الفصل الخامس عشر

اللاهوت ليس خادمًا للعقل

وفيه نُبيِّن أنَّ اللاهوت ليس خادمًا للعقل وأنَّ العقل ليس خادمًا للاهوت، السبب الذي يدفَعُنا إلى التسليم بسلطة الكتاب المقدس.١

***

تدور مناقشة بين من يُفرِّقون بين الفلسفة واللاهوت حول مسألة ما إذا كان الكتاب ينبغي أن يكون خادمًا للعقل، أم العقل خادم للكتاب؛ أي هل يجب إخضاع معنى الكتاب للعقل أم إخضاع العقل للكتاب؟ إن الموقف الأخير هو موقف الشُّكَّاك الذين يُنكرون يقينَ العقل، أما الموقف الأول فهو موقف القطعيِّين. وقد اتَّضَح من عرْضنا السابق أن كِلا النظريَّتَين مخطئة أشدَّ الخطأ، فتبعًا لوجهة النظر التي نأخُذ بها، وهل هي الأولى أو الثانية، يُصبح العقل أو الكتاب فاسدًا بالضرورة. والواقع أنَّنا قد بيَّنَّا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها، كما بَيَّنَّا أن مضمونه كله مُهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المُسبَقة. وإذن فمن يريد إخضاع الكتاب للفلسفة فإنه ينسِب بخياله إلى الأنبياء أفكارًا لم تخطُر ببالِهم حتى في الحلم، ويُسيء تأويل فكرهم، وعلى العكس من ذلك، فإن من يجعل العقل والفلسفة خادِمَين للاهوت، يُضطرُّ إلى قبول الأحكام المُسبقة للعامة في العصور الماضية على أنها أمور إلهية، بحيث تطغى هذه الأحكام المُسبقة على ذهنه وتُعميه كليةً؛ وعلى ذلك، فإنَّ كليهما يهذي: الأول بدون العقل، والثاني بالعقل. ولقد كان أول من ادعى، من بين الفريسيين، وجوب إخضاع الكتاب للعقل هو ابن ميمون،٢ (وقد لخَّصْنا موقفه في الفصل السابع ودحَضْناه بحُجَج عديدة). ومع ما يُكِنُّ الفريسيون لهذا المؤلف من احترام بالغ، فإنَّ جمهورهم خالفه في هذا الموضوع، واتَّبَع رأي يهوذا الفخار٣ الذي أراد أن يتجنَّب خطأ ابن ميمون فوقع في الخطأ المُضاد،٤ وهو ضرورة نزول العقل على حُكم الكتاب وخضوعه له كليةً.٥ فقد رأى أنه لا ينبغي تفسير أي فقرة من الكتاب تفسيرًا مجازيًّا (كما يفعل البعض) بدعوى أن المعنى الحرفي مُناقض للعقل، بل إنَّ هذا التفسير لا يجوز إلا حين يتناقَض هذا المعنى مع الكتاب ذاته، أي مع العقائد التي يدعو إليها بوضوح. وهكذا صاغ هذه القاعدة الشاملة: «كلُّ ما يدعو له الكتاب بطريقة قطعية،٦ وينص عليه بألفاظ صريحة، يجب قَبوله على أنه حقٌّ مطلق، اعتمادًا على سُلطة الكتاب وحدها.» ولن نجد في الكتاب عقيدة تتعارَض مع عقيدة أخرى تعارُضًا مباشرًا، بل نجد التعارُض فقط بين النتائج المُترتِّبة عليها، بمعنى أنَّ طُرق الكتاب في التعبير تبدو وكأنها تُفيد عكس ما يدعو إليه صراحة؛ ولهذا السبب وحده يجب تفسير هذه الفقرات تفسيرًا مجازيًّا. فمثلًا يدعو الكتاب صراحة إلى أن الله واحد لا شريك له (انظر: التثنية، ٦: ٤)،٧ ولا يُوجد أي نص يؤكد تأكيدًا مباشرًا تعدُّد الآلهة، ولكنَّنا نجد من ناحيةٍ أخرى نصوصًا كثيرة يتحدَّث فيها الله عن نفسه ويتحدَّث فيها الأنبياء عن الله في صيغة الجمع، وما هذا إلا أسلوب في الحديث يُفيد ضمنًا تعدُّد الآلهة، دون أن يشير النص إلى ذلك صراحةً؛ ولهذا السبب — أي لأنَّ الكتاب يدعو دعوة صريحة لوحدانية الله، لا لأنَّ هذا التعدُّد مُناقض للعقل — يجِب تفسير هذه الفقرات تفسيرًا مجازيًّا. كذلك يدعو الكتاب صراحة (في رأي الفخار) في سفر التثنية (٤: ١٥)٨ إلى أن الله لا جسم له، ومن ثَمَّ فنحن مُلزمون، بناءً على شهادة النصِّ القاطعة، لا على شهادة العقل، بالاعتقاد بأنَّ الله لا جسم له، ومن ثَمَّ فإنَّنا مُلزَمون أيضًا، بناءً على سُلطة هذا النص وحده، بأنْ نُفسِّر تفسيرًا مجازيًّا كل الفقرات التي تَنسِب إلى الله يَدَين وقدَمَين … إلخ، وهي الفقرات التي يبدو أن أسلوبها في التعبير ينطوي على نِسبة الجسمية إلى الله. هذا إذن هو رأي هذا الكاتب، وإني على رغبته في تفسير الكتاب بالكتاب، ولكنِّي أعجب كيف يُحاول رجل وُهِبَ نعمة العقل أن يهدم العقل؟! صحيح أنه يجب تفسير الكتاب بالكتاب ما دُمنا نجد صعوبة في الاهتداء إلى معنى النصوص وفِكر الأنبياء، ولكن ما إن نجِد المعنى الصحيح حتى يجِب أن نَستخدِم قُدرتنا على الحُكم وأن نُعمِل عقلنا حتى يُمكِننا الموافقة٩ على هذا الفكر. وإني لأتساءل: إذا كان على العقل أن يخضع للكتاب بالرغم من مُعارضته له، فهل ينبغي أن يقوم هذا الخضوع على العقل، أم يكون خضوعًا أعمى؟ لو كان خضوعًا أعمى فإنَّنا نسلُك كالبُلَهاء، بلا حكمة: ولو كان خضوعًا قائمًا على العقل فإننا نأخُذ جانب الكتاب بناءً على أمرِ العقل وحده، ومِن ثَمَّ فلو عارض العقل لَما سَلَّمنا به. وإني لأتساءل مرة أخرى: كيف يقبل المرء بفِكره مُعتَقَدًا يُعارِضه العقل؟ وماذا يعني رفضُ أيِّ شيءٍ بالفكر سوى أن العقل يُعارضه؟ لذلك فإني لا أستطيع أن أكتُم دهشتي البالغة عندما أجِد أحدًا يريد إخضاع العقل، هذه الهِبة العُليا، وهذا النور الإلهي، لحرفٍ مائتٍ استطاع الفساد الإنساني تحريفه، وعندما أجد أحدًا يعتقد أنه لا يرتكِب جرمًا حين يَحُطَّ من شأن العقل، وهو الوثيقة التي تشهد بحقٍّ على كلام الله، ويتَّهِمه بالفساد والعمى والسقوط، على حين أنه يجعل من الحرف المائت، وصورة كلام الله صَنمًا معبودًا، ومِن ثَمَّ يعتقد أن أشنع الجرائم هو وصف هذا الحرف بالصفات السابقة.
وهكذا، يظنُّ المرء نفسه تقيًّا حين يُبدي ارتيابه في العقل والحكم السليم، ويرى أنَّ الفسوق إنما يكمُن في إبداء أقلِّ قدرٍ مِن الشكِّ فيمن نقلوا لنا الكُتب المقدسة، ولكن ما أبعد ذلك عن التقوى! إنه هو الخبل المَحْض! وإني لأتساءل: ما هذا القلق الذي استولى عليهم؟ ماذا يخافون؟ هل يلزم للدفاع عن الدين وللإيمان أن يبذُل الناس جهدهم من أجل الجهل بكلِّ شيء، وأن يُلغوا عقولهم نهائيًّا؟ الحقُّ أنَّ من يعتقد هذا الرأي خاف من الكتاب أكثر مِمَّا يثِقُ فيه، فلنرفُض إذن على نحوٍ قاطعٍ هذه الفكرة القائلة بأنَّ الدين والتقوى يُريدان أن يجعلا من العقل خادمًا، أو أن العقل يُريد إخضاع الدين له، ولنرفُض أيضًا الفكرة القائلة بأن العقل والإيمان لا يستطيعان العيش في سلامٍ ووئام، كلٌّ في ميدانه الخاص. وتلك على أية حال مسألة سنبحَثُها دون إبطاء، ولكن علينا قبل ذلك أن نفحص أولًا قاعدة هذا الحبر، فهو كما قُلنا يُريد إجبارنا على أن نقبل كل ما يُثبته الكتاب على أنه حقٌّ وأن نرفُض كلَّ ما ينفيه الكتاب على أنه باطل. (بالإضافة إلى أن الكتاب — فيما يقول — لا يُثبِت أو ينفي شيئًا يُناقِض ما أعلنه في نصوص أخرى)١٠ ولا يجهل أحد إذن أنَّ هاتَين قضيَّتان خُرافِيَّتان، وأنا لن آخُذ عليه هنا أنه لم يُدرك أن الكتاب ربما يكون من كتُبٍ مختلفة، دوَّنها مؤلفون مختلفون، في عصورٍ مختلفة، لقرَّاء مُختلفين، ولن أذكر أيضًا أنه وضع مبادئه بوحيٍ من آرائه الشخصية، لأنها لا تعتمد على العقل ولا على الكتاب، وكان يجِب عليه على الأقل أن يُبرهِن على إمكان التفسير المجازي المَقبول لكلِّ الفقرات التي لا يُوجد بينها إلَّا تناقُض ضِمني فحسب، وذلك دون تعسُّف مع اللغة، ومع عمل حساب للسياق دائمًا. ومن ناحية أخرى كان عليه أن يُبرهن على أن الكتاب وصل إلينا دون تحريف. فلنفحصْ هذه الموضوعات على التَّوالي، وأبدأ أولًا بسؤاله: ما العمل إذا عارض العقل؟ هل نحن مُضطرُّون مع ذلك لقبول ما يُثبته الكتاب على أنه حقٌّ ورفض ما ينفيه على أنه باطل؟ قد يُجيب بأنه لا يُوجد في الكتاب ما يُناقِض العقل.١١ ومع ذلك، فإني أُصِرُّ على رأيي: فالكتاب يؤكد صراحةً أنَّ الله غيور (انظر: الوصايا العشر في الخروج، ٣٤: ١٤، التثنية، ٤: ٢٤، وفقرات أخرى كثيرة)١٢ وهذا مُناقِض للعقل، فيجِب إذن أن نفترض، بالرغم من اعتراض العقل، بأنَّ ذلك صحيح. وحتى لو وجدْنا نصوصًا أخرى في الكتاب تفيد أنَّ الله ليس غيورًا، فيجِب تفسير هذه النصوص الأخيرة تفسيرًا مَجازيًّا حتى لا يكون لدَينا معانٍ مُتعارضة. وكذلك ينصُّ الكتاب صراحةً على نزول الله على جبل سيناء (انظر: الخروج، ١٩: ٢٠ … إلخ)١٣ وينسب إليه في مواقع عديدة حركات في المكان، على حين أنه لا يُوجد نصٌّ واحد يُفيد صراحةً أنه لا يتحرَّك. فعلينا إذن أن نؤمن بأن الله يتحرَّك بالفعل. صحيح أنَّ سليمان قال: إن الله لا يُوجَد في مكان (انظر: الملوك الأول، ٨: ٢٧)،١٤ ولكنه لم يُعلن صراحةً أنَّ الله لا يتحرَّك وكان ذلك مُجرَّد استنتاج مِمَّا قال. فعَلَينا إذن أن نُفسِّر الفقرة بحيث لا تنفي حركة الله في المكان، كذلك يجِب النظر إلى السموات على أنها مسكن لله وعرشه، لأنَّ الكتاب ينصُّ على ذلك صراحةً، وهكذا الحال في نصوصٍ كثيرة تتَّفِق مع مُعتقدات الأنبياء والعامَّة، ولا يستطيع كشف بُطلانها إلَّا العقل والفلسفة وحدهما لا الكتاب. ومع ذلك فمن الواجب افتراض صحَّة هذه النصوص كلها، كما يدعي هذا الكتاب، لأننا لا ينبغي أن نُحكِّم العقل في مثل هذه الأمور، ومن ناحية أخرى لا أوافق على التناقض الموجود بين أي نصَّين من الكتاب تناقُضًا غير مباشر أو غير صريح؛ إذ يؤكد موسى تأكيدًا مُباشرًا أنَّ الله نار (انظر: التثنية، ٤: ٢٤)١٥ ويرفض رفضًا باتًّا أن يكون مُشابهًا للموضوعات الحسِّية (انظر: التثنية، ٤: ٢٤)١٦ فهل يدعي الفخار أنَّ موسى يُنكر ضمنًا لا صراحة أنَّ الله نار؟ حينئذٍ يجِب تفسير النصِّ الذي يُنكر المظهر الحِسِّي لله بحيث لا يبدو مُناقضًا للنصِّ الآخر. فلنُسلِّم جدلًا بأن الله نار … ولكني أُفضِّل أن أترك هذا المثل وأذكر مثلًا آخر حتى لا نشطَح مع هذا المؤلف: ينفي صموئيل١٧ نفيًا قاطعًا أن الله يندم على قرار اتخذه (انظر: صموئيل الأول، ١٥: ٢٩)،١٨ ويؤكد إرميا عكس ذلك، أي أن الله يندَم على ما قرَّره من خيرٍ أو شر (انظر: إرميا، ١٨: ٨–١٠)١٩ فما العمل؟ ألا يتعارَض هذان التصريحان تَعارضًا مُباشرًا. وأي التصريحَين يُراد تفسيره تفسيرًا مجازيًّا؟ إنَّ القضيتَين كُلِّيَّتان مُتناقضتان، تُثبت إحداهما صراحة ما تنفيه الأخرى صراحة. وتطبيقًا للقاعدة التي وضعها، عليه أن يُسلِّم بأنَّ كلًّا منهما صحيحة وبأنه يجِب رفعها بوصفها قضية كاذِبة. كذلك لا يُهمُّ كثيرًا أن يكون التناقُض بين نصٍّ ونصٍّ آخَر تناقضًا غير مباشر، إذا كانت النتيجة التي استخلَصْناها منه واضحة، وإذا لم يكن السِّياق أو طبيعة النص يسمح بتفسيرٍ مجازي، على أنَّنا نجِد في الكتاب نصوصًا كثيرة من هذا النوع، كما رأينا في الفصل الثاني (وقد بيَّنَّا فيه أن الأنبياء دعَوا إلى مُعتقدات مختلفة ومتعارِضة)، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرارها كلها، فقد قُلنا ما يكفي للبرهنة على امتناع النتائج المُترتِّبة على قاعدة الفخار وعلى بُطلانها، ولإثبات تسرُّع هذا الكاتب.

وهكذا برهنَّا على بُطلان هذه الطريقة الثانية في تفسير الكتاب، كما برهنَّا من قبل على بُطلان طريقة ابن ميمون، وبذلك نكون قد أثبتنا أن اللاهوت ليس خادمًا للعقل، وأنَّ العقل ليس خادمًا للَّاهوت، بل إنَّ لكلٍّ منهما مملكته الخاصة؛ للعقل مَملكة الحقيقة والحكمة، كما قُلنا من قبل، وللَّاهوت مملكة التقوى والخضوع، وقد بَيَّنَّا أن قدرة العقل لا تذهب إلى حدٍّ يستطيع معه أن يُقرِّر إذا كان الناس يستطيعون الحصول على السعادة بالطاعة وحدَها دون معرفة بالأشياء، وفي مقابل ذلك، لا يدَّعي اللاهوت إلَّا هذا، ولا يُوحي إلَّا بالطاعة، ولا يُريد أو يستطيع أن يفعل شيئًا مضادًّا للعقل، فهو يُحدد عقائد الإيمان (كما بيَّنَّا في الفصل السابق) على قدْر ما تتطلَّبه الطاعة ويترُك للعقل، الذي هو نور الفكر، والذي بِدونه لا يرى إلَّا أحلامًا وخيالات، مَهمَّة تحديد المعنى الدقيق الذي ينبغي أن تُفهمَ به هذه العقائد بُغية الوصول إلى حقيقتها. وأنا أعني باللاهوت هنا، على وجه التحديد، الوحي من حيث إنه يُشير إلى الغاية التي قُلنا إنَّ الكتاب يرمي إليها (أي بواعِث الخضوع وطُرُقه، أي عقائد الإيمان الصحيح والتقوى الصادقة) أي ما يُمكن تسميته حقيقةً بكلام الله، الذي لا ينحصِر في عددٍ مُعيَّن من الكتب (انظر في هذا الموضوع الفصل الثاني عشر). وبهذا المعنى الدقيق يتَّفِق اللاهوت إذا تأمَّلنا وصاياه وتعاليمه في الحياة، اتفاقًا تامًّا مع العقل، كما أن غايته وهدفه لا يتعارضان مع العقل، وبالتالي فهو شامل يخاطب جميع الناس. أما بالنسبة إلى الكتاب على وجه العموم فقد بيَّنَّا من قبلُ في الفصل السابع أن تحديد معناه يجِب أن يقوم على النقد التاريخي وحده لا على تاريخ الطبيعة الشامل، الذي هو المُعطى الأساسي للفلسفة وحدها. وعندئذٍ، فإذا افترَضْنا أننا بعد أن بحثنا عن المعنى الصحيح للكتاب، وجدنا فيه ما يناقِض العقل، فلا ينبغي التوقُّف عنده لأنَّنا نعلَم عن يقينٍ أنَّ كُلَّ ما يمكن وجوده، بهذا الوصف، في الكتاب — شأنه شأن الأفكار التي يُمكن أن يَجهلها الناس دون أن ينال ذلك من الإحسان — لا صِلة له باللاهوت أو بكلام الله، وبالتالي يستطيع كلُّ فردٍ في مثل هذه الأمور أن يفكر كما يشاء دون أي خوف. نستنتج إذن، على نحوٍ قاطع، أنه لا ينبغي أن يخضع الكتاب للعقل ولا العقل للكتاب.

ومع ذلك، فلمَّا كنَّا لا نستطيع أن نُبرهن عقلًا على صحة أو بُطلان المبدأ الأساسي للاهوت،٢٠ أعني أن خلاص البَشَر إنما يكون بالطاعة وحدَها، فقد يعترِض مُعترض قائلًا: لِمَ نعتقد ذلك؟ إن كنا نؤمن بهذه العقيدة إيمانًا أعمى فنحن بدَورنا نتصرَّف كالبُلهاء المُفتقرين إلى الحكمة. أما إذا بيَّنَّا أنه يمكن البرهنة على هذا الأساس عقلًا، ففي هذه الحالة يُصبح اللاهوت جزءًا من الفلسفة ولن يُمكن فصله عنها. وردي على ذلك، هو أني أوافق تمامًا على أنه يستحيل كشف العقيدة الأساسية للاهوت بالنور الطبيعي، أو على الأقل لم يبرهن أحد على ذلك مطلقًا، وبالتالي كان الوحي ضروريًّا إلى أقصى درجة. ومع ذلك، فإننا نستطيع أن نبرر قبولنا لهذه العقيدة المُوحى بها بحيث يكون لدَينا بشأنها يقينٌ أخلاقي على الأقل. وأقول: إنه يقين أخلاقي لأنَّنا لا نستطيع أن ندَّعي بشأنها يقينًا أعظم ممَّا وصل إليه الأنبياء أنفسهم عندما تلقَّوا الوحي الأول بهذه العقيدة. وقد كان يقين الأنبياء أخلاقيًّا خالصًا كما بيَّنَّا في الفصل الثاني من هذه الرسالة. وإذن فمن الخطأ البَيِّن أنْ يُريد المرء إقامة سلطة الكتاب على براهين رياضية؛ ذلك لأنَّ سلطة الكتاب تتوقَّف على سُلطة الأنبياء، فلا يمكن إذن البرهنة عليها بحُجَج أقوى من تلك التي اعتاد الأنبياء استعمالها لإقناع الناس بسُلطتهم، بل إنَّ يقيننا نفسه بهذا الموضوع لا يُمكن أن يرتكز على أي أساس سوى هذا الذي أقام عليه الأنبياء أنفسهم يقينهم وسُلطتهم الخاصة. وقد بيَّنَّا من قبل أن يقين الأنبياء قائم على دعائم ثلاث: (١) خيال خصب واضح. (٢) آية. (٣) وأخيرًا، بوجهٍ خاص، نفس تنزع إلى العدل والخير. ولم يُقيموا يقينهم على دعائم أخرى، وبالتالي كانت هذه هي الدعائم الوحيدة التي أمكنهم بها البرهنة على سُلطتهم للناس بالحديث المباشر في أثناء حياتهم، ولنا بكتاباتهم بعد مَماتهم. على أنَّ الدعامة الأولى (التخيُّل الخصب لبعض الأمور) لا يسري تأثيرها إلَّا على الأنبياء وحدَهم، وبالتالي لا بُدَّ أن يكون يقينُ الآخرين في موضوع الوحي مُركَّزًا بأسره على الدعامتَين الأُخريَين فقط: الآية والعقيدة. وهذا ما دعا إليه موسى صراحةً؛ ففي سفر التثنية (الإصحاح، ٨)٢١ يأمُر الشعب بطاعة كلِّ نبي قدَّم آية صحيحة باسم الله، أمَّا إذا تنبَّأ النبي بشيء خطأ، حتى لو فعل ذلك باسم الله، فيجِب الحكم عليه بالموت، شأنه شأن من أراد إبعاد الناس عن سبيل الدين الصحيح، حتى لو كان قد دعم سُلطته بالآيات وبخوارق الأفعال(انظر: التثنية، الإصحاح ١٣).٢٢ والنتيجة التي تترتَّب على ذلك هي أن النبيَّ الصادق يتميَّز عن النبي الكاذب بالعقيدة وبالمعجزة، ومن يجتمع فيه هذان الشرطان يعترِف به موسى نبيًّا صادقًا ويأمر الناس بأن يُطيعوه دون أن يَخشَوا منه خداعًا، أما الأنبياء الكذَبَة فهم الذين يتنبَّئون خطأً ولو باسم الله أو يدْعُون لآلهةٍ باطلة، ولو قاموا بمعجزاتٍ حقيقية. وعلى ذلك فعلَينا بدَورنا أن نؤمن بالكتاب لهذا السبب نفسه فحسب، وأعني به أن عقيدته مؤيَّدة بالآيات. وبما أننا نرى أن الأنبياء قد أوصوا حقيقةً بالإحسان والعدل وفضَّلوهما على كلِّ شيء آخر، يحقُّ لنا أن نؤمن بأنهم لم يُريدوا خداعنا عمدًا، بل كانوا يتحدَّثون بإخلاصٍ عندما دَعوا إلى أنَّ السعادة الروحية للبشر إنما تكون في الطاعة والإيمان. ولمَّا كانوا قد أيَّدوا دعوتهم هذه بالآيات أيضًا، فإن هذا كفيل بإقناعنا بأنهم كانوا جادِّين في حديثهم، وأنهم لم يكونوا يَهذُون عندما كانوا يتنبَّئون، ويزداد اقتناعنا قوَّةً عندما نرى أنَّ كُلَّ تعاليمهم الخلقية مُتَّفِقة مع العقل؛ إذ إنَّ الاتفاق التام بين كلام الله، الذي أعطاه الأنبياء، وكلام الله الذي يُوجَد في أعماق سرائرنا، أمر له أهميته القصوى، وبذلك تكون المُعتقدات التي نَستخلِصها الآن من الكتاب، مُماثلة في يقينها لتلك التي استخلَصَها اليهود من قبل من الكلام الذي سمِعوه من النبيِّ بالفعل. والواقع أنَّنا قد بيَّنَّا في نهاية الفصل الثاني عشر أنَّ الدروس الأخلاقية، وكذلك مُعظَم الروايات التاريخية في الكتاب قد وصلَتْ إلينا دون تحريف. وإذن فعلى حين أنه لا يُمكن البرهنة على العقيدة الأساسية التي يقوم عليها اللاهوت كله والكتاب ببرهان رياضي، فإنَّ قَبولنا لها أمر مشروع إلى أبعد حد. وإنه ليكون من خطأ الرأي حقًّا ألَّا تُقبَل عقيدة تؤيدها شهادات كلِّ هذا العدد من الأنبياء، ويستطيع أولئك الذين لا تبلُغ عقولهم مستوًى رفيعًا أن يجِدوا فيها كلَّ هذا العزاء، وينتج عنها نفع كبير للدولة، فضلًا عن أنَّ التسليم بها تسليمًا مُطلقًا لا يستتبِع أيَّ خطرٍ أو خسارة. أقول: إن من خطَلِ الرأي رفضَها لا لشيءٍ إلَّا لاستحالة البرهنة عليها رياضيًّا. فهل نحن نحرِص دائمًا، عندما نودُّ أن نُنظِم حياتنا بحِكمة، على ألَّا نحكم على شيء بأنه حقيقة ما لم تَغِب عنه جميع أسباب الشك؟ أليست مُعظم أفعالنا حافلة بالمخاطر، مُفتقِرة إلى اليقين؟ إني لأعترف، فضلًا عن ذلك، بأن من يَرَون تعارُض الفلسفة واللاهوت فيما بينهما، ويَرَون بالتالي ضرورة استبعاد أحدهما من مملكته، وضرورة إلغاء أحدهما في سبيل الآخر، يكون تفكيرهم منطقيًّا مع نفسه عندما يُطالبون بإقامة اللاهوت على أُسُسٍ متينة ويحاولون إقامة البراهين الرياضية عليه؛ إذ إنَّ من يرضى بإلغاء العقل وباحتقار جميع العلوم والفنون وبإنكار يقين العقل، لا بُدَّ أن يكون يائسًا مخبولًا. ومع ذلك، فإننا لا نستطيع أن نلتمِس لهم أي عُذر، ما داموا يلتجئون إلى العقل لهدْم العقل ويبحثون عن دافعٍ يقيني لإنكار يقين العقل، وعندما يُحاولون بالبراهين الرياضية أن يُثبتوا شرعيةَ سُلطة اللاهوت وحقيقته، وأن يَقضُوا على سلطة العقل والنور الطبيعي، أليسوا، بهذه المحاولة ذاتها، يدفعون اللاهوت إلى الاعتراف بسيادة العقل؟ ألا يبدو أنهم يفترضون أن سُلطة اللاهوت تستمدُّ كلَّ وضوحها من العقل ومن النور الفطري؟ أما إذا ادَّعوا على العكس من ذلك، أنهم لا يعتمدون إلا على الشهادة الباطنية للرُّوح القدس، ولا يلتجئون إلى العقل إلَّا لإفحام الكافرين، فيجب ألَّا نثِق بأقوالهم على الإطلاق، لأنَّنا نستطيع أن نبرهن بسهولة على أنها صادرة عن أهوائهم وكِبرهم. وقد بَيَّنَّا بوضوحٍ تامٍّ في الفصل السابق أن الروح القدس لا تُوحي إلَّا بأعمال الخير التي سمَّاها بولس لهذا السبب في الرسالة إلى أهل غلاطية ثمار الرُّوح القدس (انظر: ٥: ٢٢)،٢٣ وأن هذه الرُّوح ليست في ذاتها إلَّا الرضا الذي يشعُر به الإنسان في قرارة نفسه عندما يؤدي أعمالًا خَيِّرة. أما حقيقة الأمور النظرية المحْضَة ويقينها فلا تشهد به أي روح، بل إن العقل وحده، كما بيَّنَّا من قبل، هو صاحب السلطة في مملكة الحقيقة. فإذا ادَّعوا بأنَّ روحًا ما غير العقل هي التي تمنحهم يقين الحقيقة، فإنهم يتباهون كذبًا، وتكشف أقوالهم عن حُكمهم المُسبَق الباطل الذي تدفعهم إليه أهواؤهم، أو هم يخشون أن يُفنِّد الفلاسفة أقوالهم وأن يسخر الناس منهم، فيحتمون بالعالم المُقدَّس ولكن دون جدوى؛ فأي معبدٍ يُمكن أن يكون ملجأ لمن يطعَنُ في جلالة العقل؟ ولكن، حسبُنا ما قُلناه عنهم، إذ يكفي لإثبات رأيي أن أكون قد بيَّنتُ السبب الذي يتحتَّم من أجله فصل الفلسفة عن اللاهوت، وأوضحت الماهية الأساسية لكلِّ منهما، وبيَّنتُ أن من المستحيل وضْع أيٍّ منهما في خدمة الأخرى (إذ إنَّ لكلٍّ منهما مملكته الخاصة، التي لا تتعارَض مع الأخرى على الإطلاق)، وأخيرًا كشفتُ كلَّما سنحت لي الظروف، عن المُتناقِضات التي تَنتُج عن خلْط الناس على هذا النحو العجيب بين هذين المَبْحَثَين، وعدم قُدرتهم على التمييز والفصل بينهما. وقبل أن أستمرَّ في بحثي أودُّ أن أُنوِّهَ مرة أخرى٢٤ بأني لا أُقلِّل أبدًا من منفعة الكتاب المقدس — أو الوحي — إذ لا يستطيع النور الفطري أن يُبيِّن لنا أن الطاعة هي وحدها طريق الخلاص،٢٥ بل إنَّ الوحي وحده هو الذي يُخبرنا بأنَّ ذلك يَتِمُّ بفضلٍ إلهيٍ خاصٍّ يندُّ عن فَهم العقل، ومن ذلك يتَّضِح أنَّ الكتاب يُقدِّم عزاءً كبيرًا للناس، إذ يستطيع الجميع طاعته، على حين تستطيع فئةٌ ضئيلة للغاية من البشر أن تَصِل إلى حالة الفضيلة عن طريق العقل. وعلى ذلك فلو لم تكن لدَينا شهادة الكتاب، لتملَّكَنا الشكُّ في خلاص السَّواد الأعظم من الناس.
١  يُكرِّر سبينوزا في هذا الفصل الأفكار نفسها التي عرضها في الفصل السابق ويُحتمل أن يكون سبينوزا قد كتب هذه الفقرات من قبلُ ثُم ضمَّها إلى رسالته كما هو الحال في رسالته الصغيرة court traité.
٢  انظر الهامش ١٦، من الفصل الأول.
٣  الفخار Alpakhar أو الفخار (يهوذا) طبيب أندلسي تُوفِّي سنة ١٢٣٥ له سُلطة فائقة عند الإسرائيليين هاجم التفسير العقلي عند ابن ميمون في رسالة له إلى القمحي kimhi كما هاجم محاولة ابن ميمون للتوفيق بين اليهودية والفلسفة اليونانية.
٤  يتناول سبينوزا أيضًا بعض النظريات المُتعارِضة داخل التراث اليهودي نفسه الذي نشأ في التراث العربي الأندلسي، انظر في هذا الموضوع: Wolfson: The philosophy of Spinoza.
٥   أتذكَّر أني قرأتُ ذلك قديمًا في رسالة للرد على ابن ميمون موجودة في مجموعة الرسائل المنسوبة إليه.
٦   انظر الكتاب المُسمَّى: Philosophie Interprés Scripturate, p. 75.
هذا الكتاب من تأليف صديقه لويس ماير Louis Mayer الذي يشير في الصفحة المذكورة إلى قاعدة الفخار، وهي أنه يجب تفسير النصوص الصريحة حرفيًّا وأخذ العقائد منها، أمَّا النصوص التي تبدو غامضة أو مُتناقِضة فيجب تأويلها تأويلًا مجازيًّا.
٧  (التثنية، ٦: ٤): «اسمع يا إسرائيل إن الربَّ إلَهَنا ربٌّ واحد.»
٨  (التثنية، ٤: ١٥): «فاحتفظوا لأنفسكم جدًّا إنكم لم تَرَوا صورة في خطاب الربِّ لكم في حوريب من وسط النار.»
٩  يفرق سبينوزا هنا بين التفسير النقدي للكتاب والفهم الفلسفي لتعاليمه، لأنه، وهو الفيلسوف، لا يستطيع الاعتراف قبليًّا a priori بسلطة الكتاب.
١٠  هذه العبارة نقص في Appuhn أو زيادة في M. Francès.
١١  قال سبينوزا قبل ذلك (Pensées Métaphysiques, II, Ch. IJ, in fine)، إن الكتاب لا يُبشِّر بشيءٍ يُعارض العقل؛ وذلك لأن سبينوزا لم يبحث في «الأفكار الميتافيزيقية» الصعوبات التي تنشأ عن تفسير الكتاب بل عمَّا يُمكن البرهنة عليه. ويكفي لذلك البرهنة على شيءٍ واحد (مثلًا للإرادة الإلهية أو الذهن الإلهي) لنعلمَ أن الكتاب يُبشِّر بما برهنَّا عليه، أي إنَّ اتفاق الكتاب مع العقل مفروض من قبل a priori، لأن الكتاب بتعليمه الحقيقة لا يُمكن أن يُعارض العقل. أما في الرسالة اللاهوتية السياسية فإنَّ سبينوزا يبحث عما يعلمه لنا الكتاب بالفعل على مستوى النص التاريخي، وبالتالي فإنه يجب التمييز بين حقائق الكتاب بالعقل وباتِّفاقها أم اختلافها مع حقائق الذهن.
١٢  (الخروج، ٣٤: ١٤): «فإنك لا تسجد لإلهٍ آخَر لأنَّ الربَّ اسمه الغيور: إنه إله غيور.» (التثنية، ٤: ٢٤): «لأن الربَّ إلهك هو نارٌ آكلة، إله غيور.»
١٣  (الخروج، ١٩: ٢٠) ونزل الربُّ على جبل سيناء إلى رأس الجبل ونادى الربُّ موسى إلى رأس الجبل فصعد.»
١٤  (الملوك الأول، ٨: ٢٧): «فإنه قد يُقال هل يسكُن الله حقًّا على الأرض، إنَّ السموات وسموات السموات لا تسَعْك فكيف هذا البيت الذي ابتنيته.»
١٥  الآية الثانية في الهامش العاشر.
١٦  (التثنية، ٤: ٢٤): «فكلمكم الربُّ من وسط النار فكنتُم سامعين صوت الكلام وأنتم لا تُدركون صورةً بل صوتًا فقط.»
١٧  انظر الكتاب نفسه (Ph. I.S., p. 76) (يقول المؤلف في هذه الصفحة من الكتاب المذكور: لو نصَّ الكتاب على أنَّ الشيء لا شيء أو أن اللاشيء شيء فلا ينبغي اعتقاد ذلك، بل يجِب تحكيم العقل لمعرفة أي النَّصَّين يُحمل على الحقيقة وأيهما على المجاز).
١٨  (صموئيل الأول، ١٥: ٢٩): «فإن بهاء إسرائيل لا يكذب ولا يندَم لأنه ليس إنسانًا فيندم.»
١٩  (إرميا، ١٨: ٨، ١٠) ٨: «فإن رجعت تلك الأمة عن شَرِّها الذي من أجله تكلَّمتُ عليهما فإني أندَم على الشَّرِّ الذي فكرتُ في صُنعِه بها.» ١٠: «فإن صنعَت الشرَّ في عيني ولم تسمع لصوتي فإني أندَم على الخير الذي قلتُ إني أصنَعُه إليها.»
٢٠  يقوم الإيمان الشامل أو اللاهوت على مبدأ واحد وهو أن الطاعة كافية للخلاص ويعترِف سبينوزا بصِدق هذا المبدأ، ولكن العقل لا يستطيع البرهنة عليه لأنه لو صدق ذلك لتحوَّل اللاهوت إلى فلسفة، وسبينوزا يُميِّز بينهما، فمبدأ اللاهوت صحيح لا من حيث إنه يحتوي على حقيقةٍ رياضية أو فلسفية بل لأنه قائم على التاريخ (بعد النقد) وعلى التجربة (الخلقية) ويعني ذلك أن يكون اللاهوت مُعارضًا للعقل أو غير معقول لأنَّ من بشَّر به كان مُتمثلًا للفضيلة ولم يُرِد أن يخدَعنا أو لأنه قد يكون مُفيدًا للعقيدة أو لأنه يدعو لِما تدعو إليه الفلسفة.
٢١  (التثنية، ٨: ١، ١١): ١: «احفظوا جميع الوصايا التي آمُركم بها اليوم واعملوا بها لكي تُحبُّوا.» ١١: «احذر أن تنسى الرب إلهك ولا تحفَظ وصاياه وأحكامه ورسومه التي أنا آمُرك بها اليوم.»
٢٢  (التثنية، ١٣: ١–٥): ١: «إذا قام فيما بينكم مُتنبِّئ أو رائي حلم فأعطاكم+- آيةً أو معجزة.» ٢: «ولو تمَّت الآية أو المعجزة التي كلَّمك عنها وقال لك تعال بنا إلى آلهةٍ غريبة لم نعرفها فنعبدها.» ٣: «فلا تسمع كلام هذا المُتنبِّئ أو رائي الحلم فإن الربَّ إلهكم مُمتحنُكم ليعلم هل أنتم تُحبُّون الرب إلهَكم من كلِّ قلوبكم ونفوسكم.» ٤: «الربَّ إلهكم تتَّبعون وتتَّقون ووصاياه تحفظون ولصوته تسمعون وإياه تعبدون وبه تتشبثونز» ٥: «وذلك المُتنبِّئ أو رائي الحلم يُقتَل لأنه تكلَّم ليُزيغكم عن الربِّ إلهِكم الذي أخرجكم من أرض مصر وفداكم من دار العبودية ويغويكم عن الطريق التي أمركم الربُّ إلهُكم بأن تسيروا فيها فاقلَعوا الشرَّ من بينكم.»
٢٣  (غلاطية، ٥: ٢٢): «أما ثمر الرُّوح فهو المحبَّة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح.» يبدو من هذه الفقرة هجوم سبينوزا على مُغالاة الصوفية لأنه على يقينٍ من أنه لدَيه الفلسفة الحقَّة (Lettre, LXXVI) لأن الحقيقي معروف بذاته Verum index Sui ولكن الشهادة الباطنية التي يعتمد عليها خصوم العقل قد تُوقِع في الخطأ، وبالتالي فإنَّ الأعمال وحدَها هي مقياس صدق الإيمان.
٢٤   انظر الكتاب نفسه (Ph. I.S., p. 115 (113)) (في الكتاب المذكور يُجيب المؤلِّف على الاعتراض الآتي الذي يُوجِّهه إلى نفسه: لو كانت الفلسفة حاكمة على الكتاب (أو كما يقول المُصلحون لو كان العقل سابقًا على النقل) فما فائدة الكتاب؟ والردُّ هو أن الكتاب مناسبة occasion للنفس لتكوين الأفكار الصحيحة؛ أي إنه مادَّة مُفيدة للتفكير).
٢٥   أي إن الوحي وحده دون العقل يُعلِّمنا أنه يكفي للخلاص، وبعبارة أخرى للنعيم béatitude، أن يَتِمَّ بتطبيقنا أحكام المشيئة الإلهية بوصفها قوانين وأوامر مفروضة، وأنه ليس من الضروري تَصوُّرها كحقائق أزلية. وقد برهنتُ على ذلك في الفصل الرابع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١