَّا لتأييدها أو تغييرها أو كشفِها. انظر: الواحدي، أسباب النزول، كذلك الموافقات، ج٣، ص٣٤٧–٣٥٢.
٤٩  فرَّق الأصوليُّون القُدَماء في الأخبار، بين القَطعي والظنِّي، الأول هو الخبر المُتواتِر والثاني هو خبَر الآحاد، الأول قَطعي نظرًا وعملًا والثاني ظنِّي نظرًا وقطعي عملًا، انظر: المُستصفى، ج١، ص١٣٢–١٥٥، الأحكام، ج١، ص٨٧–١٣٤.
٥٠  العام والخاص من مباحث الألفاظ عند الأصوليِّين في حِين أنهما هنا يَدلَّان على العموم والخصوص المَنطقيَّين، أي وضع الأشياء في أجناسٍ وأنواع.
٥١  يقوم ابن تيمية في «موافقة صحيح المَنقول لصريح المعقول» بتنفيذ هذا المنهج ويصُوغه كالآتي: «إذا تعارضَتِ الأدلَّة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبارات فإما أن يجمع بينهما، وهو مُحال؛ لأنَّ العقل أصل النقل، وإما أن يُرادا جميعًا، وإما أن يُقدَّم السمع، وهو مُحال، لأنَّ العقل أصلُ النقل، فلو قدَّمناه عليه كان قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقدُّم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فوجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأوَّل وإما أن يُفوَّض.» ج١، ص١، مطبعة السُّنة المحمدية، القاهرة، سنة ١٩٥١.
٥٢  يلجأ سبينوزا في هذا الفصل وفي فصولٍ أخرى خاصَّة فيما يتعلَّق بتاريخ العبرانيين إلى منهج النصِّ لتأييد فِكرته بالحُجَج النقلية لمواجهة فريق المُحافظين في اللاهوت الذين لا يؤمنون إلا بالشواهد النقلية في حين أنَّ سبينوزا نفسه لا يؤمن بهذا المنهج، لأنه يعلَم أن نصوص الكتاب مُحرَّفة إلى آخِر ما يقوله في مناهج التفسير.
٥٣  وبهذا المعنى يُقال المَسيح «ابن الله» أو «ابن الإنسان».
٥٤  انظر: رابعًا: النقد التاريخي للكُتُب المقدَّسة.
٥٥  أشار سبينوزا إشارةً عابرة إلى أنَّ الله قد ظهَرَ أيضًا للحواريين من خلال رُوح المسيح، ولكن سبينوزا يَعتبر الحواريَّ ليس نبيًّا، وأنَّ فِكرَه وصُوَرَه الذهنية وأسلوبه من وضعه الخاص؛ لذلك يَستحسِن تفسير هذه الإشارة العابرة تفسيرًا مَجازيًّا بمعنى أنَّ الحواريَّ يُعبر عن الوحي الذي سمِعَه من النبيِّ بأفكاره الخاصة. (انظر: عاشرًا: النبي والحواري.)
٥٦  يُشير سبينوزا إشارةً عابرة أيضًا إلى أن ذلك قد يحدُث أيضًا في قلب الحواري أو في قلب الكاتِب المُقدَّس، ولكن موقف سبينوزا العام هوَ أنَّ ذلك مقصور على النبي.
٥٧  وهذه النظرية (تَطوُّر الوحي حسب تطوُّر الإنسانية) هي التي راجتْ في فلسفة التنوير عند كانط وهردر وخاصَّةً عند لسنج عندما أعلن في «تربية الجنس البشري» مرور الإنسانية بمراحل ثلاث: مرحلة الطفولة التي تُقابل اليهودية (إله الأمر) ومرحلة المُراهَقَة التي تُقابل المسيحية (إله الحب)، ثُم مرحلة العقل التي تُقابل فلسفة التنوير أي استقلال العقل البشري والإرادة الإنسانية، ويُمكن أن يُقال: إنها المرحلة التي عبَّر عنها الإسلام كما يُعبِّر عنه المُعتزلة وابن رشد.
٥٨  ولهذا السبب يُفرِّق سبينوزا بين الفلسفة واللاهوت أو بين النَّظر والعمل، ويجعل غاية الفلسفة البحث النظري وغاية اللاهوت الأخلاق العملية، انظر: ثاني عشر، النظر والعمل.
٥٩  سواء كانَ لنظرية سبينوزا أصلٌ إسلامي من خلال مُوسى بن ميمون أم لا «إسرائيل ولفنسون: موسى بن ميمون، ص٩٠–٩٥، القاهرة، ١٩٣٦»، فإن ذلك لا يَنفي وجهَ الشَّبَه بينها وبين نظريات الفلاسفة المُسلمين في النبوَّة. صحيحٌ أنَّ سبينوزا لا يتحدَّث عن صِلة مُخيِّلة النبي بالعقل الفعَّال أو عن سبَبِ الرُّؤى والمنامات كما يفعل الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة، ص٦٨–٧٧، مكتبة الحُسين التجارية، القاهرة، ١٩٤٨)، وابن سينا (الإشارات والتنبيهات، القسم الثالث، ص٢٤١–٢٥٢ دار إحياء الكتب العربية) وكذلك (رسالة في إثبات النُّبُوَّات وتأويل رموزهم وأمثالهم في تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، ص١٢٠–١٣٣، القاهرة، ١٩٠٨)، (الشفاء، الإلهيات، ص٤٤١–٤٤٣، القاهرة، ١٩٦٠)، لأنَّ العصر لم يَعُد عصر الثقافة الأرسطية، ولكنهم يتحدَّثون خاصةً ابن رشد، عن ثنائية الحقيقة؛ الحقيقة النبوية التي تعتمِد على الخَيال من أجل العامَّة، والحقيقة الفلسفية التي تعتمد على النظر من أجل الخاصة (ابن رشد، مناهج الأدلة، من ٢٠٨–٢٢٢، الأنجلو، القاهرة، سنة ١٩٦٤، فصل المقال، ص١٥-١٦، المكتبة المحمودية، القاهرة). وكذلك يُركِّز الفارابي وابن سينا على الدور السياسي للنبوَّة وضرورتها للحياة الاجتماعية وهو رأي المُصلحين أيضًا، الأفغاني ومحمد عبده.
انظر أيضًا: الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ص٨١–١٤٦، دار إحياء الكُتب العربية، القاهرة، ١٩٤٧. ونجِد أنَّ ابن الراوندي وأبا بكر الرازي قد قالا شيئًا مُشابهًا، فابن الراوندي يرفُض المُعجِزات ويُؤمِن أنَّ باستطاعة العقل الوصول إلى كلِّ ما أتى به الوَحي، فالعقل هو أعظَمُ نِعَم الله سبحانه على خلقه، وأنه هو الذي يُعرَف به الرَّبُّ ونِعَمه، ويرفُضُ الرَّاوندي كلَّ الجانب الطقوسي الشعائري في الأديان.
٦٠  يتَّفق هذا التحليل الذي يُقدمه سبينوزا مع التحليل الذي يُقدِّمه القرآن لفكرة العهد أو الميثاق، فلم يُعطَ المِيثاق لبني إسرائيل فقط بل أُعطِيَ للنصارى وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ (المائدة: ١٤)، ولأهل الكتاب وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ (آل عمران: ١٨٧)، وللنبيِّين عامَّة وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ (آل عمران: ٨١) … والميثاق الذي أخذَهُ الله على بني إسرائيل هو عبادة الله وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ (البقرة: ٨٣)، وذلك عن طريق إرسال الرُّسل لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا (المائدة: ٧٠)، ومن أجل بَيان الكتاب وإعلان الرسالة وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ، ولكن شرط الميثاق هو تطبيق الشريعة ومُراعاة قوانينها مِثل قول الحق: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ (الأعراف: ١٦٩) أو مُراعاة السبت وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (النساء: ١٥٤) أو حُرمة الحياة وعدَم القتل وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ (البقرة: ٩٤).
ولكن كانت النتيجة النهائية من هذا الميثاق هي نقض بني إسرائيل له وقطعه من طرَفِهم الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (البقرة: ٢٧)، وذلك إما بالكُفر بالكُتُب المُقدَّسة فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ (النساء: ١٥٥)، أو بالقسوة المطبوعة في قلوبهم فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً (المائدة: ١٣)، والمِيثاق الآن مطروح على البشر جميعًا وهم المؤمنون حقًّا الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (الرعد: ٢٠)، فالمِيثاق بين الله والبشر كالمِيثاق بين الإنسان والإنسان، شرط التعاقُد هو التزام الطَّرَفَين به، فإذا تخلَّى طرف بطَلَ العقد.
٦١  ولذلك، فالحرَكة الصهيونية هي إحياء لفكرة المِيثاق القديم ولأرض الميعاد والإصرار على جعل الدِّين اليهودي دينًا قوميًّا وتحقيق للتعليم الدِّيني والوعود الواردة في الكُتُب المُقدَّسة. وتؤكد أن شعب إسرائيل قد أصبَحَ أُمَّةً على جبل الطُّور في سيناء. كما نرى في وَعْد بلفور نتيجة للفعل الإلهي الذي يُمسِك بزمام إسرائيل التاريخ فنعتَبِر الحلَّ البريطاني للمسألة اليهودية كنايَةً عن مُساعدة شعب إسرائيل على العودة إلى أرض إسرائيل. ويَتحدَّث الصهيونيون المُتديِّنون عن الرباط المُقدَّس الذي يَشدُّ اليهود إلى أرض آبائهم، مُؤكِّدين أنَّ شعب إسرائيل لا يُمكِنه تحقيق النهضة والبعث الدِّيني إلَّا في فلسطين وحدَها، د. أسعد رزوق: الدين والدولة في إسرائيل، دراسات فلسطينية، ٣٧.
٦٢  لقد قِيل كثيرًا عن وحدة الوجود لدى سبينوزا، وسواء كانت هذه الوحدة على أساس عقلي أم صُوفي، فمِمَّا لا شكَّ فيه أنها لأول مرة في العصر الحديث يَتمُّ اجتماع الأوغسطينية الإشراقية، ظهور الله في النفس، مع وحدة الوجود الفلسفية، وحدة الله والطبيعة. ولكن لا يَعني قول سبينوزا إنَّ معرفة الطبيعة هي مَعرفة الله، وإن معرفة الله هي معرفة للطبيعة ما يَقولُه الصُّوفية مِثل الغزالي عن الحِكمة في مخلوقات الله عزَّ وجل أو ما يقصِدُه المُتكلِّمون من البيت:
وفي كلِّ شيء له آية
تدلُّ على أنه الواحد
لأنَّ الطبيعة عند الفريقين مُقدِّمة إلى الله، وليست الله نفسه، وسُلَّم يُستخدَم للوصول إليه، ثُمَّ يُترَك جانبًا بعد ذلك. إنما تُعبِّر وحدة الله والطبيعة، على الأقلِّ في المعرفة، عن الرُّوح العِلمية في اعتبار أنَّ العِلم الطبيعي هو العلم الإلهي الوحيد المُمكِن، وبالتالي يكون اللاهوت أبعدَ ما يكون عن العِلم الإلهي، لأنَّهُ يَتصوَّر الله خارج الطبيعية ومُنفصلًا عنها، ويَعتبِر الله موضوعًا، مع أن الموضوع الوحيد هو الطبيعة.
ويكون كتاب «الأخلاق» بهذا المعنى دِراسة للصِّلة بين اللهِ والإنسان أو استنباط الأخلاق العَمليَّة عن وجود الله فينا أو إنْ شِئنا استنباط الأخلاق عن الإلهيَّات كما كانَ الحالُ في العصر الوسيط.
٦٣  ما تزال الأخلاق عند سبينوزا إلى حدٍّ كبيرٍ قائمة على الطهارة، فالأخلاق في معرفة الله وحُبِّه، وهي أخلاق التَّأمُّل الخالِص.
٦٤  يُمكن ترجَمة naturelle طبيعي أو فِطري، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطبيعة هي الفِطرة والفِطرة هي الطبيعة.
٦٥  وهو ما يقوله المُسلمون من أنَّ العِلم والقُدرة في الله شيء واحد، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (يس: ٨٢)، وهي فِكرة مُشابِهة للحقائق الأبدية التي في الذِّهن الإلهي عند ديكارت.
٦٦  يرفض سبينوزا أي وجهِ شبَهٍ بين الله والإنسان؛ ولذلك فهو من أنصار التَّنزيه المُطلَق كالمُعتزلة والفلاسفة المسلمين.
٦٧  يبدو موقف سبينوزا هنا مُشابهًا لنظرية المُعتزلة في الحُسن والقبح العقليين، فأول الواجبات هو «النظر المُؤدِّي إلى معرفة الله تعالى لأنه تعالى لا يُعرَف ضرورة، ولا بالمشاهدة، فيجِب أن نَعرِفَه بالتَّأمُّل والنظر»، القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص٣٩، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، سنة ١٩٦٥.
٦٨  لا تعني التجربة هنا التجربة العِلمية بل الرواية التاريخية أي الإيمان عن طريق خَبَر مُحَسٍّ، شفاهيًّا أم كتابيًّا وليس عن طريق النظر العقلي الخالص.
٦٩  يُشبِهُ هذا الموقف ما يُريدُه الغزالي من إبعاد العامَّة عن عِلم الكلام، وكذلك ما يُريده ابن رُشد من عدَم الشكِّ في النظريات أو العمليَّات، ابن رشد: فصل المقال، ص١٧-١٨، المكتبة المحمودية التجارية، سنة ١٩٦٨.
٧٠  يُمكِننا أن نتساءل: هل الوحي ضروري؟ وإذا كان العقل يستطيع أن يَصِل إلى ما يَصِل إليه الوحي على ما يقول المُعتزَلة والفلاسفة فلِمَ أُرسِل إلينا الوحي؟ إنَّ لُطفَ الله بالعباد، على ما يقول المُعتزلة لا يكفي لتبرير ضَرورة الوَحي، ولكن يُمكن أن يُقال إن الوحي ضروري للمعرفة الإنسانية؛ لأنه يُعطي تَصوُّرًا شاملًا للكون وللإنسان في العالَم وليس وجهةَ نظرٍ فردية ترى جانبًا واحدًا من الواقع كما هو الحال في المعرفة الإنسانية، كما يُمكن أن يُقال أيضًا: إن الوحيَ يُعتبَر بمثابة نقطة بدءٍ يقينية يبدأ منها الفكر حتى يضمَنَ أكبر قدرٍ مُمكِنٍ من الصواب وأقل قَدْرٍ مُمكن من اليقين، خاصَّةً أن الفكر البشري يحتاج إلى أوَّليَّات أو يعتمد، من أجل الوصول إلى أكبرِ قدْرٍ مُمكنٍ من اليقين، على بديهيات. ثالثًا يُمكن أن يُقال أيضًا إنَّ الوحْيَ ضروري لأنه يُعطي الإنسان الحقيقة النظرية ويَطلُب منه تطبيقها والاستفادة منها في حياتِهِ العملية، وبذلك يكون الوحيُ قد قطَعَ نِصفَ الشَّوط وهو النَّظَر وترَكَ النصف الآخر للإنسان، وهو العمل.
٧١  ينتَسِب سبينوزا هنا إلى المسيحية الخُلقيَّة التي ازدهرت في البروتستانتية والتي دعا إليها هارناك في «جوهر المسيحية» ومن ورائه البروتستانتية الليبرالية، وهي المسيحية التي يَنتسِب إليها الفلاسفة المُحدَثون مُؤمِنين مِثل كانط وفشته أو مُلحدين مثل رينان.
٧٢  يُقيم سبينوزا نظرية اجتماعية سياسية قائمة على قانون تقسيم العَمَل الذي صاغَهُ دُوركايم بعد ذلك بقرنَين.
٧٣  نجِد موقفًا مُشابهًا في التُّراث الإسلامي القديم عند الفلاسفة والصوفية، فالفلاسفة، وعلى رأسهم ابن رشد يَعتبرون الشريعة كآيات التشبيه والتجسيم من أجلِ العامَّة، والفيلسوف وحدَهُ هو الذي يستطيع إدراك الحقيقةٍ إدراكًا مُباشرًا دون تَخييل، كما يَستطيع أن يُعبِّر عن إيمانه بمُمارسة الفضائل النظرية وعلى رأسها التأمُّل، فالفيلسوف لا يكتفي بالعبادة الشرعية، ولكنَّهُ يُريد أيضًا العبادة العقلية، أمَّا الصوفية، فإنَّ تَفرِقَتَهم بين الشريعة والحقيقة معروفة، فالشريعة هي الظاهر، والحقيقة هي الباطن ومُعظَم الصوفية يَعبدون الله لوجهه لا خوفًا من نارِهِ ولا طمَعًا في جنَّتِه، كما هو الحال عند رابعة العدوية. والفُقَهاء لا ينظُرون إلَّا لأعمال الجوارح في حين أنَّ الصوفية هم الذين يعكفون على أعمال القلب، بل إنه يَجُوز عند أهل الذِّمة وحمدون القصَّار إسقاط الشريعة وعَمَل مُضادَّات الأحكام، فذلك لن يُؤثِّر في معرفة الصوفي واتِّصاله بالله شيئًا، وفي القرآن تِتمُّ معرفة الله وحُبِّه بالعمل الصالح، بالعمل العام الذي يَتحقَّق في العالم وليس بِمُجرَّد تطبيق أحكام الشريعة، فالذي يُطعِم العابد أعبَدُ منه، وساعة عِلمٍ خَير من عبادة الله سبعين سنة.
٧٤  يُؤمِن الفلاسفة والمعتزلة والأصوليون بحتميَّة قوانين الطبيعة. فعند الفلاسفة العالَم ضروري تَحكُمُه قوانين ثابتة … ابن سينا الإشارات والتنبيهات، ج٣، ص٨٥–٩٧، ص١١٠–١١٥. عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الشفاء-الإلهيات، ج٢، ص٢٦٤–٢٦٨، المطبعة الأميرية، القاهرة ١٩٦٠. انظر كذلك: تَفرِقة ابن رُشد بين المُمكن والجائز في مناهج الأدلَّة، من ١٤٤–١٤٩، القاهرة الأنجلو، ١٩٦٤. ولكن تحوَّلَت المشكلة عند المُسلمين من المُعجِزة الطبيعية إلى الإعجاز القرآني، أي إنها انتقلت من مستوى الطبيعة إلى مستوى الخلق الأدبي، وتحدِّي الفعل الإنساني، فالقرآن مُعجِز أنه لا يُمكن تقليده، انظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص٥٨٥–٥٩٤، القاهرة، مكتبة وهبة، سنة ١٩٦٥.
٧٥  لقد درس الأصوليون المسلمون مراحل الرواية: السمع والحفظ والأداء وحاولوا وضع قوانين موضوعية من أجل ضبط الرواية في كلِّ مراحلها خاصةً فيما يتعلق بسلامة الحواس: سلامة السَّمْع وخلوِّه من الانفعالات، سلامة الذاكرة وعدم ارتباطها بالأهواء ثم توافُر شروط الراوي من حُسن نِية وعقل وبلوغٍ من أجل أمانة الأداء، انظر: المستصفى، ج١، ص١٥٥–١٦٠، الأحكام، ج١، ص٢٥٥–٢٧٥، وقد درَس علماء تاريخ الأديان المُقارَن وعلماء المأثورات الشعبية قوانين الرواية وظاهرة التضخُّم فيها.
٧٦  أنشأ المسلمون القدماء علمًا بأكمله من أجل ضبط الرواية التاريخية وهو عِلم الحديث، بل إنَّ هذا العِلم كان أحد أسباب نشأة علم النقد التاريخي للكُتب المقدَّسة، إذ يقول رينان في مُقدِّمة كتابه المشهور «حياة المسيح» «يرى العقلاني أنَّ الأناجيل نصوص يجِب أن يُطبَّق عليها القواعد العامة للنقد، فنحن أمامها كالعرَب أمام القرآن والحديث.» (Renan: La Vie de Jésus, p. 14، C. Lévy, Paris, 1962) وينقسم عِلم الحديث عند المسلمين إلى أبواب ثلاثة: الأول مناهج الرواية أو أنواع السَّند من مقطوع ومُرسل ومشهور، تُحدِّد درجة الانفصال أو الاتصال بين الرُّواة والرسول، والثاني أنواع المتن تُحدِّد النقل باللفظ أو النقل بالمعنى، وما يعتري النص نفسه من زيادةٍ أو نقصان. ثم أخيرًا شروط وتحليل بناء شعوره المُحايد ووضع عِلم نقد الرجال. وقد استعمل الأصوليون هذا العلم وهم في مَعرِض دراستهم للمصدر الثاني من مصادر الشرع الأربعة، أعني السُّنة، فالسُّنة هي الخبر المنقول. ويُعتبَر عِلم الحديث من أروع ما خلق تُراثنا القديم من تحكيم للعقل في النصِّ ومن دراسةٍ للتاريخ على أنه رواية (انظر رسالتنا: Les methods d’Exégèse, lére Partie).
٧٧  في الحقيقة، لا يعتمد الحواري على النُّور الفطري، بل يلجأ إلى الإحساسات والعواطف والانفعالات، فإذا أخَذْنا بولس كمثلٍ وجدنا أنه يؤثر على النفوس بطريقة الترغيب والترهيب، ويسرِد قوائم للرذائل ويُحذِّر منها، وقوائم أخرى للفضائل ويدعو لها، ويدعو لشخص المسيح العقائدي الذي تؤمن به العامة، أو وهي في سبيل الإيمان به، خاصةً وهي في لحظة الذُّعر من مَوته البريء، بالإضافة إلى شخصية بولس نفسها الانفعالية الحماسية الإرادية، والتي لا تلجأ إلى العقل بل إلى السلطة، سُلطة الحواري، وسُلطة الوحي المباشر الذي يقصُّ أنه حصل عليه وهو في طريقه إلى دمشق.
٧٨  يُمكن أخذ إبراهيم مثلًا على ذلك.
٧٩  يُمكن أن يُقال: إن الحواريين قد أُرسلوا أيضًا إلى أُمَّةٍ بعينها، حيث إنهم كانوا يَدعُون إلى عقائد مُعيَّنة، وطقوس مُعيَّنة، ودينٍ مُعين، أما إذا كانوا يَدعُون إلى الدين الشامل وهو الدين المطبوع في القلب الذي بشَّرَ به المسيح، فهم بهذا المعنى رُسُل للبشر جميعًا، وليس لأمَّةٍ مُعيَّنة. انظر في الفصل التالي عن «الوحي المكتوب والوحي المطبوع»، انظر أيضًا: تفرقة ابن تيمية بين شريعة العدل (اليهودية) وشريعة الفضل (المسيحية) وكيفية جمع الإسلام بينهما في «الجواب الصحيح»، ج٣، ص٢٢٨–٢٥٨.
٨٠  في الحقيقة لا يستطيع الحواري إجراء المُعجزات؛ لأنه ليس نبيًّا مُؤيدًا بسُلطة إلهيَّة، وقد أعطتهم «أعمال الرسل» هذه السُّلطة باسم الرُّوح القُدُس أسوةً بالمسيح وتأكيدًا لتبشيرهم بالأعمال.
٨١  بولس ليس حواريًّا، بمعنى أنه لم يرَ المسيح، بل هو تابِعيٌّ إذا اعتبَرْنا أن الحواري هو الصحابي، هو إذن ما يقول كيركجارد تلميذ من الدرجة الثانية de second main ورسائل بولس أكثر من أربع عشرة رسالة، وهي الرسائل المُقنَّنة، فهناك رسالته إلى اللوديسيين Luodicéens ورسالة ثانية إلى الكورنثيين ورسالة إلى التسالونيكيين. ورسائله مُرتَّبة حسب طولها أو أهمِّيتها أو غايتها، وليس حسب زمانها، ويُمكن دراسة الرسائل كلها كتجربةٍ حيَّةٍ لدى مُؤلِّفها ظهرت على ثلاث مراحل من حياته لكل مرحلة دوافعها.
«فالمرحلة الأولى»: تمتدُّ حتى تَحوُّله إلى الدين الجديد أو بعده بقليل، والدافع الأول فيها هو ما يُمكن تسميته بمُركَّب النقص، فبولس لم يرَ المسيح ولم يكن مُعاصرًا له، وكان تَحوُّله إلى الدين الجديد مُتأخرًا، وكان تاريخه مُثقلًا باضطهاد المسيحيين. أراد بولس التعويض عن كل ذلك، خاصَّةً أمام تلاميذ المسيح المُباشرين وما كان بينه وبينهم من مُنافسة من أجل نشر الدَّعوة، هذا البناء النفسي يَظهَر في عديدٍ من عباراته مثل «أنا بولس» «الأمر بيدي … إلخ.» وفي إصراره في كلِّ رسالة على أنه حواري، يتحدَّث باسم المسيح، جاءه وحيٌ مُباشر، لا يَقلُّ أهمية عن الآخرين، ويطالِبُ بالسمع والطاعة على الإطلاق، ويردُّ اتهامات الآخرين له بأنه دخيل على الدعوة. يستعمل بولس دائمًا الشخص الأول ويتحدَّث عن نفسه ويُعطي نفسه السُّلطة لدرجة أن رينان وصفَهُ بأنه مُتكبِّر مغرور، وبأنه مُتميِّز على غيره وأن لُغتَهُ ليست من البشر بل من الرُّوح، وأنه له الحقوق نفسها التي لهم، ويَعتبِر نفسه تابعًا للمسيح ومُقلدًا له.
«وفي المرحلة الثانية»: التي تبدأ من الثانية والثلاثين حتى الأسْر الرُّوماني الأول وهو في سِنِّ الواحد والسِّتِّين كان الدافع لدَيه هو التركيز على جانب الفضائل العملية بلُغة الأمر والنهي، الأمر بالفضيلة والنهي عن الرذيلة كما يفعل الحاكم الآمر، بلُغة الخطابة والأمر، وتظهر لدَيه في ذلك الحين مُعتقدات الجماعة الأولى مثل انتظار رجوع الربِّ Parousia، كما تبدأ المُصطلحات اللاهوتية في الظهور، ويُوحِّد بولس بين الكلمة والإنجيل والرُّوح القُدُس ويسوع والرَّب ويتحوَّل كلام الله إلى شخص المسيح، وتظهر ألقاب المسيح على أنها حقائق كونية. يبدأ اللاهوت العقائدي مصدر العقيدة المسيحية، في الظهور ابتداءً من الحماس التبشيري الأول الذي يُعبِّر عنه بولس باللغة العادية التي تتحوَّل إلى مُصطلحات، ثُمَّ تتحوَّل المصطلحات إلى مضامين، والمضامين إلى عقائد، والعقائد إلى أشياء، والأشياء إلى ظواهر كونية!
«وفي المرحلة الثالثة»: التي تبدأ من الواحد والسِّتِّين حتى السابع والسِّتِّين يظهر الدافع الأساسي فيها في صورة نظريات في المسيح Christoligie ويصوغ في قوالب عقليةٍ عواطِفَه الصوفية وانفعالاته التبشيرية، وتظهر ألقاب المسيح وتتحوَّل من مُجرَّد لغة عادية إلى صفاتٍ لله أو إلى أُسس للعقائد مثل التوسُّط والخلاص والتجسُّد والفداء (انظر رسالتنا: La phénoménologie de l’exégèse, T. II, pp. 309–36).
وانظر مُقدمة رشيد رضا لإنجيل برنابا ص ر، صُبيح، انظر أيضًا عدم اعتبار ابن تيمية، للحواريين رُسلًا أو أنبياء («الجواب الصحيح»، ج١، ص٢٠٦).
٨٢  والحقيقة أنه لا يُمكن فصل الوحيَين معًا، فالوحي من حيث هو مضمون أو معنى، أو كما يقول سبينوزا وحيٌ مطبوع لا يكون إلَّا في صورةٍ أي مكتوب ومدوَّن، وكلُّ نصٍّ خاضع لقانون التحريف، ولا يُمكن إثبات الصحَّة التاريخية للوحي المطبوع إلا عن طريق القلب، وهو طريق ذاتي مَحْض اختاره كيركجارد والصُّوفية، ولا يَضمَن أية صحةٍ تاريخية موضوعية للنصوص.
٨٣  لا يمكن إثبات الصحة التاريخية للوحي المطبوع عن طريق الرواية التاريخية، ولا يُمكن إثبات هذه الصحَّة إلَّا عن طريق الفَهم أو القلب، فالرواية التاريخية وإثبات صحَّتها وظيفة الشعور الفكري التاريخي في حين أن فَهم المضمون من وظيفة الشعور الفاهم أو الشعور الفكري Conscience idétique انظُر الفرق بين هذَين الشعورَين في رسالتنا Les Méthodes d’exégèse.
٨٤  فكرة «التراث الحي» أو «شريعة القلب» أو «شريعة الحب» فكرة صادقة عند التفسير أي عندما تُستعمَل كتجربةٍ حيَّةٍ يتمُّ تفسير النصوص من خلالها، ولكنَّها تكون فكرة سلبيَّةً عندما تُستعمَل في النقد وتقِف حجَرَ عثرةٍ أمام مناهج النقد التاريخي التي تأخُذ النصَّ المكتوب موضوعًا لها ولا شأنَ لها بالمعنى الحيِّ في الشعور. وقد استعمل النُّقَّاد الكاثوليك المُحافِظون هذا التصوُّر للشهادة الحيَّة Témoignage vivant ليتفادَوا بها تأثير النقد العقلي والنقد العِلمي والنقد الحُرِّ الذي حمَل لواءه المُفكِّرون البروتستانت، وعلى رأسهم شتراوس وباور وغيرهم من أنصار المدرسة الأسطورية أو المدرسة النقدية. إن أنصار شهادة الرُّوح الحيَّة يخلِطون بين وظيفَتَين من وظائف الشُّعور التاريخي الذي يقوم بالنقد والتحقيق والذي يلزَم له النصُّ المكتوب والشعور الفكري أو الشعور الحي الذي تلزَم له الشهادة الحية، فالشعور الأول يتعامَل مع الألفاظ، والثاني مع المعاني.
٨٥  لقد اتُّهِم البروتستانت (والمُسلمون معهم) بأنهم عبدَةُ الحرْف وذلك بالتزامهم بالكتاب وحدَه دون التُّراث طبقًا لمبدأ Sola Scriptura وهذا الاتهام باطل؛ لأنَّ الالتزام بالنصِّ كان في الدِّين ضرورةً واجبة ضدَّ إغفال الكتاب والالتصاق بالتُّراث وبتاريخ الكنيسة.
٨٦  وهما الطريقان نفسهما اللَّذان تحدَّث عنهما الفلاسفة المُسلمون.
٨٧  على الرغم ممَّا يبدو من تَعارُضٍ ظاهرٍ بين سبينوزا وأوغسطين، سبينوزا العقلي الرياضي وأوغسطين الصُّوفي الإشراقي، سبينوزا الذي يُثبِتُ الخلود في بعض اللحظات المُتفرِّقة، وأوغسطين الذي يُثبِتُه في الزمان الوجودي، سبينوزا الذي يَراه في الطبيعة الأبدية وأوغسطين الذي يراه في الوجود الزماني؛ إلَّا أنَّ كليهما يرى الله في كلِّ شيء، في النفس وفي نظام الطبيعة؛ لذلك يُصدِّر سبينوزا رسالته بآيةٍ من الرسالة الأولى ليُوحنَّا الحواري الصُّوفي الإشراقي «وبهذا نعلَم أنَّا نَثبُتُ فيه وهو فينا بأنَّهُ آتانا من رُوحِه.»
٨٨  نجِد في القرآن وصفًا تفصيليًّا وتحليلًا نهائيًّا لفكرة العهد أو الميثاق.
٨٩  تحويل الوحي من النظر إلى العمل يُعتبَر أكبر ردِّ فعلٍ على اللاهوت النظري الذي يتصوَّر أنَّ الدين هو مجموعة من العقائد النظرية بها خطأ وصواب، وهو في الحقيقة لاهوت شَيئي يتصوَّر أنَّ العقائد هي وقائع تاريخية حدثت بالفعل، فالتجريد يُوقِع في المادَّة لا محالة، والنقيض يؤدِّي إلى نقيضه، وقد كان مَوقِف الصوفية المُسلمين قديمًا مُماثلًا لهذا الموقف؛ إذ إنَّهم يَعتبرون الوحي أساسًا عملًا وليس نظرًا وظريقةً وليس حقيقة نظرية (الغزالي: المُنقِذ مِن الضَّلال) فالتصوُّف من علوم العمل، وقد جعل ابن رُشد العمليات من باب اليقين في حِين أنَّ النظريات قد يدخُل إليها الظن، ابن رُشد، فصل المَقال، ص١٨.
٩٠  يُعطي سبينوزا الأولوية المُطلقة للعمل على النظر ويُعدُّ بهذا أحدَ رُوَّاد الفلسفة الحديثة مِثل كانط وخاصَّةً ماركس في مُلاحظاته على فيورباخ. يقول ماركس في الملاحظة الثانية: «يجِب أن يُبرهِن الإنسان على الحقيقة في العمل.» ويقول أيضًا في المُلاحظة الثامنة: «الحياة الاجتماعية في جوهرها حياة عملية.»
(Marx: Thèses sur Feuerbach, pp. 51–53, Ed. Sociales, Paris, 1966. (Dans, F. Engles: L. Feuerbach et la fin de la philosophie classique allemande).)
٩١  في الفلسفة الحديثة نجد باستمرارٍ هذا التيار الذي يُعطي الأولوية للعمل على النظر والذي ظهَرَ بوضوحٍ عند ماركس في دعاويه على فيورباخ، وكذلك عند لسنج في مسرحيته «ناتان الحكيم» (كان لناتان أبناء ثلاثة وخاتَم واحد، ثُمَّ صنَعَ خاتَمَين مُزيَّفَين وأعطى الخواتِمَ الثلاثة لأبنائه الثلاثة على أن يَعتقِد كلٌّ منهم أنه حصل على الخاتم الصحيح وأن يَسلك في حياته طبقًا لاعتقاده)، ونجد هذا التيار أيضًا واضحًا في القرآن فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (الرعد: ١٧)، وكذلك الأحاديث الكثيرة حول أولوية العمل على النظر مثل: والله لو اعتقد أحدُكم في حَجَرٍ على أن ينفعه لنَفَعَه او عندما سُئل الرسول عن يوم الساعة فقال: «ما أعددتَ له؟» (رواه البخاري ومُسلم).
٩٢  الله هنا وظيفة شعورية، فوجود الله هو بناء الشعور على نحوٍ مُعين، فالله ليس ماهية كما هو الحال عند أفلاطون والمسيحية الأفلاطونية، وليس وجودًا كما هو الحال عند أرسطو والمسيحية الأرسطية، وليس مَطلبًا للنفس كما هو الحال عند كانط وفيشته بل هو وظيفة شُعورية.
٩٣  يُشبِهُ موقف البكار موقف الحَشَويَّة في تُراثنا القديم أو مَوقف أهل الظاهر، فلقد قالت الحَشَويَّة بأن طريق معرفة وجود الله هو السَّمع لا العقل، وقد اعتبَرَها ابن رشد فِرقةً ضالَّة (مناهج الأدلة، ص٢٣٤)، ومن ثَمَّ يؤمنون بالنص الحرفي كما هو دون تأويل فيُثبتون الصفات الحِسِّية لله ويُجوِّزون رؤية الله في الآخرة، (الشهرستاني، الملل والنِّحَل، ج٢، ص٣–٢٣). وذهبت الظاهرية التي أَسَّسَها داود بن علي الأصفهاني الظاهري إلى التمسُّك بظواهر النصوص وإلى إنكار الرأي والقياس والتعليل. ويقول ابن حزم: «فوالله تعالى يجِب حمْلُه على ظاهره ما لم يمنَعْ من حملِه على ظاهره نصٌّ آخر أو إجماع أو ضرورة حِس.» (الفصل، ج٢، ص١١٤).
٩٤  يُشبِهُ موقف ابن ميمون موقف المُعتزلة والفلاسفة من جواز التأويل واعتبار العقل أساسًا للنقل. فالعقل يَستطيع الوصول إلى معرفة الله وإثبات وجوده ووحدانيته، فالأشياء حَسَنة وقبيحة في ذاتها، وما الوحي إلَّا لُطف من الله بالعباد أو امتحان لهم واختبار. يقول الشهرستاني: «واتَّفَقوا على أن أصول المعرفة وشُكر النعمة واجِب قبل وُرود السَّمع، والقبيح يجِب معرفته بالعقل، واعتِناق الحَسَن واجتناب القبيح واجِب.» كذلك، وَوُرود التكاليف ألطافٌ للباري تعالى أرسَلَها إلى العباد بتوسُّط الأنبياء عليهم السلام امتحانًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (الأنفال: ٤٢) (الملل والنحل، ج١، ص٦٧-٦٨).
٩٥  يَتَّفِق سبينوزا هنا مع الفلاسفة المُسلِمين في تَصوُّرهم للنبوَّة على أنها اتِّصال بين مُخيِّلة النبي والعقل الفعَّال، وبصَرْف النظر عن مدى الأثر الذي يُمكن أن نَجِده للفلاسفة المُسلمين على سبينوزا فإن المُسلمين وسبينوزا معًا من أنصار الحقيقة المزدوجة Double-Vérité. الأولى للعامة تعتمِد على الخَيال والثانية للخاصَّة يُمكن الوصول إليها بالعقل.
٩٦  يرفُض سبينوزا شهادة الروح الباطنية كما هو الحال عند الصوفية، وهي الشهادة التي تؤدِّي إلى تأويلاتٍ لا يَقبلُها العقل، فمع أنَّ سبينوزا يُؤيِّد التأويل العقلي كما هو الحال عند الفلاسفة المُسلمين، إلا أنه يرفُضُ التأويل الباطني الصُّوفي لأنَّهُ وقوع في الخُرافة، وبالتالي يرفُض سبينوزا القبالة اليهودية التي تُمثِّل الاتجاه الباطني في الدين اليهودي.
٩٧  يُلاحَظ أنَّ الطبيعة هنا لها معنًى خُلقي تقليدي، وهو المعنى المُعتاد للعقل، فالطبيعة ترمُز للشهوات والأهواء والانفعالات، وهو المعنى الذي استمرَّ عند هيجل. والحقيقة أنَّ الطبيعة مُتَّفِقة مع العقل، فالعقل هو النور الطبيعي أو الفِطري لأنَّ الطبيعة هي الفطرة، والعَيش وفقًا للعقل هو عَيش وفقًا للطبيعة كما كان الحال عند الرواقِيِّين قديمًا. يُعطي سبينوزا الطبيعةَ هنا مَعنًى مُتطهرًا.
انظر مَقالنا: «مُحاضرات في فلسفة الدِّين لهيجل»، تُراث الإنسانية، المجلد الثامن، ٤ يناير (كانون الثاني) ١٩٧١.
٩٨  ما دامت الجماعة الإنسانية قد تَمَّ تكوينها بمُوجَب العقد الاجتماعي فإنها قد تمَّت برضاء الأفراد الذين فَوَّضوا حقَّهَم للسُّلطة، ومن ثَمَّ فهم يُطيعون القوانين طوعًا لا كراهية وباختيارٍ حُرٍّ لا خوفًا من العقاب، إلَّا إذا كُنَّا في نطاق الجماعة العبرانية عندما فوَّض العبرانيُّون حقَّهم لموسى الذي فرَضَ عليهم بعد ذلك القوانين كراهية وتهديدًا لهم بالعقاب، ولكن حُكم موسى للعبرانيين كان تيوقراطيًّا وليس ديمقراطيًّا.
٩٩  لا ننسى أنَّ طاعة الأفراد للسُّلطة مشروطة بتنفيذ السُّلطة لبنود العقد الاجتماعي؛ لأنه لا طاعة لمَخلوق في مَعصية الخالق، ويَحقُّ للأفراد الثورة على السُّلطة لو كانت غير مُمثِّلة لهم، أو لو كانت مُمثِّلة لهم ثُمَّ أخلَّتْ بهذا التمثيل، فالسُّلطة هي مجموع إرادات الأفراد وليسَتْ مُستقلَّة عنهم.
١٠٠  الطعن في السيادة لا يكون جريمةً إذا كانت السيادة خارجةً على العقد الاجتماعي، ولكن يجوز للأفراد أو لأحَدِ الأفراد الاستيلاء على السُّلطة إذا ما خرَجَت على حقوق الأفراد التي تُمثِّلها.
١٠١  يبدو هذا الموقف مُخالفًا لموقف المُعتزلة والفلاسفة معًا، إذ إنَّ التعبُّد عند المُعتزلة يتمُّ عقلًا حتى قبل حدوث الوحي، كما أنَّ العقل عند الفلاسفة يُمكنه الوصول إلى حقائق الوَحي، ولكن سبينوزا يتحدَّث هنا عن الشرائع أو القوانين التي لا يُمكن الوصول إليها إلَّا بالوحي، لأنَّ النُّور الفطري يُمكنه الوصول إلى الحقائق الأبدية أما الشرائع فهي وَقتيَّة لزَمنٍ مُعيَّنٍ ولشعْبٍ مُعيَّن، شريعة العقل وحدَها وهي شريعة العدْل والإحسان هي الشريعة العامة التي لا يحتاج العقل فيها إلى وحي. وعِند الأُصوليين العقل قبلَ الوحي في حالة البراءة الأصلية، أي إنَّ كلَّ شيءٍ قبل الوحي في وَضْعٍ مُحايد خارج نطاق الحلال والحرام (إلَّا أصول الفِقه الاعتزالي الذي يجعل التَّعبُّد بالعقل قبل الوحي).
١٠٢  يُوحي هذا المعنى عند سبينوزا أنه من أنصار الحُكم الإلهي، والحقيقة أنَّ سبينوزا يَعتبِر أنَّ الحُكم الإلهي كان ملائمًا لفترةٍ مُعيَّنة وهي فترة موسى في تاريخ العبرانيين وكان موسى مُمثِّلًا لله، فالدولة بهذا المعنى لها حاكِم إلهي، نائب عن الله، ولكن النظام الأمثَلَ للجماعة هو النظام الدِّيموقراطي الذي يُعبِّر فيه كلُّ فردٍ عن رأيه بِحُرِّية تامَّة دُون تدخُّل السُّلطة والذي تكون السلطة فيه مُعبِّرة عن إرادات الأفراد، فالحاكمية لإرادة الجماعة لا لله أو لِمُمثِّلٍ له نَبيًّا كان أو أميرًا.
١٠٣  يُفرِّق سبينوزا بين قوانين ثلاثة: القانون الإلهي والقانون الوضعي والقانون الطبيعي. فالقانون الإلهي نوعان: الأول هو شريعة القلْب أي قانون العدل والإحسان وهو القانون الشامِل الذي يُمكن إدراكه بالنُّور الفطري، والثاني هي شريعة الناموس أي مجموعة الشرائع التي تَميَّز بها شعبٌ مُعين في زمانٍ ومكانٍ مُعيَّنين من أجل غاية مُعيَّنة وهي الحفاظ على مصلحة الدولة والإبقاء على خصائص تُمَيِّز الشعب عن غيره، (يُمكننا أن نتساءل أيضًا إلى أيِّ حدٍّ تُحافظ الشعائر والطقوس، وهي أفعال خارجية محضة، على مصلحة الدولة؟) أمَّا القانون الوَضْعي فهو شريعة الأنظمة الدُّنيوية التي قد تتَّفِق أو تختلف مع شريعة الله بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني، والقانون الطبيعي، هو ما تَفرِضُه الطبيعة، سواء كان مُتَّفِقًا مع القانون الإلهي أو الوضعي، والحقيقة أنَّ القانون الإلهي والقانون الطبيعي شيءٌ واحد، فالطبيعة لا تفرِضُ شيئًا لا يكون مَوجودًا في الوحي، والوحي لا يكشف شيئًا لا يُوجَد في الطبيعة، ويكون صِدق القانون الوضعي حينئذٍ هو تَطابُقُه مع أحد القانُونَين السابقين: القانون الإلهي أو القانون الطبيعي. فالدولة القائمة على أحدِ هذه القوانين الثلاثة تجِد نفسها بالضرورة مُطيعة للقانُونَين الآخرين.
١٠٤  الموقف العام لسبينوزا هو عدم تدخُّل السلطات السياسية في الأمور النظرية حتى لا تمنع حُرية الفكر أو تنتصِر لرأيٍ دون آخر. ويقصد سبينوزا بهذه العبارة مُمارَسة الدولة لسُلطتها السياسية فحسب ولِحِفظ النظام، ويعني بوضع الدولة بعض التشريعات للمُحافظة على الدِّين أن تَنُصَّ مثلًا على حُرية العبادات وليس إكراه الناس في الدخول في دِينٍ مُعيَّن أو في اعتناق عقيدة خاصة.
أما عبارة سبينوزا التي تُفيد بأنَّ الله يأمُر بطاعة القوانين الوضعية فإنها لا تعني ما يُروِّجه بعض المُحافظين على الأوضاع القائمة والمُناهِضين لكلِّ تَغيُّرٍ وتقدُّمٍ عن معنى آية أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ لأنَّهُ لا طاعةَ لمخلوق في مَعصية الخالق، فالحاكِم والمحكومون مِمَّا يخضعون لمبدأ واحدٍ ويكون مِقياس الطاعة هو الالتزام بهذا المبدأ.
١٠٥  يُقدِّم سبينوزا حَلَّين: الأول هو الذي اختاره الحُسين واستشهد من أجله، والثاني هو حال الأقليَّات. ولكن سبينوزا يترك المجال مفتوحًا لحلٍّ ثالث وهو مُقاومة الأوضاع عن طريق التنظيم السياسي الجديد الذي يَقوده زعيم قائد أو نَبي، هذا الحلُّ الثالث يتَّفِق مع الأول في عدَم الاستسلام، ولكن يزيد عليه أنه يَتمُّ له النجاح، ويتفق مع الثاني في أنه رِضاء إلى حينٍ ويزيد عليه أن يَثور عليه إذا تَمَّت له عناصر الثورة.
١٠٦  يُعطي سبينوزا، هنا تفصيلات عديدة فيما يتعلق بتاريخ العبرانيين قد تُبعِدنا إلى حدٍّ ما عن جوهر نظريَّتِهِ في العقد الاجتماعي وعن رفْضِهِ لفكرة العبرانيين عن المِيثاق، وقد دفعت هذه التفصيلات البعض إ لى القول بأنَّ سبينوزا كتَبَ رسالته كأجزاء مُتفرِّقة ثُمَّ ضمَّها في عملٍ واحد، وكان هذا الجُزء مُخصَّصًا لتاريخ العبرانيين. ويُمكننا نحن أن نتساءل: هل عرْض سبينوزا هذا لتاريخ العبرانيين تطبيقٌ لنظريته في العقد الاجتماعي أم أنَّ نظريته هذه مُستمَدَّة من تاريخ العبرانيين؟ والحقيقة أنه لا يُمكن اختيار أحد الاحتمالَين؛ لأن كليهما صحيح، فنظرية سبينوزا عن العقد الاجتماعي مُستمَدَّة من تاريخ العبرانيين في عصر النشأة وفي الوقت نفسه يَستخدمها سبينوزا لتفسير القضاء على دولة العبرانيين وانهيار إمبراطوريتهم.
والغاية النهائية من هذا الجزء السياسي من الرسالة هي تفنيد فكرة الشعب المُختار وهدْم فكرة الميثاق، فالرسالة كلها تهدف في حقيقة الأمر إلى تحقيق هذه الغاية السياسية. ويُمكننا القول أيضًا أنه كان للدِّين وظيفة وهي المُحافظة على مصلحة الشعب عن طريق الحكم الإلهي، والآن يُمكن تحقيق هذه الوظيفة عن طريق النظام الديمقراطي.
١٠٧  واضِح أنَّ سبينوزا هنا يجعل السياسة وسيلةً والأخلاق غاية، فغاية السياسة هي التَّخفيفُ من حِدَّة الانفعالات والسيطرة عليها، وهو ما قاله كانط بعد ذلك في «مشروع السلام الدائم» حين جعل الأخلاق أساسًا للسياسة.
١٠٨  يتَّضِح من تحليل سبينوزا لأسباب انهيار دولة العبرانيين أنَّ السبب الرئيس كان هو، بلُغة الفلسفة المُعاصرة، الوضع الطبقي لرجال الدِّين، فقد أراد هؤلاء تحويل مناصبهم إلى مكاسِب شخصية، إمَّا من أجل الاستحواذ بالسُّلطة أو بالحصول على مَغانِم شخصية.
١٠٩  ينتهي سبينوزا إلى أن الشريعة اليهودية مُلزِمة لليهود وحدَهم وبالتالي فاليهودية دِين خاصٌّ لشعبٍ مُعيَّن في زمانٍ مُعيَّنٍ وليس دينًا عامًّا لكل الشعوب في كلِّ زمان. وقد انقضى الحِلف الذي كان بين اليهود وبين الله وأصبح الحِلف الآن مُعطًى لجميع الشعوب على حدٍّ سواء شريطة تنفيذ بنوده وعلى رأسها الطاعة أو إن شِئنا، الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (آل عمران: ١١٠).
١١٠  هذه هي الغاية النهائية عن رسالة سبينوزا، الفصل بين الدين والدولة، وترك شئون العبادة للأفراد وعدَم تدخُّل الدولة في الأمور النظرية، ويتمُّ هذا الفصل من أجل تأييد حُرية العبادة والتفكير، وهو ما عَبَّر عنه لسنج بعد ذلك في آرائه عن التسامُح في مسرحيته «ناثان الحكيم».
١١١  الدين ليس سُلطة ولا يُمثِّل رجال الدين أية سُلطة، الدين هو الفكر، مُهمَّتُه المُراقبة الشعبية على السُّلطة كما هو واضح في «الحِسْبة» عند الفُقهاء المُسلمين أي الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالدين يَحكم من القاعدة لا من القِمَّة، ومن خلال الشعب لا بوساطة السُّلطة الدينية أو السياسية. انظر: ابن تيمية، الحِسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية.
١١٢  لا تكون العامَّة دائمًا جاهلة يُمكن التغرير بها، وهناك وجودٌ واعٍ للعامَّة من خلال التنظيمات الحزبية والجماعات الثورية.
١١٣  تمتدُّ حُرية الفكر عند سبينوزا حتى تشمل حُرية الفِكر والسلوك معًا، فليس للسُّلطة الحقُّ في التدخُّل في أفعاله ما دامتْ مُتَّسِقة مع القانون.
١١٤  يؤمن سبينوزا بقوة العادة وبأنَّ النظم السياسية تتحوَّل إلى طبيعة ثانية عند الشعوب بالتعوُّد وبِطُول خِبرتها بها، ولكن لا يَجُوز إطلاق ذلك إلى أبعدِ الحدود حتى لا تقَعَ في طبائع الشعوب الأبدية ويكون ذلك حُجَّةً للطُّغاة مَثلًا لأنْ يقولوا: إنَّ شعبًا لم يتعوَّد إلَّا على نِظام حُكم الفرد المُطلَق ولم يعرِف الديمقراطية أبدًا ولن يعرفها!
١١٥  يُعطي سبينوزا أهميةً قُصوى لموضوع الشعائر والطقوس وبضرورة اتفاقها مع سلامة الدولة وأمنِها، والحقيقة أن الشعائر فردية مَحضة فلن تتأثَّر الدولة في شيءٍ لو صلَّى الناس أو صاموا. ولكن الأهمَّ هُما المبدءان الأولان: (١) لا يَصير للدين قوَّة القانون إلا بسُلطة الحاكم. (٢) لا يَحكُم الله مُنفصلًا عن السُّلطات السياسية. وفرَّق بين التوحيد بين رجال الدين ورجال الدولة وبين توحيد الدِّين والدولة؛ فالتوحيد الأول خلْطَ بين سُلطتَين وإعطاء رجال الدين سُلطة ليست لهم … فالدين ليس له رجال، ولا يكون سُلطة إلَّا كرقابةٍ على أجهزة الدولة تحت مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهذا المعنى تُوجِّه مبادئ الدين الاجتماعية سياسة الدولة الاجتماعية وتتحقَّق كلمة الله من خلال السلطة الشعبية، وبالتالي يكون سبينوزا سابقًا على هيجل في الاعتراف بأن التشريع الإلهي لا يتحقق بالفعل إلَّا بالتشريع الأرضي، ولا يتحقَّق الدِّين بالفِعل إلَّا من خلال الدولة. وبذلك تكون الدولة هي ملكوت الله على الأرض.
١١٦  اليهودية بهذا المعنى تُعتبَر الموضوع Thèse لأنها دين خاص، والمسيحية نقيض الموضوع Antihèse لأنها دين عام. ويُمكن أن يُقال، دون أدنى رغبةٍ في التقريظ أو الدفاع: إنَّ الإسلام هو مركب الموضوع Synthèse لأنه عام وخاص معًا أي إنه ميثاق مطروح للبشر جميعًا، ثم يَتحقَّق بوجهٍ خاصٍّ في الأمة التي تفي بعهود هذا الميثاق.
١١٧  لم يُعطِ المسيح أية قُدرة للحواريين، فالحواريُّون مُجرَّد مُبشِّرين بالدين الجديد كصحابة الرسول. انظر: عاشرًا: النبي والحواري.
١١٨  يفتح سبينوزا المجال هنا للثورة ضدَّ الطُّغاة بقيادة النبي أو بِلُغة العصر بقيادة الزعيم الشَّعبي الذي يُعبِّر عن مطالب شعبه.
١١٩  أثبتَت التجارب التاريخية في تاريخ الأديان أنَّ ذلك لم يتحقَّق بصورته المُثلى، وبأن طاعة رجال الدين في التاريخ الغربي لا يكون دائمًا الطريق الأمثل للسلوك، فكثيرًا ما استغلَّ رجال الدين سُلطانهم على النفوس من أجل مصالحهم الشخصية وأهوائهم الخاصة.
١٢٠  يُريد سبينوزا هنا أن يجعل الدين أمرًا مَدنيًّا من اختصاص الدولة، وليس من اختصاص سُلطة أخرى هي سُلطة رجال الدين لتفادي خطر الوقوع في ازدواجية السُّلطة والصراع بينهما، ومن ثَمَّ فهناك مَحاكِم واحدة هي المحاكم المدنية التي تقوم بمهام المحاكم الشرعية والمدنية على السواء. فإذا خرج رجال الدين على الدين كان من حقِّ الدولة التدخُّل للمُحافظة على مصلحة الرعية.
١٢١  يبين سبينوزا هنا كيفية نشأة نظام الرهبنة في المسييحة كمُحاولة من الجماعة المسيحية الأولى الوقوف في وجه الدولة، سواء في نشأة المسيحية عندما كانت فِرَقًا سريَّةً أم بعد تحوُّلها إلى دينٍ رسمي للدولة. والمعروف أنَّ القديس أنطونيوس المصري في القرن الرابع الميلادي هو أول راهبٍ في المسيحية.
١٢٢  يُعتبَر هذا الفصل، وهو الفصل الأخير، أحسنَ فصول الرسالة فكأنَّهُ قد كُتِب في جلسةٍ واحدة بنفسٍ طويلٍ واحد، وفيه يَتَّضِح أسلوب سبينوزا كمُفكِّر وكأديبٍ في آنٍ واحد، ويُشبِهُ في أسلوبه فلاسفة التنوير الذين كانوا كُتَّابًا أولًا قبلَ أن يكونوا فلاسفة أو أدباء.
١٢٣  يُمكن تلخيص موقف سبينوزا في المبادئ السبعة التي تُحدِّد الدين الشامل. انظر: ثاني عشر: النظر والعمل وهو خُلاصة فِكره اللاهوتي، وفي المبادئ الستة هذه التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، وهو خلاصة فِكره السياسي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١