الفصل الثالث عشر

الكتاب لا يحتوي إلَّا على تعاليم يَسيرة

وفيه نُبيِّن أنَّ الكتاب لا يحتوي إلَّا على تعاليم يَسيرة للغاية ولا يَحثُّ إلَّا على الطاعة، وتقتصِر عقيدتُه في الطبيعة الإلهية على ما يُمكن اتِّخاذه قاعدة عملية في حياة الناس اليومية.

***

بيَّنَّا في الفصل الثاني من هذه الرسالة أنَّ الأنبياء كانت لهم مقدرة فريدة على الخيال وحده، لا على المعرفة، وأنَّ الله لم يُوحِ لهم بأمورٍ فلسفية عميقة، بل بأفكارٍ يسيرة للغاية،١ وُضعت بحيث تُلائم الأحكام المُسبقة لكي نبي،٢ كما بَيَّنَّا في الفصل الخامس أنَّ الكتاب لم يُقدِّم إلَّا تعاليم يسهل إدراكُها لأي فرد؛ لذلك لم يَستعمل المنهج الاستنباطي الذي يبدأ من بديهيات وتعريفات تتسلسَل منها القضايا، ولكنه اقتصر على إعطاء حقائق يقصد منها أن يؤمن بها الناس، ثُمَّ أيَّدَها بالتجربة وحدها، أي بالمُعجِزات٣ وبالروايات التاريخية، واستعمل في هذه الروايات أكثر الأساليب والتعبيرات قدرة على التأثير في العامَّة. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى ما برْهَنَّا عليه من قبلُ في النقطة الثالثة من الفصل السادس.٤ وأخيرًا، بَيَّنَّا في الفصل السابع أنَّ الصعوبة كلها في فَهم دروس الكتاب ترجِع إلى اللغة وحدَها، لا إلى عُمق الموضوع، لا سيما أنَّ الأنبياء لم يُبشِّروا لاهوتِيِّين مُتعمِّقين، بل بشَّروا كل اليهود على الإطلاق، كما اعتاد الحواريون عرض عقيدة الإنجيل في الكنائس، حيث يجتمِع عامَّة المؤمنين. هذه الظروف المُختلفة أسهَمَتْ في جعل الكتاب مجموعةً من الحقائق اليسيرة للغاية تُدرِكها أكثر الأذهان خمولًا، لا مجموعة من التأمُّلات الخالِصة والنظريات الفلسفية؛ لذلك أجد نفسي عاجزًا عن التعبير عن دَهْشتي من التكوين الذِّهني لأولئك الذين تحدَّثْتُ عنهم من قبل، والذين يرَون في الكتاب أسرارًا بلغت من العُمق حدًّا لا يمكن شرحها بأيَّةِ لُغة، والذين أقحموا في الدين من التَّأمُّلات الفلسفية ما جعل الكنيسة تتحوَّل إلى أكاديمية، والدين يُصبِح علمًا، بل جدلًا. لا عجَب إذن ألَّا يعترِف أناسٌ يتفاخرون بأنَّ لدَيهم نورًا أعلى من النور الفطري، بأنهم أقلُّ علمًا من الفلاسفة الذين لم يتعدَّوا حدود النور الفطري. ومن المؤكد أنَّني سأتعجَّب كثيرًا لو وجدتُ لدى هؤلاء الناس شيئًا جديدًا في ميدان التأمُّل الخالص، أعني شيئًا لا يكون مألوفًا، بل تافهًا بالنسبة إلى فلسفة غير اليهود (الذين يتَّهِمهم هؤلاء مع ذلك، بأن بَصيرتَهم كانت عمياء!) فإذا نظرْنا إلى هذه الأسرار التي يُخبِّئها الكتاب، والتي يدَّعون أنهم وحدَهم القادرون على الكشف عنها، فلن نجِد فيها إلَّا بعضًا مِمَّا ابتدَعَه أرسطو وأفلاطون أو من يُشابِههما، يستطيع أي شخصٍ من سُذَّجِ العقول أن يؤلِّفها في حلمِهِ بعناءٍ أقلَّ ممَّا يبذُله أعظم العلماء عندما يستخلِصُها من الكتاب. وليس معنى هذا أنَّنا نرفُض على الإطلاق التسليم بوجود بعض الحقائق النظرية الخالصة في الكتاب، لأنَّنا ذكَرْنا بعض هذه الحقائق في الفصل السابق، وأعلَنَّا أنها أساسية في الكتاب ولكن أقول: إنَّ هناك قدرًا ضئيلًا من هذا النوع، وإنَّ هذا القدْر الضئيل يسير للغاية. وسأحاول الآن أن أُبيِّن ما هي هذه الحقائق، والمنهج الذي يمكن به تحديدها، وسوف يسهل علينا ذلك لو عرفنا أنَّ هدفَ الكتاب لم يكن تلقيننا العلوم؛ إذ إننا حينئذٍ نستطيع أن نستنتج من هذا أنه يطلُب من الناس الطاعة وحدَها، ويدين العصيان لا الجهل، ولكنَّنا نعلم أنَّ طاعة الله تنحصر كلها في حُبِّ الجار (إذ يؤكد بولس في الرسالة إلى أهل رومية (١٣: ٨)٥ أن من يُحبُّ جاره، أعني من يُحبُّه طاعة لله، تتحقَّق لديه الشريعة)، وبالتالي لا يُوصي الكتاب بأية معرفة إلَّا المعرفة اللازمة لجميع الناس حتى يُطيعوا الله وفقًا لوصِيَّته، وهي المعرفة التي يُصبحون بدونِها عاصين أو على الأقل يفتقرون إلى كلِّ قاعدة للطاعة. أما التأمُّلات النظرية التي لا تَرمي مُباشرةً إلى تحقيق هذا الغرض — سواء أكانت مُتعلقة بمعرفة الله أم بمعرفة الأشياء الطبيعية — فإنَّها لا تنتمي إلى صميم الكتاب، ويَجِب فصلُها عن الدين المُوحى به.
ومع أنَّ باستطاعة كلِّ فردٍ كما قُلنا من قبلُ أن يُدرك بسهولة ما قلته، فإنه لَمَّا كان هذا الأمر يُقرِّر مصير نظرتنا إلى الدين بأسِرِه، فإني سأقَدِّم برهانًا أدقَّ وشرحًا أوضَحَ لِما أقول؛ ولهذا الغرض يجِب أن نُبيِّن: أولًا أنَّ المعرفة العقلية، أي المعرفة الصحيحة لله،٦ ليست كالطاعة هِبَة لكل المؤمنين. ثانيًا أن المعرفة الوحيدة التي طلَبَها الله من جميع الناس بلا استثناء، على لِسان الأنبياء، والتي لا يُمكن إعفاء أحدٍ منها، هي معرفة العدالة الإلهية والإحسان الإلهي. ومن السهل استخلاص هاتَين الحقيقتَين من الكتاب ذاته:
  • (١)
    هناك نصُّ واضِح كل الوضوح في سِفر الخروج (١: ٣) يقول الله فيه لمُوسى كي يُبرز له عظمةَ الفضل الذي أكرَمَه به: «أنا الذي تجلَّيتُ لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إلهًا قادرًا على كلِّ شيء، وأمَّا اسمي يَهوه فلم أُعلِنه لهم.» ولكي نشرح هذا النصَّ يجِب أن نلحظ أن «الشداي» تعني بالعبرية «الله الكافي»٧ لأنه يُعطي كلَّ فردٍ ما يكفيه، ومع أن لفظ «سداي» يُستعمَل في كثيرٍ من الأحيان بمُفردِه للدلالة على الله، فإنه يجب ولا شكَّ أن نفهم ضمنًا كلمة «اﻟ» أي الله، على الدوام، كذلك يجب أن نلحظ أنَّنا لا نجد مُطلقًا في الكتاب اسمًا آخر غير «يهوه» للتعبير عن ماهية الله المُطلقة، التي لا تربطها صِلة بالمخلوقات؛ ولذلك يقول العبرانيون: إنَّ هذا الاسم، وحدَه هو الذي ينتمي إلى الله بالمعنى الصحيح، أمَّا الأسماء الأخرى فلا تُشير إلَّا إلى صفاته. والواقِع أن التَّسمِيات الأخرى لله، التي يُستخدَم فيها الاسم أو الصفة، تُعبِّر إما عن صفاتٍ مُلائمة له في علاقته بالمخلوقات، أو عن تجلِّيه من خلالها؛ فمثلًا «اﻟ – و» مع الحرف الزائد «ﻫ» «ألوه»، تعني فقط قادر — كما هو معروف. وعلى ذلك فهذا الاسم لا يُلائم لله، بمعنى أنه وحده هو «القادر» كما نقول إنَّ بولس وحده هو الحواري. وباستثناء هذه الحالة، تُضاف صفات إلى هذه الكلمة «اﻟ» للتعبير عن صفات هذه القدرة مثل: العظيم، الجبار، العادل، الرحيم … إلخ. أو إذا أردْنا فهم هذه الصفات المختلفة مرة واحدة استعمَلْنا الكلمة في صيغة الجمع لتفيد المفرد، ويكثر استعمال هذه الطريقة دائمًا في الكتاب، ومن ثَمَّ فعندما يقول الله لموسى في الفقرة المذكورة: إنه لم يكشف عن نفسه قبل ذلك لآبائه باسم يهوه، يعني أنَّ العبرانيين القدماء لم يَعرفوا أيةَ صفةٍ لله تدلُّ على ماهيَّتِهِ المُطلقة، ولم يعرفوا إلَّا آثارَه ووعوده، أي إنهم عرفوا مظاهر القدرة الإلهية من خلال الأشياء الحِسِّية. ولنلحَظ أنَّ الله يتحدَّث إلى موسى هكذا، لا لِيَتَّهِم قدماء العبرانيين بالكُفر، بل على العكس ليُثني على تصديقهم وإيمانهم، فمع أنهم لم يعرفوا الله معرفة حقَّةً مِثل معرفة موسى له، فإنهم صدَّقوا وعود الله القاطعة التي لا تُخلَف، على حين أنَّ موسى شكَّ في الوعود بالرغم من أفكاره الأكثر عمقًا، التي كوَّنها عن الله، واعترَضَ على الله بأنه وضَعَ اليهود في أسوأ المواقِف بدلًا من أن يَمنحَهم الخلاص الموعود. وإذن فلَمَّا كان الأجداد قد جهلوا اسم الله الحقيقي وأخبر الله موسى بهذا الجهل ليُثني على سماحة نفوسهم وصِدق إيمانهم، ولِيُذكِّر موسى بالفضل الفريد الذي وهبَهُ إياه، فإنَّنا نستطيع أن نَصِل من هذا إلى نتيجةٍ أولى واضحة كلَّ الوضوح، وهي أنه لا يمكن لأي أمرٍ أن يُجبر الناس على معرفة صفات الله،٨ وأنَّ هذه المعرفة هِبةٌ خاصَّة لعددٍ قليل من المؤمنين، ولا حاجة بنا من أجل البرهنة على ذلك إلى الاستشهاد بنصوصٍ من الكتاب، ألا يبدو واضحًا حقيقةً أنَّ معرفة جميع المؤمنين بالله لم تكن مُتساوية؟ ألا يبدو واضحًا أن مُجرَّد الحصول على أمرٍ لا يكفي لاكتِساب الحِكمة (أو الحياة أو الوجود)؟ إنَّ الرجال والنساء والأطفال٩ لديهم القدرة نفسها على إطاعة الأمر، ولكن ليس على مُمارسة الحكمة. وإذا اعترض أحد قائلًا بأنَّنا لا نحتاج إلى معرفة صفات الله بل نحتاج إلى الإيمان به في يُسرٍ ودون بُرهان، كان ردِّي هو أن الاعتراض ينطوي على مُغالطة١٠ لأن الأشياء غير المنظورة التي هي موضوعات للفكر وحده، لا يُمكن إدراكها إلَّا بالبرهان. وإذن فمَن بلا برهان لديه، لا يستطيع أن يُدركها على الإطلاق، ويُصبح كل ما يقوله مما عرفه سماعًا عن مثل هذه الأشياء، غير مُرتبط بفِكره أو مُعبِّرًا عنه، شأنه في ذلك شأن أصوات بَبْغاء أو جهازٍ آلي لا يدلُّ على أي معنى أو أي فكر. على أنَّني أرى من واجبي، قبل أن أستمرَّ في ملاحظاتي، أن أُبيِّن السبب الذي من أجله يُصرِّح سفر التكوين في كثيرٍ من الأحيان بأن البطارقة بشَّروا باسم يهوه، وهو ما يبدو مُناقضًا تمامًا لِما ذكرناه من قبل، على أننا لو عُدنا بأذهاننا إلى النتائج التي توصَّلنا إليها في الفصل الثامن، لاتَّضَح لنا بسهولةٍ أنَّ هذا التناقُض ظاهري مَحْض، فقد رأيْنا أن مؤلف الأسفار الخمسة لا يُشير إلى الحوادث والأماكن بالأسماء المُتداولة في العصر الذي حدثت فيه القصة، بل بالأسماء التي كانت شائعة في العصر الذي عاش هو نفسه فيه. وإذن فإلَهُ البطارقة قد سُمِّي في سفر التكوين باسم يهوه، لا لأنَّ الأجداد أطلَقوا عليه هذا الاسم، بل لأنَّ هذا الاسم أصبح فيما بعدُ يبعَثُ على الاحترام الشديد عند اليهود، وهذا التفسير الذي أُقدِّمه هو التفسير الوحيد المقبول لأنَّ نص «الخروج» يُصرِّح بأن البطارقة لم يَعرفوا الله باسم يهوه، وكذلك نجِد في الخروج (٣: ١٣)١١ أنَّ موسى أراد أن يعرف اسم الله، فلو كان اسم يهوه معروفًا من قبل لَما جهِله موسى على الأقل، وإذن فيجب التسليم بما أردْنا إثباته من أن البطارقة المؤمنين لم يعرفوا اسم الله هذا، وأن معرفة الله هِبة من الله، لا أمر منه.
    وسنُحاول الآن البرهنة على النقطة الثانية، وهي أنَّ الله لم يطلُب على لسان الأنبياء أن يعرِف الناس عنه إلَّا عدله وإحسانه، أي الصفات التي تُعطي الناس قاعدةً عملية للحياة؛ فهذا ما يدعو إليه إرميا بأصرَح العبارات. فلنَنظُر مثلًا إلى ما يقوله عن الملك يوشيا (٢٢: ١٥-١٦): «أما أكل أبوك وشرِب وأجرى الحق والعدل، وحينئذٍ كان له خير. لقد أجرى الحكم للبائس والمِسكين وحينئذٍ كان خيرًا. أليست هذه هي معرفته (لاحظ ذلك جيدًا) يقول الرب.» وهناك نصُّ آخر لا يقلُّ عن ذلك وضوحًا (٩: ٢٤): «فليفتخِر المُفتخِر بأنه يفهم ويعرفني أنا الربُّ المُجري الرحمة والحكمة والعدل في الأرض لأني بهذه ارتَضَيت.» ونجد الدعوة نفسها في الإصحاح ٣٤ من الخروج (الآيات ٦، ٧)،١٢ حيث لا يكشف الله عن صفاته لموسى، الذي يودُّ معرفته ورؤيته، إلَّا ما يظهر فيها عدله وإحسانه. وكذلك يجب أن نذكُر، قبل أي نصٍّ آخر، نصًّا ليوحنا سنعود إلى الحديث عنه بعد قليل؛ إذ لا يذكر يوحنا عن الله إلا إحسانه لأن الله لا تُدركه أبصار الخلق جميعًا. وينتهي يوحنَّا من ذلك إلى أن من يعمل الإحسان هو وحده الذي يُدرك الله حقيقة، وهو الذي يعرفه. وهكذا يرى إرميا وموسى ويوحنَّا أن معرفة الله التي يلتزم بها كلُّ فرد تنحصر في عدد قليل جدًّا من الصفات،١٣ هي، كما عرضنا، أن الله عادل عدلًا مُطلقًا ورحيم رحمة مُطلقة، أي أنه النموذج الفريد للحياة الحقَّة. هذا فضلًا عن أنَّ الكتاب لا يُعطي أي تعريف صحيح لله، ولا يطلُب من المؤمنين أن يُدركوا من صفات الله إلَّا ما ذكرناه الآن، ولا يُوحي صراحة بأيةِ صفاتٍ أخرى. وننتهي من ذلك كله إلى أن المعرفة العقلية لله، التي تصِل إلى الطبيعة الإلهية في ذاتها، وهي الطبيعة التي لا يعرف الناس كيف يَتَّخِذونها قاعدة عملية في الحياة اليومية، أو يجعلونها أنموذجًا تُستمَدُّ منه قاعدة صحيحة للحياة؛ أقول: إن هذه المعرفة العقلية لا تنتمي في شيء إلى الإيمان وإلى الدين المُوحى به، وبالتالي يستطيع الناس أن يُخطئوا فيها كما يشاءون دون أن يرتكبوا جُرمًا. وإذن فليس هناك ما يدعو للدهشة إذا كان الله قد تلاءم مع خيال الأنبياء وتصوُّراتهم المُسبَقة أو إذا تصوَّر المؤمنون الله تصوُّرات مُختلفة كلَّ الاختلاف، كما بيَّنَّا بأمثلةٍ كثيرة في الفصل الثاني، وليس هناك أيضًا ما يدعو للدهشة إذا وجدنا الكتب المُقدسة تتحدَّث عن الله بألفاظٍ لا تليق به، فتنسِب إليه يدَين وقدَمَين وعينَين وأُذُنَين، كما تنسب إليه حركات في المكان١٤ وانفعالات للنفس كالغيرة والرحمة … إلخ. وكذلك تصفه كقاضٍ يستوي في السموات على عرش ملكي والمسيح على يمينه. والواقع أنَّ الكتاب يتحدَّث على مستوى فَهم العامَّة الذين يهدف الكتاب إلى أن يجعلهم مُطيعين، لا مُتفقِّهين، على أنَّ عامَّة اللاهوتيين عندما أدركوا بالنور الطبيعي أن صِفةً مُعينة من هذه الصفات التي تُعطَى لله لا تتَّفِق مع الطبيعة الإلهية طالبوا بالالتجاء إلى التفسير المجازي، وبأنَّ من الواجب، على العكس من ذلك، أن يُقبَل حرفيًّا كلُّ ما يتجاوز حدود فهمهم. ولكن لو كان من الواجب تفسير جميع نصوص الكتاب من هذا النوع تفسيرًا مجازيًّا، لوجب أن نُسلم بأن النصَّ لم يُكتب للعامَّة والجهلة، بل كان مُوجَّهًا إلى أكثر الناس خبرةً ومعرفة، وإلى الفلاسفة بوجهٍ خاص. والواقع أنه لو كان التسليم بروح تقيَّة صافية بالمُعتقدات التي ذكرناها، بدافعٍ من التقوى وصفاء النفس، كفرًا، لحرَص الأنبياء أشدَّ الحرص على تجنُّب مثل هذه العبارات، وذلك على الأقل لضعف ذهن العامَّة، وليُعبِّروا عن الصفات الإلهية، على النحو الذي ينبغي على كلِّ فرد إدراكها عليه بوضوحٍ وصراحة، ولكن الأنبياء لم يفعلوا ذلك. وإذن فلا ينبغي الاعتقاد بأنَّ الآراء في ذاتها — بغضِّ النظر عن الأعمال — تنطوي على أي قدرٍ من الإيمان أو الكفر، فنحن نقول عن الاعتقاد الإنساني أنه ينطوي على إيمان أو كفر بقدْرِ ما يحثُّ المؤمنين به على الطاعة، أو يُبيح لهم الخطيئة والعصيان؛ وعلى ذلك فإنَّ من يَصحُّ اعتقاده ويعصي، يكذب إيمانه، وعلى العكس فإنَّ من يُخطئ في اعتقاده ويطيع، يصدُق إيمانه؛ ذلك لأنَّ معرفة الله الحقيقية، كما بينَّا، ليست أمرًا بل هبةً إلهية، والله لم يطلُب من الناس إلا معرفة عدله وإحسانه، وهي معرفة لا تُطلَب من أجل العلم، بل من أجل الطاعة وحدَها.
١  خصَّص سبينوزا الفصول الاثني عشر الأولى للنقد الداخلي والخارجي للكتاب والفصول الثلاثة التالية حتى الخامس عشر كفصولٍ انتقالية إلى الجزء السياسي من الرسالة. ويتساءل فيها سبينوزا: كيف يستطيع المؤمن التَّقِيُّ أن يقوم بواجباته لا من حيث صِدق إيمانه فقط (طريق ذاتي)، بل من حيث نفعِهِ للدين (طريق موضوعي)! يستطيع الفيلسوف ذلك عن طريق الإيمان الشامل الذي يضمُّ معًا مبادئ العهد القديم والجديد.
لا تدل نظرية سبينوزا في يُسر الكتاب على تَذبذُبِهِ كما يظنُّ المسيحيون المُتعصبون أو على إيمانه كما يظنُّ اليهود؛ إذ يستطيع الإنسان الحصول على الخلاص الرُّوحي بطريقين: بالعقل وهو طريق الحكيم، وبإنكار الذات والتخلِّي عن الأنانية. ويقدر الحكيم هذا الطريق الثاني لِمَن يَسلُكه ولا يستطيع السلوك في الطريق الأول، ولكن يَظلُّ الطريق الأول هو الوسيلة للحصول على المعرفة الصحيحة. ويخاطب سبينوزا بهذه الفكرة المسيحيين المُتحرِّرين الهولنديِّين الذين يُؤمنون في يُسر ويحصلون على النعيم الرُّوحي بهذا الإيمان البسيط.
٢  يرى سبينوزا هنا أنَّ العمل هو محكُّ الإيمان وأن الدين الشامل هو سلامة القلب وأن ميتافيزيقاه هي الأخلاق.
٣  يبدو ذكاء سبينوزا هنا في حديثه عن المُعجزات بطريقةٍ تُوحي بأنه لا يرفُضها مع أنه لا يؤمن بها.
٤  الأشياء التي يَظنُّها الناس مُعجزاتٍ هي في الحقيقة أشياء طبيعية يعزوها الأنبياء إلى تدخُّلٍ خارجي من الله في الطبيعة لإثارة الخيال وتحريك النفوس.
٥  (رومية، ١٣: ٨): «لا يكن عليكم لأحدٍ حَقٌّ ما خلا حُبَّ بعضكم لبعضٍ فإنه مَن أحَبَّ القريب فقد أتَمَّ الناموس.»
٦  هذه المعرفة العقلية الصحيحة هي المعرفة المُتَّسِقة adéquate.
٧  يلحظ بعض فُقهاء اللغة العبرية أنَّ كلمة سداي Sadai أو شداي Shaddai لا تدلُّ على المعنى الذي يقترِحُه سبينوزا وكذلك ما يقوله عن اﻟ El وألوهيم Elohim ولكن الذي يعني سبينوزا ليس فِقه اللغة بقدْر دلالة الألفاظ وهو منهج معروف في التفسير عند المُحدثين من الفلاسفة والمفسرين وعند الأصوليين المُسلمين على السواء.
٨  نظرًا لتمييز سبينوزا بين الفلسفة واللاهوت فإنه يهتمُّ ببيان أنَّ معرفة الطبيعة الحقيقية لله لا تأتي من تَصوُّر الله في الكتاب وفي الوقت نفسه ليست ضرورية للدِّين.
٩  يرى سبينوزا أن السلوك الخَفيَّ النابع من الاقتناع الداخلي أفضل من السلوك الخارجي المفروض طبقًا لأحكام الإيمان. ولكن سبينوزا هنا يُحاول تبرير إيمان الأطفال والنساء والرجال (الذين لايَقدرون على التفلسُف) وذلك بِصِدق حمِيَّتِهم الدينية وهو ما سمَّاه المسلمون إيمان العوام أو ما سمَّاه المسيحيون إيمان السُّذَّج أو ما يُسمِّيه البعض إيمان العجائز، فهؤلاء مؤمنون بالغريزة دون معرفةٍ عقلية، وبالتالي ليس لهم الحقُّ في المشاركة في الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الكهنوتية التي تقتضي المعرفة والدراية، والدين لدَيهم هو مُجرَّد طاعة عمياء.
١٠  لا يقصد سبينوزا بالتفاهة هؤلاء الذين يتصوَّرون الله ويتخيَّلونه كالأنبياء مثلًا بل هؤلاء الذين يظنُّون أنه يمكن الاعتقاد في الله الحق كما يتصوَّره الذهن، دون أن تكون لديهم فكرة واضحة ومتميزة عنه.
١١  (الخروج، ٣: ١٣): «فقال موسى لله ها أنا سائر إلى بني إسرائيل فأقول لهم إله آبائكم بعَثَني إليكم فإن قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم.»
١٢  (الخروج، ٣٤: ٦-٧): ٦: «ومرَّ الربُّ قدَّامه ونادى الرب، الربُّ إليه رحيم ورءوف طويل الأناة كثير المراحم والوفاء.» ٧: «يحفظ الرحمة لألوف ويغفر الذنب والمعصية والخطيئة ولا يتزكى أمامه الخاطئ. يتفقَّد ذنوب الآباء في البنين وفي بني البنين إلى الجيل الثالث والرابع.»
١٣  جمع سبينوزا هذه الصفات في صيغة مبادئ للإيمان Credo في الفصل الرابع عشر.
١٤  يقول سبينوزا بألفاظ أكثرَ صراحةً في الفصل الرابع عشر إنَّ الاعتقادات القوية تقوم غالبًا على عقائد كاذبة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١