في العام ٢٨٨٩

يعيش الناسُ في هذا القرن التاسع والعشرين على الدوام في أرضٍ أقرب ما تكون إلى أرض الأحلام، على الرغم من أنهم قلَّما يُدرِكون هذه الحقيقةَ على ما يبدو. فحياتهم مُتْخمةٌ بالكثير من العجائب؛ ولذا فإنهم يَستقبلون كل أُعجوبة جديدة بحالة من اللامبالاة؛ فكل الأمور تبدو طبيعيةً وعاديةً بالنسبة إليهم. ليتَهم يُقدِّرون قيمة التطوُّرات التي شهدتها الحضارةُ في يومنا الحالي؛ ليتَهم يُقارنون بين الحاضر والماضي؛ ومِن ثَمَّ يفهمون التقدُّمَ الذي أحرزناه على نحوٍ أفضل! كم كانوا سيُدركون كم أصبحت هذه المدن أجملَ في عصرنا الحديث بتَعْداد سكانها الذي يَبلغ أحيانًا نحو ١٠ ملايين نسمة، واتساعِ شوارعها بعرضٍ يصل إلى ٣٠٠ قدم، وعلوِّ منازلها بارتفاع يصل إلى ١٠٠٠ قدم، ودرجةِ حرارتها الثابتة في جميع الفصول، وخطوطِ النقل الجوي التي تَعبُر سماواتها بكل اتجاه! ليتَهم يستطيعون تخيُّل الحالةِ التي كانت عليها الحياةُ يومًا ما، حينما كانت وسيلةُ النقل الوحيدةُ صناديقَ تسير على عجلاتٍ وتُصدِر صوتًا مُقرقِعًا، وتجرُّها أحصنة؛ نعم تجرُّها أحصنةٌ! كانت تسير في الشوارع الموحلة. فقط فكِّر في حالة خطوط السكك الحديدية قديمًا، وستدرك قيمة أنابيب الهواء المضغوط التي تُمكِّنهم في الوقت الحاضر من السفر بسرعة ١٠٠٠ ميل في الساعة. ألم يكن سكان الحِقْبة المعاصرة لِيُقدِّروا الهاتف والتليفوت أكثر بكثير لو أنهم لم يَنسوا التلغراف؟

مما يُثير الاستغراب أن جميع هذه التحولات قائمة على مبادئ يعرفها أسلافنا البعيدون حقَّ المعرفة، لكنهم لم يُعيروها اهتمامًا؛ فالحرارة على سبيل المثال قديمة قِدَم البشر أنفسهم، والكهرباء كانت معروفة منذ ٣٠٠٠ عام، والبخار منذ ١١٠٠ عام؛ لا بل كان معروفًا في وقتٍ أقْدَم من ذلك بكثير، ربما منذ عشرة قرون، أن الفروق بين القوى الكيميائية والفيزيائية المتعدِّدة تتوقَّف على طريقة اهتزاز جزيئاتها الأثيرية؛ وهذه الطريقة تختلف اختلافًا محدَّدًا ودقيقًا باختلاف كل قوة من تلك القوى. وعندما اكتشف الإنسان أخيرًا العَلاقة التي تربط بين جميع هذه القوى، من المُثير للدهشة أنه لم يستطِع تحليل ووصف طرق الاهتزاز المتعددة التي تخلق فروقًا بين هذه القوى، إلا بعد انقضاء ٥٠٠ عام. وبالإضافة إلى ذلك كله، فإنه من الغريب أن طريقة إعادة توليد هذه القوى مباشرةً بعضها من بعض، وتوليد واحدة بعينها دون غيرها، لم يُكتب لها أن تُكتشَف قبل أقل من مائة عام مضت، ولكن هكذا شاءت الأقدار أن يحقق أوزوالد نيير الشهير هذا الاكتشاف العظيم في العام ٢٧٩٢.

كان حقًّا رجلًا عظيمًا يحبُّ الخير للجنس البشري؛ فقد أسهم اكتشافه الباهر في العديد من الاكتشافات الأخرى اللاحقة؛ ومن ثَمَّ بزغ نجمُ لفيفٍ مميز من المخترعين، كان أبرعهم العظيم جوزيف جاكسون. نحن مدينون لجاكسون لاختراعه أجهزة المِرْكَمات الجديدة الرائعة التي يمتص بعضها القوة الحية التي تحويها أشعة الشمس ويُكثِّفها؛ وبعضها الآخر يمتصُّ الكهرباء المخزَّنة في كوكبنا الأرضي؛ كما يمتصُّ بعضها الآخر الطاقة المتولدة من أي مصدر آخر مثل الشلالات، والجداول المائية، والرياح … إلخ. وقد اخترع كذلك جهاز المحول — وكان اختراعًا أكثر روعةً — وهو الذي يأخذ القوة الحية من الِمرْكَم ثم يُعيدها من جديد بمجرد كبسة زر إلى الفضاء بأي شكل مطلوب، سواء كان ذلك في صورة حرارة أو ضوء أو كهرباء أو قوة ميكانيكية بعد استخدامها لإتمام المهمة المطلوبة أولًا. ومنذ اليوم الذي اختُرع فيه هذان الجهازان، بدأ عهد التقدم الحقيقي؛ فقد وَضَعا في يد البشر قوةً تكاد تكون مُطلَقة. أما عن استخدامات هذين الجهازين فلا حصر لها ولا عدَّ؛ فقد استُخدما في تخفيف حدة برد الشتاء القارس عن طريق إعادة فائض الحرارة الذي اختُزن طوال فصل الصيف إلى الهواء الجوي، كما أنهما أحدَثا ثورة في مجال الزراعة. وفضلًا عن ذلك أسهم الاختراعان في إحداث زخم هائل في التجارة من خلال توفير القوة المحرِّكة للملاحة الجوية. نحن مدينون لهذَين الاختراعين؛ لأنهما مكَّنانَا من توليد الكهرباء على نحو مستمر وثابت دون استخدام البطاريات أو مولِّدات الكهرباء، والضوء دون احتراقٍ أو توهُّج، وزوَّدانا بإمدادات لا تنفد من الطاقة الميكانيكية التي تُلبِّي جميع احتياجات الصناعة.

نعم، لقد أتى جهازا المِرْكم والمُحوِّل بجميع هذه العجائب؛ بل يمكننا كذلك أن نعزو إليهما إسهامهما، بطريقة غير مباشرة، في خلق أحدث هذه العجائب، وهي مقر صحيفة «إيرث كرونيكل» العظيم الكائن في الجادة ٢٥٣د الذي افتُتِح منذ أيام قليلة. لو أن جورج واشنطن سميث، مؤسس صحيفة «كرونيكل» بمانهاتن، قد عاد اليوم إلى الحياة، تُرى ماذا سيكون رأيه عند إخباره بأن هذا القصر من الرخام والذهب يَملكه سليله البعيد فريتس نابليون سميث، الذي أصبح بعد مرور ثلاثين جيلًا مالكًا للصحيفة نفسها التي أسَّسها سلفه؟!

صمدت صحيفة جورج واشنطن سميث جيلًا بعد جيل، وما لبثَت أن خرجت من مِلكيَّة العائلة، حتى عادت إليها مرة أخرى. عندما نُقل المركز السياسي للولايات المتحدة من واشنطن إلى سنتروبوليس منذ ٢٠٠ عام، حذت الصحيفة حذو الحكومة وغيَّرت اسمها ليُصبح صحيفة «إيرث كرونيكل». ولسوء الحظ لم تَستطِع أن تحافظ الصحيفة على سُمْعتها الطيبة ومكانتها الرفيعة؛ فقد كانت واقعةً تحت ضغط من جميع الجهات في مواجهة الصحف المنافسة الأكثر حداثةً، ومعرَّضة دائمًا لخطر الانهيار تحت وطأة هذا الضغط. ولم تكن تحتوي قائمة مُشتركيها منذ عشرين عامًا إلا على بضع مئات آلاف الأسماء، إلى أن شراها السيد فريتس نابليون سميث بثمن زهيد جدًّا، وابتكر نظام الصحافة الهاتفية.

الجميع يعرفون نظام فريتس نابليون سميث، وهو نظام أصبح وجودُه مُمكنًا بفضل التطور الهائل الذي شهده الإرسال الهاتفي خلال مائة العام الماضية. فبدلًا من إصدار صحيفة «إيرث كرونيكل» في صورة مطبوعة، أصبحت تُذاع شفهيًّا للمشتركين كل صباح فيتعرَّفون من خلالها على الأخبار اليومية التي تأتيهم في شكل حوارات شائقة مع المراسلين ورجال الدولة والعلماء. وفضلًا عن ذلك، يمتلك كل مشترك جهاز فونوغراف يترك له مُهمة تجميع الأخبار وتسجيلها في الأوقات التي لا يشعر المشترك فيها برغبة في الاستماع لها مباشرةً. أما غير المشتركين ممن يشترون نسخًا فردية فيمكنهم مقابل مبلغ زهيد معرفةُ جميع الأخبار بعدد الصحيفة اليومي الذي اشتروه باستخدام أحد أجهزة الفونوغراف العديدة الموضوعة في كل مكان تقريبًا.

كان ابتكار فريتس نابليون سميث هو المسئول عن إعادة الصحيفة إلى الواجهة من جديد، وفي غضون بضع سنوات زاد عدد المشتركين ليصل إلى ٨٠ مليونًا، وبالتزامن مع ذلك استمرت ثروة سميث في الزيادة حتى بلغت اليوم رقْمًا خرافيًّا لا يُمكن تخيُّله هو ١٠ مليارات دولار. وقد مكَّنته ضربة الحظ تلك من إقامة مبناه الجديد، وهو صرْحٌ فسيح له أربع واجهات، كلٌّ منها يبلغ طوله ٣٢٥٠ قدمًا، ويُرفرف أعلاه بفخرٍ عَلَمُ الاتحاد ذو النجوم المائة. وبفضل نفس ضربة الحظ تلك أصبح — سميث — اليومَ مَلِكَ عالَم الصحافة؛ لا بل يمكن أن يصبح مَلكًا للأمريكيين جميعًا كذلك إذا قَبِلوا أن يُنصَّب عليهم مَلِكٌ في يوم من الأيام. ألا تُصدقون قولي؟ انظروا إذًا إلى مفوَّضي جميع البلدان الأخرى، وإلى وزراء بلدنا أنفسهم وهم يتزاحمون على بابه، ويستعطفون مستشاريه، ويستجْدُون رضاه، ويتوسَّلون للحصول على مساعدة مؤسَّسته الصحفية المهيمنة، واحسبوا عدد العلماء والفنانين الذين يحظون بدعمه، والمخترعين الذين يتقاضَون أجورهم منه.

نعم، هو ملك. وهو في الواقع مَلكٌ كاهلُه مثقلٌ بالأعباء؛ فهو يعمل بلا كلل، ولا شك على الإطلاق أن أي رجل في حِقب زمنية سابقة كان سيَنهار تحت وطأة ضغوط العمل المُضنية التي كان السيد سميث يتعرَّض لها. ولكن لحُسنِ حظه، وبفضل التقدُّم الذي شهدته الصحة العامة، والذي أسهم في الحد من جميع مصادر الضرر بالصحة القديمة مما زاد من متوسِّط عمر الإنسان من ٣٧ إلى ٥٢ سنة، أصبح البشر يتمتَّعون ببِنية جسدية أقوى من ذي قبل. ولا يزال اكتشاف الهواء المُغذِّي رهنًا بالمستقبل؛ أما في الوقت الحالي فقد أصبح البشر يتغذون على أطعمةٍ مركَّبة ومجهَّزة وَفقًا للمبادئ العلمية، ويتنفَّسون هواءً خاليًا من الكائنات الحية الدقيقة التي كان يعجُّ بها فيما مضى؛ ولذلك أصبحوا أطول أعمارًا من أسلافهم، ولا يعرفون شيئًا عن الأمراض التي لا حصر لها التي كانت منتشرة في الأزمنة القديمة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الاعتبارات، فإن نمط حياة فريتس نابليون سميث قد يُثير الكثير من الدهشة؛ فبِنيته الجسدية الصلبة مثقلةٌ بالمتاعب إلى أقصى حدٍّ نتيجة الإجهاد الشديد الذي يُعانيه. ولا جدوى من محاولة تخمين مقدار العمل الشاق الذي يُؤدِّيه؛ بَيد أنني سأضرب لكم مثالًا واحدًا يُمكن أن يُساعدكم على تخيُّل الوضع. دعونا نعيش معه يومًا من الأيام التي يضطلع فيها بشئونه وشواغله الكثيرة. أي يوم من الأيام سنختار؟ لا يهم ذلك كثيرًا؛ فأيامه جميعها متشابهة؛ فلنختر إذًا يومًا بطريقة عشوائية، وليكن يوم الخامس والعشرين من سبتمبر في عامنا الحالي، عام ٢٨٨٩.

عندما استيقظ السيد فريتس نابليون سميث هذا الصباح كان مزاجه سيئًا للغاية؛ إذ غادرت زوجته إلى فرنسا منذ ثمانية أيام، فشعر بالكآبة والوحشة. على الرغم من أنه يَصعب تصديق ذلك؛ فإن هذه هي المرة الأولى منذ سنوات زواجهما العشر التي تَغيب فيها السيدة إديث سميث — تلك المرأة التي تسعى دومًا لبلوغ الكمال في جمالها — عن البيت لفترة طويلة؛ فعادةً لم تكن رحلاتها المتكرِّرة إلى أوروبا تتطلب غيابها سوى يومين أو ثلاثة. أوَّل ما فعله السيد سميث عند استيقاظه هو توصيل جهاز الفونوتليفوت — أو التليفوت — الخاص به؛ إذ إن أسلاكه موصَّلة بقصره في باريس. التليفوت! إنه أحد الانتصارات الأخرى العظيمة التي حقَّقها العلم في عصرنا. لقد عفا الزمنُ خاصيةَ نقل الصوت؛ وعبرنا جسور الماضي حتى توصَّلنا اليوم إلى خاصيةٍ تعتمد على نقل الصور عن طريق مرايا حساسة موصلة بأسلاك. إنه اختراع ذو قيمة بالتأكيد، ولم يبخل السيد سميث هذا الصباح بالإغداق على مخترعه بالدعاء؛ إذ إنه بمساعدة هذا الجهاز استطاع رؤية زوجته بوضوح على الرغم من المسافة التي كانت تفصل بينهما. ظلَّ السيد سميث مُستلقيًا في فراشه نتيجة التعب الذي حلَّ به بعد حضوره الحفل الراقص وزيارته المسرح الليلة الماضية رغم اقتراب حلول وقت الظهيرة في باريس. كانت إيدث — كما رآها — نائمةً، ورأسها مدفون في الوسادات الموشاة بقماش الدانتيل. ما هذا؟ هل تتقلَّب؟ شفتاها تتحركان. أتُراها تحلُم؟ نعم هي تحلم. إنها تتكلَّم، تنطق باسمٍ ما، إنها تنطق باسمه؛ فريتس! أدخل هذا المشهد المبهج السعادة على قلب السيد سميث. والآن حان وقت الاستجابة لنداء العمل الجاد؛ إذ نهض بخفةٍ ورشاقةٍ من فراشه ونفسُه طَرِبةٌ، ودخل جهاز ارتداء الملابس الآلي.

بعد دقيقتين من دخوله الجهاز، أوصله إلى عتبة باب مكتبه مرتديًا حُلَّته كاملة. بدأت للتوِّ جولةُ العمل الصحفي. في البداية دخل قاعة كُتَّاب الرواية، وهي جَناح واسع متوَّج بقبَّة شفافة ضخمة. يوجد في إحدى زاويا القاعة تليفون يقصُّ بالدور من خلاله مائةُ أديب يعملون في صحيفة «إيرث كرونيكل» على مسامع العامة مائة رواية مقسمة إلى أجزاء يومية. خاطب السيد سميث أحد المؤلفين الذي كان يَنتظر دوره قائلًا: «قصتك الأخيرة عظيمة! عظيمة يا عزيزي! المشهد الذي تُناقش فيه الخادمة القروية قضايا فلسفية شائقة مع حبيبها يبين تمتُّعك بقوة ملاحظة عالية جدًّا. لقد استطعت رسم صورة ليس لها مثيل في الدقة عن طريقة عيش أهل الريف. استمر يا عزيزي أرشيبولد، استمر! فمنذ البارحة كسبنا ٥٠٠٠ مشترك بفضلك.»

واصل حديثه مرة أخرى موجِّهًا خطابه لأحد العاملين الجُدد قائلًا: «أنا لست راضيًا عن عملك يا سيد جون لاست؛ فقِصتك لا ترسم صورة للحياة؛ إنها تفتقر إلى عناصر المصداقية. أتعرف ما السبب؟ لأنك ببساطة تقفز مباشرةً إلى النهاية، ولا تعتمد على التحليل؛ فأبطال قصَّتك يفعلون هذا الشيء أو ذاك بناءً على دافعٍ ما تُحدده دون التفكير في تشريح طبائعهم العقلية والأخلاقية. ينبغي أن تتذكر أن مشاعرنا أكثر تعقيدًا بكثير من ذلك كله؛ ففي الحياة الواقعية كل فعل هو نتيجة أفكار عديدة تأتي وتروح، وينبغي لك دراسة هذه الأفكار، كلٍّ على حدة، إذا كنت تنوي خلق شخصيات تنبض بالحياة. وقد يقول لسان حالك: «لكن إذا كان للمرء أن يُراقب هذه الأفكار العابرة، فيجب عليه أن يعرفها ويتمكَّن من تتبُّعها في مساراتها ودروبها المتقلبة والملتوية.» بيد أن أي طفل صغير يُمكنه أن يفعل ذلك كما تعلم. أما أنت فينبغي لك ببساطة أن تستفيد من التنويم المغناطيسي، سواء باستخدام الطرق الكهربائية أو البشرية؛ فهو يمنحك كينونة مزدوجة، ويحرر جزءًا من وعيك، أو ما يُعرف بشخصية الشاهد، حتى تستطيع أن ترى وتفهم وتتذكَّر الأسباب التي تتحدَّد على أساسها ملامح الشخصية التي تؤدي الفعل. كل ما عليك فعله هو دراسة نفسك وأنت تعيش حياتك اليومية يا عزيزي لاست. اقتدِ بزميلك الذي كنتُ أثني عليه منذ برهة. سلِّم ذاتك لتأثير التنويم المغناطيسي. هل حاولتَ ذلك بالفعل؟ إذا كان الأمر كذلك فأنت لم تحاول بما فيه الكفاية إذًا … لم تحاول بما فيه الكفاية بالتأكيد!»

استكمل السيد سميث جولته ودخل قاعة المراسلين. كان يوجد بها ١٥٠٠ مراسل في أماكنهم المحددة لهم، وكان أمامهم عدد متساوٍ من الهواتف يستخدمونها لموافاة المشتركين بالأخبار العالمية المجمَّعة طوال فترة الليل. وغالبًا ما يُحدَّد نظامُ عملِ هذه الخدمة التي لا مثيل لها، ويُوصف بوضوح. يوجد بجانب الهاتف الخاص بكل مُراسل، كما يعرف القارئ ذلك، مجموعةٌ من المبدلات الكهربائية التي تُمكِّنه من الاتصال بأي خط تليفوت مطلوب. وهكذا لا يتمكن المشتركون من سماع الأخبار فحسب، بل إنهم يستطيعون كذلك رؤية الأحداث؛ فعندما تُوصف واقعةٌ معيَّنة حدثت بالفعل، تُبث في ذات الوقت صورٌ لأبرز ملامحها بجانب الوصف السردي لها. أضف إلى ذلك أن هذه العملية تحدُث دون أي لبس أو خلط؛ إذ إن الأخبار الخاصة بالمراسلين، مثلها مثل القصص المختلفة وجميع الأجزاء الأخرى المكونة للصحيفة، تُصنَّف تلقائيًّا وَفْقًا لنظام مبتكَر، لتصل إلى المستمعين في تتابُع سليم. وإضافة إلى ذلك، تُترك حرية الاختيار للمستمعين للاستماع للأخبار التي تُهمهم على نحو خاصٍّ دون غيرها. وقد يحلو لهم مثلًا إيلاء اهتمامهم لأحد المحرِّرين وعدم الاهتمام بمحرر آخر.

بعد ذلك تحدَّث السيد سميث مع أحد المراسلين العشرة العاملين في قسم الفلك؛ وهو قسم ما يزال في المراحل الأولى لتأسيسه لكنه سيلعب دورًا مهمًّا في عالم الصحافة فيما بعد.

«حسنًا يا كاش، ما آخر الأخبار؟»

«وردت إلينا صورٌ مُرسَلة تلغرافيًّا من عطارد والزهرة والمريخ.»

«هل الصور المرسَلة من المريخ مُثيرةٌ للاهتمام؟»

«نعم هي كذلك بالطبع؛ فثمة ثورة في الإمبراطورية المركزية.»

سأل السيد سميث: «وماذا عن كوكب المشتري؟»

«لم يَرِد إلينا شيء عنه بعد. لا نستطيع فَهْم الإشارات القادمة منهم. ربما لا تصلهم إشاراتنا.»

قال السيد سميث: «هذا أمر سيئ.» بينما هو يُسرع مبتعدًا، ولم يكن في أفضل حالة مزاجية، نحو قاعة المحرِّرين العلميين.

كان يوجد ثلاثون عالمًا رءوسهم منكفئة على الحواسيب الكهربائية ومُنهمكون في إجراء عمليات حسابية تفوق نطاق الخبرة البشرية. وكان مجيء السيد سميث مثل سقوط قنبلة بينهم.

«حسنًا يا سادة، ما هذه الأخبار التي سمعتُها؟ لم نحصل على ردٍّ من كوكب المشتري؟ هل سيستمر الوضع هكذا؟ كولي، أنت لم تكفَّ عن العمل على حلِّ هذه المشكلة طوال عشرين عامًا، ومع ذلك …»

أجاب الرجل المخاطب: «هذا صحيح، لكن المعرفة العلمية التي لدينا في مجال البصريات ما زالت قاصرة جدًّا، على الرغم من أن أجهزة التلسكوب التي لدينا يَصل قطرها إلى الميل وثلاثة أرباع الميل.»

قاطعه السيد سميث موجهًا حديثه إلى عالِم آخر قائلًا: «أسمعتَ ذلك يا بير؟ معرفتنا العلمية في مجال البصريات قاصرة! علم البصريات تخصُّصك.» واستطرد موجهًا حديثه مرة أخرى إلى ويليام كولي: «لكن بصرف النظر عن فشل مساعينا فيما يتعلَّق بكوكب المشتري، هل حققنا أي نتائج فيما يخص القمر؟»

«الوضع ليس أفضل هناك.»

«هذه المرة لا يُمكنك إلقاء اللوم على علم البصريات. القمر أقل بُعدًا بكثير من المريخ، ومع ذلك، تمكَّنا من تحقيق التواصُل الكامل مع المريخ. أظنُّ أنك لن تتذرع بنقص أجهزة التلسكوب أيضًا، أليس كذلك؟»

«أجهزة التلسكوب؟ أوه بلى، المشكلة في هذه الحالة تكمن في عدم وجود سكان على سطح القمر!»

أضاف بير: «بالفعل تلك هي المشكلة.»

سأل السيد سميث: «هل من الأكيد أن القمر غير آهل بالسكان إذًا؟»

أجاب كولي قائلًا: «على الأقل لا يوجد سكان على الوجه الظاهر لنا منه. أما الوجه الآخر فلا أحد يدري شيئًا عنه.»

قال السيد سميث بتأمُّل عميق: «آه، الوجه الآخر! هل تعتقد إذًا أنه إذا أمكننا أن …»

«أمكننا ماذا؟»

«أن نعكس اتجاه القمر.»

هتف الرجلان في وقت واحد: «آه، ربما تكون هناك إمكانية لفعل ذلك.» وبالفعل كانت تبدو عليهما الثقة البالغة، وبدا أن ليس لديهما أدنى شك في إمكانية نجاح مثل هذه المحاولة.

صمت السيد سميث برهةً، ثم سأل: «إلى أن يحدث ذلك، هل لديكم اليوم أي أخبار مثيرة للاهتمام؟»

أجاب كولي: «نعم بالطبع لدينا أخبار؛ فقد تحدَّدت على نحوٍ قاطع عناصر كوكب أوليمبوس. هذا الكوكب العظيم يدور خارج حدود نبتون على مسافة ١١٤٠٠٧٩٩٦٤٢ ميلًا في المتوسط من الشمس، وتستغرق دورته حول الشمس في مدارها الشاسع ١٣١١ سنة و٢٩٤ يومًا و١٢ ساعة و٤٣ دقيقة و٩ ثوانٍ.»

هتف السيد سميث: «لماذا لم تُخبروني بذلك سريعًا؟» وأضاف: «أبلِغوا المُراسلين بهذا الأمر على الفور؛ فأنتم تعرفون مقدار فضول العامة بشأن هذه القضايا الفلَكية. يجب أن يظهر هذا الخبر في عدد اليوم.»

انحنى الرجلان له، ثم انتقل السيد سميث إلى القاعة التالية، وهي رُواق ضخم طوله ٣٢٠٠ قدم مخصص للإعلانات الجوية. الجميع لاحظوا هذه الإعلانات الضخمة المنعكسة من الغيوم، وهي كبيرة جدًّا بحيث يُمكن أن يراها سكان مدن بأكملها، بل وحتى بلدان بأكملها. هذه أيضًا واحدة من بنات أفكار السيد فريتس نابليون سميث؛ حيث يوجد في مبنى صحيفة «إيرث كرونيكل» ألفُ آلة عرض تعرض باستمرار هذه الإعلانات العملاقة على الغيوم.

عندما دخل السيد سميث اليوم قسم الإعلانات السماوية وجد المشغلين يجلسون مكتوفي الأيدي أمام آلات العرض الثابتة الخاصة بكل منهم، واستفسَر عن سبب تقاعُسِهم عن العمل. وردًّا على ذلك، أشار الرجل الذي وجَّه إليه السؤال بكل بساطة إلى السماء؛ إذ إنها كانت زرقاء صافية تمامًا. تمتم السيد سميث: «نعم، لا توجد غيوم في السماء! هذا أمر سيئ للغاية، ولكن ما الذي يسعنا فعله حيال ذلك؟ ألا يمكننا أن نستحث هطول المطر؟ نعم، يمكننا فعل ذلك، ولكن ذلك لن يفيدنا في شيء؛ فما نحتاجه هو الغيوم وليس المطر.» ثم قال مخاطبًا كبير المهندسين: «اذهب لرؤية السيد صامويل مارك من شعبة الأرصاد الجوية بالقسم العلمي، وأخبره بالنيابة عني أن يعمل جاهدًا لإيجاد طريقة يُمكن من خلالها خلق غيوم اصطناعية؛ فلن يكون في صالحنا أن نظل دائمًا تحت رحمة السماء الصافية!»

انتهت الآن جولة السيد سميث اليومية في أقسام صحيفته المتعدِّدة، ثم انتقل بعد ذلك من قاعة الإعلانات إلى غرفة الاستقبال؛ حيث كان ينتظره السفراء المُعتمَدون لدى الحكومة الأمريكية الذين يرغبون في الحصول على نصيحة أو مشورة من رئيس التحرير ذي النفوذ الكبير. كان ثمة نقاش دائر عند دخوله. قال السفير الفرنسي لنظيره الروسي: «عُذرًا سعادة السفير إن قلت لك إنني لا أرى شيئًا في خريطة أوروبا بحاجة إلى تغيير. «الشمال للسلافيين»، نعم بالطبع أتقبل ذلك، ولكن الجنوب للماتينيِّين؛ فحدودنا المشتركة عند نهر الراين تخدم هذا الغرض جيدًا على ما يبدو لي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة بلدنا كما تعلمون ستُعارض بشدة كل تحرك، ليس فقط ضد عاصمتنا باريس، أو الإقليمين الكبيرين التابعين لنا وهما روما ومدريد، ولكن أيضًا ضد مملكة القدس التي تقع تحت سيادة القديس بطرس، والتي ستدافع فرنسا عنها دفاعًا مُستميتًا لا محالة.»

هتف السيد سميث: «ونِعمَ القول!» ثم وجَّه سؤاله للسفير الروسي: «كيف لا تشعرون، أيها الروس، بالرضا عن إمبراطوريتكم الشاسعة؟ فهي أوسع إمبراطورية في العالم؛ إذ تمتد من ضفاف نهر الراين إلى الجبال السماوية وقراقورم، وتُلامس شواطئها أمواج المحيط المتجمد والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي؟ لماذا إذًا تلجئون إلى التهديد؟ هل الحرب ممكنة في ضوء الاختراعات الحديثة، في ظل وجود قذائف خانقة يمكن قذفها لمسافة ٦٠ ميلًا، وشرارة كهربائية يصل مداها إلى ٩٠ ميلًا، يمكنهما بضربة واحدة إبادة كتيبة؛ فضلًا عن أمراض الطاعون والكوليرا والحمى الصفراء، التي يُمكن أن تَنشرها الأطراف المتحاربة فيما بينها على نحوٍ متبادل، والتي من شأنها تدمير أعظم الجيوش في غضون بضعة أيام؟»

أجاب السفير الروسي: «هذا صحيح، ولكن ما باليد حيلة؛ فبالنسبة لنا، نحن الروس، نشعر بضغط على حدودنا الشرقية من قِبل الصينيِّين؛ لذلك يجب علينا أن نُركز قوتنا ونبذل أقصى جهدنا في جهة الغرب مهما كلفنا الأمر.»

قال السيد سميث: «أوه، هل هذا كل ما في الأمر؟ في هذه الحالة يُمكنني اتخاذ إجراء لحل المشكلة. سوف أتحدث إلى وزير الخارجية حول هذا الموضوع. يجب لفت انتباه الحكومة الصينية إلى هذه المسألة؛ فهذه ليست المرة الأولى التي يُزعجنا فيها الصينيون.»

قال السفير الروسي: «في هذه الحالة فلا مانع لدي بالطبع …» ثم أعلن رضاه عن هذه الخطوة.

سأل السيد سميث موجهًا حديثه لممثل شعب بريطانيا العظمى الذي ظل حتى الآن صامتًا: «سير جون، كيف يُمكنني مساعدتك؟»

أجاب: «يمكنك تقديم الكثير من المساعدة لي.» وأضاف: «نود لو أطلقت صحيفة «إيرث كرونيكل» حملة باسمنا …»

«وما غرض هذه الحملة؟»

«الحملة تهدف ببساطة لإلغاء قانون الكونجرس الذي جرى بموجبه ضم الجزر البريطانية إلى الولايات المتحدة.»

على الرغم من أن بريطانيا العظمى أصبحت — بمجرد تغيُّر بسيط في مجريات الأمور شهده عالَمنا الحالي — مستعمرةً تابعة للولايات المتحدة؛ فإن الإنجليز ما زالوا غير قادرين على تقبُّل الوضع الجديد بعد. ومن وقت لآخر، وبنحوٍ مُنتظِم، يوجِّهون شكواهم إلى الحكومة الأمريكية في هذا الصدد دون جدوى.

تعجَّب السيد سميث وهتف: «حملة ضد الضم الذي صار حقيقة واقعة منذ ١٥٠ عامًا! كيف يمكن أن يَفترض شعبُك أنني سأنفذ أي إجراء يتنافى مع وطنيتي إلى هذا الحد الصارخ؟»

قال السير جون: «نحن البريطانيِّين نرى أنه من المفترض أن يكون شعبكم قد أخذ كفايته. لقد طُبق مبدأ مونرو بالكامل، وأصبحت أمريكا بأكملها تنتمي إلى الأمريكيِّين. ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ فضلًا عن أننا مستعدُّون لتسديد ثمن ما نطلبه.»

أجاب السيد سميث دون أن يُظهِر أدنى أمارات الانزعاج: «عجبًا لكم! أنتم لن تتغيروا أبدًا أيها الإنجليز. لا أيها السير جون، لا تُعوِّل على مساعدتي لك. أتريدنا أن نتخلى عن أجمل مقاطعاتنا؛ عن بريطانيا؟ لماذا إذًا بالمنطق نفسه لا تطلب من فرنسا التخلي بسخاء عن حيازة أفريقيا؛ تلك المستعمرة البديعة التي استغرق الاستيلاء الكامل عليها ٨٠٠ عام من المساعي المضنية؟ جرِّب ذلك واستعدَّ للاستقبال الحافل الذي ستحظى به!»

تمتم ممثل بريطانيا بأسف: «أترفُض طلبي! كل شيء انتهى إذًا! المملكة المتحدة تُصبح ملكًا للأمريكيين، وجزر الهند الشرقية تصبح ملكًا ﻟ …»

أكمل السيد سميث الجملة قائلًا: «الروس.»

«وأستراليا …»

«لديها حكومة مستقلة.»

تنهَّد السير جون وهو حزين وقال: «إذًا لا يبقى لنا شيء على الإطلاق!»

سأل السيد سميث ضاحكًا: «أأنت على يقين من هذا؟» وأضاف: «لا يزال لديكم جبل طارق!»

انفضَّ الجمع مع نهاية هذه العبارة المازحة، ودقَّت الساعة الثانية عشرة؛ أي ساعة الإفطار. وعاد السيد سميث إلى حجرته. في المكان نفسه الذي كان الفراش موجودًا به في الصباح، صعدتْ من أرضية الغرفة طاولة منبسطة. وحيث إن السيد سميث رجل عملي قبل كل شيء؛ فقد استطاع تبسيط مسألة المعيشة لأقصى درجة ممكنة؛ فبالنسبة له، بدلًا من المكوث في شقة بها عدد كبير جدًّا من الغرف كما كان الحال في الأزمنة القديمة، يمكنه الاكتفاء بغرفة واحدة مجهَّزة بالتجهيزات الآلية المبتكَرة. هذه الغرفة ينام فيها ويتناول طعامه فيها؛ فهي إذًا باختصار الغرفة التي يعيش فيها.

اتخذ السيد سميث مقعدًا. تظهر في مرآة جهاز الفونوتليفوت الغرفة نفسها في باريس التي ظهرت هذا الصباح، وتوجد في هذه الغرفة كذلك طاولة مجهزة ومعدَّة بالطريقة نفسها أيضًا؛ إذ إنه على الرغم من فَرْق التوقيت، حرص السيد سميث وزوجته على الترتيب لتناول وجباتهم في وقت واحد. إنه لمن الممتع تناول وجبة الإفطار — وجهًا لوجه — مع شخص يبعد عنك نحو ٣٠٠٠ ميل. لم تكن السيدة سميث موجودة بغرفتها آنذاك.

تمتم السيد سميث: «لقد تأخَّرت! المرأة استطاعت إحراز التقدم في جميع الميادين ما عدا قدرتها على الالتزام بمواعيدها!» قالها وهو يُدير مقبض صنبور ليحصل منه على أول طبق في الوجبة؛ إذ إنه، مثله مثل جميع الأثرياء في وقتنا الحالي، قد توقَّف عن استخدام المطبخ المنزلي، واشترك في خدمات شركة التغذية الكبرى التي تُرسِل من خلال شبكة كبيرة من الأنابيب إلى منازل المشتركين جميعَ أنواع الأطباق؛ حيث توجد لديها تشكيلة متنوعة جاهزة على الدوام. بالطبع كان هذا الاشتراك مُكلفًا، لكن الأطعمة المقدمة هي الأفضل من حيث جودة الطهي، كما أن هذا النظام يُقدِّم ميزةَ تجنُّب التعامل مع الطهاة المشهورين المزعجين. استلم السيد سميث المقبلات والأطباق الأولى والمشويات والخضراوات التي تكوَّنت الوجبة منها، وأكلها وحيدًا. كان على وشْك الانتهاء من طبق التحلية عندما ظهرت السيدة سميث في مرآة التليفوت.

سأل السيد سميث عبر الهاتف: «أين كنتِ؟»

صاحت مندهشة ببراءة جذابة: «ما هذا؟! أنت بالفعل تَتناول طبق التحلية! هذا يعني أنني تأخَّرتُ إذًا.» أضافت: «هل سألتني أين كنتُ؟ كنتُ عند حائك الملابس. القبَّعات رائعة جدًّا هذا الموسم! أعتقد أنني نسيتُ مراقبة الوقت؛ لذلك تأخرت قليلًا.»

قال السيد سميث بنبرة مُتذمِّرة: «نعم، قليلًا.» واستكمل قائلًا: «قليلًا جدًّا لدرجة أنني انتهيت من وجبة الإفطار بالفعل. اعذريني؛ يجب أن أنصرف وأتركك الآن.»

«أوه! يمكنك الذهاب بالطبع يا عزيزي؛ وداعًا حتى ألقاك في المساء.»

دخل السيد سميث مركبته الجوية التي كانت في انتظاره عند إحدى النوافذ. استفسر سائق المركبة: «أين تريد الذهاب يا سيدي؟»

قال السيد سميث بتأمُّل: «دعني أفكر، لدي متسع من الوقت حتى ثلاث ساعات. خذني يا جاك إلى الموقع الذي تُنفَّذ فيه أعمال مِركَم نياجرا الخاص بي.»

كان السيد سميث قد حصل على عقد إيجار لشلالات نياجرا العظيمة. وقبل ذلك ظلت الطاقة المتولدة عن الشلالات غير مستغلة سنوات طويلة. ويعكف سميث حاليًّا، عن طريق استخدام اختراع جاكسون، على جمع هذه الطاقة، وهو إما أن يؤجِّرها أو يبيعها. استغرقت زيارته لموقع الأعمال وقتًا أطول مما توقَّع، وعاد إلى البيت في الساعة الرابعة؛ أي تمامًا في الموعد المناسب الذي قرَّره لعقد المقابلات الرسمية اليومية مع الزائرين.

من السهل أن نستوعب كيف أن رجلًا بمكانة سميث هو بالتأكيد محاط بجميع أنواع المطالب؛ فتارة يأتيه مخترع يحتاج إلى رأس المال؛ وتارة أخرى يأتيه شخص ذو رؤى استشرافية يروِّج لمشروع عبقري يَعِد بأنه سيحقق أرباحًا تُقدَّر بالملايين. وهكذا ينبغي للسيد سميث أن يتخذ الخِيار الأمثل من بين هذه المشروعات؛ فيرفض منها ما لا يحقق أي قيمة، ويدرس تلك المشكوك في فعاليتها، ويَقْبل تلك الجديرة بذلك. يُكرِّس السيد سميث لهذا العمل ساعتين كاملتين كل يوم.

كان الزائرون الذين حضروا اليوم أقلَّ من المعتاد؛ فلم يأتِ سوى اثني عشر فقط منهم. وكان من بين هؤلاء ثمانية أشخاص لم يَطرحوا سوى مشروعات غير قابلة للتطبيق. في الواقع كان أحدهم يرغب في إحياء فن الرسم؛ وهو فنٌّ لم يَعُد له استخدام نتيجة التقدُّم المحرَز في التصوير الفوتوغرافي بالألوان. وكان أحد الزائرين الآخرين طبيبًا تفاخر بأنه اكتشف علاجًا للزكام! وقد قُوبلت هذه الطلبات غير العملية بالرفض الفوري. وفي مقدمة المشروعات الأربعة التي حظيت بترحيب، جاء مشروعٌ لأحد الشباب الذي دلَّت جبهتُه العريضة على تمتُّعه بمَلَكةٍ فكرية قوية.

بدأ حديثه: «سيدي، أنا كيميائي، وقد أتيت إليك اليوم بهذه الصفة نفسها.»

«حسنًا!»

قال الكيميائي الشاب: «كان عدد العناصر الأساسية في يوم من الأيام اثنين وستين؛ ثم خُفض عددها منذ مائة عام إلى عشرة؛ والآن لم يبقَ إلا ثلاثة عناصر فقط لا تزال غير قابلة للحل، كما تعلم ذلك.»

«نعم هو كذلك.»

«حسنًا يا سيدي، أنا سأثبت أن هذه العناصر أيضًا مركبة، وفي غضون بضعة أشهر أو بضعة أسابيع سأكون قد نجحت في حلِّ المشكلة؛ بل قد يستغرق ذلك بضعة أيام فقط.»

«وماذا بعد ذلك؟»

«بعد ذلك يا سيدي، سأكون قد توصلت إلى الحقيقة المطلقة. كل ما أريده هو المال الكافي لإجراء أبحاثي؛ حتى أتمكَّن من إتمام المهمة المطلوبة بنجاح.»

قال السيد سميث: «حسنًا، وما الثمار العملية لاكتشافك؟»

«الثمار العملية؟ سيُساعدنا ذلك على إنتاج جميع الأجسام بسهولة، أيًّا كانت، بما يشمل الحجر والخشب والمعادن والألياف …»

قاطعه السيد سميث مستفسِرًا: «واللحم والدم؟ هل تزعم بأنك تتوقع النجاح في تصنيع إنسان بالكامل؟»

«لِمَ لا؟»

وهكذا أمر السيد سميث بصرف دفعةٍ مقدمةٍ قيمتها ١٠٠ ألف دولار للكيميائي الشاب، وكان حلقة وصل بينه وبين مختبر «إيرث كرونيكل»؛ ليتمكَّن من تقديم خدماته.

أما عن المتقدم الثاني من المتقدمين الأربعة الناجحين، فقد بنى مشروعه المقترح على الاستفادة من تجارب بدأ إجراؤها منذ فترة طويلة جدًّا، وتحديدًا منذ القرن التاسع عشر، وأُعيد إجراؤها مرارًا وتكرارًا منذ ذلك الحين؛ إذ تمحورت فكرته الرئيسية حول نقل مدينة بأكملها مرة واحدة من مكان إلى آخر. كان مشروعه يُركِّز بالأخص على مدينة جرانتون الواقعة، كما يعلم الجميع، على بُعد نحو خمسة عشر ميلًا للداخل. وقد اقترح نقل المدينة باستخدام السكك الحديدية وتحويلها إلى منتجع يتميز بالمياه والينابيع العذبة. وسيكون الربح الذي سيَضخُّه هذا المشروع هائلًا بالطبع. افتُتن السيد سميث بهذه الفكرة، فاشترى نصف أسهمه.

بدأ المتقدم الثالث حديثه قائلًا: «كما تعلم سيدي، نحن قادرون بمساعدة المِرْكَمات والمحولات الشمسية والأرضية، على جعل جميع فصول السنة متشابهة. وأنا أقترح أن نفعل ما هو أفضل من ذلك عن طريق تحويل جزء من الطاقة الفائضة الموجودة تحت تصرفنا إلى حرارة، وإرسال هذه الحرارة إلى القطبَين؛ ومن ثَمَّ سيقلل ذلك من القمم الثلجية بالمناطق القطبية، وستصبح مساحةٌ واسعةٌ منها متاحةً للاستخدام البشري، فما رأيك في مخطَّطِ هذا المشروع؟»

«اترك المخطَّط معي، وعُد في غضون أسبوع، وسأكون قد درسته في هذه الأثناء.»

وأخيرًا، أفصح المتقدم الرابع عن حلٍّ مبكر لمشكلة علمية عويصة. الجميع يَتذكرون التَّجرِبة الجريئة التي أجراها منذ مائة سنة الدكتور ناثانيال فيثبيرن؛ إذ كان الطبيب مؤمنًا إيمانًا راسخًا بالسبات البشري؛ أي إنه بعبارة أخرى كان مؤمنًا بإمكانية تعليق وظائفنا الحيوية لفترة من الزمن، ثم تشغيلها مرة أخرى بعد انقضاء هذه الفترة، وكان قد قرَّر إخضاع نظريته للاختبار العملي. وتحقيقًا لهذه الغاية، اختبَر بلا تردُّد النظريةَ على نفسه لإثباتها بعد أن كتب وصيته الأخيرة وترك شرحًا مفصلًا للطريقة الصحيحة لإيقاظه من سباته، وبعد أن أعطى تعليماتٍ بتركه في سباته مدة مائة عام بالضبط من تاريخ موته الظاهري.

أصبح الدكتور فيثبيرن في صورة مومياء؛ إذ كُفِّن ووُضع في القبر، وتعاقبت عليه السنون. كان التاريخ المقرَّر لإحيائه هو ٢٥ سبتمبر ٢٨٨٩، واقترح المتقدم على السيد سميث أن يسمح له بأن يستكمل الجزء الثاني من التجربة التي يتعيَّن إجراؤها في مسكن السيد سميث هذا المساء.

أجاب السيد سميث: «أنا موافق. احضر هنا في العاشرة.» وبهذا اختُتمت المقابلات المقررة في ذلك اليوم.

بعد أن اختلى السيد سميث بنفسه أخيرًا، حلَّ عليه الشعور بالتعب، فاستلقى على كرسي متعدِّد الاستخدامات، وبلمسة مقبض اتصل بقاعة الحفلات الموسيقية الرئيسية؛ حيث يُرسِل أعظم قائدي الفرق الموسيقية توليفاتٍ موسيقية مُتتابعة ومبهجة للمشتركين، مؤلَّفةً على أساس صيغٍ جبرية تستعصي على الفَهْم. كان الليل قد أوشك على الاقتراب، ومن شدة افتتان سميث بالموسيقى التي يسمعها، نسي مراقبة الوقت، ولم يَلحظ أن الظلام آخذ في الازدياد. كان الظلام دامسًا عندما أفاق على صوت الباب وهو يُفتح. سأل وهو ممسك بجهاز المبدل الكهربائي: «مَن هناك؟»

فجأة، ونتيجة للاهتزازات التي أحدثها الجهاز، أُضيء المكان.

«آه! أهذا أنت أيها الطبيب؟»

أجاب: «نعم، كيف حالك؟»

«أنا على ما يرام.»

«حسنًا! اسمح لي أن أفحص لسانك. جيد جدًّا! ونبضك منتظم. وشهيتك؟»

«شهيتي لا بأس بها.»

«نعم، المشكلة تكمن في المعدة؛ فأنت تُفرط في العمل. إذا كانت معدتك تحتاج إلى علاج فيجب أن نعالجها؛ هذا الأمر يتطلب الدراسة، ويجب أن نفكِّر فيه مليًّا.»

قال السيد سميث: «أما الآن فستَتناول العشاء معي.»

وكما كانت الحال في الصباح، خرجت طاولة من الأرض، ومثلما حدث في الصباح، قُدِّم عليها الحساء والمشويات واليخنة والبقوليات من خلال أنابيب الطعام. وقبل أن يوشك السيد سميث على الانتهاء من تناول وجبته، أجرى اتصالًا عن طريق جهاز الفونوتليفوت بباريس. رأى سميث زوجته جالسة وحدها على طاولة العشاء، وتبدو مُتضايقة من وحدتها.

قال لها عبْر الهاتف: «أنا آسف يا عزيزتي لأنَّني تركتك بمفردك؛ فقد كنتُ برفقة الدكتور ويلكنز.»

قالت السيدة سميث وقد تهلَّل وجهها: «آه، الطبيب الفاضل!»

«نعم. لكن لعمرك متى ستعودين إلى المنزل؟»

«هذا المساء.»

«حسنًا. هل ستُسافرين عن طريق الأنابيب الهوائية أم القطار الجوي؟»

«أوه، عن طريق الأنابيب الهوائية.»

«وفي أي ساعة ستصلين؟»

«أظن أنني سأصل في الحادية عشرة تقريبًا.»

«أتقصدين الحادية عشرة بتوقيت سنتروبوليس؟»

«أجل.»

قال السيد سميث: «وداعًا إذًا إلى أن نلتقي بعد قليل.» ثم قطع الاتصال بباريس.

انتهى العشاء وأبدى الدكتور ويلكنز رغبته في المغادرة. وقال السيد سميث: «أتوقع أن تحضر إلى هنا في العاشرة. يبدو أن اليوم سيشهد عودة الحياة للدكتور فيثبيرن الشهير. أنت لم تفكِّر في الأمر من قبلُ على ما أعتقد. سنُوقظه من سباته هنا في بيتي. يجب أن تأتي وتشاهد، وأنا سأُعوِّل على وجودك هنا.»

أجاب الدكتور ويلكنز: «سأعود.»

شغل السيد سميث نفسه في الفترة التي قضاها وحده بمراجعة حساباته؛ وهي مهمة ضخمة تتعلَّق بمعاملات تتضمن إنفاقًا يوميًّا يصل إلى ٨٠٠ ألف دولار. ولحسن الحظ فإن التقدُّم الهائل الذي شهده عالَم الأجهزة الميكانيكية في العصر الحديث جعل هذا الأمر سهلًا نسبيًّا؛ فبفضل الآلة الحاسبة الإلكترونية التي على شكل بيانو، يمكن إجراء أكثر الحسابات تعقيدًا في بضع ثوانٍ. وفي غضون ساعتين أكمل السيد سميث مهمَّته؛ أي في الموعد المناسب بالضبط. ولم يكد ينتهي من قلب الصفحة الأخيرة حتى وصل الدكتور ويلكنز، وأعقب وصوله وصول جثمان الدكتور فيثبيرن، برفقة مجموعة من رجال العلم، وبدءوا العمل من فورهم. وُضع التابوت وسط الغرفة، وأُحضر التليفوت وجُعل في وضع الاستعداد. كان العالم الخارجي، الذي أُبلِغ بالفعل بهذا الحدث، مترقِّبًا بحماس؛ فالعالم كله سيكون شاهد عِيان على تنفيذ هذه التجربة، مع وجود مراسل يعلِّق بالتزامن مع ذلك — مثل جوقة في دراما قديمة — على الحدث ويشرح جميع تفاصيله شفهيًّا عبْر الهاتف.

قال: «إنهم يفتحون التابوت.» والآن يُخرِجون فيثبيرن منه؛ نراه الآن مومياء حقيقية، صفراء اللون ومتيبِّسة وجافة. عندما يَطرقون على الجثمان يَصدُر صوتُ دويٍّ كأنه قالب من الخشب؛ وهُمُ الآن يستخدمون الحرارة، ثم الكهرباء، لكن بلا جدوى. أُوقفت هذه التجارب فترةً من الوقت حتى يَفحص الدكتور ويلكنز الجثمان. يُعلن الدكتور ويلكنز بعد الانتهاء من الفحص أن الرجل ميت؛ فيتعجب جميع الحاضرين ويهتفون: «ميت!» يجيب الدكتور ويلكنز: «نعم … ميت!» ويسألون: «وكم من الوقت لبث ميتًا؟» فيُجرِي الدكتور ويلكنز فحصًا آخَر ثم يجيب: «مائة سنة.»

كان الوضع على النحو الذي وصَفه المراسل تمامًا. كان فيثبيرن ميتًا؛ ميتًا بكل تأكيد! قال السيد سميث للدكتور ويلكنز: «نحتاج إذًا إلى إدخال بعض التحسينات على الطريقة المُتَّبعة.» في حين كانت اللجنة العلمية المَعنية بحالة السُّبات تَحمل التابوت إلى الخارج. وأضاف: «لقد فشلت التجربة، لكن إذا كان فيثبيرن البائس قد مات، فعلى الأقل هو يَنعَم بالنوم. أتمنى لو أنني استطعت الحصول على قسط من النوم؛ فأنا مُتعَب أيها الطبيب؛ متعَبٌ جدًّا! هل تعتقد أن الحيوية ستعود لي إذا أخذت حمامًا منعشًا؟»

«بالتأكيد، ولكن يجب عليك ارتداء ملابس ثقيلة قبل أن تَخرج إلى الرَّدهة؛ فلا يجب أن تعرِّض نفسك للبرد.»

قال السيد سميث: «الرَّدهة؟ أنت تعرف جيدًا أيها الطبيب أن كل شيء تُؤدِّيه الآلات هنا؛ فأنا لن أذهب إلى الحمام، بل هو الذي سيأتيني، انظر!» ثم ضغط على زر. بعد بضع ثوانٍ صدر صوت خافت أخذ يعلو شيئًا فشيئًا؛ وفجأة فُتِح الباب، وظهر حوض الاستحمام.

وهكذا، وفي عام ٢٨٨٩ المبارَك، شهدنا معًا أحداث يوم واحد في حياة رئيس تحرير صحيفة «إيرث كرونيكل»؛ وأحداث هذا اليوم لا تختلف عن أحداث اﻟ ٣٦٥ يومًا الباقية من كل عام، فيما عدا السنوات الكبيسة التي يبلغ عدد أيامها ٣٦٦ يومًا؛ فلم تُبتكر بعدُ وسيلةٌ لزيادة مدة السنوات الأرضية.

ملحوظة من المحرر: نُشرت هذه القصة للمرة الأولى في «المنتدى» في فبراير عام ١٨٨٩، صفحة ٢٦٢. وقد نُشرت في فرنسا في العام التالي. وبالرغم من نشرها باسم جول فيرن، يُعتقد حاليًّا أن أغلبها، إن لم يكن كلها، من إبداع نجل جول، واسمه مايكل فيرن. وعلى أيِّ حال، فإن كثيرًا من الموضوعات المعروضة في هذه القصة تعكس أفكار فيرن. (المصدر: مشروع جوتنبرج: http://www.gutenberg.org/files/19362/19362-h/19362-h.htm.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢