الفصل العشرون

حرية التفكير والتعبير مكفولة لكل فرد في الدولة الحرة

وفيه نُبيِّن أن حرية التفكير والتعبير مكفولة لكل فرد في الدولة الحرة.١

***

لو كان من السهل السيطرة على الأذهان مثلما يُمكن السيطرة على الألسنة، لَما وجدَتْ أية حكومة نفسها في خطر، ولَما احتاجَتْ أية سلطة لاستعمال العنف، ولَعاش كلُّ فردٍ وفقًا لهوى الحكام، ولَما أصدر حكمًا على حقٍّ أو باطل، على عدل أو ظلم إلَّا وفقًا لمشيئتهم. ولكن الأمور لا تجري على هذا النحو كما لحظنا في أول الفصل السابع عشر، لأن ذهن الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر؛ إذ لا يُمكن أن يُخوِّل أحد بإرادته أو رغمًا عنه إلى أي إنسان حقَّهُ الطبيعي أو قدرته على التفكير وعلى الحكم الحُر في كلِّ شيء. وعلى ذلك فإنَّ سُلطةً تدَّعي أنها تُسيطر على الأذهان إنما تُوصَف بالعنف، كما تبدو السيادة الحاكِمة ظالمة لرعاياها ومُغتصِبة لحقوقهم عندما تُحاول أن تفرِض على كلٍّ منهم ما يتعيَّن عليه قَبوله على أنه حق، وما يتعيَّن عليه رفضه على أنه باطل، وأن تفرِض عليه المُعتقدات التي تحثُّه على تقوى الله؛ ذلك لأنَّ هذه الأمور تُعدُّ حقًّا خاصًّا بكلِّ فرد، لا يُمكن لأحد — إن شاء — أن يسلُبَه إياه، وأنا أعترِف بأنَّ هناك أناسًا كثيرين لا يخضعون حقًّا خضوعًا مُباشرًا لسُلطة فردٍ آخر، ولكن ذِهنهم يحتشِد بقدْرٍ من الأفكار المُسبَقة العجيبة يجعلهم ينساقون وراء أفكار هذا الآخر، إلى حدٍّ نستطيع معه أن نَصِفهم بأنهم تابِعون له في فكره، ولكنه مهما كانت درجة الخضوع الذي يحصل عليه البعض بوسائل مُفتعلة، فمن المُحال أن نمنع الناس من الاعتقاد بأن آراءهم الخاصة أفضل من آراء الآخرين، وبأن اختلاف الأذهان لا يقلُّ عن اختلاف الأذواق؛ فمُوسى، الذي عرف كيف يكسِب ثقة شعبه، لا بالالتجاء إلى الخداع، بل بصفتِه الإلهية، حتى لقد اعتقد الناس أنَّ أفعاله وأقواله مُوحًى بها من الله؛ أقول: إنَّ موسى نفسه لم يَسلَم مع ذلك من الشُّبهات أو من التأويلات المُعارِضة له، فكيف يُسلِّم الملوك أنفسهم من ذلك؟ وفضلًا عن ذلك، فإذا كان مِن المُمكن تصوُّر عبودية الأذهان في النظام الملكي فإنَّ هذا الاحتمال مستبعد تمامًا في نظام الحكم الديمقراطي،٢ حيث يشارك الشعب كله أو مُعظمه في السلطة الجماعية، وأظنُّ أنَّ السبب في ذلك لا يخفى على أحد.

وإذن فمهما عظُم الحقُّ الذي تتمتَّع به السلطة العليا الحاكمة في جميع المجالات، ومهما ساد الاعتراف بها على أنها مُفسِّرة للقانون والتقوى فإنها لا تستطيع مَنْع الأفراد من إصدار أحكامهم في كلِّ شيءٍ طبقًا لآرائهم الخاصة أو الانفعال — على نحوٍ فردي — بهذا الشيء أو ذاك. صحيح أن من حقِّ هذه السلطة العليا اعتبار من لا يشاركونها في رأيها في كلِّ شيء أعداء، ولكننا لا نُناقش الآن حقَّها، بل نبحث فيما يُحقِّق مصلحتها. إنَّنا نُسلِّم بأنها تستطيع شرعًا الحكم بأعنف الطُّرق وإصدار أحكام الإعدام على المواطنين لأتفه الأسباب، ولكن الكلَّ مُجمعون على أنَّ هذا الأسلوب في الحُكم يُعارض العقل السليم، بل إنه لَمَّا كانت السلطة العليا لا تستطيع أن تحكم بهذا الأسلوب، دون أن تُعرِّض الدولة للخطر، فإننا نستطيع إنكار مَقدرتها على استعمال هذه الوسائل وما شابهها، وبالتالي إنكار حقِّها المُطلق في ذلك؛ لأننا نعلم أنَّ حقَّ السلطة العليا يتحدَّد حسب قُدرتها.

وعلى ذلك، فإذا لم يكن من المُمكن أن يتخلَّى أحد عن حُريَّته في الرأي وفي التفكير كما يشاء، وإذا كان كلُّ فردٍ شيَّد تفكيره بناءً على حقٍّ طبيعي أسمى، فإنَّ أيةَ مُحاولةٍ لإرغام أناس ذوي آراء مُختلفة، بل ومُتعارضة، على ألَّا يقولوا إلَّا ما تُقرِّره السلطة العليا تؤدي إلى أوخم العواقب، بل إن الأذكياء منهم — ناهيك بالعامة — لا يُمكِنهم أن يَلزَموا الصمت؛ ذلك لأنَّ من الأخطاء الشائعة بين الناس أنهم يَبُوحون بنواياهم للآخرين، حتى في الحالات التي يَحسُن فيها الكتمان. وعلى ذلك فإنَّ السلطة السياسية تكون أشدَّ عنفًا إذا أنكرَتْ على الفرد حقَّهُ في التفكير وفي الدعوة لِما يُفكِّر فيه، وعلى العكس تكون مُعتدلة إذا سلَّمَت له بهذه الحرية. ومع ذلك فنحن لا نُنكِر أنَّ سيادة الدولة يُمكن أن يُطعن فيها بالأقوال كما يُطعن فيها بالأفعال. وبالتالي فإذا كان من المُستحيل سلب الرعايا لحُريَّتِهم في التعبير كليةً، فإنَّ من الخطورة التسليم لهم بها كليةُ؛ لذلك سنحاول أن نُبيِّن إلى أي حدٍّ يمكن ويجب التسليم بهذه الحرية دون أن يكون في ذلك تهديد لسلامة الدولة أو لحق السلطة العليا، وهذا، كما أعلنت في أول الفصل السادس عشر، هو الموضوع الرئيس لهذا الكتاب.

يتبيَّن بوضوحٍ تام، من الأُسس التي تقوم عليها الدولة، والتي بيَّنَّاها من قبل، أنَّ الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة، أو إرهاب الناس، أو جعلِهم يقعون تحت نَير الآخرين، بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كلُّ فردٍ في أمانٍ بقدْر الإمكان، أي يحتفِظ بالقدْر المُستطاع بحقِّه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضَّرَر بالغَير. وأُكرِّر القول بأن الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة إلى حيواناتٍ أو آلات صمَّاء، بل إنَّ المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كيما تقوم بوظائفها كاملةً في أمانٍ تام، بحيث يتسنَّى لهم أن يستخدموا عقولهم استخدامًا حُرًّا دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معًا دون ظُلمٍ أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قِيام الدولة. وقد رأيْنا أيضًا أنَّ الشرط الوحيد الضروري لقيام الدولة هو أن تنبُع سُلطة إصدار القرار من الجماعة أو من بعض الأفراد أو من فردٍ واحد. ولَمَّا كانت أحكام الناس، إذا ما تُركوا أحرارًا، تختلف فيما بينها كلَّ الاختلاف، ولَمَّا كان كلُّ فردٍ يظنُّ أنه وحده الذي يعلَم كلَّ شيء، ونظرًا إلى أن من المُستحيل أن يفكر الناس كلهم ويُعبِّروا عن أفكارهم بطريقةٍ واحدة، فإنهم ما كانوا ليعيشوا في سلام لو لم يتخلَّ كلُّ فردٍ عن حقِّه في أن يسلك وفقًا لِما يُمليه عليه قراره الشخصي. وعلى ذلك فإنَّ الحقَّ الوحيد الذي تخلى عنه الفرد هو حقُّه في أن يسلُك كما يشاء وليس حقُّه في التفكير والحكم. وعلى ذلك فإنَّ كل من يسلك ضِدَّ مشيئة السلطة العليا يُلحق بها الضرر، ولكن المرء يستطيع أن يفكر وأن يُصدر حكمه، ومن ثَم يستطيع الكلام أيضًا، بحرية تامة، بشرط ألَّا يتعدى حدود الكلام أو الدعوة، وأن يَعتمِد في ذلك على العقل وحده، لا على الخداع أو الغضب أو الحقد، ودون أن يكون في نِيَّته تغيير أي شيء في الدولة بمحض إرادته. فلنفرِض مثلًا أنَّ شخصًا قد بَيَّن تعارُض أحد القوانين مع العقل، وأعرب عن رأيه في ضرورة إلغائه، وفي الوقت نفسه عرَض رأيه على السلطة العليا لتحكم عليه لا لأنَّها وحدَها هي التي لها الحقُّ في إلغاء القوانين، وكفَّ في أثناء مُحاولته هذه عن أي مظهرٍ من مظاهر المُعارضة للقانون المذكور، فإنه يكون جديرًا بلَقَب المواطن الصالِح وبثناء الدولة عليه، أمَّا إذا كان الهدف من تدخُّله هو اتهام السلطات العامة بالظلم وجعلها مَثارًا للغضب، أو حاول إلغاء القانون رغمًا عن السلطات العامة عن طريق إثارة الفتن، فإنه يكون مُشاغبًا عاصيًا.

وهكذا تتَّضِح لنا الآن الشروط التي يستطيع بموجبها الفرد أن يُعبِّر عمَّا يُفكِّر فيه وأن يدعو له دون أن ينال من حقِّ السُّلطة العُليا أو من سُلطتها، أي دون تهديد للسلام الداخلي: يكفيه أن يترك للسلطة العليا مهمة اتخاذ القرارات العملية، وألَّا يقوم بأيِّ شيءٍ ضِدَّ هذه القرارات، حتى ولو اضطرَّ في كثيرٍ من الأحيان أن يسلك على نحوٍ مُخالف لرأيه الذي يُجاهر بِصوابه، حينئذٍ لا يُمثل سلوكه هذا أية خطورة على العدالة أو على التقوى، بل إني لأذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأقول: إنَّ من واجبه أن يفعَلَ ذلك إن أراد أن يكون عادلًا تقيًّا؛ وذلك لأنَّ العدالة، كما بَيَّنَّا من قبل، تتعلَّق بمشيئة السُّلطة العُليا وحدَها، بحيث لا يُمكن لأحدٍ أن يَعدِل دون أن يكون سلوكه مُطابقًا لقراراتها. أما التقوى فإن أسمى مظاهرها هي تلك التي تؤدي إلى سلامة الدولة وأمنها الداخلي (وقد بيَّنَّا ذلك في الفصل السابق) وهو ما لا يتحقَّق لو عاش كل فردٍ وفقَ هواه، فمن الفسوق إذن أن يفعل المرء شيئًا طبقًا لرأيه الخاص ضِدَّ مشيئة السلطة العليا التي يُعدُّ هو أحد رعاياها؛ إذ إنه لو استباح الجميع لأنفسهم أن يفعلوا ذلك لأدى هذا إلى انهيار الدولة، بل إن الإنسان لا يعمل شيئًا مُطلقًا ضِدَّ ما يقضي به عقله وما يُقرِّره، ما دام يعمل طبقًا لمشيئة السلطة العليا، إذ إنَّ العقل ذاته هو الذي أقنعه بأنه يُخوِّل لها حقَّه في أن يحيا على هواه طبقًا لمشيئته الخاصة. ولو أن التجربة اليومية تُقدِّم إلينا دليلًا آخر على ذلك، ففي المجالس — سواء أكانت مجالس عالية أم مجالس ثانوية الأهمية — يندُر أن تَصدُر القرارات بإجماع الآراء، ومع ذلك يَصدُر كلُّ قرار مُعبِّرًا عن إرادة جميع الأعضاء، سواء منهم من صوَّتوا معه أو ضده.٣
ولكن، لنرجِع إلى موضوعنا الأصلي، فقد رأيْنا بعد الرجوع إلى الأُسُس التي تقوم عليها الدولة، ما هي الشروط التي يستعمل بها الفرد حريته في الرأي دون أن ينال من حقِّ السلطة العليا. ومِن السهل الآن تحديد الآراء التي يؤدي التصديق بها إلى الفتن في الدولة؛ فتلك هي الآراء التي تؤدِّي المُناداة بها إلى نقض العهد الذي تخلَّى به الفرد عن حقِّه في أن يفعل ما يشاء. ومن أمثلة ذلك، الرأي الذي يُنكر استقلال السلطة العليا من حيث المبدأ، أو الرأي الذي لا يُحتِّم على كلِّ فردٍ الوفاء بوعده، أو الذي يُوصي بأن يعيش كلٌّ على هواه، وما شابه ذلك من الآراء التي تتعارَض مع هذا العهد تَعارُضًا مباشرًا، والتي يكون مُعتنِقها داعية للفتنة، لا بسبب حُكمه أو رأيه في ذاته، بل بسبب السلوك المُترتِّب عليها؛ إذ إن اعتناق هذه الآراء يعني التخلَّي — ضِمنًا أو صراحة — عن الولاء للسلطة العليا، أما الآراء الأخرى التي لا تنطوي على مسلكٍ من نوع نقض العهد، أو الانتقام، أو الغضب … إلخ، فلا يُمكن أن توصف بأنها داعية للفتنة، ما لم يكن ذلك في دولة فاسدة؛ أي في دولة أحرَزَ فيها المُتعصِّبون الطامِعون الذين لا يُطيقون كلَّ من كان على خلقٍ قويم، نجاحًا جعلهم يشتهِرون بين العامَّة إلى حدٍّ أصبحت معه سُلطتهم تطغى على سلطة الحاكم. ومع ذلك فنحن لا نُنكر وجود بعض الآراء التي لا يكون من الأمانة عرضُها ونشرُها مع أنها تبدو وكأنها مُجرَّد آراء تحتمل الصواب والخطأ. وقد بَيَّنا في الفصل الخامس عشر٤ هذه الآراء، مع حِرصنا على ألَّا نحدَّ على أي نحوٍ من حُرية الفعل. وأخيرًا فإذا أدركنا أنَّ الأفعال، أي الإحسان للجار مثلًا، هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها كل فرد أن يثبت ولاءه للدولة، كما يُثبت ولاءه لله، اعترفنا بلا تردُّد بأن أفضل الدول هي تلك التي تُسلِّم للفرد بالحرية نفسها التي يُسلِّم له بها الإيمان. وإني لأعترف بأنَّ هذه الحرية قد تُسبِّب بعض المُضايقات ولكن هل هناك تنظيم وضعي يبلغ من الحكمة حدًّا يجعل من المستحيل أن تنشأ عنه بعض المضايقات؟ إن من يُريد تنظيم الحياة الإنسانية كلها بالقونين يزيد من حدَّة العيوب دون أن يُقوِّمها، ومن الأفضل السماح بما لا نستطيع منعه مهما كان الضَّرَر الناتج عن ذلك. إنَّنا نعلم العواقب الوخيمة المُترتِّبة على التَّرَف والحسد والشهوة والثَّمالة وما شابهها من الانفعالات، ومع ذلك نسمح بهذا كله لأنَّنا لا نستطيع إلغاءه بسلطة القانون، مع أنها رذائل فعلية، فالأَولى أن نسمح بحرية الحكم، التي هي فضيلة في الواقع، وألَّا نقضي عليها. ولنُضِف إلى ذلك أنه لا يُوجَد ضررٌ واحد ينتج عن حرية التفلسُف لا تستطيع السُّلطات العُليا أن تتجنَّبه (وسأُبرهن على ذلك الآن). وأخيرًا أليست الحرية شرطًا أساسيًّا لتقدُّم العلوم والفنون؟ إنَّ العلوم والفنون لا تتقدَّم تقدُّمًا ملموسًا إلَّا على أيدي أناس تخلَّصوا تمامًا من المخاوف وأصبحت لهم حُرية الحُكم.

فلنفرض، مع ذلك، أنه يُمكن سلب الناس حريتهم والقضاء على استقلالهم بحيث لا يُمكنهم التفوُّه بكلمة واحدة إلَّا بأمر السُّلطة العُليا، في هذه الحالة لن يحدُث مُطلقًا أن تتَّفق جميع أفكارهم مع أفكار السلطة العليا، والنتيجة الحتمية لذلك هي استمرار الرَّعايا في التفكير على نحوٍ يتعارَضُ مع أقوالهم، وبذلك تضيع الثقة، التي هي شرطٌ ضروري لإقامة الدولة، ويؤدِّي تشجيع الفساد الكَريه والخِداع إلى سيادة المُخاتَلة والغش في جميع العلاقات الاجتماعية. وفضلًا عن ذلك فإن من يتوقَّع من جميع الناس تكرار الأقوال نفسها التي تُلقَّن لهم يكون واهمًا بحق؛ فالواقع يُثبِت عكس ذلك، إذ إنَّه كلما حاول المرء سلب الناس حريتهم في التعبير استثار مُقاومتهم. وأنا لا أقصد أولئك الشَّرِهين المُتملِّقين الذين لا خُلُق لهم، والذين تنحصِر أعظم أمانيهم في تأمُّل بريق الذهب وفي إشباع بطونهم، بل أقصد أولئك الذين تحرَّروا بفضل حُسن تعليمهم وطهارة حياتهم ونُبل أخلاقهم. لقد طُبِع معظم الناس على الاستياء الشديد إذا ما عُدَّت بعض آرائهم التي يعتقدون بصحَّتِها جرمًا، وإذا ما وُصِف ما يَحثُّ نفوسهم على تقوى الله وحب الناس أنه جريمة. ويؤدِّي بهم ذلك، في نهاية المطاف، إلى رفض قوانين الدولة، والتجرُّؤ على فِعل ما يضرُّ بالسلطات العامة. وعندئذٍ يرَون أن إثارة الفتنة واستعمال كلِّ ألوان العنف في سبيل ما يعتقدونه شيء رائع لا عار فيه. ولَمَّا كانت الطبيعة الإنسانية على هذا النحو، إذن يتَّضِح لنا أنَّ القوانين الموضوعة ضِدَّ هذه الآراء لا تُهدِّد المُجرمين، بل تُهدِّد أصحاب الشخصيات المُستقلة وأنها لا تضع عقابًا للأشرار، بل إساءة للشرفاء. ومن ثَمَّ كان الإبقاء عليها يُمثِّل خطرًا شديدًا على الدولة. وعلى أية حال، فإنَّ هذه القوانين الموضوعة لإدانة الآراء لا تنطوي على أية فائدة، لأنَّ من يُؤمنون بصحة الآراء لا يُمكنهم طاعة هذه القوانين، أمَّا من يرفضونها لبُطلانها فيجدون في هذه القوانين امتيازات لهم وينتابهم الغرور بانتصارهم، بحيث لا تستطيع السلطات العامة — لو أرادت إلغائها — لتُضيف إلى ما قُلناه الآن تلك النتائج التي استخلصناها من الفصل الثامن عشر في النقطة الثانية من تاريخ العبرانيين. وأخيرًا، فما أكثر الفِرَق التي نشأت داخل الكنيسة عندما أرادت السلطات العامة وضْعَ حَدٍّ لجدل رجال الدين بوساطة القوانين. والواقع أنه لو لم يُسيطر على الناس الأمل في أن يجتذبوا القوانين والسلطات العامة لصفِّهم، ولينتصروا على أعدائهم وسط تصفيق العامة لهم، وتلقي مظاهر التكريم، لَمَا تقاتَلوا بكل هذا القدْر من سوء النية، ولَمَا تملَّك نفوسهم كل هذا الغضب، وهذا ما تؤكده التجربة ذاتها — فضلًا عن العقل — بأمثلةٍ كثيرة من الحياة اليومية، فمعظم القوانين التي تأمُر كل فرد بما ينبغي أن يعتقد، وتُحرِّم عليه أن يتكلَّم أو أن يكتُب ضِدَّ هذا الرأي أو ذاك، قد وُضِعت لإرضاء أناس لا يُطيقون أن يَرَوا غيرهم مُعتزِّين بشخصيتهم المُستقلة، أو بالأحرى استسلامًا لغضبهم. وهؤلاء هم الذين يستطيعون بسهولة، بما لدَيهم من نفوذ ضار، تحويل إخلاص العامة الميَّالة إلى الفِتَن، إلى غضب عارم، وإثارتها ضِدَّ من يريدون هُم أنفسهم أن يقضُوا عليهم.

أليست السيطرة على غضب العامة واندفاعها أفضل من وضْع قوانين لا يُمكن أن يرفُضَها إلَّا مُحِبُّو الفنون والفضيلة وحدَهم، ومن سقوط الدولة إلى هذا الحضيض الذي لا نستطيع فيه تحمُّل وجود بعض الشرفاء من بين رعاياها. إنَّ أسوأ موقف تُوضع فيه الدولة هو ذلك الذي تبعث فيه إلى المنفى بالشُّرفاء من رعاياها وكأنَّهم مُجرمون، لا لشيء إلَّا لأنهم اعتنَقوا آراء مُخالفة لا يستطيعون إخفاءها. إنها لمُصيبة فادحة أن يُعامل بعض الأفراد على أنهم أعداء الدولة ويُساقون إلى الموت بلا ذنبٍ ارتكبوه وبلا جُرم اقترفوه، بل لمُجرَّد كونهم يَعتزُّون بشخصيتهم، بحيث تُصبح المِقصلة، التي يرتعِش منها الأشرار، مسرحًا عظيمًا تُمثَّل عليه أدوار رائعة من الشجاعة وقوة التحمُّل، على حين لا يلحَق بالسُّلطة العُليا إلَّا العار؛ ذلك لأنَّ من يعلم براءته لا يخاف الموت كما يخافه المُجرمون، ولا يطلُب العفو، ومن لا يُعذِّبه تأنيب الضمير لذنبٍ اقترفَهُ، يقبَل الموت في سبيل غايةٍ نبيلة على أنه شرف، لا عقاب، ويصبح عظيمًا حقًّا لأنه ضحَّى بحياته في سبيل الحُريَّة، فأيُّ مَثَل يُعطيه هؤلاء بموتهم الذي لا يَفهَم سببَه الأغبياء والجبناء، ويحقره دُعاة الفتنة، ويُعظمه الفضلاء؟ إنَّ كلَّ ما يستخلصه الحاضرون من هذا المشهد الأليم هو أنَّ عليهم إما أن يسيروا في خُطى أولئك الشهداء، وإمَّا أن يُصفِّقوا لجلاديهم.

أما إذا أردنا أن يكون الولاء، لا التهاوُن والنفاق، هو الجدير بالتقدير، وألَّا تضعُف السلطة العليا أو تخضع لدُعاة الفتن، فيجِب الاعتراف لكلِّ فردٍ بحريته في الرأي، وحُكم الناس بحيث يعيشون في سلام بالرغم من اختلافهم وتعارُضهم في الآراء. ولا يمكننا أن نَشُكَّ في أن هذه الطريقة في الحكم هي أفضل الطرق وأكثرها اتفاقًا مع الطبيعة الإنسانية، ففي الدولة الديمقراطية (وهي أقرب نُظم الحكم إلى حالة الطبيعة) بيَّنَّا أن جميع الناس يتَّفِقون على العمل بإرادة مُشتركة، ولكنهم لا يتَّفِقون على أن يُبدوا آراءهم أو يُفكِّروا بطريقةٍ واحدة.٥ وبعبارة أخرى، فلمَّا كان الناس يعلمون أنهم لا يستطيعون دائمًا الاجتماع على رأي واحد، فقد اتَّفقوا على العمل بالرأي الذي تجتمع عليه أغلبية الناس، وعلى إعطائه قوَّة القانون مع الاحتفاظ بحقِّهم في إلغاء هذا القرار الأول عندما يجدون ما هو أفضل منه، وكلَّما قلَّتْ حرية الرأي عند الناس ابتعدوا عن حالة الطبيعة، واشتدَّ عُنف السلطة.
وهناك أمثلة كثيرة على أنَّ الحرية لا تُمثِّل أي ضررٍ لا تستطيع السلطة العليا تجنُّبه بمفردها، وعلى أن احترام الناس لهذه السلطة وحدها يمنعهم من أن يسيئوا إلى بعضهم البعض مهما كان بينهم من اختلاف في الآراء. ولَسْنا في حاجة إلى الذهاب بعيدًا لكي نهتدي إلى هذه الأمثلة، فلدَينا مثلًا مدنية أمستردام، التي جنَتْ ثمار هذه الحرية فنالها من ذلك أعظم الفائدة، وحازت إعجاب جميع الأمم الأخرى، ففي هذه الجمهورية المُزدهرة وفي هذه المدينة الرائعة يعيش الناس، من كلِّ جنسيةٍ ومن كل طائفة في وفاقٍ كامل، وإذا أراد أحدٌ أن يَستدين فإنهم يسألون فقط إن كان غنيًّا أو فقيرًا، جديرًا بالثقة أو مشهورًا بالخداع، ولا يُهمهم معرفة دِينِهِ أو مذهبه؛ لأن هذه الاعتبارات لا تتدخَّل في كسْب القضية أو خُسرانها إذا رُفع الأمر يومًا إلى القضاء. ولا تُوجَد طائفة، مهما كانت مكروهة، لا يتمتَّع أنصارها بحماية السلطة العامة لها (بشرط ألا تُسبِّب هذه الطائفة أيَّ ضرَرٍ لأي فرد، وأن ترُدَّ لكلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ وأن تحيا حياة شريفة). وعلى العكس عندما تدخَّل رجال الدولة، وتدخلت دول الأقاليم من قبلُ في الجدل اللاهوتي بين المُعاتبين وأعداء المُعاتبين٦ حيث الانقسام والفتنة، وأثبَتَت الأمثلة العديدة عندئذٍ أن القوانين الموضوعة للدين لإنهاء الجدَل تُثير الناس أكثر مِمَّا تُصلحهم، وأنَّ كثيرًا من الناس يتَّخِذون من هذه القوانين ذريعةً ليفعلوا ما يشاءون. وفضلًا عن ذلك فإنَّ الانقسام إلى شِيَع لا ينشأ عن رغبةٍ صادقة في معرفة الحقيقة لأنَّ هذه الرغبة تُؤدِّي إلى الطيبة والتسامُح، بل عن شهوةٍ عارمة للحكم. ومن ذلك يتبيَّن بوضوحٍ لا يقبَلُ أي شَكٍّ أن دُعاة الفتنة هم أولئك الذين يُدينون كتابات الآخرين ويُثيرون غضب الشعوب ضِدَّ مُؤلفيها، وليسوا هم المُؤلفين الذين لا يكتبون إلَّا للعلماء، ولا يعتمدون إلَّا على العقل وحده. أما مُثيرو الشغَب الحقيقيُّون فهم الذين يُريدون في دولة حرة القضاء على حرية الرأي، التي لا يُمكن قَمعُها.
وهكذا نكون قد بَيَّنَّا أنه:
  • (١)

    يستحيل سلب الأفراد حُريتهم في التعبير عمَّا يعتقدون.

  • (٢)

    لا يهدد الاعتراف بهذه الحرية حقَّ السلطة العُليا أو هَيبتَها، ويستطيع الفرد الاحتفاظ بحُريته دون تهديدٍ لهذا الحقِّ بشرط ألَّا يسمح لنفسه بتغيير قوانين الدولة المُعترَف بها أو بأن يفعل شيئًا ضِدَّ القوانين القائمة.

  • (٣)

    يستطيع الفرد أن يتمتَّع بهذه الحرية دون أن يكون في ذلك خطر على سلامة الدولة أو ضرَرٌ يصعُب إيجاد علاجٍ له.

  • (٤)

    لا يجلُب التمتُّع بهذه الحرية أي خطرٍ على التقوى.

  • (٥)

    لا فائدة من القوانين الموضوعة بشأن المسائل النظرية العقلية.

  • (٦)

    وأخيرًا، فإن تَمتُّع كلِّ فردٍ بحريته لا يُهدِّد — كما بَيَّنَّا — سلامة الدولة، أو التقوى أو حقَّ السلطة العُليا، بل هو بالإضافة إلى ذلك ضروري للمحافظة على ذلك كله.

والواقع أنه عندما يُحاول الناس سلْبَ خصومهم هذه الحرية، وعندما تُقدَّم مُعتقدات المنشقين للمحاكمة، لا مواقفهم واتجاهاتهم الإنسانية (التي هي الشيء الوحيد الذي يُمكن إدانته)، تكون تلك الأحكام التي تُوقَّع على الشرفاء أمثلةً للاستشهاد، وتُثير في نفوس الحاضرين من التعاطُف، بل من الرغبة في الانتقام للضحايا، أكثر مِمَّا تبعَثُه في نفوسهم من الخوف، ثُم تفسد العلاقات الاجتماعية ويضيع حُسن النية، على حين تقوى شوكة التملُّق والخداع، ويُصيب أعداء المُتَّهمين الغرور لأنَّ السلطات سايرَتْهم في غضبهم، ولأنَّ رؤساء الدول أصبحوا مُشايعين لذلك الرأي الذي جعلوا من أنفسهم رُسلًا له، وبالتالي يتجرَّءون على اغتصاب حقِّ السلطة العليا وعلى النَّيل من هيبتِها، ويصِل بهم الصَّلَف إلى حدِّ الادِّعاء المُباشِر بأنَّ الله قد اختارهم بحيث يُضفُون على قراراتِهم صِبغةً إلهية٧ يُريدون أن تخضع لها السلطة العليا، التي هي إنسانية مَحْضة. ولا يجهل أحد أن هذا الوضع مُضادٌّ على طول الخط لمصلحة الدولة. وكما فعَلْنا في الفصل الثامن نختتم عرضنا فنقول: لو أردنا أن نضمَن سلامة الدولة، فيجب أن نجعل التقوى والدين مُقتَصِرَين على مُمارسة العدل والإحسان، كما يجِب أن ينصبَّ تشريع السلطة العليا في المَجالَين الديني والدنيوي على أفعال الرعايا وحدَها، وأن يُترَك لكل فردٍ حُريَّته في التفكير والتعبير.
وهكذا انتهيتُ من مُعالجة جميع المسائل التي اعتزمتُ بحثها عندما شرعتُ في الكتابة، ولم يبقَ لي إلَّا أن أُعلن صراحةً أنني أُقدِّم عن طِيب خاطرٍ كلَّ ما كتبتُ للسلطات العليا لوطني لكي تفحصه وتحكُم عليه، فإن بدَتْ لها إحدى قضاياي مُعارضة لقوانين البلاد أو ضارَّة بالمصلحة العامة، فإني أتراجَعُ عنها؛ ذلك لأني أُدرِك أنني بشَر وأنَّ من المُمكن أن أكون قد أخطأت، ولكنِّي على الأقلِّ حاولتُ بقدر طاقتي ألَّا أقَعَ في الخطأ، وحرصتُ بوجهٍ خاصٍّ على ألَّا أكتب شيئًا يتعارض مع قوانين بلدي أو يتنافى مع الحرية والأخلاق الحميدة.٨
١  في AP دولة، وفي FM جمهورية، انظر الهامش ١، من رسالة في اللاهوت والسياسة.
٢  يمكن أن نقول أيضًا وأنصاف الديمقراطية لأنَّ الذي يهمُّ هو نظام الحكم الجماعي بصرف النظر عن الأشكال.
٣  يخضع الإنسان الحُر للقانون حتى ولو صوَّت ضِدَّه.
٤  يقصد سبينوزا استشهاد أعضاء حزب المُعاتِبين (الرمونتران) Remontrants مثل أولدنبارنفلت Oldembarneveldt أو اعتقالهم مثل هوجو دي جروت Hugo de Groot.
٥  يتعرَّض أمن الدولة للخطر إذا سمَحْنا لبعض الفراد بالوصاية على الحكام باسم الله، وكأنهم مبعوثون منه. وهذا ما يؤيده تاريخ العبرانيين. ويتَّفِق سبينوزا وفولتير هنا على هذا الرأي (انظر عتاليا Athalie لفولتير).
٦  Remontrants أي المُؤنِّبون أو المُعاتبون وهو الاسم الذي أعطاه الهولنديُّون إلى الأرض بسبب تأنيب مجمع دردرشت Dordrecht لهم سنة ١٦١٠ وأعداؤهم هم الجوماريون Gomaristes. يُفكر سبينوزا هنا مثل لامارتين Lamartine: Il faut se séparer, pour penser, de la foule Et s’y confondre pour agir.
٧  يُشير سبينوزا إلى الاضطرابات التي حدثت في هولندا بسبب: الجدل الديني بين المُعاتِبين الأرمن وأعدائهم الجوماريين Gomaristes والتي فقد فيها بارنفلت حياته وجروسيوس حُريَّته، أو أنه يُشير إلى أنصار عائلة أورانج Orange الذين سبَّبوا الفِتَن.
٨  هذه الفقرة تكرار تقريبًا لآخِر فقرةٍ في المُقدمة، عود على بدء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١