الفصل الثامن والثلاثون

بدأت الحركة النسائية الأمريكية في تاريخ مواكب لتاريخ الحركة النسائية المصرية، ولذلك كان هناك اهتمام بما تحققه المرأة الأمريكية باعتبار أن هذا الدور يعطي صورة واضحة عما يمكن أن ينال اهتمام النساء في دول العالم المتقدم، وما يمكن أن تستفيد منه المرأة المصرية في هذا المجال، ومن هنا كان من الطبيعي أن تهتم الحركة النسائية المصرية بكل مؤتمر وكل إنجاز، وأن تتابع الصحافة المصرية معالم هذه النهضة لتفتح الأعين والأذهان على ما تحققه المرأة لخدمة الحياة العامة والاجتماعية.

وقد اهتمت الصحافة العالمية بالمؤتمر النسائي الأمريكي الذي عقد لمناقشة قضية السلام العالمي، وكتبت الصحف الإنجليزية تحت عنوان «نساء أمريكا ونساء العالم» تشير إلى ذلك المؤتمر الذي حضرته سبعمائة مندوبة من مختلف الولايات يمثلن عشرة ملايين امرأة في تلك البلاد، وقد بحث هذا المؤتمر موقف الحكومة الأمريكية إزاء دول العالم، وانتقد عزلة أمريكا وعدم تعاونها ومشاركتها في السياسة العالمية، وذهب المؤتمر إلى أن هذا الموقف هو الذي يفرض على الشعب الأمريكي بذل النفقات الطائلة لإنشاء أسطول عظيم يرقب الطوارئ ويدفع الملمات.

ومما يدل على أهمية هذا المؤتمر أنه قد حضره المستر دافيز وزير البحرية الأمريكية والأدميرال سكوفيلد بالنيابة عن الأساطيل، وقد ألقى كلاهما خطبة أيد بها سياسة تعزيز الأسطول الأمريكي لأغراض دفاعية فقط، ولكن المؤتمر النسوي استهجن هذا الأسلوب، وأصدر قرارًا بأن الحكومة تسير على خطة من شأنها أن تزيد عوامل القلق وتجعل سلام العالم مهددًا بأعظم الأخطار؛ لأن هذا البرنامج البحري الأمريكي سيزيد المنافسة بين الدول البحرية، وستؤدي الزيادة إلى تعكير جو السلام.

ولعل أهم القرارات التي أصدرها المؤتمر هو تنظيم خطة حملة عامة لتنوير أذهان الشعب الأمريكي وتحريضه على مطالبة الحكومة الأمريكية ببذل جميع المساعي الممكنة لحمل الدول على عقد محالفات متعددة لتحريم الحرب.

وقد وجه المؤتمر خطابًا إلى المستر كوليدج رئيس جمهورية أمريكا، يستحثه به على استئناف المفاوضات مع الدول الأوروبية بقصد انضمام أمريكا إلى المحكمة الدولية.

وقد أثار هذا الموقف بعض الصحف الأمريكية، فانتقدت أعمال المؤتمر وقالت: إن المندوبات اللواتي حضرن المؤتمر لا يحجمن عن التضحية بمصالح الوطن بشرط المحافظة على السلام، وهي خطة لا تتفق مع الكرامة القومية في شيء، وليس للنساء شأن في الأمور الحربية حتى يتعرضن لها.

ولم تصمت المرأة إزاء ذلك … فقد بعثت إحدى المندوبات برسالة إلى الصحيفة جاء فيها: «هناك أمور كثيرة نود نحن معشر النساء أن نعرفها، لقد كنا في الماضي مقيدات بقيود كثيرة، وكان يطلب منا أن نلزم عقر دارنا ونُعنَى بشئون بيوتنا، ولكن ذلك العهد قد انقضى وأصبح للمرأة في هذه البلاد وغيرها حقوق معترف بها، فهل يعاب علينا إذا نحن اهتممنا بمعرفة الأمور التي طالت خبرة الرجال بها، لقد اجتمع منا في هذا المؤتمر تسعمائة مندوبة يمثلن الملايين من النساء الأمريكيات، وإذا تذكرنا أننا شطر الأمة الذي يمد الوطن بالرجال، لم يبق وجه للاعتراض على عملنا … إن خبرتنا بالشئون المنزلية قد علمتنا العناية بالأموال للاحتفاظ بميزانية الأسرة، وهذه الخبرة هي التي تدفعنا إلى الحرص على ميزانية الدولة ومنع كل عبث بها، فنحن نطلب أن نعرف — ولنا الحق أن نعرف — كيف تنفق الأموال وما هي وجوه ذلك الإنفاق.»

طريق السلام

كذلك فقد ألقت المسز شابمان، رئيسة الاتحاد العام للأندية النسوية الأمريكية، خطبة في المؤتمر قالت فيها: «إننا لا نعرف شيئًا يضمن سلام العالم ويقصي شبح الحرب، وإنما نعرف أشياء كثيرة يجب أن نعمل معًا إذا أريد تحقيق تلك الغاية، ومن جملة تلك الأشياء إنشاء نظام يضمن السلام ويوجد الطمأنينة في قلوب الدول ولا سيما الصغرى منها، وإيجاد نظام للفصل في المنازعات الدولية، وترسيخ فكرة السلام في عقول الناس وإزالة جميع عوامل القلق من النفوس، وتعويد الناس هذه الفكرة وهي أن القانون يجب أن يكون فوق القوة، وبذل كل سعي من شأنه تقوية دعائم السلام وترويج الدعوة إليه، وأننا نعتقد اعتقادًا مخلصًا أن السير على هذا السبيل يؤدي حتمًا إلى ضمان السلام وإزالة عوامل القلق من نفوس الناس.

هذا؛ وإن الاتحاد العام للأندية النسوية الأمريكية سيبذل كل جهوده ويعمل بكل قواه على تحقيق السلام العالمي … السلام العادل الذي يشرف كل أمة، ويفسح لها مجال الرقي في ظل المدنية الحقيقية، وهذه مسألة جديرة بأن تسعى كل أمة إلى تحقيقها، وإن على نساء أمريكا تبعة خطيرة لا يستطعن التنصل منها، وهي السعي لضمان السلام العالمي.»

وقد نشرت جريدة السياسة الأسبوعية في عددها الصادر بتاريخ ٢٦ مايو ١٩٢٨ تعليقًا مطولًا على هذا المؤتمر وما دار فيه، وكتبت في نهاية التعليق تقول:

هذه خلاصة موجزة عن المؤتمر النسوي العظيم الذي عقد في أمريكا للدعوة إلى السلام، وهو كما قلنا أعظم مؤتمر نسوي شهده التاريخ، وقد لا نرى له نتائج محسوسة عاجلة ولكن تأثيره في المستقبل سيكون عظيمًا جدًّا، ومن أعظم الأدلة على عظم شأنه واهتمام الحكومة الأمريكية بأمره، حضور وزير الحربية الأمريكية وأحد أمراء البحر جلساته، واشتراكهما في مباحثاته، ولا نستطيع أن نتكهن الآن بما ستكون خطة الحكومة الأمريكية بعد القرارات التي أصدرها المؤتمر، ولكن ما يكاد يكون مؤكدًا أن نساء أمريكا سيواصلن بذل جهودهن في سبيل سلام ورخائه.

السوق الخيرية

كان هذا النبض للحركة النسائية في مختلف أنحاء العالم يصل إلينا، فيدفعنا إلى مزيد من البذل، وكانت الحركة النسائية المصرية تركز على المجال الاجتماعي إلى حد كبير، باعتبار أن أول خطوة على طريق التقدم هي محاربة التخلف وبناء المستقبل السعيد للطفولة.

وتحقيقًا لهذا الهدف، أقامت جمعية الاتحاد النسوي سوقًا خيرية لصالح فتيات المشغل، كما أقامت حفلًا خيريًّا للمساعدة في إعانة الطفل وتحقيق سلامته.

وقد تفضلت الأميرات آمنة إسماعيل وكمال الدين حسين وعفت حسن بافتتاح السوق وتشجيع الفتيات بشراء بعض منتجاتهن، كما تبرعت صاحبة السمو الأميرة أم المحسنين الوالدة ببعض الأموال للجمعية، فضلًا عن مكافأة أربع عشرة فتاة من أوائل الناجحات بأساور وأقراط ذهبية جميلة، كذلك فقد وضع الأمراء آل لطف الله كازينة الجزيرة تحت تصرف الجمعية لإقامة حفلتها الخيرية.

وجدير بالذكر أن كرائم العقائل والآنسات قد تطوعن للظهور في المناظر الحية «التمثيل»، فكان لعلمهن نصيب في نجاح الحفلة وجمال تنسيقها.

وقد اجتمعت جمعية الاتحاد النسوي برئاستي لتقديم الشكر لكل من أسهم في هذا العمل الخيري، وقلنا في البيان الذي أصدرناه بهذه المناسبة:

إن إقبال حضرات الأميرات الكريمات على افتتاح السوق، والمساعدة في إعانة الطفل وسلامته، وحماية الفتاة والعناية بأمرها، يبعث في نفوسنا الأمل، ويقوي في صدورنا العزم، وإن هذا التشجيع الذي تلقاه جمعيتنا من أولي البر والإحسان يشد أزرنا ويدفعنا إلى مضاعفة الجهاد، فنحمد لهن جميعًا سعيهن الجميل، وسنبدأ متى تهيأت لنا الأسباب في تشييد بناء مشغل ومكتب دار الاتحاد النسوي ومستوصفه، ليتسنى لنا توسيع دائرة عملنا في إعداد أمهات كاملات للمستقبل … ومعالجة الأطفال الفقراء، وإرشاد أمهاتهم إلى مبادئ علم الصحة.

ولا يفوتنا أن نشكر حضرات الصحفيين الذين فرضوا على أنفسهم الجهاد في سبيل نشر التعليم وإعلاء شأن الوطن، ونشكر حضرات الآنسة أم كلثوم والأساتذة محمد العقاد ومحمد عبد الوهاب وسامي الشوا لمعاونتهم لنا بإدخال السرور على الذين شرفوا الحفلة.

وهذه التبرعات التي تفضلت بها:
جنيه
١٥٠ الأميرة أم المحسنين الوالدة
١٥٠ الأمير محمد كمال الدين حسين
١٠٠ محمد بك شعراوي
٥٠ الأميرة نعمت مختار
٥٠ الأميرة عزيزة حسن
٣٠ صاحبة العصمة عائشة هانم فهمي
٢٠٠ مسيو هيرمان، من شركة النقل الأمريكية
٢٥ الأميرة خديجة عباس
٢٠ الأمير كمال الدين حسين
١٠ الأمير ميشيل لطف الله
٥ الأميرة فاضلة عزت
٥ قليني باشا فهمي
١ مصطفى النحاس باشا
١ شركة الترام
١٫٥ البنك العثماني
١ مدام موصيري
١ مسيو جوزي كانبري
١ حنا بك باخوم
١ سعيد ذو الفقار باشا
١ إسماعيل سري باشا
٠٫٥ حبيب بك دياب
٦ تبرعات مختلفة

وإلى جانب هؤلاء فقد قدمت للجمعية هدايا من حرم المرحوم الدكتور طلعت باشا، وكريمة إسماعيل صدقي باشا، وكريمة حسين بك عاصم، وكريمات توفيق بك وعلي بك إسماعيل، وحفيدة الهلباوي بك.

هذا؛ وقد تحدثت مجلة «النور» في عددها الصادر بتاريخ ١٠ أبريل ١٩٢٨ عن الدور الذي قام به الاتحاد النسائي من أجل تطوير الحياة الاجتماعية للمرأة، وبخاصة في أوساط الفقيرات … وقالت المجلة:

لحضرة الفاضلة المحسنة الكبيرة هدى هانم شعراوي همة عالية، فهي لا تخطو خطوة ولا تأتي بحركة أو سكون، إلا لتنهض بعمل مفيد يعود على الأمة بالنفع، ناهيك بالمصنع العظيم الذي وهبت له الأموال الطائلة وأنشأته لعمل الخزف وجميع أنواع الصيني وجعلته خاصًّا لتعليم المئات من أبناء الفقراء والأيتام، وفوق ذلك فها هي المجلة الكبرى «المصرية» التي أنشأتها في مصر باللغة الفرنسية للدفاع عن كرامة السيدات المصريات تبرهن على سمو أفكارها، وكم لحضرتها رحلات في عواصم أوروبا وفي أمريكا ولأعظم مؤتمرات السيدات في الغرب، كانت فيها خير مثال لتشريف اسم السيدة المصرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤